النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ سورة الممتحنة : الآية ١٢ يَشْتَحِلَّ له أمورَ أمرٍ إلا بشرطٍ، لم يَقُلْ: ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ﴾. ويتركَ، حتى قال: ﴿فِى مَعْرُوفٍ﴾ . فكيف يَنْبَغِى لأحدٍ أن يُطاعَ فى غيرٍ معروفٍ ، وقد اشْتَرط اللَّهُ هذا على نبيِّه؟ قال : فالمعروفُ كلُّ معروفٍ أمَرهن به فى الأمورِ كلِّها، ويَنْبَغى لهن ألا يَعْصِينَ (١) حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانِ القَزَّازُ، " ثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ، ثنا إسحاقُ بنُ عثمانَ أبو (٣) يعقوب٢) ، قال: ثنى إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عطيةَ، عن جَدَّتِهِ أُمِّ عطيةَ، قالت : لما قدِم رسولُ اللَّهِ مَّ ◌َهِ المدينةَ، جمَع بينَ نساءِ الأنصارِ فى بيتٍ ، ثم أرْسَل إلينا عمرَ بنَ الخطابِ ، فقام على البابِ فسلّم علينا، فردَدْنَ،/ أو: فردَدْنا عليه، ثم ٨١/٢٨ قال: أنا رسولُ رسولِ اللَّهِ مَّهِ إليكن. قالت: فقلنا: مرحبًا برسولِ اللَّهِ عَلَّهِ ، وبرسولِ رسولِ اللهِ . فقال: تُبَايِعْنَ على ألا تُشْرِكْنَ باللَّهِ شيئًا، ولا تَشْرِقْنَ، ولا تَزْنِينَ؟ قالت : قلنا : نعم. قال: فمدَّ يدَه مِن خارج البابِ أو البيتِ ، ومدَدْنا أيدينا مِن داخلِ البيتِ ، ثم قال: اللهمَّ اشْهَدْ. قالت: وأمَرَنا فى العيدين أن نُخْرِجَ فيه الحُّضَ والعَواتِقَ ، ولا جمعةً علينا ، ونهانا عن اتِّبَاع الجنازةِ . قال إسماعيلُ: فسأَلْتُ جدتى عن قولِ اللَّهِ: ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾. قالت: النياحةُ(٤). حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقىُّ ، قال : ثنا عمرُو بنُ أبى سلمةً ، عن زهیرٍ فى قولِ اللَّهِ : ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾. قال: لا يَخْلُو الرجلُ بامرأةٍ . وقولُه: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: إذا جاءك المؤمناتُ يُبايِعنك على (١) ينظر تفسير ابن كثير ١٢٧/٨. (٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٣) فى م: ((بن)). وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٥٩. (٤) أخرجه ابن سعد ٧/٨، وابن أبى شيبة ٣/ ٣٩٠، وأحمد ٤٠٨/٦ (الميمنية)، وأبو داود (١١٣٩)، والبزار (٢٥٢)، وأبو يعلى (٢٢٦)، وابن حبان (٣٠٤١)، والبيهقى ١٨٤/٣، وفى الشعب (٩٣١٧) وغيرهم من طريق إسحاق بن عثمان أبى يعقوب به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٩/٦ إلى عبد بن حميد وابن مردويه. ٦٠٢ سورة الممتحنة : الايتان ١٣،١٢ هذه الشروطِ، فبايعْهن، ﴿ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهُ﴾. يقولُ: سَلْ لهن اللَّهَ أن يَصْفَحَ عن ذنوبِهن، ويَسْتُرَها عليهن، بعفوِه لهن عنها. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو سترٍ على ذنوبٍ مَن تاب إليه من ذنوبِه، أن يُعَذِّبَه عليها بعدَ تويتِه منها . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ ١٣ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُرِ يقولُ تعالى ذكره للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ مِن اليهودِ، ﴿قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُرِ ﴾. واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قوله: ﴿قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ اٌلْقُبُورِ ﴾ ؛ فقال بعضُهم : معنى ذلك : قد يئس هؤلاء القومُ الذین غضِب اللَّهُ عليهم من اليهودِ ، مِن ثوابِ اللَّهِ لهم(١) فى الآخرةِ، وأن يُتْعَثوا، كما يُئِس الكفارُ الأحياءُ مِن أمواتِهم الذين هم فى القبورِ أن يَرْجِعوا إليهم . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمى ، قال : ثنی أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ [٩٥٨/٢ و] قولَهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية . يعنى: مَن مات مِن الذين كفروا، فقد يئِس الأحياءُ مِن الذين كَفَروا أن يَرْجِعوا إليهم، أو يَبْعَثَهم اللَّهُ(٢) . حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ، عن منصورِ بنِ (١) سقط من: م. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٢/٦ إلى المصنف. ٦٠٣ سورة الممتحنة : الآية ١٣ زاذانَ، عن الحسنِ (١) أنه قال فى هذه الآية: ﴿ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ﴾. قال: الكفارُ الأحياءُ قد يئسوا من الأمواتِ(٢). /حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿قَدْ ٨٢/٢٨ يَبِسُواْ مِنَ اْأَخِرَةِ﴾. يقولُ: بِئِسوا أن يُثْعَثُوا، كما يئِس الكفارُ أن يَرْجِعَ إليهم أصحابُ القبورِ الذين ماتوا (١) . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَكَأَُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ ﴾ الآية: الكافر لا يَرْجُو لقاءَ ميتِه ولا أجرَه (٤) . حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبٍ اٌلْقُبُورِ ﴾. يقولُ: مَن مات مِن الذين كفروا، فقد يئس الأحياء منهم أن يَرْجِعوا إليهم، أو يَتْعَثَهم اللَّهُ(٢). وقال آخرون : بل معنى ذلك : قد يئِسوا مِن الآخرةِ أن يَرْحَمَهم اللَّهُ فيها ، أو يَغْفِرَ لهم، كما يئِس الكفارُ الذين هم أصحابُ قبورٍ قد ماتوا ، وصاروا إلى القبورِ ، مِن رحمةِ اللَّهِ وعفوِهِ عنهم فى الآخرةِ؛ لأنهم قد أتقنوا بعذابِ اللَّهِ لهم . (١) فى م: ((الحسين)). (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢٩/٨. (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٩/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٦ إلى ابن المنذر، وزاد فى أوله : اليهود قد .... (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٦ إلى عبد بن حميد . ٦٠٤ سورة الممتحنة : الآية ١٣ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الحكم، عن مجاهدٍ فى هذه الآية: ﴿قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا بَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبٍ الْقُبُورِ ﴾. قال: أصحابُ القبورِ الذين فى القبورِ، قد يئسوا من الآخرةِ . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿قَدّ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ ﴾. قال : مِن ثوابٍ الآخرةِ حينَ تَبَيَّنَ لهم عملُهم ، وعاينوا النارَ(١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا محمدٌ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن سماكٍ ، عن عكرمةَ أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآخِرَةِ﴾ الآية . قال: أصحابُ القبورِ قد يئِسوا من الآخرةِ(٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الكلبىُ: ﴿ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ اْآَخِرَةِ﴾. يعنى: اليهودُ والنصارى، يقولُ: قد يئسوا مِن ثوابِ الآخرةِ وكرامتِها ، كما يئس الكفارُ الذين قد ماتوا ، فهم فى القبورِ - مِن الجنةِ، حينَ رأَوْا مقعدَهم مِن النارِ(٣) . حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿لَا نَتَوَلَّوْاْ قَوْمًا ﴾ الآية. قال: قد يئس هؤلاء الكفارُ مِن أن تكونَ لهم آخرةٌ ، كما يئس الكفارُ الذين ماتوا، الذين فى القبورِ، مِن أن تكونَ لهم آخرةٌ ؛ لِما عاينوا من أمرٍ (١) تفسير مجاهد ص ٦٥٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٦ إلى عبد بن حميد. (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٧١/١٣، ٥٧٢، وأبو نعيم في الحلية ٣٣٥/٣ من طريق شعبة به. (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٩/٢ عن معمر به . ٦٠٥ سورة الممتحنة : الآية ١٣ الآخرةِ، فكما يئس أولئك (١) الكفارُ، كذلك يئس هؤلاء الكفارُ. قال: والقومُ الذين غضِب اللَّهُ عليهم، يهودُ ، هم الذين يئسوا من أن تكونَ لهم آخرةٌ ، كما يئِس الكفارُ قبلَهم من أصحابِ القبورِ ؛ لأنهم قد علِموا كتابَ اللَّهِ، وأقاموا على الكفرِ به . وما صنَعوا وقد علِموا (١)؟ حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ فى قولِه: ﴿قَدْ يَيِسُواْ مِنَ اُلْآَخِرَةِ﴾ الآية. / قال: قد يئسوا أن يكونَ لهم ثواب الآخرةِ، كما يئس مَن فى القبورِ ٨٣/٢٨ مِن الكفارِ مِن الخيرِ، حينَ عايَنوا العذابَ والهَوانَ(٢). وأولى القولین فی ذلك عندی بالصواب قولُ مَن قال : قد بئس هؤلاء الذين غضِب اللَّهُ عليهم مِن اليهودِ ، من ثوابِ اللَّهِ لهم فى الآخرةِ وكرامته؛ لكفرِهم وتكذييهم رسولَه محمدًا عَلَِّ ، على علم منهم بأنه للَّهِ نبيٌّ، كما ◌ِئِس الكفارُ منهم الذين مضَوْا قبلَهم فهلَكوا ، فصاروا أصحاب القبورِ، وهم على مثلٍ الذى هؤلاء عليه، مِن تكذييهم عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وغيرَه مِن الرسلِ - من ثوابِ اللَّهِ وكرامته إياهم . وإنما قُلنا : ذلك أولى القولين بتأويل الآية ؛ لأن الأمواتَ قد يئِسوا مِن رجوعِهم إلى الدنيا، أو أن يُتْعَثوا قبلَ قيام الساعةِ ، المؤمنون والكفارُ، فلا وجهَ لأَن يُخَصَّ بذلك الخبرُ عن الكفارِ، وقد شَرِكهم فى الإياسِ من ذلك المؤمنون . آخرُ تفسيرِ سورة الممتحنةِ (١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢٩/٨. ٦٠٦ سورة الصف : الآيات ١ - ٣ [٩٥٨/٢ظ] تفسير سورةٍ الصفّ بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ اُلْأَرْضِ وَهُوَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كَبُرُ ٢ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ يقولُ جلَّ ثناؤه : سبَّحَ للهِ ما فى السماواتِ السبعِ ، وما فى الأرضِ من الخلقِ، مُذْعِنين له بالألوهةِ والربوبيةِ، وهو العزيزُ فى نقمتِه ممن عصاه منهم، فكفَر به، وخالَف أمرَه ، الحکیمُ فی تدبيره إياهم . وقولُه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين(١) صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، لمَ تَقُولون القولَ الذى لا تُصَدِّقونه بالعملِ؟ فأعمالُكم مخالفةٌ أقوالَكم، ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: عظُم مقتا عندَ ربِّكم قولُكم ما لا تَفْعَلون . واختَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى من أجلِه أُنْزِلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: أَنْزِلت توبيخًا مِن اللَّهِ لقومٍ من المؤمنين، تمنَّوْا معرفةً أفضلِ الأعمالِ، فعرّفهم اللَّهُ إياه، فلمَّا عرَفوا قصَّروا، فعُوتِبوا بهذه الآيةِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال: كان ناسٌ مِن المؤمنين قبلَ أن يُفْرَضَ الجهادُ يقولون: / لَودِدْنا أن اللَّهَ دَّنا على أحبّ الأعمالِ إليه ٨٤/٢٨ (١) بعده فى ص، م: ((آمنوا)). ٦٠٧ سورة الصف : الآيتان ٢ ، ٣ فَتَعْمَلُ به . فأخْبَرِ اللَّهُ نبيّه أن أحبَّ الأعمالِ إليه إيمانٌ باللَّهِ لا شكَّ فيه، وجهادُ أهلِ معصيتِه الذين خالَفوا الإِيمانَ ولم يُقِرُّوا به ، فلما نزَل الجهادُ كرِه ذلك أناسٌ من المؤمنين، وشقَّ عليهم أمرُه، فقال اللَّهُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾(١). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْثًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾. قال: كان قومٌ يقولون: واللَّهِ لو أنا نَعْلَمُ ما أحَبُّ الأعمالِ إلى اللَّهِ لعَمِلْناه. فَأَنْزَلَ اللَّهُ على نبيّه عَ لَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُوْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بُنْيَانٌ مَّرْصُوصُ ﴾ [الصف: ٤]. فدَّهم على أحبّ الأعمالِ إليه (٢) . حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ بُحَادةً، عن أبى صالح، قال: قالوا: لو كنا نَعْلَمُ أُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللَّهِ وأفضلُ؟ فنزَلَت : ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَذُلُكُمْ عَلَى تَِزَقِ شُجِيَكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [ الصف: ١٠]. فكرِهوا، فَنزَلَت: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾(٣) . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾. فيما بينَ (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٢/٨ عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/٦ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٣) أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢) عن سفيان به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . ٦٠٨ سورة الصف : الآيتان ٢ ، ٣ ذلك: فى نفرٍ مِن الأنصارِ، فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ، قالوا فى مجلسٍ : لو نَعْلَمُ أَىُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللَّهِ لَعمِلْنا بها حتى نموتَ . فَأَنْزَل اللَّهُ هذا فيهم ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ: لا أزالُ حَبيسًا فى سبيلِ اللَّهِ حتى أموتَ. فقُتِل شهيدًا (١). وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ فى توبيخ قومٍ مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ عَهِ ، كان أحدُهم يَفْتَخِرُ بالفعلِ مِن أفعالِ الخيرِ التى لم يَفْعَلْها ، فيقولُ: فَعَلْتُ كذا وفعلتُ(٢) كذا. فعذَلهم اللَّهُ على افتخارِهم بما لم يَفْعَلوا كذبًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قولِه : ◌ْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال: بلَغَنى أنها كانت فى الجهادِ ، كان الرجلُ يقولُ : قاتَلْتُ وفعَلْتُ. ولم يَكُنْ فَعَل، فوعَظَهم اللَّهُ فى ذلك أشدَّ الموعظةٍ(). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: يُؤْذِنُهمٌ) ويُعْلِمُهم كما تَسْمَعون، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ﴾. وكانت رجالٌ تُخْبِرُ فى القتالِ بشىءٍ لم يَفْعَلوه ولم يَبْلُغوه، فوعَظَهم اللَّهُ فى ذلك موعظةً بليغةً، فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ بُنَْنٌ مَّرْصُوصٌ﴾. حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: [٩٥٩/٢و] ثنا عبيدٌ ، قال: (١) تفسير مجاهد ص ٦٥٨، وأخرجه عبد الله بن المبارك فى الجهاد (٣) - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٩٠/٢٨ - من طريق ابن جريج ، عن مجاهد نحوه . (٢) سقط من: م . (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٠/٢ عن معمر به . (٤) فى ت ٢، ت ٣: ((يوعظهم)). ٦٠٩ سورة الصف : الآ يتان ٢، ٣ سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: أَنْزَل اللَّهُ هذا ٨٥/٢٨ فى الرجلِ يقولُ فى القتالِ ما لم يَفْعَلْه مِن الضربِ والطعنِ والقتلِ، قال اللَّهُ : كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وقال آخرون : بل هذا توبيخٌ مِن اللَّهِ لقوم مِن المنافقين، كانوا يَعِدُون المؤمنين النصرَ، وهم كاذبون . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ : كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: يقولون للنبيِّ عَ لَه وأصحابِه : لو خرَجْتُم خرَجْنا معكم، وكنا فى نصرِكم، وفى ، وفى. فأخْبَرهم أنه ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا نَفْعَلُونَ﴾(١). وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال : عُنِى بها الذين قالوا : لو عرَفْنا أحبَّ الأعمالِ إلى اللَّهِ لعمِلْنا به . ثم قصَّروا فى العملِ بعدَ ما عرَفوا . وإنما قلتُ : هذا القولُ أولى بها؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه خاطَب بها المؤمنين، فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. ولو كانت نزَلَت فى المنافقين لم يُسَمَّوْا ولم يُوصَفوا بالإِيمانِ، ولو كانوا وصَفوا أنفسهم بفعلٍ ما لم يكونوا فعلوه، كانوا قد تعَمَّدوا قِيلَ الكذبِ ، ولم يكن ذلك صفةَ القومِ، ولكنهم عندى أمَّلوا بقولهم : لو علِمْنا أحبَّ الأعمالِ إلى اللَّهِ عمِلْناه . أنهم لو علموا بذلك عمِلوه، فلمَّا علِموا ضعُفَت قُوَى قوم منهم عن القيام بما أمَّلوا القيامَ به قبلَ العلم ، وقَوِى آخرون فقاموا به، وكان لهم الفضلُ والشرفُ . (١) ذكره البغوى فى تفسيره ١٠٨/٨، وابن كثير فى تفسيره ١٣٢/٨. ( تفسير الطبرى ٣٩/٢٢ ) ٦١٠ سورة الصف : الآيات ٢ - ٤ واختَلَف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك، وفى وجهِ نصبٍ قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾؛ فقال بعضُ نحوبى البصرةِ: قال: ﴿كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ﴾. أى: كبُر مقتُكم مقتًا. ثم قال: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ أى(١) : قولُكم. وقال بعضُ نحويى الكوفةِ(٢): قولُه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. كان المسلمون يقولون: لو نَعلمُ أىُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللهِ لأتيناه ولو ذهَبت فيه أنفسنا وأموالُنا. فلما كان يوم أحدٍ نزَلوا عن النبيِّ مَ لِّ حتى شُجَّ وكُسِرَت رَبَاعِيَتُه، فقال: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ثم قال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ ﴾: كبرُ ذلك مقتًا. أى: فـ ((أن)) فى موضع رفع؛ لأن ﴿كَبُرَ﴾. كقوله: بئس رجلًا أخوك. وقولُه: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ [غافر: ٣٥]. أُضْمِر فى ﴿كَبُرَ﴾ اسمُ يكونُ مرفوعًا . والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن قوله: ﴿ مَقْتًا﴾. منصوبٌ على التفسيرِ ؛ كقول القائلِ : كبرُ قولًا هذا القولُ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ يقولُ تعالى ذكرُه للقائلين: لو علِمْنا أحبَّ الأعمالِ إلى اللَّهِ لعمِلْناه حتى نموتَ: إِنَّ اللهَ أيُّها القومُ / ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا(٣)﴾. يعنى: فى طريقه ودينِه الذى دعا إليه، ﴿صَفَّا﴾. يعنى بذلك أنهم يُقاتِلون أعداءَ ٨٦/٢٨ (١) فى م، ت ٢: ((أذى)). (٢) هو الفراء فى معانى القرآن ٣/ ١٥٣. (٣) فى م: (( كأنهم)) . ٦١١ سورة الصف : الآية ٤ اللَّهِ مُصْطَفِّين . وقولُه: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَرْصُوصُ﴾. يقولُ: يُقاتِلون فى سبيلِ اللَّهِ صفًّا مُصْطَقًّا، كأنهم فى اصطفافِهم هنالك حِيطانٌ مبنيةٌ ، قد رُصَّ، فأُحْكِم وأُتْقِن ، فلا يُغادِرُ منه شيئًا. وكان بعضُهم يقولُ: ثُنِى بِالرَّصاصِ. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ- صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصُ﴾: ألم تَرَإلى صاحبٍ البُنيانِ كيف لا يُحِبُّ أن يَخْتَلِفَ بنيانُه، كذلك تَبَارَك وتعالى لا يَخْتَلِفُ أمرُه، وإن اللَّهَ وصَف المؤمنين فى قتالِهم وصْفَهم فى صلاتِهم ، فعليكم بأمرِ اللَّهِ ، فإنه عِصْمةٌ لمن أخذ به(١). حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾. قال: والذين صدَّقوا قولَهم بأعمالِهم ، هؤلاء. قال: وهؤلاء لم يُصَدِّقوا قولَهم بالأعمالِ؛ لَّ خرَج النبيُّ مَِّ نَكَصوا عنه وتخَلَّفوا . وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: إنما قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا﴾. ليدلَّ على أن القتالَ راجلا أحبُّ إليه مِن القتالِ فارسًا؛ لأن الفُرسانَ لا يَصْطَقُّون، وإنما يَصْطَفُّ(٢) الرَّجَالةُ . (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٤/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) فى م، ت ١: ((تصطف)). ٦١٢ سورة الصف : الآيتان ٤، ٥ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی سعیدُ بنُ عمرو الشّگونُ ، قال : ثنا بقیةُ بنُ الولیدِ ، عن أبی بکرِ بنِ أبی مريمَ، عن يحيى بنِ جابر الطائىِّ، عن أبى بَحْريةَ، قال: كانوا يَكْرَهون القتالَ على الخيلِ، ويَسْتَحِبُّون القتالَ على الأرضِ، لقولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُم بُنْيَكِنٌ مَرْصُوصُ﴾. قال: وكان أبو بَخْرِيةً يقولُ: إذا رأَيْتُمُونِى الْتَفَتُّ فى الصفّ، فجَثُوا(٢) فى تَخْى(٢). القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَدْ تَّعْلَمُونَ أَنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ [٩٥٩/٢ظ] يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّله: واذْكُرْ يا محمدُ إذ قال موسى ابنُ عِمْرانَ لقومِه: يا قومٍ لم تُؤْذوننى وقد تَعْلمون حقًّا ، أنى رسولُ اللهِ إليكم . وقولُه: ﴿فَلَمَا زَاغُواْ﴾. يقولُ: فلمَّا عدَلوا وجارُوا عن قصدِ السبيلِ، أَزَّاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمَّ﴾. يقولُ: أمال اللَّهُ قلوبَهم عنه . وقد حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيْمٌ ، قال: أخبرنا العَوَّامُ ، قال : ثنا أبو غالبٍ، عن / أبى أمامةَ فى قولِه: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. قال: هم الخوارج (٣) ٨٧/٢٨ (١) جَئُوا: من: وَجأ فلانا وَجْئًا ووِجاءً: دفعه بجُمْع كفه فى الصدر أو العنق. الوسيط (وج أ). (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٤/٨ عن المصنف . (٣) أخرجه عبد الله بن أحمد فى السنة (١٥٣٥)، والخلال فى السنة (١٣٨) من طريق هشيم به. ٦١٣ سورة الصف : الآيتان ٥، ٦ ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ لا يُوَفِّقُ لإصابةِ الحقِّ القومَ الذين اختاروا الكفرَ على الإيمانِ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِىّ إِسْرَِّ يِلَ إِنَِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ الثَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ بَأَنِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ: أَحْمَدٌّ فَلَمَّا جَآءَ هُم ◌ِلْبَيِّنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ يقولُ تعالى ذكره : واذْكُرْ أيضًا يا محمدُ إِذ قال عيسى ابن مريمَ لقومِهِ مِن بنى إسرائيلَ: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِّ رَسُولُ الَّهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَةِ ﴾ التى أَنْزِلَت على موسى، ﴿ وَمُبَتِرًا﴾ أُبَشِّرُكم ﴿رَسُولٍ﴾ للهِ(١) ﴿يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُر حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى معاويةُ بنُ صالح، عن سعيدِ بنِ سُوَيْدٍ، عن عبدِ الأعلى بنِ هلالِ السُلَميِّ، عن عِرْباضٍ بنٍ ساريةً، قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ عَ لَه يقولُ: ((إنى عندَ اللَّهِ مكتوبٌ لخَتُمُ النبيين وإن آدمَ لَمُنْجَدِلٌ فى طِينِهِ، وسأَخْبِرُكم بأولِ ذلك؛ دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبِشارةُ عيسى بى، والرُّؤيا التى رأْت أمى - وكذلك أمهاتُ النَّبين يَرَيْن - إنها رأَت حينَ وضَعَتْنى أنه خرَج منها نورٌ أضاءت منه قصورُ (٢) الشام)) () . ﴿فَمَّا جَآءَهُمْ بِلْبِنَتِ ﴾ يقولُ: فلما جاءهم أحمدُ بالبيناتِ ، وهى الدلالاتُ التى آتاه اللَّهُ حججًا على نبوتِه، (قالُوا هَذَا ساحٌ(٢) مُبِينٌ) يقولُ: ثُبِينُ(١) ما أتَى به (١) سقط من : م. (٢) تقدم تخريجه فى ٢ / ٥٧٣، ٥٧٤. (٣) فى م: ((سحر)). وهما قراءتان كما تقدم فى ١١٥/٩، ١١٦. ٦١٤ سورة الصف : الآيات ٦ - ٨ غيرَ أنه(١) ساحرٌ(٢) . القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَ ٧ إِلَى الْإِسْلَمِّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَّلِنَ يقولُ تعالى ذكره : ومَن أشدُّ ظلمًا وعدوانًا ممن اختَلَق على اللَّهِ الكذبَ ، وهو قولُ قائلِهِم للنبىِّ عَّهِ: هو ساحرٌ وما(٢) جاء به سحرٌ. فكذلك افتراؤُه على اللَّهِ الكذبَ ﴿ وَهُوَ يُدْعَىَ إِلَى الْإِسْلَمِ﴾. يقولُ: إذا دُعِى إلى الدخولِ فى الإسلامِ قال على اللَّهِ الكذبَ، واقْتَرَى عليه الباطلَ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوَمَ اَلَّلِينَ ﴾. يقولُ: واللَّهُ لا يُوَفِّقُ القومَ الذين ظلموا أنفسَهم بكفرِهم به لإصابةِ الحقِّ . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطِفِئُواْ نُوَرَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَاللَّهُ مُنِمُ نُورِهٍ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ ٨ ٨٨/٢٨ / يقولُ تعالى ذكرُه: يريدُ هؤلاء القائلون لمحمدٍ عَ لَّهِ: هذا ساحرٌ مبينٌ. ◌ِيُطْفِئُوْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: يُريدون ليُبطلوا الحقَّ الذى بعَث اللهُ به محمدًا عَلِ بأفواهِهم. يعنى بقولهم: إنه ساحرٌ وما جاء به سحرٌ. ﴿وَاللَّهُ مُتُّ نُورِهِ﴾ يقولُ: واللَّهُ مُعْلنٌ الحقَّ، ومظهرٌ دينَه، وناصرٌ محمدًا عَ لَه على مَن عاداه، فذلك إتمامُ نورِهِ. وُنِى بالنورِ فى هذا الموضعِ الإسلام. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ: عُنِى به القرآنُ . حدَّثنى يونُس، قال: أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ لِيُطْفِتُواْ نُورَ اَللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ﴾. قال: نورَ القرآنِ . (١) فى م: ((أننى)) . (٢) المعنى: يبين أنه لم يأتِ بما أتى به إلا لأنه ساحر. فـ ((ما)) نافية وليست موصولة. (٣) فى م: ((لما)). ٦١٥ سورة الصف : الآيتان ٨، ٩ واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيّين: ( مُتِمّ) بالتنوين ) (نُورَهُ) بالنصبِ (١) . وقرأه بعضُ قرأةٍ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ ﴿ مُثْمٌ﴾ بغيرِ تنوينٍ ﴿نُورِهِ﴾ خفضًا (١). وهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ عندَنا . وقولُه: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ ﴾. يقولُ: واللهُ مظْهِرٌ دينَه، وناصرٌ رسولَه، ولو كرِهِ الكافرون باللّهِ . القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِبُظْهِرَةُ عَلَى الْذِينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ٩ يقولُ تعالى ذكره : اللهُ الذى أرسَل رسولَه محمدًا ﴿بِالْهُدَى﴾. يعنى : ببيانٍ الحقِّ، ﴿ وَدِينِ الْحَقِّ﴾. يعنى: وبدينِ اللهِ، وهو الإِسلامُ. [٩٦٠/٢ و] وقوله: ﴿لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. يقولُ: لِيُظهِرَ دينَه الحقَّ الذى أرسَل به رسولَه على كلِّ دینِ سِواه ؛ وذلك عندَ نزولَ عيسى ابن مريمَ، وحينَ تصِيرُ المَلَّهُ واحدةً ، فلا يكونُ دينٌ غيرُ الإسلامِ . كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن أبى المقدامِ ثابتِ بنِ هُزْمُزَ، عن أبى هريرةَ: ﴿لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّ﴾. قال: خروج عيسى ابن مريم(٤). وقد ذكَرْنا اختلافَ المختلفِين فى معنى قوله: ﴿لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّمِ﴾. والصوابَ لدينا مِن القولِ فى ذلك بعللِه فيما مضى ، بما أغنى عن إعادتِه فى هذا (١) سقط من: م . (٢) وهى قراءة نافع وأبى بكر وابن عامر وأبى جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢٨٩/٢ . (٣) وبها قرأ ابن كثير وحفص وحمزة والكسائى وخلف . المصدر السابق . (٤) تقدم تخريجه فى ٤٢٣/١١. ٦١٦ سورة الصف : الآيات ٩ - ١١ (١) الموضعِ(). وقد حدَّثنی(٢) عبدُ الحميدِ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا الأسودُ بنُ العلاءِ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ قالت: إنَّ رسولَ اللَّهِ عِ لْخِ كان يقولُ: ((لا يَذْهبُ الليلُ والنهارُ حتى تُعبدَ اللَّاتُ والعُزَّى)). فقالت عائشةُ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إن كنتُ لأظنُّ حِينَ أَنزَلَ اللَّهُ: ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ﴾ الآية. أنَّ ذلك سيكونُ تامًّا. فقال: ((إنه سيكونُ مِن ذلك ما شاء اللَّهُ، ثم يَبْعثُ اللَّهُ ريحًا طيبةٌ ، فيتوقَّى مَن كان فى قلْبِهِ مثقال حبةٍ مِن خَرْدلٍ مِن خيرٍ ، فيَثْقَى مَن لا خيرَ فيه، فیَرْجِعُون إلى دينِ آبائِهم)) (١) . / القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تَِرَةٍ ثُجِيكُ مِّنْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُ عَذَابٍ أَلِيم ( ٨٩/٢٨ إِن كُمْ نَعْلَمُونَ يقولُ تعالى ذكره : يأيُّها الذين آمنوا باللهِ ، هل أدُلُّكم على تجارةٍ تنجكيم من عذابٍ موجِعٍ؟ موجعٍ، وذلك عذابُ جَهنَّمَ . ثم بين لنا جلَّ ثناؤه ما تلك التجارةُ التى تُنجِينا من العذابِ الأليم، فقال: ﴿نُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمدٍ ◌ِ له. فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقد قيل لهم: ﴿ يَأَيُها (١) ينظر ما تقدم فى ١١ / ٤٢٢، ٤٢٣. (٢) سقط من الإسناد شيخ المصنف وشيخ شيخه ، فقد تقدم فى ١٤/ ١٢٢: حدثنا أبو كريب ، قال ثنا أبو أسامة ، عن عبد الحميد بن جعفر. وفى ٢٥/١٥: حدثنى موسى بن عبد الرحمن ، ثنا أبو أسامة ، عن عبد الحميد بن جعفر. وفى ٤١٣/١٨: حدثنا أبو هشام الرفاعى ، ثنا أبو أسامة ، ثنى عبد الحميد بن جعفر. (٣) أخرجه مسلم (٢٩٠٧)، وأبو يعلى (٤٥٦٤)، والحاكم ٤ / ٤٤٦، ٤٤٩، وأبو عمرو الدانى فى الفتن (٤٢٦)، والبيهقى ١٨١/٩ من طريق عبد الحميد بن جعفر به . ٦١٧ سورة الصف : الآيتان ١٠، ١١ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. فَوَصَفهم بالإِيمانِ ؟ فإن الجوابَ فى ذلك نظيرُ جوابِنا فى قولِه : ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ ﴾ [النساء: ١٣٦]. وقد مضى البيانُ عن ذلك فى موضِعِه بما أغنى عن إعادتِه(٢) . وقولُه: ﴿وَتُّجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وتجاهدون فى دينِ اللَّهِ وطريقِه الذى شَرَعه لكم، بأموالكم وأنفسِكم، ﴿ذَلِكُمْ خٌَّ لَكُ﴾ . يقولُ: إيمانُكم باللّهِ ورسوله وجهادُ كم فى سبيلِ اللَّهِ بأموالكم وأنفسكم، خيرٌ لكم من تضييعِ ذلك والتفريطِ، ﴿إِن كُ نَعْلَمُونَ﴾ مضارَّ الأشياءِ ومنافعَها . وذُكِر أن ذلك فى قراءةٍ عبدِ اللهِ : (آمِنُوا بِاللهِ) على وجْهِ الأمرِ(٣). وبيّنتِ التجارةُ من قولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَزَقِ نُحِكُ﴾. وفُشّرت بقولِه: ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾. ولم يقلْ: أن تُؤْمِنوا. لأن العربَ إذا فَسَرت الاسمَ بفعلٍ، تُثْبِتُ فى تفسيرِه ((أنْ)) أحيانًا، وتَطْرَحُها أحيانًا؛ فتقولُ للرجلِ : هل لك فى خيرٍ ، تَقُومُ بنا إلى فلانٍ فنعودَه؟ هل لك فى خيرٍ ، أن تقومَ إلى فلانٍ فنعودَه؟ بـ(( أن )) وبطرحِها . ومما جاء فى الوجهين على الوجهين جميعًا قولُه: ﴿فَلْتْظُرِ الْإِنْسَنُ إِلَى طَعَامِهِ: أَنََّ ﴾، و(إِنَّا) [عبس: ٢٤، ٢٥]. فالفتحُ فى ((أنّا)) لغةُ مَن أدخَل فى ((تَقُومَ)): ((أن))، مِن قولهم : هل لك فى خيرٍ أن تقومَ؟ والكسرُ فيها لغةُ من يُلْقِى ((أن)) مِن ((تَقُومَ)). ومنه قولُه: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ﴾، و(إِنّا دَمَّوْناهم) [النمل: ٥١]. على ما بيِّنا(*). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ (١) فى ص، م: (( بوصفهم)) . (٢) ينظر ما تقدم فى ٧ / ٥٩٤، ٥٩٥, (٣) معانى القرآن للفراء ١٥٤/٣، والبحر المحيط ٢٦٣/٨. (٤) ينظر ما تقدم فى ٩٤/١٨، ٩٥ . ٦١٨ سورة الصف : الآيات ١٠ - ١٤ هَلْ أَدْلُكُمْ عَلَى تَِزَقِ نُحِيكُمْ﴾ الآية: فلولا أن اللَّهَ بيَّنها، ودلَّ عليها المؤمنين، لتَلَّفَ عليها رجالٌ أن يكونوا يَعْلَمونها، حتى (يَضِنُوا بها)، وقد دلَّكُمُ اللَّهُ عليها، وَأَعْلَمَكم إِيَّها فقال: ﴿ نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خٌَّ لَّكُمْ إِنْ كُمْ نَُنَ﴾(١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿يَأَيُهَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَُهِدُونَ فِى الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَرَقِ / نُجِيكُ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٩٠/٢٨ سَبِيلِ اللَّهِ﴾﴾. قال: الحمدُ للَّهِ الذى بَيَّنَها (١). القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْ خِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا اُلْأَنْهَرُ وَمَسَكِنَ طَنِبَةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْغَوْزُ الْعَظِيمُ يقولُ تعالى ذكره: يستُرْ عليكم ربُّكم ذنوبكم إذا أنتم فَعَلُم ذلك ، فيصفحُ عنكم ويعفو ، ﴿ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحِهَا الْأَنْهَرُ﴾. يقولُ: ويُدخِلْكُم بساتينَ تجرى من تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿وَمَسَكِنَ طِبَةً﴾. [٩٦٠/٢ظ] يقولُ: ويُدْخِلْكم أيضًا مساكنَ طيبةٌ ، ﴿فِ جَنَّتِ عَدْنٍ﴾. يعنى: فى بساتينِ إقامةٍ ، لا ظَعْنَ عنها . وقولُه: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: ذلك النَّجَاءُ العظيمُ مِن نَكالِ الآخرةِ وأهوالها . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ قَرِيبٌ وَبَثْرِ ◌َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُنُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ ١٣ اُلْمُؤْمِنِينَ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِّ قَالَ الْحَوَارِثُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَتَامَنَت ◌َائِفَةٌ مِّنْ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَتْ (١ - ١) فى الدر المنثور: ((يطلبوها)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٦ إلى عبد بن حميد. (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٠/٢ عن معمر به . ٦١٩ سورة الصف : الآيتان ١٣، ١٤ طَِّفَةٌ فَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَهِنَ ١٤ اختلف أهلُ العربيةِ فيما نَعَتَت به قولُه: ﴿وَأُخْرَى﴾؛ فقال بعضُ نحونِّى البصرة : معنى ذلك: وتجارةٍ أُخْرى. فعلى هذا القولِ يجبُ أن تكونَ ((أخرى)) فى موضعٍ خفضٍ، عطفًا به على قولِه: ﴿ هَلْ أَدُّكُمْ عَلَى تِجَزَوْ نُحِيَكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ رفعًا على الابتداءِ . وكان بعضُ نحونِّى الكوفةِ(١) يقولُ: هى فى موضع رفع. أى: ولكم أُخْرى فى العاجلِ، مع ثوابِ الآخرةِ، ثم قال: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ مفسّرًا لـ ((الأخرى)). والصوابُ من القولٍ فى ذلك عندى القولُ الثانى، وهو أنَّه معنیٌ به: ولكم أُخرى تُحبّونها. لأن قولَه: ﴿نَصْرُ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ فَرِيبٌ ﴾ مبِينٌ عن أن قولَه : ﴿ وَأُخْرَى﴾ فى موضع رفع، ولو كان جاء ذلك خفضًا، حَسُن أن يُجعَلَ قولُه: ﴿ وَأُخْرَى﴾ عطفًا على قولِه: ﴿ تِحَقٍ﴾، فيكونَ تأويلُ الكلام حينئذٍ لو قُرِئ ذلك خفضًا : وعلى خَلَّةٍ أخرى تُّونها. فمعنى الكلام إذًا إِذْ(٢) كان الأمر كما وصَفتُ : هل أدلّكم على تجارةٍ تُنجيكم من عذابٍ أليم؟ تؤمنون باللهِ ورسوله، يَغْفِرْ لكم ذنوبكم، ويُدْخِلْكم جناتٍ تجرى من تحتها الأنهارُ، ولكم خَلةٌ أُخری سوى ذلك فى الدنيا تُحُونها؛ نصرٌ من اللَّهِ لكم على أعدائِكم، وفتحّ قريبٌ يعجِّلُه لكم . /﴿ وَيَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَلَه: وبشِّرْ يا محمدُ ٩١/٢٨ المؤمنين بنصرِ اللَّهِ إِيَّاهم على عدوّهم، وفتح عاجلٍ لهم. وقولُه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ﴾. اختلَفت القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامّةُ قرَأَةِ المدينةِ والبصرةِ: (كُونُوا أَنْصَارًا للَّهِ) بتنوينِ ((الأنصارِ))(٢). وقرأ (١) هو الفراء فى معانى القرآن ١٥٥/٣. (٢) سقط من : م . (٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وأبى جعفر. ينظر النشر ٢٨٩/٢. ٦٢٠ سورة الصف : الآية ١٤ ذلك عامةُ قرَأَةِ الكوفةِ بإضافةِ ((الأنصارِ)) إلى ﴿اللَّهِ ﴾﴾(١). والصوابُ من القولٍ فى ذلك(١) أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَتِهما قرأ القارىءُ فمصيبٌ . ومعنى الكلام: يأيها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، كونوا أنصارَ اللَّهِ كما قال عيسى ابن مريمَ للحواربين: ﴿ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ﴾ . يعنى : مَن أنصارِى منكم إلى نُصْرةِ اللَّهِ لِى؟ وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثْنى به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ الَّهِ ﴾. قال: قد كانت للَّهِ أنصارٌ من هذه الأمةِ ، تجاهدُ على كتابِهِ وحقِّه ، وذُكِر لنا أنه بايعَه ليلةَ العقبةِ اثنان وسبعون رجلاً من الأنصارِ، ذُكِر لنا أن بعضَهم قال : هل تدرون علامَ تُبايعون هذا الرجلَ؟ إنَّكم تبايعون على محاربةِ العربِ كلِّها أو يُسلِموا . ذُكر لنا أن رجلًا قال: يا نبيَّ اللَّهِ، اشتَرطْ لربِّك ولنفسِك ما شِئْتَ. قال: ((أشْتَرطُ لرِّى أن تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا ، وأُشْتَرطُ لنفسِى أن تمتَعونى مما منَعتم منه أنفسكم وأبناء كم)) . قالوا : فإذا فعَلنا ذلك فما لنا يا نبىَّ اللَّهِ؟ قال: ((لكم النصرُ فى الدنيا، والجنةُ فى الآخرةِ)). ففعلوا، ففعَل اللَّهُ(٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿ كُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنصَارِىّ إِلَى اللهِ ﴾. قال: قد كان ذلك (١) وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. النشر ٢٨٩/٢. (٢) بعده فى م: ((عندى)) . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.