النص المفهرس
صفحات 1-20
تفسِّيُ الطَّيُرى جَامِعُ الْبَيّانِّ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرَآنِ لِأَبِ جَعَفَرَ حَدِبنِ جَرِيرِ الطَّبَرِيّ (٢٢٤ هـ - ٣١٠ هـ ) تحقيق الدكتور عبدالَمد بن عبد الحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر الدكتور/ عبد السنة حسن يمامة الجزء الثالث والعشرون هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة ت : ٣٢٥١٠٢٧ مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦ تَفِيُ الطَّيْرِىّ جَامِعُ الَّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَى الْقُرآنِ 1 ٥ سورة التغابن : الآيتان ١، ٢ تفسيرُ سورةٍ («التغابنِ)) القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُرُ يقولُ تعالى ذكره : يَسْجُدُ له ما فى السماواتِ السبع وما فى الأرضِ مِن خلقِه ويُعَظِّمُه . وقولُه: ﴿لَهُ اُلْمُلْكُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: له ملكُ السماواتِ والأرضِ وسلطانُهما (١) ، ماضٍ قضاؤه فى ذلك كلِّه، نافذٌ فيه أمرُه. وقولُهُ : ﴿ وَلَهُ الْحَمْدٌ﴾. يقولُ: وله حمدُ كلِّ ما فيها مِن خلقٍ ؛ لأن جميعَ مَن فى ذلك مِن الخلقِ لا يَعْرِفون الخيرَ إلا منه، وليس لهم رازقٌ سواه ، فله حمدُ جميعِهم، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: وهو على كلِّ شىءٍ ذو قدرةٍ. يقولُ: يَخْلُقُ ما يشاءُ ويُمِيتُ مَن يشاءُ، ويُغْنِى مَن أراد ويُفْقِرُ مَن يشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلَّ مَن يشاءُ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شىءٌ أراده؛ لأنه ذو القدرةِ التامةِ التى لا يُعْجِزُه معها شىءٌ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَّكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ يقولُ تعالى ذكره: اللَّهُ ﴿ الَّذِى خَلَقَكُمْ ﴾ أيُّها الناسُ، وهو مِن ذكرِ اسمِ اللَّهِ ، ﴿فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: " فمنكم كافرٌ بخالقِه وأنه خلَقَه ، ﴿ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ(١): ومنكم مُصَدِّقٌ به مُوقِنٌ أنه خالقُه وبارتُه، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا (١) فى النسخ: ((سلطانه)). والمثبت أنسب للسياق، وينظر ما سيأتى ص١١٨ .. (٢ - ٢) سقط من: ت ١. ٦ سورة التغابن : الآيتان ٢، ٣ تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ الذى خَلَقَكم بصيرٌ بأعمالِكم، عالمٌ بها ، لا يَخْفَى عليه منها شىءٌ، وهو مُجازِيكم بها ، فاتَّقوه أن تُخالِفوه فى أمرِه أو نهيِهِ، فيَسْطُوَ بكم. حدَّثنا محمدُ بنُ منصورِ الطُّوسىُّ، قال: ثنا حسنُ بنُ موسى الأَشْيَبُ(١)، قال : ثنا ابنُ لَهيعةَ، قال: ثنا بكرُ بنُ سَوَادةَ ، عن أبى تَميم الجَيْشانىِّ(٢)، عن أبى ذَرٍّ، ١٢٠/٢٨ قال: إن المَنِيَّ إذا مكَث فى الرحم أربعين ليلةٌ ، أَتَى مَلَكُ /النفوسِ ، فعرج به إلى الجبارِ فى راحتِه ، فقال: أيْ ربِّ، عبدُك هذا ذكر أم أنثى؟ فيَقْضِى اللهُ إليه ما هو قاضٍ، ثم يقولُ : أَىْ ربِّ، أشقىّ أم سعيدٌ؟ فيَكْتُبُ ما هو لاقٍ. قال: وقرَأ أبو ذرًّ فاتحةً ((التَّغابُنِ)) خمسَ آياتٍ(٢) . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالَّْ وَصَوَّرَّكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يقولُ تعالى ذكرُه: خَلَق السماواتِ [١/٤٨و] السبعَ(*) والأرضَ بالعدلِ والإنصافِ، ﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾. يقولُ: ومثَّلكم فأحسَن مَثلَكم. وقيل: إنه عُنِى بذلك تصویرُه آدمَ ، وخلقُه إياه بیدِه . ذکر مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن (١) فى ت ٢، ت ٣: ((الأشعث)). وينظر نزهة الألباب ١/ ٧٨. (٢) فى ت ٢، ت ٣: ((الخيشانى)). وينظر الأنساب ١٤٤/٢. (٣) أخرجه الفريابى فى القدر (١٢٣) من طريق ابن لهيعة به، وأخرجه الدارمى فى الرد على الجهمية ص ٢٥ من طريق ابن لهيعة به مرفوعًا ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه . (*) من هنا تبدأ قطعة من الجزء الثامن والأربعين من نسخة جامعة القروبين والمشار إليها بالأصل . ٧ سورة التغابن : الآيات ٣ - ٦ أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ بِالْقِّ وَصَوَّرَّكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ ﴾ قال : يعنى آدمَ ؛ خلَقَه بيده . وقولُه: ﴿ وَإِلَيَّهِ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وإلى اللَّهِ مَرْجِعُ جميعِكم أيُّها الناسُ. القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا نُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٤ قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: يَعْلَمُ ربُّكم أيُّها الناسُ ما فى السماواتِ السبع والأرضِ مِن شىءٍ، لا يَخْفَى عليه مِن ذلك خافيةٌ، ويعلَمُ ما تُسِرُّون أيُّها الناسُ فى أنفسكم) مِن قول وعمل ، وما تُغْلِنونَ مِن ذلك فتُظْهِرونه ، ﴿ وَلَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: [١/٤٨] واللَّهُ ذو علمٍ بضمائرِ صدورِ عبادِه، وما تَنْطَوِى عليه نفوسُهم الذى هو أخْفَى من السرِّ، لا يَعْزُبُ عنه شىءٌ مِن ذلك. يقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه: اخْذَرُوا أن تُسِرُوا غيرَ الذى تُعْلِنون ، أو تُضْمِروا فى أنفسِكم غيرَ الذى تُبْدُونه، فإن ربّكم لا يَخْفَى عليه مِن ذلك شىءٌ ، وهو مُخْصٍ جميعَه، وحافظٌ عليكم كلَّه. القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ أَلَّ يَأْتِكُمْ نَبُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَِّتِ فَقَالُواْ أَبْشَرٌ مَدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّا وَاسْتَغْنَ اَللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ أَغْرِهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُ قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ: ألم بأْنِكم أيُّها الناسُ خبرُ الذين كفروا مِن قبلِكم ؛ وذلك كقومٍ نوح وعادٍ وثمودَ وقومِ إبراهيمَ وقومِ لوط، ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: فمسَّهم عذابُ اللَّهِ إياهم على كفرِهم، ﴿ وَلَمُمْ عَذَابٌ (١ - ١) فى الأصل، ص، م، ت ١: ((بينكم)). ٨ سورة التغابن : الآيات ٥ - ٧ أَلِيمٌ﴾ . يقولُ: ولهم عذابٌ مُوجِعٌ يومَ القيامةِ فى نارٍ جهنمَ ، مع الذين أذاقهم اللَّهُ فی الدنیا وَبالَ کفرِهم. ١٢١/٢٨ /وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتَ تَّأْنِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَتِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: هذا الذى نال(١) الذين كفروا مِن قبلٍ(*) هؤلاء المشركين مِن وَبالِ كفرِهم، والذى أُعَدَّ لهم ربُّهم يومَ القيامةِ مِن العذابِ - مِن أجلِ أنه كانت تَأْتيهم رسلُهم بالبيناتِ ، الذين أرْسَلَهم إليهم ربّهم بالواضحاتِ مِن الأدلةِ والأعلام على حقيقةِ ما يَدْعُونهم إليه، فقالوا لهم: ﴿أَبَشَرٌ ◌َهَدُونَنَا﴾؟! اسْتِكْبَارًا منهم أن تكونَ رسلُ اللَّهِ إليهم بشرًا مثلَهم ، واستكبارًا عن اتباع الحقِّ ، من أجلٍ أن بشرًا مثلَهم دعاهم إليه . وجمَع الخبرَ عن البشرِ، فقيل: ﴿ يَدُونَنَا﴾. ولم يُقَلْ: يَهْدِينا. لأن البشرَ وإن كان فى لفظِ الواحدِ ، فإنه بمعنى الجميعِ . وقولُه: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَواْ ﴾. يقولُ : فكفَروا باللّهِ ، وجحَدوا رسالةً رسلِه الذين بعثهم اللَّهُ إليه استكبارًا، ﴿وَتَوَلَّواْ﴾. يقولُ: وأَدْبَروا عن الحقِّ فلم يَقْتَلوه، وأعْرَضوا عما دعاهم إليه رسلُهم ، ﴿ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾. يقولُ: واسْتَغْنَى اللَّهُ عنهم، وعن إيمانِهم به وبرسلِهِ، ولم تَكُنْ به إلى ذلك منهم حاجةٌ، ﴿ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ . يقولُ: واللَّهُ غنىٌ عن جميع خلقِه، محمودٌ عندَ جميعِهم بجميلٍ أياديه عندَهم، و کریم فعالِه فیھم . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُواْ قُلْ بَى وَرَبٍ لَُعَثُنَّ ثُمَّ لَُّوُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ (١) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((قال)). (*) من هنا يبدأ خرم فى نسخة جامعة القروبين المشار إليها بالأصل ينتهى ص ٢٢ . ٩ سورة التغابن : الآيات ٧ - ٩ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿زَعَمَ﴾ الذين كفروا باللّهِ أن لن يَبْعَثَهم اللَّهُ إليه مِن قبورِهم بعدَ ثَماتِهم . وكان ابنُ عمرَ يقولُ: ﴿زَعَمَ﴾ کُنيةُ الكذبِ . حدَّثنی بذلك محمدُ بنُ نافع البصرىُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدیٍّ ، عن سفيانَ ، عن بعضٍ أصحابِهِ ، عن ابنِ عمرَ . وقولُه: ﴿قُلٌ بَلَى وَرَبِّ لَنْتُعَنُنَّ﴾. يقولُ لنبيّه محمدٍ عَ لَّه: قلْ لهم يا محمدُ: بلى وربى لَتُبْعَثُنَّ مِن قبورٍ كم ، ﴿ ثُمَ لََْنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾. يقولُ: ثم ◌َتُخْبَوُنَّ بأعمالِكم التى عمِلْتُموها فى الدنيا، ﴿ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . يقولُ: وبعثُكُم مِن قبورٍ كم مِن بعدِ ماتِكم على اللَّهِ سهلٌ هِيِّنٌ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنزَلْنَاْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِرٌ ٨ يقولُ تعالى ذكره: فصدِّقوا [٩٧٠/٢و] باللّهِ وبرسوله أيُّها المشركون المكذِّبون بالبعثِ ، وبإخبارِه إياكم أنكم مبعوثون مِن بعدٍ مماتِكم وأنكم مِن بعدٍ بلائِكم تُنْشَرون مِن قبورِ كم ، ﴿ وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنزَلْنَا﴾. يقولُ: وَآمِنوا بالنورِ الذى أَنْزَلْنا، وهو هذا القرآنُ الذى أَنْزَله اللَّهُ على نبيّه محمدٍ عَظ ◌َه، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها الناسُ ذو خبرةٍ، مُحيط بها، مُخْص جميعَها ، لا يَحْفَى عليه منها شىءٌ، وهو مُجازِيكم على جميعِها . / القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَّعْ ذَلِكَ يَوْمُ النََّابُنِّ وَمَن ١٢٢/٢٨ يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَبَِّائِهِ، وَيُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَحِنِهَا الْأَنْهَارُ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٦ إلى المصنف. ١٠ سورة التغابن : الآية ٩ ٩ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بِما تَعْمَلون خبيرٌ، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَنَّعْ﴾: ليومٍ تُجمَعُ الخلائقُ للعَرْضِ، ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾. يقولُ: الجمعُ يومَ غَبْنِ أهلِ الجنةِ أهلَ النارِ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابِ﴾. قال: هو غَبْنُ أهلِ الجنةِ أهلَ النّارِ(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَنَعْ﴾: هو يومُ القيامةِ، وهو يومُ التغابنِ، يومُ غَبنِ أهلِ الجنةِ أهلَ النارِ (١). حدَّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه وحذَّره عبادَه(٣). وقولُه: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُصَدِّقْ باللَّهِ ، ويَعْمَلْ بطاعتِهِ، ويَنْتَهِ إلى أمرِهِ ونهيهِ، ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيَِّائِهِ ﴾. يقولُ: يَمْحُ (١) تفسير مجاهد ص ٦٦٢، ومن طريقه عبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ٣٤٣/٤، وابن أبى شيبة ٥٠٩/١٣ من طريق آخر عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٦ إلى الفريابى وابن المنذر . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٦ إلى عبد بن حميد. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . ١١ سورة التغابن : الآيات ٩ - ١١ عنه ذنوبَه، ﴿ وَيُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحِنِهَا الْأَنْهَرُ﴾. يقولُ: ويُدْخِلْه بساتينَ تَجْرِى مِن تحتٍ أشجارِها الأنهارُ. وقولُه: ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدَّأَ﴾. يقولُ: لابثين فيها أبدًا، لا يموتون ، ولا يخرجون منها . وقولُه: ﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: خلودُهم فى الجناتِ التى وصَفْنا ، النَّجاءُ العظيمُ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَآ أُوْلَتِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يقولُ تعالى ذكره : والذين جحدوا وحدانيةَ اللَّهِ ، وكذَّبوا بأدلتِه وحججِه وآي كتابِهِ الذى أَنْزِلَه على عبدِه محمدٍ عَه، ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكثين فيها أبدًا، لا يموتون فيها، ولا يَخْرُجون منها، ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس الشىءُ الذى يُصارُ إليه جهنّمُ . /القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنُ ١٢٣/٢٨ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُمْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ يقولُ تعالى ذكره: لم يُصِبْ أحدًا مِن الخلقِ مصيبةٌ ، ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهُ ﴾ يقولُ: إِلا بقضاءِ اللَّهِ وتقديرِه ذلك عليه، ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. يقولُ: ومن يُصدِّقْ باللَّهِ فِيَعلَمْ أنه لا أحدَ تُصِيبُه مصيبةٌ إلا بإذنِ اللَّهِ بذلك، ﴿ يَهْدِ قَلْبَهُمْ﴾ . يقولُ: يوفِّقِ اللَّهُ قلبَه بالتسليمِ لأمرِهِ، والرضا بقضائه. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ١٢ سورة التغابن : الآية ١١ ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنی علیّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ ج قولَه: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدٍ قَلْبَهُ﴾ . يعنى: يهدِ قلبَه لليقينِ، فيعلمْ أنَّ ما أصابه لم يكن لِيُخْطِئَه، وما أخْطأه لم يكنْ لِيُصِيبَه(١). حدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الوَشَّاءُ الأوْدِىُّ، قال : ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ، عن الأعمش، عن أبى ◌َئْيانَ، قال: كنا عندَ علقمةَ، فَقُرِئ عندَه هذه الآيةُ: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُمْ﴾. فسُئل عن ذلك، فقال: هو الرجلُ تُصِيبُه المصيبةُ ، فيعلمُ أنَّها مِن عندِ اللَّهِ، فيُسلِّمُ لذلك(٢) وتَرْضَى . حدَّثنى عيسى بنُ عثمانَ الرملىُّ ، قال : ثنا يحيى بنُ عيسى ، عن الأعمشِ، عن أَبِى ظَيْيانَ ، قال: كنتُ عندَ علقمةَ وهو يَعرِضُ المصاحفَ، فمرّ بهذه الآيةِ: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهُ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال: هو الرجلُ. ثم ذكَر نحوَه . حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو عامرٍ ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ ، عن أبى ظَبْيَانَ، عن علقمةَ فى قوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهُ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُمْ﴾. قال: هو الرجلُ تُصِيبُه المصيبةُ، فيعلمُ أنَّها مِن اللَّهِ فيسلِّمُ لها (٣) ويَرْضَى (٢). (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٦ إلى المصنف وابن المنذر. (٢) فى ت ٢: (( لها)). (٣) أخرجه عبد بن حميد والفريانى - كما فى تغليق التعليق ٣٤٢/٤ - من طريق سفيان الثورى به ، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٢٩٥، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ١٦٣/٨ - والبيهقى فى الشعب (٩٩٧٦) من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٦ إلى ابن المنذر. ١٣ سورة التغابن : الآيات ١١ - ١٤ حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى ابنُ مهدىٍّ، عن الثورىِّ، عن الأعمش، عن أبى ظَئِيانَ ، عن علقمةَ مثلَه، غيرَ أنه قال فى حديثِهِ : فيعلمُ أنَّها مِن قضاءِ اللَّهِ ، فَيَرْضَى بها ويُسلِّمُ . وقولُه: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بكلِّ شىءٍ ذو علم، بما كان ويكونُ ، وما هو كائنٌ مِن قبلٍ أن يكونَ . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولْ فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَإِنَّمَا اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ ١٣ اٌلْمُؤْمِنُونَ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ ﴾ أيُّها الناسُ فى أمرِه ونهيِه، ﴿ وَأَطِيعُواْ اُلرَّسُولُ﴾ وَه، ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾: فإن أدْبَوتم عن طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولِه، ١٢٤/٢٨ مُشْتَكْبرين عنها ، فلم تُطِيعوا اللَّهَ ولا رسولَه، فليس على رَسُولِنا محمدٍ إلَّ البَلَاُ المُبِينُ أنه بلاٌ إليكم لما أرسَلْتُه به . يقولُ جلَّ ثناؤه: فقد أعذَر إليكم بالإبلاغ، واللَّهُ ولىُّ الانتقامِ ممن عصاه، وخالَف أمرَه وتولَّى عنه . اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: معبودُكم أيُّها الناسُ معبودٌ واحدٌ ، لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِهِ، ولا معبودَ لكم سِواه، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللَّهِ أيُّها الناسُ فليتوكّلِ المُصدِّقون بوحدانيته . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ ١٤ سورة التغابن : الآية ١٤ يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوَّا لَّحِكُمْ﴾ يصُدُّونكم عن سبيلِ اللَّهِ، وَيُؤَبِّطونكم عن طاعةِ اللَّهِ، فَأَحْذَرُوهُمْ ﴾ أنْ تَقْبلوا منهم ما يأمرُونكم به من تركِ طاعةِ اللَّهِ . وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت فى قومٍ كانوا أرادوا الإسلامَ والهجرةَ ، فَتَبَّطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ آدمَ وعبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن سماكِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأله رجلٌ عن هذه الآية: ﴿يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَيِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمَّ﴾ . قال: هؤلاء رجالٌ أسلموا، فأرادوا أن يأتوا رسولَ اللَّهِ عَّهِ ، فأتى أزواجهم وأولادهم أن يَدَعُوهم يأتوا رسولَ اللَّهِ مَلِ، فلمَّا أَتَوا رسولَ اللَّهِ بِ الَّهِ، فرأوا الناسَ قد فَقِهوا فى الدينِ ، همُّوا أن يُعاقِبوهم، فأنزل اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ﴾ الآية(١). حدَّثنا هنادُ بنُ السرىِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿ يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: كان الرجلُ يريدُ أن يأتىَّ النبيَّ عََّمِ ، فيقولُ له أهلُه: أين تذهبُ وتَدَعُنا؟ قال: وإذا أُسْلَم وفَقِه ، قال: لأُرْجِعنَّ إلى الذين كانوا يَنْهون عن (١) أخرجه الترمذى (٣٣١٧)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ١٦٥/٨ - والطبرانى (١١٧٢٠)، والحاكم ٤٩٠/٢ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه . ١٥ سورة التغابن : الآية ١٤ هذا الأمرِ، فلأفعلنَّ ولأفعلنَّ. فأنزلَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١). حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أیی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَبِكُمْ وَأَوْلَئِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾: كان الرجلُ / إذا أراد أن يُهاجِرَ مِن مكةً إلى المدينةِ تمنعُه ١٢٥/٢٨ زوجتُهُ وولدُه ، ولم يألُوا يُفَّطوه عن ذلك؛ فقال اللَّهُ: إِنَّهم عدوٌّ لكم فاحذَروهم، واسمعوا وأطيعوا، وامضُوا لشأنِكم. فكان الرجلُ بعدَ ذلك إذا مُنِع وتُبُّط مرَّ بأهلِه وأقسم - والقسَمُ يمينٌ - ليفعلنَّ وليعاقِينَّأهلَه فى ذلك؛ فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال : ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن بعضٍ أصحابِه، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: نزلت سورةُ ((التغابنِ)) كلُّها بمكةَ، إلا هؤلاء الآياتِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. نزلت فى عوفِ بنِ مالكِ الأشْجَعَىِّ، كان ذا أهلٍ وولدٍ ، فكان إذا أراد الغزوَ بَكَوْا إِليه ورقَّقُوه، فقالوا: إلى مَن تَدَعُنا؟ فيَرِقُّ ويقيمُ، فَنزَلت: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾ الآيَةُ كلُّها بالمدينةِ فى عوفٍ بنِ مالكِ، وبقيةُ الآياتِ إلى آخرِ السورةِ بالمدينةِ() . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ (١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٨/ ١٤٢. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٦ إلى عبد بن حميد وابن مردويه، وينظر أسباب النزول ص ٣٢٢. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٦ إلى المصنف وابن إسحاق. ١٦ سورة التغابن : الآية ١٤ فى قوله: ﴿إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوَلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ . قال: إنهما يَحمِلانِه على قطيعةِ رحِمه، وعلى معصيةِ ربِّه، فلا يستطِيعُ مع حبّه إلا أن (١) يَقْطَعَه(١). حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: فلا يستطِيعُ مع حبّه إلا أن يُطِيعَه(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّحِكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية. قال: منهم مَن لا يأمرُ بطاعةِ اللَّهِ ، ولا يَنْهَى عن معصيته، وكانوا يُبَطِّئُونُ) عن الهجرة إلى رسولِ اللهِ يَّهِ ، وعن الجهادِ . حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ فى قولِه : ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوَلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: يَنْهَون عن الإسلام، ويُبَطِّئونُ(١) عنه، وهم مِن الكفارِ، فاحْذَروهم() . حدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَ مِنْ أَزْوَحِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوَّا لَّكُمْ﴾ الآية . قال : هذا فى ناسٍ مِن قبائلِ العربِ كان يُسلِمُ الرجلُ أُو النفرُ مِن الحىّ ، فيَخْرجون مِن عشائرِهم ، ويَدَعون أزواجهم وأولادهم وآباءهم ، عامدِین إلى النبيِّ سَ لِ، فتقومُ عشائرُهم وأزواجهم وأولادهم وآباؤهم، فيناشِدونهم اللَّهَ أَلّا (١) تفسير مجاهد ص ٦٦٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٦ إلى عبد بن حميد. (٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((جميعا)). (٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يثبطون)). (٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٥/٢ عن معمر به . ١٧ سورة التغابن : الآية ١٤ يفارِقوهم، ولا يُؤْثِروا عليهم غيرَهم، فمنهم من بَرِقّ ويَرْجعُ إليهم، ومنهم من يَمْضِى حتى يلحَقَ بنبيِّ اللّهِ عَ الَمِ . حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا عثمانُ بنُ ناجيةَ وزيدُ بنُ حُبابٍ ، قالا : ثنا يحيى ابنُ واضحٍ، جميعًا عن / الحسينِ بنِ واقدٍ ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ بريدةَ، عن أبيه، ١٢٦/٢٨ قال : رأيتُ رسولَ اللَّهِ عَّهِ يخطُبُ، فجاء الحسنُ والحسينُ رضِى اللَّهُ عنهما ، عليهما قَميصان أحمرانِ ، يَعْثُران ويقومان ، فنزَل رسولُ اللَّهِ عَ لَمِ، فأخَذهما فرفَعهما، فوضَعهما فى حِجْرِه، ثم قال: ((صدَق اللَّهُ ورسولُه، إنما أموالُكم وأولادُكم فتنةٌ، رأيتُ هذين فلم أصْبِرْ)». ثم أخَذ فى خطيتِه . اللفظُ لأبى كريبٍ، (١) عن زيدٍ (١). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ قال: يقولُ: عدوًّا لكم فى دينِكم، فاخذَروهم علی دینِكم (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرَ(٢) بنِ عليٍّ المُقُدَّميُ، قال: ثنا أشعتُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال : ثنا شعبةُ ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ فى قوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا (١) أخرجه أبو داود (١١٠٩) عن أبى كريب ، عن زيد بن الحباب ، عن الحسين به ، وأخرجه ابن أبى شيبة ٩٩/١٢، وابن خزيمة (١٤٥٦، ١٨٠١)، وأحمد ٣٥٤/٥ (الميمنية)، وفى فضائل الصحابة ٧٧٠/٢ (١٣٥٨)، وابن ماجه (٣٦٠٠)، وابن حبان (٦٠٣٨)، والبيهقى ٦ / ١٦٥، من طريق زيد بن حباب عن الحسين بن واقد به. وابن خريمة (١٤٥٦، ١٨٠٢) من طريق أبى تميلة يحيى بن واضح به، والترمذى (٣٧٧٤)، والنسائى فى الكبرى (١٧٣١)، وابن حبان (٦٠٣٩)، والحاكم ٢٨٧/١، والبيهقى فى الشعب (١١٠١٦)، من طريق الحسين بن واقد به . (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٤/٨. (٣) فى النسخ: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ١٤٧/٢٦. ( تفسير الطبرى ٢/٢٣ ) ١٨ سورة التغابن : الآيات ١٤ - ١٦ لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال: كان الرجلُ يُسْلِمُ، فيلومُه أهلُه وبنُوه، فنزلت : ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَحِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾(١). وقولُه: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ﴾. يقولُ: وإن تعفوا أيُّها المؤمنون عمّا سلَف منهم مِن صدِّهم إيَّكم عن الإسلامِ والهجرةِ ، وتَصْفحوا لهم عن عقوبتكم إيّاهم على ذلك ، وتَغْفِرِوا لهم غيرَ ذلك مِن الذنوبِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لكم ولمن تاب مِن عبادِه مِن ذنوبِكم، ﴿رَّحِيمٌ﴾ بكم أن يعاقِبَكم عليها من بعدٍ توبتِكم منها . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاَللَّهُ عِندَهُ, أَجْرُّ ج عَظِيمٌ فَانَفُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمُ وَمَنْ ١٥ ١٦ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يقولُ تعالى ذكرُه: ما أموالُكم أيُّها الناسُ وأولادُكم إلا فتنةٌ، يعنى: بلاءٌ علیکم فى الدنيا . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾. يقولُ: بلاءٍ (٣). وقولُه: ﴿وَاَللَّهُ عِندَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ عندَه ثوابٌ لكم (١) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٣٢٢ من طريق محمد بن عمر به . (٢) سقط من: ص، م. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ١٩ سورة التغابن : الآيتان ١٦،١٥ عظيمٌ، إذا أنتم خالفتم أولادَكم وأزواجكم فى طاعةِ اللَّهِ ربِّكم، فأطَعْتُم اللَّهَ عزَّ وجلَّ ، وأَدَّثْتُم حقَّ اللَّهِ فى أموالِكم. والأجر العظيمُ الذى عندَ اللَّهِ: الجنةُ . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ, أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: وهى الجنةُ (١). ١٢٧/٢٨ /وقولُه: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واحْذَروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون وخافوا عقابَه وتجنَّبوا عذابَه؛ بأداءِ فرائضِه واجتنابٍ معاصِيه والعملِ بما يُقرِّبُ إليه ما أطَقْتُم وبلَغْه وُسْعُكم . وذُكِر أنَّ قولَه: ﴿ فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ نزَل بعدَ قولِه: ﴿ اَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ،﴾ [آل عمران: ١٠٢]؛ تخفيفًا عن المسلمين، وأنَّ قوله: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ناسخٌ قولَه: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾: هذه رخصةٌ مِن اللَّهِ ، واللَّهُ رحيمٌ بعبادِه، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أَنزَل قبلَ ذلك: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ،﴾. وحقُّ تقاتِه أن يُطاعَ فلا يُعْصَى، ثم خفَّف اللَّهُ تعالى ذكرُه عن عبادِهِ، فأَنزَل الرخصةَ بعدَ ذلك فقال : فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾ فيما اسْتَطَعْتَ يا بنَ آدَمَ ، عليها بايَع رسولُ اللَّهِ يَِّ على السمع والطاعةِ فيما اسْتَطَعْتَم (١). (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ٢٠ سورة التغابن : الآية ١٦ حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قولِه : أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾. قال: نسَخَتْها: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَمْتُمْ﴾(١). وقد تقدَّم بيانُنا عن معنى الناسخ والمنسوخ بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعُ ، وليس فى قوله: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾. دلالةٌ واضحةٌ على أنه لقولِه: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ ﴾. ناسخٌ، إذ كان محتمِلًا قولُه: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾: اتقوا اللَّهَ حقَّ تقاتِه فيما اسْتَطَعْتم، (ولم يكنْ بأنه له ناسخٌ" عن رسولٍ اللّهِ ◌ِِّه ، فإذا كان ذلك كذلك، فالواجبُ استعمالُهما جميعًا على ما يحتمِلان من وجوهِ الصحةِ . وقولُه: ﴿ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾. يقولُ: واسمعوا لرسولِ اللَّهِ عَلّهِ ، وأَطِيعوه فيما أمَركم به ونهاكم عنه، ﴿ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمُ﴾. يقولُ: وأنفِقوا مالًا مِن أموالِكم لأنفسكم، تَستَنْقِذوها مِن عذابِ اللَّهِ. والخيرُ فى هذا الموضع المالُ. وقولُه: ﴿ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : ومن يَقِه اللَّهُ شُعَّ نفسِه، وذلك اتباعُ هواها فيما نهَى اللَّهُ عنه . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى أبو معاويةً، عن عليٍّ ، عن ابنٍ عباسٍ قوله: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، ﴾ . يقولُ: هوى نفسِه حيثُ يتَّبِئُ هواه ولم يَقْبلِ الإِيمانَ . (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٥/٢ عن معمر به . (٢) ينظر ما تقدم فى ٣٨٨/٢ - ٤٠٣. (٣ - ٣) كذا بالنسخ، ولعلها: ((ولم يكن بان له ناسخ)).