النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة الطلاق : الآية ١٢
قال: ((أَتَدْرون ما هذه الأرضُ))؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلم. قال: ((تحتَ ذلك
أرضٌ)). قال: ((أتَدْرون ما(١) بينَهما))؟ قالوا: اللَّهُ [٢٧/٤٨ظ] ورسولُه أعلمُ .
قال: (( بينَهما مسيرةُ خمسِمائة سنةٍ)). حتى عدَّ سبعَ أَرَضِينَ. ثم قال: (( والذى
نفسى بيدِه، لو دُلَّىَ رجلٌ بحبلٍ حتى يبلُغَ أسفلَ الأرضِ ) السابعةِ ، لَهَبَط على
اللَّهِ)). ثم قَرَأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَاُلْأَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ))
(٣)
[ الحديد : ٣] .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ، قال: الْتَّقَى
أربعةٌ مِن الملائكةِ بينَ السماءِ والأرضِ ، فقال بعضُهم لبعضٍ : مِن أين جئتَ ؟ قال
أحدُهم: أَرْسَلَنى ربى مِن السماءِ السابعةِ، وتركتُهُ ثَمَّ . وقال الآخَرُ: أرسَلَنى ربى
مِن الأرضِ السابعةِ وتركتُه ثَمّ . وقال الآخرُ: أُرسَلنى ربى مِن المشرقِ وتركتُهُ ثَمَّ .
و(٤) قال الآخرُ: أرسَلنى ربى مِن المغربِ وتركتُه ثمّ(٥).
وقولُه: ﴿ يَنَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يتنزَّلُ أمرُ اللَّهِ بينَ السماءِ
السابعةِ والأرضِ السابعةِ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثناعيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((كم)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الأرضين)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٩/٢ عن معمر عن قتادة. وتقدم فى ٣٨٦/٢٢.
(٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٠٠/٢ عن معمر عن قتادة .
( تفسير الطبرى ٦/٢٣ )

٨٢
سورة الطلاق : الآية ١٢
قولَه: ﴿ يَتَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾. قال: بينَ الأرضِ السابعةِ، إلى السماءِ السابعةِ(١).
١٥٥/٢٨ / وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُهِ: يَتَزَّلُ(٢)
قضاءُ اللَّهِ وأمرُه بينَ ذلك، كى تَعلموا أيها الناسُ كُنْهَ قُدْرتِه وسُلْطانِهِ، وأنه لا يَتَعَذَّرُ
عليه شىءٌ أرادَه، ولا يَمْتَنِعُ عليه أمرٌ شاءَه، ولكنَّه على ما يشاء قديرٌ، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ
أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولِتَعْلَموا(٢) [٢٨/٤٨ و] أن اللَّهَ بكلِّ شىءٍ
مِن خَلْقِهِ محيطٌ عِلمًا ، لا يَغْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ فى الأرضِ ولا فى السماءِ، ولا
أصغرُ مِن ذلك ولا أكبرُ. يقولُ جلَّ جلالُه: فخافوا أيها(٤) المخالفون أمرَ ربِّكم
عقوبتَه، فإنه لا يَمْنَعُه مِن عقوبتكم مانع، وهو على ذلك قادرٌ، ومحيطٌ أيضًا
بأعمالِكم، فلا يَخْفَى عليه منها خافِيةٌ ، وهو مُخصيها علیکم، ليُجازِيَكم بها ،
يومَ تُجْزِى كلُّ نفسٍ بما كَسَبَتْ .
(١) تفسير مجاهد ص ٦٦٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى م: ((ينزل)).
(٣) بعده فى ص، م، ت٢، ت٣: ((أيها الناس)).
(٤) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: (( الناس)).
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((خاف)).

٨٣
سورة التحريم : الآية ١
تفسير سورة التحريم
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِمُ مَآ أَحَلَ اَللَّهُ لَكِّ تَبْتَغِى
مَرْضَاتَ أَزْوَحِكْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قال أبو جعفرِ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكرُه النبيّه محمدٍ عَ له: يأيُّها النبيُّ المحرِّمُ
على نفسِه ما أحلَّ اللَّهُ له، يَبتغى بذلك مَرْضاةَ أزواجِه، لِمَ تُحرِّمُ على نفسِكَ الحلالَ
الذى أحلَّه اللَّهُ لكَ؛ تلتمسُ بتحريمِكَ ذلك مرضاةَ أزواجِكَ ؟
واختلف أهلُ العلم فى الحلالِ الذى كان اللَّهُ عَزَّ [٢٨/٤٨ ظ] وجلَّ أَحَلَّه
الرسولِه ، فحرَّمه على نفسِه ابتغاء مرضاةِ نسائِه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك ماريةً
مملوكتَه القبطيةَ؛ حرَّمها على نفسِه بيمينِ أنه لا يَقْرَبُها ، طلبًا بذلك رضا حفصةً ابنةٍ
عمرَ زوجتِه؛ لأنها كانت غارتْ بأنْ خلا بها رسولُ اللَّهِ يَّ لِ فى يومِها وفى
حجرتها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ(١) بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقِىُّ ، قال: ثنى ابنُ أبى مَريمَ ، قال : ثنا أبو
غسانَ ، قال: ثنى زيدُ بنُ أسلمَ أنَّ رسولَ اللَّهِ عَّهِ أَصاب أمَّ إبراهيمَ فی بیتِ بعضٍ
نسائِه ، قال : فقالت : أى رسولَ اللَّهِ ، فى بيتى وعلى فراشى! فجعَلها عليه حرامًا ،
فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، كيف تحرّمُ عليكَ الحلالَ؟ فحلَف لها باللّهِ لا يُصيبُها ، فأَنزَل
اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ يََُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَصَلَ اللَّهُ لَكِّ نَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجَِكَّ ﴾. قال
زيدٌ: فقولُه: ((أنتِ علىَّ حرامٌ)). لغوٌ.
(١) فى الأصل: ((عمر)). ينظر تهذيب الكمال ٥٠٣/٢٥ .

٨٤
سورة التحريم : الآية ١
١٥٦/٢٨
/ حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةً، قال: ثنا داودُ بنُّ أبى هندٍ ، عن الشعبىِّ،
قال : قال مسروقٌ: إنَّ النبيَّ عَّ ◌َمِ حرَّم جاريتَه، وَآلَى منها فجعَل الحلالَ حرامًا)،
وقيل فى اليمين: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا سفيانُ، عن داودَ ، عن الشعبىِّ ، عن
مسروقٍ، قال: آَلَى رسولُ اللَّهِ عَ لَّه وحرّم، فعُوتِب فى التحريم ، وأمِر بالكفارةِ فى
(٢)
اليمين(٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ (١) ، عن مالك، عن زيدِ بنِ [٢٩/٤٨ و]
أسلمَ: قال لها: ((أنتِ علىَّ حرامٌ، وواللَّهِ لا أَطَؤُكِ))(٤).
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ
◌ُحُرِّمُ مَآ أَعَلَ اللَّهُ لَكَّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾. قال : كان الشعبىُّ يقولُ : حرّمها
عليه ، وحلَف لا يقربُها ، فعُوتِب فى التحريم ، وجاءت الكفارةُ فى اليمينِ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ وعامٍ الشعبىِّ ،
أَنَّ النبىَّ عَلِّ حرَّم جاريتَه . قال الشعبىُّ: حلَف بيمينٍ مع التحريم، فعاتَبه اللَّهُ فى
التحريم، وجعَل له الكفارةَ فى اليمينِ (٢).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يَأَيُّهَا
(١ - ١) فى الأصل، ص، ت٢، ت٣: ((الحرام حلالا)).
(٢) أخرجه ابن سعد ١٨٦/٨ عن سفيان به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٧/٥، والبيهقى ٣٥٢/٧ من طريق
داود به .
(٣) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((قال: قال ابن زيد)).
(٤) أخرجه مالك - كما فى المدونة الكبرى ٣٩٥/٢ - ومن طريقه ابن سعد ١٨٦/٨.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٠١/٢ عن معمر به، وأخرجه ابن سعد ١٨٦/٨ عن معمر عن قتادة وحده.

٨٥
سورة التحريم : الآية ١
النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكَّ﴾: قال أبى(١): وجَدَتِ امرأةٌ مِن نساءِ رسولِ اللَّهِ عَلَه
رسولَ اللَّهِ عِ لِ مع جاريتِهِ فى بيتِها، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أنَّى كان هذا الأمرُ،
وكنتُ أَهونَهن عليكَ؟ فقال لها رسولُ اللَّهِ يَِّ: ((اسْكُتِى، لا تَذْكُرِى هَذَا
لِأحَدٍ ، هىَ عَلَىَّ حَرَامٌ إِنْ قَرِبْتُهَا بَعْدَ هَذَا أبدًا)). فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، وكيف تُحرِّمُ
عليكَ ما أحلَّ اللَّهُ لك حين(٢) تقولُ: ((هى علىَّ حرامٌ(٢)؟)) فقال: ((واللَّهِ لا آتِيها
أبدًا)). فقال اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَ اللّهُ لَكّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْ وَنَِكَّ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. قد غَفَرَ اللهُ هذا لك، وقولُهُ(٤): ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ
وَاللَّهُ مَوْلَنْكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾﴾ [التحريم: ٢].
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضحاكَ [٢٩/٤٨ظ] يقولُ فى قوله: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَّ﴾: كانت
لرسولِ اللهِ ◌ِّهِ فتاةٌ، فَغَشِيَها، فبصُرت به حفصةُ، وكان اليومُ يومَ عائشةَ، وكانتا
متظاهرتَينِ، فقال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((اكْتُمِى عَلىَّ، ولَا تَذْكُرِى لعائشةَ ما رأيْتِ)).
فذكرتْ حفصةُ لعائشةَ، فغضِبتْ عائشةُ، فلم تزلْ بنبيِّ اللَّهِ وَهِ، حتى حلَف ألَّ
يَقرَبَها (٢) ، فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ، وأمَره أن يُكَفِّرَ عن يمينِهِ، ويأتيَ جاريتَهُ(٥) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، "عن عطاءٍ، عن عامٍ فى قوله: ﴿يَأَيُّهَا
النَِّىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ / لَكَّ﴾: فى جاريةٍ له أتاها، فاطّلعتْ عليه حفصةٌ، فقال: ١٥٧/٢٨
(١) فى م: ((إنه)).
(٢) فى ت١: ((حتى)).
(٣) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((أبدا)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((قولك والله)).
(٥) أخرجه ابن سعد ٢١٣/٨ ، والبيهقى ٣٥٣/٧ من طريق آخر عن الضحاك ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٤٠/٦ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر .
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣. وينظر تهذيب الكمال ٨٦/٢٠.

٨٦
سورة التحريم : الآية ١
((هى علىَّ حرامٌ، فاكتُمى ذلك ولا تخبرى به أحدًا)). فذكَرتْ ذلك.
وقال آخرون: بل حرَّم رسولُ اللَّهِ مَ لِ جاريته، فجعَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ تحريمَه إِيَّاها
بمنزلةِ اليمينِ ، فأَوجَب فيها من الكفارةِ مثلَ الذى أَوجَب فى اليمينِ إذا حنث فيها
صاحبُها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾: أمر اللَّهُ عزَّ وجلَّ النبيَّ عَّه والمؤمنين
إذا حرَّموا شيئًا مما أحلَّ لهم أن يُكفِّرُوا أَيْمانَهم، بإطعام عشرة مساكينَ، أو
كسوتهم، أو تحريرِ رقبةٍ ، وليس يَدخلُ ذلك فى طلاقٍ(١).
حدَّثنی[٣٠/٤٨و] محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمى ، قال : ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِمُ مَآ أَعَلَّ اللَّهُ لَّ ◌َبْتَغِى
مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال: كانت حفصةُ وعائشةُ
مُتحابَّتَين، وكانتا زوجَ النبيِّ ◌َلَه، فذهبتْ حفصةُ إلى أبيها تتحدَّثُ عندَه،
فأرسَل النبىُّ مَ له إلى جاريته، فظلَّت معه فى بيتِ حفصةً، وكان اليوم الذى يأتى
فيه عائشةً، فرجَعت حفصةُ، فوجَدتهما فى بيتِها، فجعَلت تنتظرُ خروجهما ،
وغارت غَيرةً شديدةً، فَأُخرَج رسولُ اللَّهِ مَّ ◌َلِ جاريتَه، ودخَلتْ حفصةُ فقالتْ : قد
رأيتُ مَن كان عندَك، وواللَّهِ لقد سُؤْتَنِى. فقال النبيُّ ◌َهِ: (( واللَّهِ لأَرْضِيَنَّكِ ،
فإِنِّى مُسِرٍّ إليكِ سِرًا فَاحْفَظِيه)). قالت: ما هو؟ قال: ((إنى أُشْهِدُكِ أنَّ سُرِّيَّتِى هذه
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٢) فى ص، م، ت١، ت٣: ((زوجتى))، وفى ت٢: ((زوجتا)).

٨٧
سورة التحريم : الآية ١
علىَّ حرامٌ رِضًا لكِ)). وكانت حفصةُ وعائشةُ تَظَاهَران على نساءِ النبيِّ ◌ِ لّه ،
فانطلقتْ حفصةُ إلى عائشةَ، فأسرَّت إليها أن أبشرى، إن النبيَّ ◌ِ لّه قد حرَّم عليه
فَتَاتَه . فلما أَخْبَرتِ بِرِّ النّبِىِّ مَِّ، أَظهَر اللَّهُ عزَّ وجلَّ النبيَّ ◌َِِّّ، فَأَنزَلَ اللَّهُ على
رسولهِ لما تَظاهَرتا عليه: ﴿ يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَصَلَ اَللَّهُ لَكٌّ ◌َبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَِكَّ﴾
إلى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا هشامٌ الدستوائيُ ، قال : كتَب
إلىَّ يحيى يحدِّثُ [٣٠/٤٨] عن يَعْلَى بنِ حكيم، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، أَنَّ ابنَ عباسٍ
كان يقولُ فى الحرام: يميٌّ يكفِّرُها . وقال ابنُ عباسٍ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. يعنى أن النبىَّ عَ لِ حرَّم جاريتَه، فقال اللَّهُ جلَّ
ثناؤُه: ﴿ يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكٌّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ
فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾. فَكَفَّرِ يمِينَه، فصيّر الحرامَ يمينًا(٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه ، قال: أنبأنا أبو عثمانَ أن
النبىَّ ◌َ ◌ِّ دخَل بيتَ حفصةَ، فإذا هى ليست ثَمّ(٢)، فجاءته فتاتُه، فألقَى عليها
سِتْرًا، فجاءت حفصةُ فقَعَدت على البابِ حتى قَضى رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ حاجته،
فقالت : واللَّهِ لقد سُؤْتَنِى، أَجامَعتَها فى بيتى؟ أو كما قالت . قال: وحرَّمها
رسولُ اللَّهِ عَلِ. أو كما قال.
(١) أخرجه ابن سعد ١٨٥/٨ من طريق شعبة، عن ابن عباس به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٩/٦ إلى
ابن مردويه .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٦/٨ عن المصنف، وأخرجه الدارقطنى ٤ / ٤٠، والبيهقى ٣٥٠/٧ من
طريق يعقوب به، وأخرجه مسلم (١٤٧٣) من طريق إسماعيل ابن علية به ، وأخرجه الطيالسى (٢٧٥٧)،
والبخارى (٤٩١١)، وابن ماجه (٢٠٧٣)، من طريق هشام به ، وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف
(١١٣٦٣)، والبخارى (٥٢٦٦)، ومسلم (١٤٧٣) من طريق يحيى به.
(٣) فى ت١: ((فيه)).

٨٨
سورة التحريم : الآية ١
١٥٨/٢٨
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ يَأَيُهَا النَّبِىُّ لِمَ
◌ُحُرِّمُ مَآ أَحَلَ اللَّهُ لَكَّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. قال: كان حرَّم فتاتَه
القِبْطيةَ أُمَّ ولدِهِ إبراهيمَ ، يُقالُ لها: ماريةُ. فى يومِ حفصةَ، وأسرّ ذلك إليها ،
فأطلَعتْ عليه عائشةَ، وكانتا تَظَاهرانِ على نساءِ النبيِّ عَِّهِ، فأحلَّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ له
ما حرَّم على نفسِه، فأَمِرِ أن يكفِّرَ عن يمينه، وعُوتِب فى ذلك، فقال: ﴿ قَدْ فَرَضَ
اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَئِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ﴾ . قال قتادةُ: وكان الحسنُ
١)
يقولُ: حَرَّمها عليه، فجعَل اللَّهُ فيها كفارةَ يمينٍ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، [٣١/٤٨ و] قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ، أن
النبىَّ عَ لَّهِ حَّمها، يعنى جاريته، فكانت يمينًا (٢).
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبى، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن
الزهرىِّ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: قلتُ لعمرَ بنِ الخطابِ :
مَنِ المرأتان ؟ قال : عائشةُ وحفصةُ . وكان بَدءُ الحديثِ فى شأنٍ أمّ إبراهيمَ القبطيةِ ،
أصابها النبىُّ عَ لِّ فى بيتِ حفصةَ فى يومِها، فوجَدته حفصةٌ ، فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ،
لقد جئتَ إلىَّ شيئًا فرًّا(٢) ، ما جئت إلى أحدٍ من أزواجِكَ ، فی یومی ، وفی دَورِى،
وعلى فراشِى! قال: ((ألا تَوْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أَقْرَبَها؟)). قالتْ: بلى . قال:
فحرَّمها. وقال : ((لا تَذْكُرِى ذلك لأَحَدٍ )). فذكَرتْه لعائشةَ، فأَظهَره اللَّهُ عزَّ وجلَّ
عليه، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿ يَأَيُهَا النَِّىُّ لِمَ نُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكٌّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ
أَزْوَجِكَ﴾. الآيات كلّها. فبلَغنا أن النبيَّ عَظِلِّ كفَّر يمِينَه، وأصاب جاريته(٤).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٠/٦ إلى عبد بن حميد دون قول الحسن .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٠١/٢ عن معمر عن قتادة ..
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٦/٨ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٩/٦ إلى المصنف
وابن المنذر .

٨٩
سورة التحريم : الآية ١
وقال آخرون : بل كان ذلك شرابًا يشربُه، وكان يُعجِبُه ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا أبو داودَ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن قيسٍ بنِ مسلمٍ ، عن
عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ ، قال: نزَلت هذه الآيةُ فى شرابٍ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ
مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَحِكَ
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا أبو قَطَنِ البغدادىُّ عمرُو بنُ الهيثم، قال: ثنا شعبةُ ،
عن قيسٍ بنِ مسلم، عن عبدِ اللهِ بنِ [٣١/٤٨ظ] شدَّادٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال : ثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ ، عن ابنِ أبى
مُلَيْكَةَ ، قال : نزَلت فى شرابٍ .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: كان الذى حرَّمه رسولُ اللَّهِ يَِّ على
نفسِه شيئًا كان اللَّهُ قد أحلَّه له. فجائزٌ أن يكونَ ذلك كان جاريته، وجائزٌ أن يكونَ
كان شرابًا من الأشربةِ ، وجائزٌ أن يكونَ غيرَ ذلك، غير أنه أَّ ذلك كان ، فإنه تحريم
شیءٍ كان له حلالاً ، فعاتبه الله تعالی ذکرُه علی تحریمِه علی نفسِه ما كان قد
أحلَّه ، وبيَّن ◌َحِلَّةَ يمينِه، فى يمينٍ كان حلَف بها مع تحريمِه ما حرَّم على نفسِه .
فإن قال قائلٌ: وما برهانُك على أنه يٍَّ كان حلَف مع تحريمِه ما حرَّم، فقد
عِلِمتَ / قولَ مَن قال: لم يكنْ من النبيِّ ◌َ ◌ِّ فى ذلك غيرُ التحريم، وأن التحريمَ هو ١٥٩/٢٨
اليمينُ؟ قيل: إن البرهانَ على ذلك واضحٌ، وهو أنه لا يُعقلُ فى لغةٍ عربيةٍ ولا
أعجميةٍ ، أن قولَ القائلِ لجاريتِه أو طعام أو شرابٍ : هذا علىَّ حرامٌ . يمينٌ ، فإذا
كان ذلك غيرَ معقولٍ، فمعلومٌ أن اليمينَ غيرُ قولِ القائلِ للشىءِ الحلالِ له : هو علىَّ
حرامٌ . وإذا كان ذلك كذلك صحَّ ما قلنا، وفسَد ما خالَفه .

٩٠
سورة التحريم : الآيات ١ - ٣
وبَعْدُ ، فجائزٌ أن يكونَ تحريمُ النبيِّ ◌َ ظَلِّ ما حرَّم على نفسِه من الحلالِ الذى كان
اللَّهُ عزَّ وجلَّ أحلَّه له بيمينٍ، فيكونَ قولُه: ﴿لِمَ تُحُرِّعُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكِّ﴾ معناه: لِمَ
تحلفُ على الشىءِ الذى قد أحلَّ اللَّهُ ألَّا تقربَه، فتحرِّمَه على نفسِك باليمينِ؟
وإنما قلنا: إن [٣٢/٤٨و] النبيَّ عَ لِ حرَّم ذلك، وحلَف مع تحريمِه؛ لما
حدَّثنی الحسنُ بنُ قَزَعةَ ، قال : ثنا مَسلمُ بنُ علقمةً ، عن داود بنِ أیی هندٍ ، عن
الشعبىِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: آلَى رسولُ اللّهِ وَلَخِ وحرّم، فَأُمِرَ (١ فى
الإيلاءِ) بكفارةٍ، وقيل له فى التحريم: ﴿لِمَ تُحُرِّعُ مَآ أَعَلَ اللهُ لَكٌ﴾(٢).
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ: واللَّهُ غفورٌ ("يا
محمدُ" لذنوبِ التائبين مِن عبادِه " من ذُنُوبِهم"، وقد غفَر لك تحريمَكَ على نفسِكَ
ما أحلَّ اللَّهُ لك، رحيمٌ بعبادِه أن يُعاقبَهم على ما قد تابوا منه من الذنوبِ بعدَ التوبةِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ شِعِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ وَالَهُ مَوْلَكُمْ وَهُوَ
اٌلْعَلِمُ الْحَكِيمُ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: قد بيئن اللَّهُ عزَّ وجلَّ لكم تَلَّةَ
أيمانكم، وحَدَّها لكم أيُّها الناسُ، ﴿ وَاللَّهُ مَوْلَنْكُمْ﴾: يتولاكم بنصرِهِ أَيُّها
المؤمنون، وهو العَلِيمُ بمصالحِ خلقِه ، الحَكِيمُ فى تدبيرِه إياهم ، وصرفِهم فيما هو
أعلَمُ به .
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: [٣٢/٤٨] ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ
(١ - ١) فى الأصل: ((بالإيلاء)).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٧٢)، والترمذى (١٢٠١)، وابن حبان (٤٢٧٨)، والبيهقى ٣٥٢/٧ من طريق
الحسن به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٢/٦ إلى ابن مردويه .
(٣ - ٣) فى الأصل: ((رحيم)).
(٤ - ٤) سقط من : الأصل .

٩١
سورة التحريم : الآية ٣
حَدِيثًا فَلَمَّا نَبََّتْ بِهِ، وَأَظهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ, وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِ فَلَمَّا نَتَأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ
أَنْبَكَ هَذَا قَالَ نَّأَنِىَ اٌلْعَلِيمُ الْخَبِيرُ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكره: وإذ أسَرَّ النبىُ محمدٌ إلى بعضٍ
أزواجِه . وهو فی قول ابن عباسٍ وقتادةً وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمنِ بنِ زیدٍ
والشعبىِّ والضحاكِ بنِ مزاحمٍ: حَقْصةُ. وقد ذكرنا الروايةَ بذلك .
وقولُه: ﴿حَدِيثًا﴾ . والحديثُ الذى أسرَّ إليها فى قولٍ هؤلاءٍ، هو قولُه لمن
أسرَّ إليه ذلك من أزواجِه، تحريمُ فتاتِهِ، أو ما حرَّم على نفسِه، مما كان اللَّهُ عزَّ وجلَّ قد
أحلَّه له، وحَلِفُه على ذلك فى قولِه لها: ((لا تَذْكُرِى ذلك لأحدٍ )).
١٦٠/٢٨
/ وقولُه : ﴿ فَلَمًّا نَبََّتْ بِهِ، ﴾ . يقول تعالى ذكره : فلما أخبرت بالحديثِ الذى
أسرّ إليها رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ صَاحِبَتَها، ﴿ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: وَأَظْهَرِ اللَّهُ نِيَّه
محمدًا عَ لَّه على أنَّها قد أنبأت بذلك صاحبتَها.
وقولُه : ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِ﴾. اختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛
فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ الكسائىِّ: ﴿عَرَّفَ﴾ بتشديدِ الراءِ(١) ، بمعنى: عرّف
النبىُّ عَ لَلِ حفصةَ بعضَ ذلك [٣٣/٤٨و] الحديثِ، وأخبرها به. وكان الكسائىُّ
ذكَّر عن الحسن البصرىِّ وأبى عبد الرحمنِ السُّلَميِّ وقتادةَ، أنهم قرَءوا ذلك:
(عَرَفَ) بتخفيفِ الراءِ(١) ، بمعنى: عرَف لحفصةَ بعضَ ذلك الفعلِ الذى فعَلتْه من
إفشائها سرّه وقد استكْنَمها إيَّه. أى: غَضِب مِن ذلك عليها رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ ،
وجازاها عليه. من قول القائلِ لمن أساء إليه: لأعْرِ فنَّ لك يا فلانُ ما فَعَلْتَ . بمعنى:
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو وحمزة وأبى جعفر ويعقوب وخلف، وقرأ
الكسائى (عَرَف). ينظر النشر ٢٩٠/٢.
(٢) وبها قرأ طلحة وأبو عمرو فى رواية هارون - البحر المحيط ٢٩٠/٨.

٩٢
سورة التحريم : الآية ٣
و
لأَجازِينَّك عليه . وقالوا: وجازاها رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ على ذلك مِن فعلِها بأنْ طلَّقها.
وأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصوابٍ قراءةُ مَّن قرَأَه: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ ﴾
بتشديدِ الراءِ، بمعنى: عرّف النبيُّ ◌َِّلِ حفصةَ. يعنى ما أَظْهَره اللَّهُ عليه مِن حديثِها
صاحبتَها؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليه (١) .
وقولُه: ﴿ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِ﴾. يقولُ: وتَرَك أَنْ يُخبِرَها ببعضِ ذلك.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذْ
أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ، حَدِيثًا﴾: قولُه لها: لا تَذْكُرِيه، ﴿ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ
اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ، وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. وكان كريمًا عليه (١).
وقولُه: ﴿ فَلَمَّا نَبََّهَا بِهِ،﴾. يقولُ: فلما خبّر حفصةَ نبىُ اللَّهِ يَّمِ بما أظهَره
اللَّهُ عزَّ وجلَّ عليه مِن إفشائها سرّ رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ إلى عائشةَ، ﴿ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ
[٣٣/٤٨ظ] هَذّاً﴾. يقولُ: قالت حفصةُ لرسولِ اللَّهِ عَمِ: مَن أنبأك هذا الخبرَ
وأخبرك به؟ ﴿ قَالَ نَبَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: قال محمدٌ نبىُّ اللَّهِ
لحفصةَ : خبَّرنى به العليمُ الخبيرُ، العليمُ بسرائرٍ عبادِه وضمائرٍ قلوبهم، الخبيرُ
بأمورِهم ، الذى لا يَخْفى عليه شىءٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿فَلَمَّا
(١) القراءتان كلتاهما صواب .
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((صلى الله عليه وسلم)). والمراد أن النبى عليه الصلاة والسلام كان كريمًا عليه.

٩٣
سورة التحريم : الايتان ٣ ، ٤
نَّأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَلَ هَذَا﴾: ولم تشكَّ أنَّ صاحبتَها أخبَرت عنها، قال:
◌ْ نَبَأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾)).
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن
تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ
طَهِيرُ
/قال أبو جعفرٍ رحمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكره: إِنْ تتوبا إلى اللَّهِ أَيَّتُها المرأتان، ١٦١/٢٨
فقد مالت قلوبُكما إلى محبةٍ ما كرِهه رسولُ اللَّهِ حِلِّ؛ [٣٤/٤٨و] مِن اجتنابِهِ
جاريتَه وتحريمِها على نفسِه، أو تحريم ما كان له حلالاً مما حرَّمه على نفسِه بسببٍ
حفصةً .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿ إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. يقولُ :
زاغَت قلوبُكما. يقولُ: قد أَثِمت قلوبُكما(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا محمدُ بنُ طلحةً ، عن
زُبَيْدٍ (٢)، عن مجاهدٍ ، قال: كنا نرى أنَّ قولَه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾. (٣ شىء
هَيِّن١ٌ، حتى سمِعتُ قراءةَ ابنِ مسعودٍ : (إِنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُما)(٤).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٦ إلى المصنف وابن مردويه.
(٢) فى ت١: ((زيد)).
(٣ - ٣) فى ت١: ((هى يمين))، وفى ت٢، ت٣: ((شىء عنى).
(٤) تفسير مجاهد ص ٦٦٥ من طريق محمد بن طلحة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٦ إلى
عبد بن حميد .

٩٤
سورة التحريم : الآية ٤
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ
قُلُوبُكُمَا ﴾ . قال : مالت قلوبُكما .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿فَقَدْ صَغَتْ
قُلُوبُكُماً﴾. أى: قد مالت قلوبُكما(١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. يقولُ: زاغَت .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال :
زاغت قلوبكما .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللَّهُ: ﴿ إِن
نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال: سَرَّهما أنْ يجتنبَ رسولُ اللَّهِ صَحِ
جاريته، وذلك لهما موافقٌ، ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [٣٤/٤٨ظ] إلى أنْ سرّهما ما كرِه
رسولُ اللهِ عَهِ.
وقولُه: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للتى أسرّ إليها
رسولُ اللَّهِ عَمِ حديثَه، والتى أفشَت إليها حديثَه، وهما عائشةُ وحفصةُ رضِى اللَّهُ
عنهما.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن
عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبى ثورٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لم أزلْ حريصًا أن أسألَ عمرَ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٠٢/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٦ إلى عبد بن حميد.

٩٥
سورة التحريم : الآية ٤
عن المرأتين مِن أزواج رسولِ اللَّهِ مَ لِ اللَّتين قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ . قال : فحجَّ عمرُ وحجَجْتُ معه ، فلما كان ببعضِ الطريقِ
عدَل عمرُ وعدَلْتُ معه بالإدارةِ ، ثم أتانى فسكبْتُ على يدِه فتوضَّأ ، فقلتُ : يا أميرَ
المؤمنين، مَن المرأتان مِن أزواج النبيِّ ◌َّهِ الَّتَان قال اللَّهُ لهما: ﴿ إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ؟ قال عمرُ: واعجبًا لك يا بنَ عباسٍ . قال الزهرىُّ: وكرِه
واللَّهِ ما سأله عنه / ولم يكْتُمْ. قال: هى حفصةُ وعائشةُ. قال: ثم أخَذ يسوقُ ١٦٢/٢٨
الحديثَ ، فقال: كنا معشرَ قريشِ قومًا نَغلِبُ النساءَ، فلما قدمنا المدينةَ. ثم ذكر
الحديثَ بطولِه(١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا أشهبُ(١) ، عن مالك، عن أبى النضرِ، عن علىٍّ بنِ
حسينٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه سأل عمرَ بنَ الخطابِ عن المتظاهرتَين على رسولِ اللهِ
عَلَه، فقال: عائشةُ وحفصةٌ (٣).
حدثنا يونسُ ، ( قال : أخبرنا ابنُ وهب) ، قال : أخبرنا سفيان، عن يحيى بنِ
سعيدٍ، عن عُبيدِ بنِ محُنينٍ (١) أنه [٣٥/٤٨ و] سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: مكَثتُ سنةً وأنا أريدُ
أن أسألَ عمرَ بنَ الخطابِ عن المتظاهرتين فما أجدُ له موضعًا أسألُه فيه، حتى خرَج
حاجًا وصحبته، حتى إذا كان بمَرِّ الظّهرانِ ذهَب حاجته ، وقال : أُدْرِ كُنی بإداوةِ مِن
(١) أخرجه ابن سعد ١٨٢/٨، وأحمد ٣٤٦/١ (٢٢٢)، ومسلم (٣٤/١٤٧٩)، والترمذى (٣٣١٨)،
وابن حبان (٤٢٦٨)، والبيهقى ٣٧/٧ من طريق معمر به، وأخرجه البخارى (٢٤٦٨)، والنسائى (٢١٣١)،
والبغوى فى تفسيره ١٦٥/٨ من طريق الزهرى به .
(٢) فى الأصل: ((ابن شهاب))، وفى م: ((ابن أشهب)). وينظر تهذيب الكمال ١٠٧/٢٧.
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٦١٠) من طريق مالك به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٩/٦ إلى
ابن المنذر .
(٤ - ٤) سقط من : الأصل .
(٥) فى الأصل: ((حسن))، وفى ت٢، ت٣: ((جبير)). وينظر تهذيب الكمال ١٩٧/١٩.

٩٦
سورة التحريم : الآية ٤
ماءٍ. فلما قضَى حاجتَه ورجَع أتيتُه بالإدارةِ أصبُها عليه ، فرأيتُ موضعًا، فقلت :
يا أميرَ المؤمنين، مَن المرأتان المتظاهرتان على رسولِ اللَّهِ مَّ ◌َهِ؟ فما قضَيْتُ كلامى
حتى قال : عائشةُ وحفصةٌ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عمرُ بنُ يونسَ، قال: ثنا عكرمةُ بنُ
عمارٍ، قال : ثنا سماكٌ أبو زُمَيلِ ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ ، قال: ثنى عمرُ بنُ
الخطابِ، قال: لما اعتزَل نبىُ اللَّهِ مَِّهِ نساءَه، دخَلْتُ عليه وأنا أرى فى وجْهِه
الغضبَ ، فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ، ما شقَّ عليك مِن شأنِ النساءِ، فلئن كنتَ طلّقْتَهنَّ
فإن اللَّهَ معك، وملائكته، وجبريلَ وميكائيلَ، وأَنا وأبو بكر معك، وقلَّما
تكلَّمتُ - وأحمدُ اللَّهَ - بكلام، إلا رجَوْتُ أن يكونَ اللَّهُ مصدِّقَ قولى، فنزَلت
هذه الآيةُ؛ آيةُ التخييرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ، إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجَا خَيْرً مِّنْكُنَّ﴾
[التحريم: ٥]، ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ﴾ الآية. وكانت عائشةُ
ابنةُ أبى بكرٍ وحفصةُ تظاهران على سائرِ نساءِ النبيِّ ◌َّ(١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: على معصيةِ النبيِّ عَ لِّ وأذاه.
[٣٥/٤٨ظ] حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : قال ابنُ
ءُ
عباسٍ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، إنى لأُريدُ أنْ أسألَك عن أمرٍ ، وإنى لأهابُك. قال : لا
تهبنى(٣). فقال: مَن اللَّتان تظاهرتا على رسولِ اللَّهِ صَالِ؟ قال: عائشةُ وحفصةُ .
(١) أخرجه ابن سعد ١٨٥/٨، والبخارى (٤٩١٥)، ومسلم (٣٣/١٤٧٩) من طريق سفيان به ، وأخرجه
مسلم (٣١/١٤٧٩) من طريق ابن وهب ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى به .
(٢) أخرجه مسلم (٣٠/١٤٧٩)، والبغوى فى تفسيره ١٦٧/٨ من طريق عمر بن يونس به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢٤٢/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه .
(٣) فى الأصل: ((تهابنى)).

٩٧
سورة التحريم : الآية ٤
وقولُه: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ﴾. يقولُ: فإنَّ اللَّهَ هو وليُه وناصرُهُ عليهما.
وعلى كلِّ مَن بغاه سوءًا، ﴿وَجِبْرِيلُ﴾. يقولُ: وجبريلُ أيضًا وليُّه وناصرُه() .
،
وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . يقولُ: وخيارُ المؤمنين أيضًا مولاه وناصرُه .
وقيل : مُنِى بصالحِ المؤمنين فى هذا الموضع أبو بكرٍ وعمرُ رضِى اللَّهُ عنهما.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُ بنُ الحسينِ (١) الأزدىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ ، عن عبدِ الوهابِ ،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَّ﴾. قال: عمرُ(٣).
/حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن ١٦٣/٢٨
الضحاكِ فى قولِه: ﴿ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: خيارُ المؤمنين؛ أبو بكرٍ الصدِّيقُ
(٤)
وعمرُ .
حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى(٥) إسرائيلَ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى السّينانىُ ، مِن
قريةٍ بمروٍ ، يقالُ لها: سِيتانُ(١) . عن عبيدِ بنِ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ
مزاحمٍ يقولُ فى قوله: ﴿وَصَِحُ الْمُؤْمِنَّ﴾ . قال : أبو بكرٍ وعمرُ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الحسن)).
(٣) فى م: ((وأبو بكر وعمر)).
والأثر أخرجه أحمد فى فضائل الصحابة (٣٠٥) من طريق يحيى بن يمان به. وينظر زاد المسير ٣١٠/٨.
(٤) ينظر تفسير ابن كثير ١٩٢/٨.
(٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٦) فى الأصل، ت١، ت٢، ت٣: ((الشيبانى)). ينظر تهذيب الكمال ٢٥٤/٢٣.
(٧) فى ت٢، ت٣: ((شيبان)).
( تفسير اللبرى ٧/٢٣ )

٩٨
سورة التحريم : الآية ٤
الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَّ﴾. يقولُ: وخيارُ المؤمنين.
وقال آخرون : عُنى بصالح المؤمنين الأنبياءُ صلواتُ اللَّهِ عليهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٣٦/٤٨و] حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينِّ﴾. قال: هم الأنبياء.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قوله :
﴿ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينٌّ﴾. قال: هم الأنبياءُ(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَّ﴾ .
قال: الأنبياءُ(٢).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنَّ قولَه: ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وإن
كان فى لفظٍ واحدٍ ، فإنه فى معنى الجمع، وهو بمعنى قوله: ﴿ إِنَّ اُلْإِنْسَنَ لَفِى
خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. فـ ((الإنسانُ)) وإنْ كان فى لفظٍ واحدٍ ، فإنه بمعنى الجمعِ،
ونظيرُ قولِ الرجلِ: لا يَقْرَيَنِّى (٤) إلا قارئَ القرآنِ. فقارئُ القرآنِ وإن كان فى اللفظِ
واحدًا ، فمعناه الجمعُ؛ لأنه قد أَذِن لكلِّ قارئ القرآنَ أنْ يقْرِيَه، واحدًا كان أو
جماعةً .
وقولُه: ﴿وَالْمَلَّتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. يقولُ: والملائكةُ مع جبريلَ وصالحِ
المؤمنين لرسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ أعوانٌ على مَن آذاه وساءَه وأراد مَساءتَه .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٠٢/٢ عن معمر به .
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٨٩/١٨.
(٣) بعده فى الأصل: ((نظير)).
(٤) فى م: ((تقرین)). يقال: الإنسان يقرى فلانًا بقوله، ويقترى سبيلاً، ويقروه، أى: يتبعه . اللسان (قرى).

٩٩
سورة التحريم : الآيتان ٤، ٥
والظهيرُ فى هذا الموضعِ بلفظٍ واحدٍ فى معنى جمعٍ، ولو أُخرِج بلفظِ الجمعِ
القيل : والملائكةُ بعدَ ذلك ظُهراءُ.
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا به يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ،
قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَِحُ
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: وبدأ بصالح المؤمنين هلهنا قبلَ الملائكةِ، قال: ﴿ وَالْمَلَتِكَةُ بَعْدَ
ذَلِكَ ظَهِيرُ﴾ .
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿عَسَى رَبُُّ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجَا خَيْرًا
مِنْكُنَّ [٣٦/٤٨ ظ] مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَتٍ قَئِنَاتٍ تَّبَتٍ عَبِدَاتٍ سَيِحَتٍ ثَبِّبَتٍ وَأَبْكَارًا
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ : يقولُ تعالى ذكره: عسى ربُّ محمدٍ إِنْ طلّقكنَّ
معشرَ أزواج محمدٍ عَّمِ أنْ يُبْدِلَه منكنَّ أزواجًا خيرًا منكنَّ.
وقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ صَ لِ تحذيرًا مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ نساءَه
لمَّا اجتمَعْن عليه فى الغَيرةِ .
/ذكرُ مَن قال ذلك
١٦٤/٢٨
حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قالا: ثنا هشيمٌ ، قال : أخبرنا حميدٌ
الطويلُ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: اجتمَع على رسولِ اللهِ عَ ل
نساؤه فى الغَيرةِ ، فقلتُ لهنَّ: عسى ربُّه إن طلَّقكم أنْ يُبْدِلَه أزواجًا خيرًا منكنَّ.
قال : فنزَل كذلك(٢).
حدَّثنا يعقوبُ، قال : ثنا ابنُ عليةً، عن حميدٍ ، عن أنسٍ، عن عمرَ، قال :
(١) فى الأصل: ((هشام)).
(٢) أخرجه النسائي (١١٦١١) عن يعقوب به ، وأخرجه البخارى (٤٩١٦) من طريق هشيم به.

١٠٠
سورة التحريم : الآية ٥
بلَغنى عن بعضِ أمهاتِنا ، أمهاتِ المؤمنين، شدَّةٌ على رسولِ اللَّهِ عِلّهِ، وأذاهُنَّ إِيَّاه ،
فاستَقْرِيْتُهنَّ امرأةً امرأةً، أعظُها وأنهاها عن أذى رسولِ اللَّهِ مَامِ، وأَقولُ: إن أَبَيْثُنَّ
أبدَله اللَّهُ خيرًا منكنَّ. حتى أتيتُ - حسِبتُ أنه قال : على زينبَ - فقالت : يا بنَ
الخطاب، أما فى رسولِ اللَّهِ مَّهِ ما يعِظُ [٣٧/٤٨و] نساءَه حتى تَعِظَهنَّ أنت؟
فأمسَكْتُ ، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ هذه الآيةَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا
خَبْرًا مِنْكُنَّ﴾ .
حدّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبی عدئٍّ ، عن حميد ، عن أنس ، قال : قال عمرُ
ابنُ الخطابِ: بلَغنى عن أمهاتِ المؤمنين شىءٌ، فاستَقْرِئْتُهنَّ أقولُ: لَتَكْفُّنَّ عِن
رسولِ اللَّهِ مْظِّمِ أو ليُبدِلَنَّ اللَّهُ أزواجًا خيرًا منكنَّ، حتى أتيتُ على إحدى أمهاتٍ
المؤمنين، فقالت: يا عمرُ، أما فى رسولِ اللهِ عَلَّمِ ما يَعِظُ نساءَه حتى تعِظَهنَّ أنت؟
فكفَفْتُ ، فأنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ، أَزْوَجًا
خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَتٍ﴾ الآية(١).
واختلفتِ القرأةِ فى قراءةٍ قولِه: ﴿أَن يُبْدِلَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ قرأةٍ مكةَ
والمدينةِ والبصرةِ بتشديدِ الدالِ: ( يَُدِّلَه أزواجًا) مِن ((التبديل))(١). وقرَأَته عامةُ قرأةٍ
الكوفةِ: ﴿ يُبْدِلَهُ﴾ بتخفيفِ الدالِ من ((الإبدالِ))(٢).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى،
فبأيَّتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿مُسْلِمَتٍ﴾ . يعنى: خاضِعاتٍ للَّهِ بالطاعةِ، ﴿مُؤْمِنَتٍ﴾ . يعنى :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ١٩٢/٨ - من طريق حميد به.
(٢) قرأ بها نافع وأبو عمرو وأبو جعفر. ينظر النشر ٢٣٦/٢.
(٣) قرأ بها ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف . ينظر المصدر السابق .