النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١
سورة الجمعة : الآية ٩
مسعودٍ ، قال : قَرَأَها : (فامْضُوا).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبى حيانَ، عن عكرمةَ :
فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾. قال: السعى العملُ(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ ، وسألْتُه عن قولٍ
اللَّهِ: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾. قال: إذا
سمِعْتم الداعىَ الأُوَّلَ، فأجِيبوا إلى ذلك وأسْرِعوا ولا تُبْطِئوا . قال: ولم يكنْ فى
زمانِ النبيِّ عَّهِ أَذانٌ إلا أَذانانٍ ؛ أذانٌ حينَ يَجلِسُ على المنبرِ، وأذانٌ حينَ تُقَامُ
الصلاةُ . قال: وهذا الآخر شىءٌ أَحدَثه(٢) الناسُ بعدُ. قال: ولا يَحِلُّ له البيعُ إذا
سَمِع النداءَ الذى يكونُ بينَ يدَي الإمامِ إذا قعَد على المنبرِ. وقرأ: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ
اُللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾. قال: ولم يَأْمُرْهم يذَرُون شيئًا غيرَه، حرَّم البيعَ ، ثم أذن لهم فيه
إذا فرَغوا مِن الصلاةِ . قال: والسعىُ أن يُشْرِعَ إليها ، أن يُقْبِلَ إليها .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ، أَنَّ فی حرفٍ
ابن مسعودٍ : (إِذَا نُودِىَ الصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ)(٣).
حدِّثتُ عن الحسين، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: السعى هو العملُ، قال اللَّهُ:
﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقَّ﴾ [الليل: ٤].
وقولُه: ﴿ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ﴾. يقولُ: ودَعُوا البيع والشراءَ إذا نُودِى للصلاةِ عندَ الخطبةِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٩/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) فى ت ١: ((أخذ به)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٥٣٤٦)، وفى التفسير ٢ / ٢٩١ - ومن طريقه الطيرانى (٩٥٤٠) عن
( تفسير الطبرى ٤١/٢٢ )
معمر به .

٦٤٢
سورة الجمعة : الآية ٩
وكان الضحاكُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ ، عن
سفيانَ ، عن جوبيرِ (١) ، عن الضحاكِ ، قال: إذا زالتِ الشمسُ حرم البيع والشراءُ .
أحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ إِذَا
نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: إذا زالتِ الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ.
١٠٢/٢٨
حدَّثنا (٢) مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السدىِّ، عن أبى مالكِ ، قال :
كان قومٌ يجلِسون فى بقيع الزبيرِ، فيشترون ويَبِيعون إذا نُودِى للصلاةِ يومَ الجمعةِ ،
ولا يقومون، فنزلت: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ .
وأما الذِّكْرُ الذى أمَر اللَّهُ تبارك وتعالى بالسعي إليه عبادَه المؤمنين، فإِنه موعظةُ
الإمام فى خطبته فيما قيل .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مهرانُ ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا
نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: العَزْمةُ عندَ الذكرِ عندَ الخطبةِ.
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحنفىُّ، قال: ثنا عَبْدانُ ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ ،
[٩٦٤/٢ و] قال: أخبرنا منصورٌ، رجلٌ مِن أهلِ الكوفةِ ، عن موسى بنٍ أبى كثيرٍ ، أنه
سمِع سعيدَ بنَ المسيبِ يقولُ: ﴿ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى
ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: فهى موعظةُ الإمام ، فإذا قُضِيتِ الصلاةُ بعدُ(٤).
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((جرير).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٥٢٢٣) عن الثورى به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٣٤/٢ من طريق جويير
به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٩/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) القائل هو ابن حميد .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٩/٦ إلى ابن أبى شيبة .

٦٤٣
سورة الجمعة : الآيتان ٩ ، ١٠
وقولُه: ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. يقولُ: سَعْيُكم إذا نُودِى
للصلاةِ مِن يوم الجمعةِ إلى ذكرِ اللَّهِ، وتَرْكُ البيع، خيرٌلكم مِن البيع والشراء فى ذلك
الوقتٍ ، إن كنتم تعلمون مصالحَ أنفسِكم ومضارّها .
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾؛ فقرَأتْ ذلك عامةُ
قرأةِ الأمصارِ: ﴿اُلْجُمُعَةِ﴾ بضمِّ الميم والجيم ، خلا الأعمشِ فإنه قرأها بتخفيفٍ
(١)
الميم (١) .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ ؛ لإجماع الحجةِ مِن
القرأةِ عليه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِىِ اُلْأَرْضِ
وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : فإذا قُضِيت صلاةُ الجمعةِ يومَ الجمعةِ ، فانتشِروا فى الأرضِ
إن شِئْتم ذلك ؛ رخصةً مِن اللَّهِ لكم فى ذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ
أنه قال: هى رخصةٌ . يعنى قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ ﴾ .
حدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِه: / ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الضَلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ﴾. قال: ١٠٣/٢٨
(١) وبها قرأ ابن الزبير وأبو حيوة وابن أبى عبلة ورواية عن أبى عمرو وزيد بن على. البحر المحيط ٢٦٧/٨.

٦٤٤
سورة الجمعة : الآيتان ١٠، ١١
هذا إذنٌ مِن اللَّهِ، فمَن شاء خرَج، ومَن شاء جلَس .
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : أذِن لهم إذا فرَغوا
من الصلاةِ ، فقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ
اللَّهِ ﴾ فقد أخْلَلْتُه لكم .
وقولُه: ﴿وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾. ذُكِر عن النبيِّ عَ لَّهِ فى تأويلٍ ذلك ما
حدَّثنى العباسُ بنُ أبى طالبٍ ، قال: ثنا علىُ بنُ المُعافَى بنٍ يعقوبَ الموصلُّ ، قال:
ثنا أبو عامرٍ الصائغُ(١ مِن الموصلِ، عن أبى خلفٍ، عن أنس ، قال: قال رسولُ اللَّهِ
عٍَّ فى قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَابْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾
قال: ((ليس لطلبٍ دُنْيًا، ولكن عيادةَ مريضٍ، وحضورَ جنازةٍ، وزيارةً أُخ فى
(٢)
اللَّهِ))(٢) .
وقد يَحتَمِلُ قولُه: ﴿وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾. أن يكونَ معنيًّا به: والْتَمِسوا
مِن فضلِ اللّهِ الذی بیدِه مفاتیخ خزائنه لدنیا کم وآخرێکم .
وقولُه: ﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ ﴾. يقولُ: واذْكُروا اللَّهَ كثيرًا
بالحمدِ له، والشكرٍ على ما أنْعَم به عليكم من التوفيقِ لأداءٍ فرائضِه، لتُفْلِحوا،
فتُدْرِ كوا طَلِباتِكم عندَ ربِّكم، وتَصِلوا إلى الخلدِ فى جنانِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْ نِحَرَةً أَوَ لَوَّا أُنْفَضُّواْ إِلَيَّهَا وَتَرَّكُوكَ
قَّبِمَا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَزَّةُ وَاللَّهُ خَيْرُ الزَّزِقِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا رأَى المؤمنون عيرَ تجارةٍ أو لهوًا، ﴿ أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((الصانع)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٠/٦ إلى المصنف.

٦٤٥
سورة الجمعة : الآية ١١
يعنى: أسْرَعوا إلى التجارةِ، ﴿وَتَرَكُوَكَ قَائِمًا﴾. يقولُ للنبيِّ عَّهِ: وترَكوك يا
محمدُ قائمًا على المنبرِ. وذلك أن التجارةَ التى رأَوْها فانْفَضَّ القومُ إليها وترَكوا
النبىَّ عَظِلِّ قائمًا، كانت زيتًا قدِم به دِخْيةُ بنُ خليفةَ من الشامِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن إسماعيلَ السدىِّ، عن
أبى مالكٍ، قال: قدِم دحيةُ بنُ خليفةَ بتجارةِ زيتٍ من الشامِ والنبىُّ عَ لَهِ يَخْطُبُ يومَ
الجمعة، فلمَّا رأَوْه قاموا إليه بالبقيع، خشُوا أن يُشْبَقوا إليه. قال: فَنزَلَت: ﴿ وَإِذَا
رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَّا أَنفَضُوْاْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوكَ قَائِمًا﴾ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدىِّ، عن
مرةً : ﴿إِذَا نُودِىَ / لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾. قال: جاء دِخْيةُ الكلبىُ ١٠٤/٢٨
بتجارةٍ والنبيُّ ◌َ اهِ قائمٌ فى الصلاةِ يومَ الجمعةِ، فترَكوا النبيَّ عَظله وخرجوا إليه،
فنزَلَت: ﴿ وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَّا أَنْفَضُوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوَكَ قَائِمًا﴾ حتى ختَم
ج
.(١)
السورةَ(١) .
حدَّثنى أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يونُسَ، قال: ثنا عَبْتٌَ، قال:
ثنا حُصَيْنٌ، عن سالم بنِ أبى الجَغْدِ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كنا مع
رسولِ اللَّهِ يَِّ فى الجمعةِ، فمرَّت ◌ِيرٌ تَحْمِلُ الطعامَ. قال: فخرَج الناسُ إلا
اثنى عشَرَ رجلًا، فنزَلَت آيةُ الجمعةِ(٣).
(١) ينظر فتح البارى ٢/ ٤٢٣.
(٢) فى ص، ت ١، ت٣: ((قرة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٩/٢٧.
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٥٩٣)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٣٢٠ من طريق أبى حصين=

٦٤٦
سورة الجمعة : الآية ١١
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، قال : قال الحسنُ :
إن أهلَ المدينةِ أصابهم جوٌ وغَلاءُ سعرٍ، فقدِمت عِيرٌ والنبيُّ عَظِّهِ يَخْطُبُ يومَ
الجمعةِ، فسمِعوا بها، فخرَجوا والنبىُ عَ لَه قائمٌ، كما قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، [٩٦٤/٢ظ] قال: قال ابنُ زيدٍ فى
قولِه: ﴿ وَإِذَا رَأَوَأْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَّا أَنفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قال : جاءت تجارةٌ ،
فانْصَرفوا إليها، وترَكوا النبيَّ ◌َِّ قائمًا، فإذا رأَوْا لهوًا ولعبًا، قُل: ﴿ مَا عِندَ اللّهِ
خَيْرٌ مِّنَ اللَّهَوِ وَمِنَ النِّجَزَّةَ وَاللَّهُ خَّرُ الزَِّقِينَ﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَهَوَّا أُنْفَضُواْ إِلَيْهَا﴾. قال: رجالٌ كانوا يقومون إلى
نَواضحِهمُ وإلى السفرِ يَتَغون التجارةَ ().
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: بينما رسولُ اللَّهِ عَِّ
يَخْطُبُ الناسَ يومَ الجمعةِ ، فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويَقُومون حتى بقِيَت منهم عِصابةٌ ،
فقال: (( كم أنتم؟)). فعَدُّوا أنفسَهم ، فإذا اثنا عشرَ رجلًا وامرأةٌ ، ثم قام فى الجمعةِ
الثانيةِ فجعَل يَخْطُبُهم. قال سفيانُ: ولا أَعْلَمُ إلا أن فى حديثه : ويَعِظُهم
= عبد الله بن أحمد به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١١٣/٢، وأحمد ٢٥٦/٢٢، ٢٢٨/٢٣ (١٤٣٥٦،
١٤٩٧٨)، والبخارى (٩٣٦، ٢٠٥٨، ٢٠٦٤، ٤٨٩٩)، ومسلم (٨٦٣)، والواحدى ص ٣١٩ من
طريق حصين به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٠/٦ إلى سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد.
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٢/٢ عن معمر به.
(٢) نواضحهم: إبلهم. ينظر النهاية ٦٩/٥.
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٦٠.

٦٤٧
سورة الجمعة : الآية ١١
-
ويُذَكِّرُهم. فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويقومون حتى بقِيَت عِصابةٌ، فقال: ((كم أنتم؟)).
فَعَدُّوا أنفسَهم (١) ، فإذا اثنا عشر رجلا وامرأةٌ ، ثم قام فى الجمعةِ الثالثةِ، فجعَلوا
يَتَسَلَّلون ويقومون حتى بقِيَت منهم ◌ِصابةٌ ، فقال: ((كم أنتم؟)). فعَدُّوا أنفسَهم،
فإذا اثنا عشرَ رجلًا وامرأةٌ ، فقال: ((والذي نفسي بيده لو اتَّبَع آخرُكم أولَكم
لَالَتْهَبَ عليكم الوادى نارًا)). وأَنْزَل اللَّهُ عز وجل: ﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِحَرَةً أَوْ لَمَوَا
أَنْفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًاً﴾﴾(٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ فى قوله :
﴿ أَنْفَضُّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قال: لو اتَّبَع آخرُهم أولَهم لَالْتَهَب عليهم الوادى
(٣)
١ .
نارًا
قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: قال قتادةُ: لم يَبْقَ مع النبيِّ عَ لَه يومَئذٍ إلا
اثنا عشرَ رجلًا، وامرأةٌ معهم(٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الرازىُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاح، قال: ثنا هُشَيْمٌ ،
قال: أخبرنا محُصَيْنٌ،/ عن سالم وأبى سفيانَ، عن جابرٍ فى قوله: ﴿ وَتَرَكُوكَ ١٠٥/٢٨
قَائِمًا﴾. قال: قدِمَت عِيرٌ، فَانْفَضُّوا إليها، ولم يَبْقَ مع النبيِّ عَ لَِّ إلا اثنا عشرَ
٠.(٤)
رجلًاً(٤).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِىُّ، قال: ثنا جريرٌ، عن محُصينٍ، عن سالم،
(١) فى ت ٢: ((أنفسكم)) .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢١/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٢/٢ عن معمر به .
(٤) أخرجه مسلم (٨٦٣)، والترمذى (٣٣١١) بدون ذكر سالم ، وابن حبان (٦٨٧٦، ٦٨٧٧)، من
طريق هشيم به .

٦٤٨
٠٠
سورة الجمعة : الآية ١١
عن جابرٍ، أن النبيَّ عَظِلّهِ كان يَخْطُبُ قائمًا يومَ الجمعةِ، فجاءت عِيرٌ مِن
الشام، فانْقَتل الناسُ إليها، حتى لم يَبْقَ إلا اثنا عشرَ رجلًا. قال: فَأُنزلَت
هذه الآيةُ فى ((الجمعةِ)): ﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوَ
قَائِمَاً﴾(١).
وأما اللهوُ، فإنه اخْتُلِف مِن أىِّ أجناسِ اللهوِ كان؛ فقال بعضُهم: كان
كَبْرًا (٢) ومَزاميرَ.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ سهلٍ بنِ عَسْكَرٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ صالح، قال : ثنا سليمانُ
ابنُ بلالٍ ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كان
الجوارى إذا نُكِحوا، كانوا يَمُون بالكَبَرِ والمزاميرِ ويَتْرُكون النبيَّ مَ الِ قائمًا على المنبرِ
ويَنْفَضُّون إليها، فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا﴾(١).
وقال آخرون : كان طَبْلًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ ،
، و (٤)
قال : اللهوُ الطَّبْلُ(٤).
(١) أخرجه مسلم (٨٦٣)، وابن خزيمة (١٨٢٣)، والبيهقى (١٩٧١٣) من طريق جرير به ، وأخرجه
الترمذى عقب الحديث (٣٣١١) من طريق حصين به .
(٢) الكبر: الطبل، وقيل: هو الطبل ذو الرأسين. وقيل: الطبل الذى له وجه واحد بلغة أهل الكوفة . التاج (ك ب ر).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢١/٦ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) تفسير مجاهد ص ٦٦٠.
:

٦٤٩
سورة الجمعة : الآية ١١
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الأَشْيَبُ (١) ، قال: ثنا ورقاءُ، قال: ذكَر عبدُ اللَّهِ بنُ
أبى نَجِيحِ، عن إبراهيمَ بنِ أبى بكرٍ ، عن مجاهدٍ ، أن اللهوَ هو الطَّبْلُ.
والذى هو أولى بالصوابِ فى ذلك الخبرُ الذى روَيْناه عن جابرٍ؛ لأنه قد أدرَك
أمرَ القومِ شاهَدهم(٢) .
وقولُه: ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَرَّةَ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه لنبيّه
محمدٍ عَ له : قلْ لهم يا محمدُ: الذى عندَ اللَّهِ مِن الثوابِ، لمن جلَس مُسْتَمِعًا خطبةَ
رسولِ اللَّهِ عَلَّهِ وموعظتَه يومَ الجمعةِ إلى أن يَفْرُعَ رسولُ اللَّهِ ◌ِّهِ منها - خيرٌ له مِن
اللهوِ ومِن التجارةِ التى يَنْفَضُّون إليها، ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ خيرُ
رازقٍ ، فإليه فارْغَبوا فى طلبٍ أرزاقِكم ، وإياه فاسْأَلوا أن يُؤَسِّعَ عليكم من فضلِهِ دونَ
غيره .
آخرُ تفسير سورةٍ «الجُمُعةِ))
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((الأشعث)).
(٢) فى م : ((مشاهدهم)) .

٦٥٠
سورة المنافقون : الآيتان ١، ٢
١٠٦/٢٨
/ تفسير سورةٍ ((المنافقين
بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ
٤٠٠ ٪
القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿ إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَّرَ "
٢٠٠
اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ ◌ّهِ: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ ﴾ يا محمدُ ،
﴿ قَالُواْ﴾ بألسنتِهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾. قال
المنافقون ذلك أو لم يقولوه، ﴿ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ
يَشْهَدُ إن المنافقين لَكاذبون فى إخبارِهم عن أنفسِهم أنها تَشْهَدُ إنك لرسولُ اللَّهِ ،
وذلك أنها لا تَعْتَقِدُ ذلك، ولا تُؤْمِنُ به، فهم كاذبون فى خبرِهم عنها بذلك .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ(١) فى قوله: ﴿وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ
لَكَذِبُونَ﴾: إنما كذَّب ضميرَهم؛ لأنهم أضْمَروا النفاقَ، فكما لم يَقْبَلْ إِيمانَهم وقد
أَظْهَروه، فكذلك جعَلهم كاذبين؛ لأنهم أضْمَروا غيرَ ما أَظْهَروا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ أَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةُ فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ الهِّ إِنَّهُمْ
سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
يقولُ تعالى ذكره: اتَّخَذ المنافقون أيمانَهم ◌ُنَّةً، وهى حَلِفُهم .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَّخَذُواْ أَيْمَنْهُمْ
جُنَّةٌ﴾. أى: حلِفَهم جُنَّةٌ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
(١) ينظر معانى القرآن للفراء ٣/ ١٥٨.

٦٥١
سورة المنافقون : الآية ٢
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ : ﴿ أَّخَذُواْ أَيْمَنْهُمْ جُنَّةٌ﴾. قال: يَجْتَنُّون بها. قال: ذلك بأنهم آمَنوا ،
(١)
ثم كفروا(١) .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال : سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ يقولُ : ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ أُمَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ ﴾. يقولُ: حَلِفَهم باللّهِ إنهم
لمنكم، مُنَّةً (٢).
وقولُه : ﴿جُنَّةً ﴾ . أى: سُْرةً يَسْتَتِرون بها، كما يَسْتَتِرُ المُسْتَجِنُّ بجُنَّتِه فى
حربٍ وقتالٍ ، فَيَمْنَعون بها أنفسَهم وذَراريَّهم وأموالهم، ويَدْفَعون بها عنهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ذكرُ مَن قال ذلك
١٠٧/٢٨
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿جُنَّةٌ﴾: لِيَعْصِموا
بها دماءهم وأموالهم(٣) .
وقولُه: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فَأَغْرَضوا عن دينِ اللَّهِ الذى بعَث
به نبيَّه ◌ِهِ، وشريعتِه التى شرَعها لخلقِه، ﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إِن
هؤلاء المنافقين الذين اتَّخَذوا أيمانَهم جُنَّةً، ساء ما كانوا يَعْمَلون ( فى الدنيا) فى
اتخاذِهم أيمانَهم جُنَّةً ؛ لكذِبِهم ونفاقِهم ، وغيرِ ذلك من أمورهم .
(١) تفسير مجاهد ص ٦٦١، ومن طريقه عبد بن حميد - كما فى فتح البارى ٨/ ٦٤٦.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٢٣/١٨.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٣/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤ - ٤) ليست فى: ص، م، ت١، ت٢ .

٦٥٢
سورة المنافقون : الآيتان ٣ ، ٤
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ ذَلِكَ بِأَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا
يَفْقَهُونَ
يقولُ تعالى ذكره: إنما(١) ساء ما كانوا يَعْمَلون هؤلاء المنافقون الذين اتَّخَذوا
أيمانَهم جُنةً ؛ مِن أجلِ أنهم صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ثم كفَروا بشكُهم فى ذلك
وتكذيبهم به .
وقولُه: ﴿فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: فجعَل اللَّهُ على قلوبِهم خَتْمًا بالكفرِ
عن الإيمانِ ، وقد بيًَّّا فى موضعٍ غيرِ هذا صفةَ الطَّبْع على القلبِ بشواهدِها وأقوالِ
أهلِ العلم، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا الموضع .
وقولُه : ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهم لا يَفْقَهون صوابًا مِن
خطأ ، وحقًّا من باطلٍ ؛ لطبعِ اللَّهِ على قلوبهم.
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ : أَقَرُّوا بلا
إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ مَّهِ، وقلوبُهم مُتْكِرةٌ تَأْتِى ذلك.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿﴾ وَإِذَا رَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمَّ وَإِن يَقُولُواْ
تَسْمَعْ لِقَوْلِمَّ كَهُمْ خُشُبُ مُسَنَّدَةٌ بَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيَهْ هُمُ الْعَدُ فَأَحْذَرْهُمْ
قَتَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَُّونَ
يقولُ جلَّ ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَظِلّهِ: وإذا رأيتَ هؤلاء المنافقين يا محمدُ تُعْجِبُك
أجسامُهم؛ لاستواءٍ خَلْقِها، وحُسنِ صُوَرِها، ﴿ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾.
(١) فى م، ت ١: ((إنهم)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٦٧/١.

٦٥٣
سورة المنافقون : الآية ٤
يقولُ جلَّ ثناؤه: وإن يَتَكَّلَّموا تَسْمَعْ كلامَهم، يُشْبِهُ مَنْطِقُهم منطقَ الناسِ،
كَأَنَهُمْ خُشُبُ مُسَنَّدَةً ﴾. يقولُ: كأن هؤلاء المنافقين خُشُبٌ مُسَنَّدةٌ، لا خيرَ
عندَهم، ولا فقهَ لهم ولا علمَ ، وإنما هم صورٌ بلا أحلامٍ، وأشباحٌ(١) بلا عقول .
وقولُه : ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: يَحْسَبُ هؤلاء
المنافقون مِن خُبْثِهم (١) وسوءِ ظنِّهم وقلةِ يقينِهم، كلَّ صيحةٍ عليهم؛ لأنهم على
وَجَلِ أن يُنْزِلَ اللَّهُ فيهم أمرًا يَهْتِكُ به أستارَهم / ويَفْضَحُهم، ويُبِيحُ للمؤمنين قتلَهم ١٠٨/٢٨
وسَبْىَ ذَراريِّهم وأخْذَ أموالِهم، فهم مِن خوفِهم مِن ذلك، كلَّما نزَل بهم مِن اللَّهِ
وحىٍّ على رسولِه، ظنُّوا أنه نزَل بهلاكِهم وعَطَبِهم. يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه النبيِّه عَ لِ:
هم العدُوُّ يا محمدُ فاحْذَرْهم ، فإن ألسنتَهم إذا لَقُوكم معكم ، وقلوبهم عليكم مع
أعدائِكم، فهم عينٌ لأعدائِكم عليكم .
وقولُه: ﴿قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: أَخْزاهم اللَّهُ، إلى أىِّ وجهٍ
يُصْرَفون عن الحقِّ .
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ ، وسمِعْتُه يقولُ فى
قولِ اللَّهِ: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ الآية . قال : هؤلاء المنافقون .
واختلَفَت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ ؛ فقرَأُ ذلك عامةٌ
قرأةِ المدينةِ والكوفةِ خلا الأعمشِ والكِسائىِّ: ﴿خُشُبٌ﴾ بضمِّ الخاءِ والشينِ ().
كأنهم وجّهوا ذلك إلى جمعِ الجمعِ، جمَعوا الخشبةَ خِشَابا، ثم جمعوا الخِشابَ
خُشُبًا، كما جُمِعَت الثمرةُ ثِمارًا، ثم ثُمُرًا. وقد يَجوزُ أن يكونَ الخُشُبُ بضمّ الخاءِ
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((أجسام)).
(٢) فى ت ١: (( خبتهم)) .
(٣) هى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة. حجة القراءات ص ٧٠٩.

٦٥٤
سورة المنافقون : الآيتان ٤، ٥
والشين ، إلى أنها جمعُ خَشَبةٍ ، فتُضَمُّ الشيئُ منها مرةً ، وتُسَكّنُ أخرى، كما جمَعوا
الأَكَمَةَ أُكُمَّا وَأُكْمًا ، بضمّ الألفِ والكافِ مرةً ، وتسكينِ الكافِ منها مرةً، وكما
قيل : البُدْنُ والبُدُنُ. بضمِّ الدالِ وتسكينِها لجمعِ البَدَنةِ. وقرَأ ذلك الأعمشُ
"(١)
والكِسائىُّ: (خُشْبٌ) بضمِّ الخاءِ، وسكونِ الشين .
والصوابُ مِن القولٍ فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، ولغتان فَصيحتان ،
وبأيَّتِهما قرَأُ القارئُ فمصيبٌ . وتسكينُ الأوسطِ فيما جاء مِن جمع فَعَلة على فُعْل
فى الأسماءِ، على ألسنِ العربِ أكثرُ، وذلك كجمعِهم البَدَنَةَ بُدْنًا، والأَجَمةَ
أُجْمًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا قِلَ لَهُمْ تَعَالَوَاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ
لَوَّوْ رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُمْ مُسْتَكْبُونَ
٥
يقولُ تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالَوْا إلى رسولِ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ
لكم، ﴿لَقَّوْ رُءُوسَهُمْ﴾. يقولُ: حرَّكوها وهزُّوها؛ استهزاءً برسولِ اللَّهِ عَل
وباستغفارِه. وبتشديد الواوِ مِن ﴿لَقَّوَأْ﴾ قَرَأَت القرأةُ، على وجهِ الخبرِ عنهم أنهم
كرَّروا هزَّرءوسِهم وتحريكها وأكْثَروا، إلا نافعًا فإنه قرَأ ذلك بتخفيفِ الواوِ: (لوَوْا)
على وجهِ أنهم فعلوا ذلك مرةً واحدةً(٢) .
والصوابُ مِن القول فى ذلك قراءةُ مَن شدَّد الواوَ؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ
عليه . وقولُه: ﴿وَرَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُمْ مُسْتَكْثِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : ورأثِتَهم
يُعْرِضون عما دُعُوا إليه بوجوهِهم، ﴿ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ: وهم مُسْتَكْبِرون
(١) وهى قراءة أبى عمرو أيضا. ينظر حجة القراءات ص ٧٠٩، ومعانى القرآن للفراء ١٥٨/٣.
(٢) ينظر حجة القراءات ص ٧٠٩.
٠

٦٥٥
سورة المنافقون : الآية ٥
عن المصيرِ إلى رسولِ اللَّهِ عَظِّمِ ليستغفرَ لهم.
وإنما ◌ُنِى بهذه الآياتِ كلِّها، فيما ذُكِر، عبدُ اللَّهِ بنُ أبيِّ ابنُ سَلُولَ؛ وذلك أنه
قال / لأصحابه : لا تُثْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ حتى يَنْفَضُّوا. وقال: لئن رجعنا ١٠٩/٢٨
إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فسمِع بذلك زيدُ بنُ أرقمَ ، فأخبَر به رسولَ
اللَّهِ عَمِ، فدعاه رسولُ اللَّهِ صَ لِّ، فسأله عما أُخْبِر به عنه، فحلَف: إنه ما قاله،
وقيل له: لو أتَيْتَ رسولَ اللَّهِ بِ، فسأَلْتَه أن يستغفِرَ لك. فجعَل يَلْوِى رأسَه ،
ويحرِّكُه استهزاءً، ويعنى بذلك أنه غيرُ فاعلٍ ما أشاروا به عليه، فأنْزَل اللهُ عزَّ وجلَّ
فيه هذه السورةَ، من أولها إلى آخرِها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الأخبارُ.
ذكرُ الرواية التى جاءت بذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ،
عن زيدِ بنِ أرقمَ ، قال: خرَجْتُ مع عمى (١) فى غَزاةٍ ، فسمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ أبيِّ ابنَ
سَلُولَ يقولُ لأصحابِه : لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ حتى يَنْفَضُّوا ، لئن رجَعْنا
إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأَعَزُّ منها الأَذَلَّ . قال : فذكَوْتُ ذلك لعمى، فذكره عمى
الرسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ، فَأَرْسَل إلىّ، فحدَّثْتُه، فَأَرْسَل إلى عبدِ اللَّهِ عليًّا رضِى اللَّهُ عنه
وأصحابِهِ، فحلَفوا: ما قالوا. فكذَّبنى رسولُ اللَّهِ عِّهِ وصدَّقه. فأصابنى همّ لم
يُصِبنى مثلُه قطُّ ، فدخَلْتُ البيتَ، فقال لى عمى: ما أردتَ إلى(٢) أن كذَّبك رسولُ
اللَّهِ [٩٦٦/٢و] عَظِلّهِ ومقَتَك. قال: حتى أَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا جَآَكَ
(١) هنا وما سيأتى فى ت ٢، ت ٣: ((عمر)).
(٢) فى ت١، ت٣: ((إلا)).

٦٥٦
سورة المنافقون : الآية ٥
اُلْمُنَفِقُونَ﴾. قال: فبعث إلىَّ رسولُ اللَّهِ مَّهِ، فقرَأها، ثم قال: ((إن اللَّهَ عزَّ وجلَّ
قد صدَّقك یا زيدُ ))(١) .
حدَّثنا أبو كريبٍ والقاسمُ بنُ بشرِ بنِ معروفٍ ، قالا: ثنا يحيى بنُ أبى (١) تُكيرِ،
قال : ثنا شعبةُ، قال: الحكمُ أَخْبَرنى، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبِ القُرظىَّ ،
قال : سمِعْتُ زيدَ بنَ أَرقمَ قال : لما قال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيّ ابنُ سَلُولَ ما قال: لا تُنْفِقوا
على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ ، وقال: لئن رجَعنا إلى المدينةِ . قال: سمِعْتُه، فأتَيْتُ رسولَ
اللَّهِ ع ◌َلَهِ ، فذكَوْتُ ذلك، فلامَنى ناسٌ مِن الأنصارِ. قال: وجاء هو، فحلَف : ما
قال ذلك . فرجَعْتُ إلى المنزلِ فِيِمْتُ. قال: فأتانى رسولُ اللّهِ يَامٍ - أو بلَغنى -
فَأَتَيْتُ النبىَّ ◌َّهِ، فقال: ((إن اللَّهَ تبارك وتعالى قد صدَّقك وعذَرك)). قال: فنزَلَت
الآيةُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية(٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا هاشم أبو النضرِ، عن شعبةً، عن الحكم ، قال :
سمِعْتُ محمدَ بنَ كعب القرظيَّ، قال: سمِعْتُ زيدَ بنَ أرقمَ يُحَدِّثُ بهذا
(٤)
الحديثِ(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
(١) أخرجه أحمد فى المسند ٣٧٣/٤ (الميمنية) من طريق يحيى ابن آدم به، وأخرجه عبد بن حميد (٢٦٢)،
والبخارى (٤٩٠٠، ٤٩٠١، ٤٩٠٤)، والترمذى (٣٣١٢)، والطبرانى (٥٠٥١) من طريق إسرائيل به ،
وأخرجه البخارى (٤٩٠٣)، ومسلم (٢٧٧٢)، والنسائى فى الكبرى (١١٥٩٨)، والطبرانى (٥٠٥٠) من
طريق أبى إسحاق به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٢/٦ إلى ابن سعد وابن المنذر وابن مردويه.
(٢) سقط من ص، م. ينظر تهذيب الكمال ٢٤٥/٣١.
(٣) أخرجه البخارى (٤٩٠٢)، والنسائى فى الكبرى (١١٥٩٧)، والترمذى (٣٣١٤)، وعبد الله بن
أحمد فى زوائد المسند ٣٧٠/٤ - من طريق شعبة به .
(٤) أخرجه أحمد ٣٧٠/٤ (الميمنية) عن هاشم به .

٦٥٧
سورة المنافقون : الآية ٥
الحكم، عن محمدِ بنِ كعبِ القرظىّ ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال : كنا مع رسولٍ
اللَّهِ مَّهِ فى غزوةٍ ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أَبِيِّ: لئن رجَعنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها
الأذلَّ . قال: فَأَتَيْثُ رسولَ اللَّهِ مَِّلَّهِ فأخبَرَتُه، فحلَف عبدُ اللَّهِ بنُ أبيِّ: إنه لم يكنْ
شىءٌ مِن ذلك. قال: فلامنى قومى وقالوا: ما أرَدْتَ إلى هذا؟ قال : فانطلَقتُ
فنمْتُ كئيبًا - أو حزينًا - قال: فأرسَل إلىَّ نبىُ اللّهِ عَظِلّهِ، أو أَتَيْتُ / رسولَ ١١٠/٢٨
اللَّهِ مِّ ◌ِهِ، فقال: ((إن اللَّهَ قد أنزَل عُذْرَك وصدَّقك)). قال: ونزَلَت هذه الآيةُ:
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ ﴾ حتى
ج
بَلَغ: ﴿لَيْنِ تَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِ جَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلِّ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٌّ، قال: أَخْبَرنى ابنُ عونٍ ، عن محمدٍ ،
قال: سمِعَها زيدُ بنُ أرقمَ، فرفَعها إلى وليّه. قال: فرفَعها وليّه إلى النبيِّ عَ لَّه. قال:
فقيل لزيدٍ : وفَت أَذُنُك .
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورِ الرَّمَادِىُّ ، قال : ثنا إبراهيمُ بنُ الحكم بنِ أبانٍ ، قال :
ثنى أبى ، قال : ثنى بشيرُ بنُ مسلم ، أنه قيل لعبدِ اللَّهِ بنِ أبيّ : يا أبا حبابٍ ، إنه قد
أَنْزِل فيك آٌ شِدادٌ، فاذهَبْ إلى رسولِ اللَّهِ صَ لِّ يستغفِرْ لك. فلوَّى رأْسَه، وقال:
أمَرتمونى أن أومِنَ فَآمَنتُ، وأَمَرتمونى أن أُعطىَ زكاةَ مالى فأعطَيت، فما بقِى إلا أن
أسجدَ لمحمدٍ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوَأْ
يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ﴾ الآية كلها، قرَأَها إلى: ﴿ اَلْفَسِقِينَ﴾: أَنْزِلت فى
عبدِ اللهِ بنِ أبيّ؛ وذلك أن غلامًا مِن قرابته انطلَق إلى رسولِ اللَّهِ مَِّلِ، فحدَّثُه
(١) أخرجه أحمد ٣٦٨/٤ (الميمنية)، والنسائى فى الكبرى (١١٥٩٧) من طريق محمد بن جعفر به.
( تفسير الطبرى ٤٢/٢٢ )

٦٥٨
سورة المنافقون : الآيتان ٥ ، ٦
بحديثٍ عنه وأمرٍ شديدٍ ، فدعاه رسولُ اللَّهِ ◌ِّهِ، فإذا هو يحلِفُ ويتبرأُ مِن ذلك،
وأقبَلت الأنصارُ على ذلك الغلام ، فلاموه وعذَلوه، وقيل لعبدِ اللَّهِ : لو أتَّيْتَ رسولَ
اللَّهِ مَّهِ. فجعَلَ يُلَوِّى رأسَه . أى: لستُ فاعلًا، وكذَب على، فأَنْزَل اللَّهُ ما
تَسْمَعون .
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَمْ تَعَالَوَاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَّوْ رُءُوسَهُمْ ﴾. قال:
عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٌّ، قيل له: تَعالَ يستغفر لك رسولُ اللّهِ ◌َِّلِ. فلوَّى رَأْسَه، وقال:
ماذا قلتُ ؟(١)
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ ، قال : قال له
قومُه : لو أَتَيْتَ النبىَّ ◌َِّلّهِ فاستغفَر لك. فجعَل يُلَوِّى رَأْسَه، فنزَلَت فيه: ﴿ وَإِذَا قِلَ
لَّمْ تَعَالَوَاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الَّهِ﴾﴾(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن
٦
يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه [٩٦٦/٢ظ] لنبيِّه محمدٍ عَ اله: سواءٌ يا محمدُ على هؤلاء
١١١/٢٨ المنافقين الذين قيل لهم: تعالَوْا/ يستغفر لكم رسولُ اللَّهِ . أستغفرت لهم ذنوبهم،
﴿ أَمّ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ﴾. يقولُ: لن يصفحَ اللَّهُ لهم عن ذنوبهم،
بل يُعاقِبُهم عليها ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ لا يُوفِّقُ
(١) تفسير مجاهد ص ٦٦١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٤/٢ عن معمر به ومن طريقه ابن بشكوال فى غوامض الأسماء ٢/ ٧٦٤،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٦٥٩
سورة المنافقون : الآيتان ٦ ، ٧
للإيمانِ القومَ الكاذبينُ عليه ، الكافرين به ، الخارجين عن طاعته .
وقد حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال: نزَلَت هذه الآيةُ بعدَ الآيةِ التى فى سورة التوبةِ: ﴿إِن
[ التوبة: ٨٠]. فقال رسولُ
تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ .
اللَّهِ وَ لَّمِ: ((" سوف أستغفر لهم) زيادةً على سبعين مرةً)). فأَنْزَل اللَّهُ: ﴿سَوَآءُ
عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَّ﴾(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ
رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُسَفِقِينَ لَا
يَفْقَهُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾. يعنى المنافقين الذين يقولون
لأصحابِهِم(٤): ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ مِن أصحابِهِ المهاجرين،
﴿حَتَّى يَنْفَضُواْ ﴾. يقولُ : حتى يتفرَّقوا عنه .
وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآَبِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: وللَّهِ جميعُ ما فى
السماواتِ والأرضِ مِن شىءٍ، وبيدِه مفاتيح خزائنٍ ذلك، لا يقدرُ أحدٌ أن يُعْطِئَ
أحدًا شيئًا إلا بمشيئتِه، ﴿ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ أن ذلك كذلك؛ فلذلك
يقولون: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ عَ لَّمِ حتى ينفَضُّوا .
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((الظالمين)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٦ إلى المصنف.
(٤) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((لأصحابه)) .

٦٦٠
سورة المنافقون : الآية ٧
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ
ج
حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾. يقولُ: لا تُطْعِموا محمدًا وأصحابَه حتى تُصِيبَهم مَجاعةٌ
فيَتُ کوا نبيَّهم .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا
تُفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾ قَرَأها إلى آخرِ الآيةِ: وهذا قولُ
عبدِ اللهِ بنِ أبيّ لأصحابِهِ المنافقين: لا تُنْفِقوا على (١ محمدٍ وأصحابِه حتى يَدَعوه،
فإنكم لولا أنكم تُنْفِقون عليهم لتَرَكوه وأجلَوْا عنه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ
يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾: إن عبدَ اللهِ بنَ أبىّ
قال لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ ، فإنكم لو لم تُنْفِقوا عليهم قد
(٢)
انفَضُّوا(٢) .
١١٢/٢٨
/حُدِّثت عن الحسينِ ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ ﴾ .
ج
يعنى الرِّقْدَ والمعونةَ، وليس يعنى الزكاةَ المفروضةَ، والذين قالوا هذا هم المنافقون .
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ ، قال : ثنا أسدُ بنُ موسى ، قال: ثنا يحيى بنُ أبی
(١) بعده فى ت٢: ((من عند)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٣/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٦ إلى عبد بن حميد.