النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١
سورة الممتحنة : الآية ١
النبىُّ عَظِلّهِ: ((أليس قد شَهِد بدرًا؟)). قال: بلى، ولكنه قد نكَث وظاهر أعداءَك
عليك. فقال النبىُ عَ لَّهِ: ((فلعل اللَّهَ قد (١) اطَّلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما
شِئْتَم)). ففاضَتْ عينا عمرَ ، وقال: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. فَأَرْسَل إلى حاطبٍ، فقال: (( ما
حمَلك على ما صنَعْتَ؟)). فقال: يا نبيَّ اللَّهِ ، إنى كنتُ امرأُ مُلْصَقًا فى قريشٍ، وكان
لى بها أهلٌ ومالٌ ، ولم يكنْ مِن أصحابِك أحدٌ إلا وله بمكةَ مَن يمنَعُ أهلَه ومالَه، فكتبْتُ
إليهم، فذلك، واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ إنى لمؤمنٌ باللَّهِ وبرسولِه. فقال النبيُّ عَ لَّهِ: ((صدَق
حاطبٌ ، فلا تقولوا لحاطبٍ إلا خيرًا )). فقال حبيبُ بنُ أبى ثابتٍ: فأنزَل اللَّهُ عزَّ
وجلّ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ﴾ الآية(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنا عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ
إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: نزَلت فى رجلٍ كان مع النبيِّ عَ لَّهِ بالمدينةِ مِن قريشٍ،
كتَب إلى أهله وعشيرتِه بمكةَ يخبِرُهم وينذِرُهم أنَّ رسولَ اللَّهِ عَلَه سائرٌ إليهم،
فَأُخْبِر رسولُ اللَّهِ ◌ِ ◌ِّهِ بصحيفتِه، فبعَث إليها علىَّ بن أبى طالب رضى اللَّهُ عنه، فأتاه
(٣)
بها
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، قال : ثنى محمدُ بنُّ إسحاقَ ، عن محمدٍ
ابنِ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِهِ مِن علمائنا ، قالوا: لما أجمَع
رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ السيرَ إلى مكةَ، كتَب حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ كتابًا إلى قريش يخبرُهم
بالذى أَجْمَع عليه رسولُ اللَّهِ وَّهِ مِن الأمرِ فى السيرِ إليهم، ثم أَعْطاه امرأةٌ - يزعُمُ
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٣٩٧)، وابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ١١٠/٨ - من طريق أبى
سنان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٦ إلى ابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٦ إلى ابن مردويه.
( تفسير الطبرى ٣٦/٢٢ )
٥٦٢
سورة الممتحنة : الآية ١
٦٠/٢٨
محمدُ بنُ جعفرٍ أنَّها مِن مُزَيْنَةَ، وزعَم غيرُه أنَّها سارَةُ؛ مولاةٌ لبعضٍ بنِى عبدٍ
المطلبِ - / وجعَل لها جُعْلًا على أن تُبلِّغَه قريشًا، فجعَلتْه فى رأسِها ، ثم فتَلتْ عليه
قرونَها ، ثم خرَجَتْ به، وأتى رسولَ اللَّهِ عْظَمِ الخبرُ مِن السماءِ بما صنَع حاطبٌ ،
فبعَثْ علىَّ بنَ أبى طالبٍ والزُّبِيرَ بنَ العوَّامِ رضى اللَّهُ عنهما، فقال: ((أَدْرِ كا امرأةً قد
كتَب معها حاطبٌ بكتابٍ إلى قريشٍ، يُحذِّرُهم ما قد اجْتَمَعْنا له فى أَمْرِهم)).
فخرَجا حتى أَدْرَ كاها بالحُلَيفةِ(١)؛ حُلَيفةِ ابنِ أبى أحمدَ ، فاستَنْزَلاها ، فالتمَسا فى
رَحْلِها ، فلم يَجِدا شيئًا ، فقال لها علىٍّ بن أبى طالبٍ رضى اللَّهُ عنه: إنى أحلِفُ باللَّهِ ما
كذب رسولُ اللّهِ وَهِ ولا كذبنا، ولتُخْرِجِنَّ إلىَّ هذا الكتابَ، أو لنَكْشِفَنَّكِ . فلمّا
رأت الجِدَّ منه قالت: أَعْرِضْ عنى. فَأَعْرَض عنها، فحلَّتْ قرونَ رأسِها ،
فاسْتَخْرَجت الكتابَ، فدفعَتْه إليه، فجاء به إلى رسولِ اللَّهِ مَّهِ، فدعا رسولُ
اللَّهِ مِّ الِ حاطبًا، فقال: ((يا حاطبُ، ما حمَلك على هذا؟)). فقال: يا رسولَ
اللَّهِ، أما واللهِ إنى لمؤمنٌ باللّهِ ورسولِه، ما غيَّرْتُ ولا بدَّلْتُ، ولكنى كنتُ امرأً ليس
لى فى القومِ أصلٌ ولا عشيرةٌ، وكان لى بينَ أَظْهُرِهم أهلٌ وولدٌ، فصائَغْتُهم
عليهم . فقال عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللَّهُ عنه: دعْنى يا رسولَ اللَّهِ ، فلأضرِبَ
عنقَه، فإِنَّ الرجلَ قد نافَق. فقال رسولُ اللَّهِ ◌ِّهِ: (( وما يُدْرِيك يا عمرُ، لعل اللَّهَ قد
اطَلَع إلى(١٢) أصحابٍ بدرٍ يومَ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم فقد غفَرْتُ لكم)). فأنزل اللَّهُ
عزَّ وجلَّ فى حاطبٍ : ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ إلى قولِه:
(١) فى ت ٢: ((بالخليفة)). وفى سيرة ابن هشام: ((بالخليقة، خليقة)). بضم الخاء المعجمة ، ورواه الخشنى
بفتح الخاء المعجمة فيهما ، وفى كتاب ابن إسحاق : بذى الحليفة ، حليفة ابن أبى أحمد . بضم الحاء المهملة
فيهما وبالفاء. وهو اسم موضع. ينظر شرح غريب السيرة ٧٦/٣.
(٢) فى م: ((عليه)) .
(٣) فى ت ٢، ت ٣، ونسخة من تاريخ المصنف: ((على)).
٥٦٣
سورة الممتحنة : الآية ١
﴿ وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: ١ - ٤] إلى آخرِ القصةِ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ ،
قال: لما أَنْزِلت: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ . فى حاطبٍ
ابنِ أبى بلتعةً، كتَب إلى كفارٍ قريشٍ كتابًا يَنْصَحُ لهم فيه، فأطلَع اللَّهُ نبيّه عليه
الصلاةُ والسلامُ على ذلك، فأُرْسَل عليًّا والزُّبِيرَ، فقال: ((اذهبًا فإنَّكما ستَجِدان
امرأةٌ بمكانٍ كذا وكذا ، فأتيا بكتابٍ معها)). فانْطَلقا حتى أَدْرَ كاها ، فقالا: الكتابَ
الذى معكِ. قالت: ليس معى كتابٌ. فقالا: واللَّهِ لا نَدَعُ عليك(٢) شيئًا إلا
فَتَّشناه، أو تُخْرِجِينه . قالت: أوَ لستم مسلمَين؟ قالا: بلى، ولكنَّ النبيَّ عَ لَّهِ أَخبرنا
أنَّ معكِ كتابًا قد أَيقَنَت أنفسُنا أنه معك. فلما رأَتْ جِدَّهما أخرَجَتْ كتابًا مِن بين
قرونِها، فذهبا به إلى النبيِّ ◌َّهِ ، فإذا فيه : مِن حاطبٍ بنِ أبي بلتعةَ إلى كفارٍ قريشٍ.
فدعاه النبيُّ عَ الِ فقال: ((أنت كتَبْتَ هذا الكتابَ؟)). قال: نعم. قال: ((ما حمَلك
على ذلك؟)). قال: أمَا واللَّهِ ما ارْتَبْتُ فى اللَّهِ منذُ أسلمتُ ، ولكنى كنتُ امرأً غريبًا
فيكم أيُّها الحىُّ مِن قريشٍ، وكان لى بمكةَ مالٌ وبنونَ ، فَأَرَدْتُ أن أدفعَ بذلك عنهم .
فقال عمرُ رضى اللَّهُ عنه: ائذنْ لى يا رسولَ اللَّهِ فأَضْرِبَ عنقَه. فقال النبيُّ عَلَه:
(( مَهْلًا يا بنَ الخطاب ، وما يُدريك لعل اللَّهَ قد اطّلَع إلى أهلٍ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتُم
فإنى غافرٌ لكم)). قال الزهرىُّ: فيه نزَلت حتى: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١) [الممتحنة:
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحِ ، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ / أَوْلِيَآءَ﴾. إلى قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ ٦١/٢٨
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٨، ٣٩٩، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٣/ ٤٨، ٤٩.
(٢) فى م، ت ١: ((معك)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٦/٢، ٢٨٧ عن معمر به .
٥٦٤
سورة الممتحنة : الآيات ١ - ٣
بَصِيرٌ﴾: فى مكاتبةٍ حاطبٍ بن أبى بلتعةً ومَن معه كفار قريشٍ يُحَذِّرُونهم(١).
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾. حتى بلَغ: ﴿سَوَآءَ السَّيْلِ﴾: ذُكِر لنا أن
حاطبًا كتَب إلى أهلِ مكةً يُخْبِرُهم (" سيرورةَ نبيِّ اللّهِ عَِّ إليهم زمنَ الحديبيةِ،
فأطلَع اللَّهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه عليه الصلاةُ والسلامُ على ذلك. وذُكِر لنا أنهم وجدوا
الكتابَ مع امرأةٍ فى قرنٍ من رأسِها، فدعاه نبىُّ اللَّهِ عَ له، فقال: ((ما حمَلك على
الذى صنَعتَ؟)). قال: واللهِ ما شكَكتُ فى أمرِ اللَّهِ، ولا ارتدَدتُ فيه، ولكنَّ لی
هناك(٣) أهلاً ومالاً، فأردتُ مصانعةً قريشٍ على أهلى ومالى. وذكر لنا أنه كان حليفًا
لقريشٍ، لم يَكُنْ من أنفسِهم، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ فى ذلك القرآنَ، فقال: ﴿إِن
يَثْقَفُكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءَ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَبَدِيَهُمْ وَأَلْسِتَهُم ◌ِلُّوْءِ وَوَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآَ وَيَبْسُطُواْ إِلَيَّكُمْ
أَيَدِيَهُمْ وَأَلْسِتَنَهُمْ بِلُّوْءِ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ
٢) لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُّكُمْ وَلَا أَوْلَئُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ
٢
يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
يقولُ تعالى ذكره : إن يَثقَفْكُم هؤلاء الذين تُسِرُون أيُّها المؤمنون إليهم
بالمودةِ ، يكونوا لكم حربًا وأعداءً، ويَتشطوا إليكم أيديَهم بالقتالِ، وألسِنَتَهم
بالسوءِ .
(١) سقط من: ت ٢، ت ٣، وفى م: ((يحذرهم)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢ - ٢) فى م: ((سير النبى)).
(٣) فى ص، ت ٣: ((هنالك)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٦ إلى عبد بن حميد، والحديث أخرجه ابن مردويه - كما فى الفتح
٦٣٦/٨- من طريق سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن أنس .
٥٦٥
سورة الممتحنة : الآيتان ٢، ٣
وقولُه: ﴿ وَوَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: وتمنَّوا لكم أن تَكْفُروا بربِّكم فتكونوا
على مثلٍ الذى هم عليه .
وقولُه: ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُّكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكره : لا
يَدْعُوَنَّكم أرحامُكم وقراباتُكم وأولادُكم إلى الكفرِ باللَّهِ، واتخاذِ أعدائِه أولياءَ
تُلْقُون إليهم بالمودةِ ، فإنه لن تنفَعَكم أرحامُكم ولا أولادُكم عندَ اللهِ يومَ القيامةِ،
فتدفَعَ عنكم عذابَ اللَّهِ يومَئذٍ ، إن أنتم عصَیْتُموه فى الدنيا و کفَرتم به .
وقولُه: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤه: يَفْصِلُ ربُّكم أيُّها المؤمنون
بينَكم يومَ القيامةِ ، بأن يُدْخِلَ أهلَ طاعتِه الجنةَ ، وأهلَ معاصِيه والكفرِ به النارَ .
واختلفت القرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرَأَةِ المدينةِ ومكةً والبصرةِ :
( يُفْصَلُ بَيْنَكُمْ) بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الصادِ وفتحِها، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (١).
وقرأه عامةُ قرَأَةِ الكوفةِ خلا عاصم بضمِّ الياءِ وتشديدِ الصادِ / وكسرِها، بمعنى: ٦٢/٢٨
يُفَصِّلُ اللَّهُ بِينَكم أيُّها القومُ. وقرَأه عاصمٌ بفتح الياءِ وتخفيفِ الصادِ وكسرِها ،
بمعنى : يَفْصِلُ اللَّهُ بينَكم . وقرَأَ بعضُ قرَأةِ الشام: ( يُفَصَّلُ) بضمِّ الياءِ وفتحِ الصادِ
وتشديدِها ، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ(٤) .
وهذه القراءاتُ متقارباتُ المعانى، صحيحاتٌ فى الإِعرابِ ، فبأيتِها قرَأ القارئُ
فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها
(١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وأبى جعفر. ينظر النشر ٢٨٩/٢.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت ٣: ((وضمها)). وهى قراءة حمزة والكسائى وخلف. المصدر السابق.
(٣) وهى قراءة يعقوب أيضًا . المصدر السابق .
(٤) وهى رواية ابن ذكوان عن ابن عامر، واختلف عن هشام فروى عنه الحلوانى كذلك، وروى عنه
الداجونى (يُفْصَلُ). المصدر السابق.
٥٦٦
سورة الممتحنة : الآيتان ٣، ٤
الناسُ ذو علمٍ وبصرٍ، لا يَخْفَى عليه منها شىءٌ، هو بجميعِها محيطٌ، وهو
مُجازِيكم بها؛ إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًا، فاتَّقوا اللَّهَ فى أنفسِكم واحذَرُوه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ فِىّ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ:
إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَا ؤُأُ مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا [٩٥٢/٢و]
وَيَنْتَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبْدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِلَّهِ وَحْدَهُ، إِلَّا قَوْلَ إِبْرَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
٤
وَمَآَ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ زَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به من أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مَت ◌ِهِ: قد كان لكم أيُّها
المؤمنون ﴿أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾. يقولُ: قدوةٌ حسنةٌ، ﴿فِىِّ إِبْرَهِيمَ﴾ خليلِ الرحمنِ،
تَقْتَدُون به، ﴿ وَاَلَِّيْنَ مَعَهُ﴾ من أنبياءِ اللَّهِ.
كما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىّ إِنََّاهِيمَ وَالَّذِيْنَ مَعَهُ﴾. قال: الذين معه
(١)
الأنبياءُ(١).
وقولُه: ﴿إِذْ قَالُوْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَوُاْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾﴾. يقولُ:
حينَ قالوا لقومِهم الذين كفروا باللّهِ وعبَدوا الطاغوتَ: أيُّها القومُ، إنا برآءُ منكم
ومن الذين تَعْبُدون من دونِ اللَّهِ من الآلهةِ والأندادٍ .
وقولُه: ﴿كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ
وَحْدَهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه مُخبِرًا عن قيلٍ أنبيائه لقومِهم الكفرة: كفَرْنا بكم؛
أَنكَوْنا ما كُنتم عليه من الكفرِ باللَّهِ، وجحَدْنا عبادتَكم ما تَعْبُدون من دونِ اللَّهِ أن
تكونَ حقًّا، وظهَر بينا وبينَكم العداوةُ والبغضاءُ أبدًا على كفرِكم باللَّهِ،
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٨/ ٥٦.
٥٦٧
سورة الممتحنة : الآية ٤
وعبادتكم ما سِواه، ولا صُلْحَ بينَنا ولا مودَّةً(١)، ﴿حَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾
يقولُ : حتى(٢) تُصَدِّقوا باللّهِ وحدَه، فتوحِّدوه وتُفْرِدوه بالعبادةِ .
وقولُه: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه : قد كانت لكم أسوةٌ حسنٌ فى إبراهيمَ والذين معه فى هذه الأمورِ
التى ذكَرْناها؛ من مباينةِ الكفارِ ومعاداتِهم، وتركِ موالاتِهم ، إلا فى قولِ إبراهيمَ
لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾. فإنه لا أَسوةَ لكم فيه/ فى ذلك؛ لأن ذلك كان من ٦٣/٢٨
إبراهيمَ لأبيه عن موعدةٍ وعدَها إِيَّه ، قبلَ أن يَتَبَيَّنَ له أنه عدوٌ للَّهِ ، فلما تَبَيَّن له أنه
عدوٌ للَّهِ تبرَأ منه. يقولُ تعالى ذكره: فكذلك أنتم أيُّها المؤمنون باللَّهِ ، فتبرَّءوا من
أعداءِ اللَّهِ من المشركين به، ولا تَّخِذوا منهم أولياءً حتى يُؤْ مِنوا باللّهِ وحدَه، ويتَبرَّءوا
من عبادةِ ما سِواه ، وأَظْهِروا لهم العداوةَ والبغضاءَ.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ إِلَّا قَوْلَ إِبَهِيَمَ لِأَبِيِهِ﴾. قال: نُهُوا أن يتأَسَّوا باستغفارِ إبراهيمَ لأُبيه، فيستَغْفِروا
للمشركين(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مهرانُ ، عن سفيانَ ، عن أبى جعفرٍ ، عن مطرِّفٍ
(١) فى م: ((هوادة)) .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٦ إلى عبد بن حميد.
٥٦٨
سورة الممتحنة : الآيات ٤ - ٦
الحارثيّ، عن مجاهدٍ: ﴿أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىَ إِتَهِيمَ﴾. إلى قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ
لَكَ﴾. يقولُ: فى كلِّ أمرِه(١) أسوةٌ، إلا(٢) الاستغفارَ لأبيه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ
أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىّ إِنَهِيمَ ﴾ الآية. يقولُ: ائْتَشُوا به فى كلِّ شىءٍ، ما خلا قولَه لأبيه :
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾. فلا تأتسُوا بذلك منه، فإِنَّها كانت عن موعدةٍ وعدَها إياه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿إِلَّا
قَوْلَ إِبَّهِيَمَ لِأَبِهِ﴾. يقولُ: لا تأسّوا بذلك، فإنه كان عليه موعدًا، وتأسَّوا بأمرِهِ
ـ (٣)
كلِّه(١) .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ ﴾. إلى قوله: ﴿ إِلَّا قَوْلَ إِبْرِهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ
لَكَ﴾. قال: يقولُ: ليس لكم فى هذا أُسوةٌ .
ويعنى بقولِه: ﴿ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ﴾. يقولُ: وما أدفَعُ عنك من
اللّهِ من عقوبةٍ إنِ اللَّهُ عاقبَك على كفرِك به، ولا أُغْنِى عنك منه شيئًا .
وقولُه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ نَوَكَّنَ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ إبراهيمَ وأنبيائِه
صلواتُ اللهِ عليهم: ﴿ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَّكَلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾. يعنى: وإليك رجَعْنا بالتوبةِ
مما تَكْرَهُ إِلى ما تُحِبُّ وتَرْضَى، ﴿ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وإليك مَصِيرُنا ومَرْجِعُنا
يومَ تَبْعَثُنا من قبورِنا وتَحْشُرُنا فى القيامةِ إلى موقفِ العَرْضِ.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَاً
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((أمر)).
(٢) سقط من: ص، ت ٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٧/٢ عن معمر به .
٥٦٩
سورة الممتحنة : الآيتان ٥ ، ٦
لَقَدْ / كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَأَلْيَوْمَ ٦٤/٢٨
إِنَّكَ أَنَتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
۵
٦
الْآخِرَّ وَمَن يَنَوَلَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحِيدُ
يقولُ تعالى ذكرُه مخيرًا عن قيلٍ إبراهيمَ خليلِه والذين معه: يا ربَّنا ، لا تَجْعَلْنا
فتنةٌ للذين كفَرُوا بك؛ فجحَدوا وحدانيتَك، وعبَدوا غيرَك، [٩٥٢/٢ظ] بأن
تُسلِّطَهم علينا ، فيرَوا أنهم على حقٍّ ، وأنَّا على باطلٍ، فتجعَلَنا بذلك فتنةٌ لهم.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحِ، عن مُجاهدٍ
فى قولِهِ: ﴿ لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قال: لا تُعَذِّبْنا بأيديهم ، ولا بعذابٍ من
عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حقٌّ ما أصابَهم هذا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا
فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قال: يقولُ: لا تُظْهِرْهم علينا، فيَفْتِنوا بذلك؛ يَرَون أنهم
إِنما ظَهَروا علينا لحقِّ هم عليه .
حدَّثنى علىٍّ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿لَا تَتْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يقولُ: لا تُسَلِّطْهم علينا فيَفْتِنونا(١).
وقولُه: ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَاً﴾. يقولُ: واستُرْ علينا ذُنوبَنا؛ بعفوك لنا عنها
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، ومن طريقه الفريابى وعبد بن حميد - كما فى التغليق ٣٣٧/٤، ٣٣٨،
وأخرجه الحاكم ٤٨٥/٢ من طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٤٧/٢ - من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٠٥/٦ إلى ابن المنذر.
٥٧٠
سورة الممتحنة : الآيات ٥ - ٧
يا ربَّنا، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يعنى: الشديدُ الانتقام ممن انتقَم منه،
اَلَكِيمُ ﴾ . یقولُ : الحکیمُ فی تدبيره خلقه، وصرفه إيّاهم فیما فيه صلاحُهم .
وقولُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِهِمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : لقد كان لكم
أيُّها المؤمنون قدوة حسنةٌ فى الذين ذكَرهم؛ إبراهيمَ والذين معه من الأنبياءِ،
صلواتُ اللهِ عليهم ، والرسلِ، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَأَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾. يقولُ: لمن
كان منكم يَرْجو (١) ثوابَ اللَّهِ، والنجاةَ فى اليومِ الآخرِ .
وقولُه: ﴿ وَمَن يَنَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْخِيِّدُ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يتولَّ
عمَّا أمَره اللَّهُ به وندَبه إليه، منكم ومن غيرٍ كم ، فأعرَضَ عنه وأَدْبَر مُسْتَكبرًا ، ووالَى
أعداءَ اللَّهِ وَأَلْقى إليهم بالمودةِ ، فإن الله هو الغنىُ عن إيمانِه به، وطاعتِه إياه، وعن
جميعِ خلقِه ، الحميدُ عندَ أهلِ المعرفةِ بأيادِيه وآلائِه عندَهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿﴿
عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ
٧
◌ِنْهُمْ مَوَدَّةُ وَاللّهُ قَدِيَّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٦٥/٢٨
/يقولُ تعالى ذكرُه: عسى اللَّهُ أيُّها المؤمنون أن يَجْعَلَ بينكم وبينَ الذين
عاديتم من أعدائى من مشرٍكى قريشٍ مودةً . ففعَل اللَّهُ ذلك بهم، بأن أسلَم كثيرٌ
منهم، فصاروا لهم أولياءَ وأَضْرابًا(٢) .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ عَسَى
(١) بعده فى م: ((لقاء الله و)).
(٢) فى م: ((أحزابًا)).
٥٧١
سورة الممتحنة : الآيتان ٧ ، ٨
ج
اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اُلَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُم مَّوَدَّةً﴾. قال: هؤلاء المشركون ، قد
فعَل(١) ، قد أدخلهم فى السِّلم، وجعَل بينَهم مودةً حينَ كان الإسلامُ حينَ الفتحِ .
وقولُه : ﴿وَاللَّهُ قَدِيٌْ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو قدرةٍ على أن يجعلَ بينكم وبينَ
الذين عاديتُم من المشركين مودةً، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. يقولُ: واللَّهُ غفورٌ لخطيئةٍ مَن
ألقَى إلى المشركين بالمودةِ إذا تاب منها ، رحيٌ بهم أن يعذِّبَهم(٢) بعد توبتهم(٤) منها .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ
يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةٌ وَاللّهُ قَدِيَّ﴾: على ذلك، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ : يغفرُ الذنوبَ الكثيرةَ ، رحيمٌ بعبادِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِ اُلِيْنِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ نَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : لا ينهاكم اللهُ ، أيُّها المؤمنون عن الذين لم يُقاتِلوكم فى
الدينِ من أهلِ مكةً ، ﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيهِمْ﴾ . يقولُ:
وتَعْدِلوا فیھم ، بإحسانِکم إلیھم و بِرِّکم بهم .
واختلف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها الذين
كانوا آمَنوا بمكةَ ولم يُهاجِروا، فأذِن اللَّهُ للمؤمنين بيرِّهم والإحسانِ إليهم .
(١) بعده فى ت١: ((الله ذلك)).
(٢) ينظر التبيان ٩/ ٥٧٩.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((يعذبه)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((توبته)).
٥٧٢
سورة الممتحنة : الآية ٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِهِ: ﴿لَّا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِي الِيْنِ ﴾: أن تَسْتَغْفِروا لهم
وتَؤُّوهم وتُقْسِطوا إليهم. قال: وهم الذين آمنوا بمكةً ولم يُهاجِروا (١).
وقال آخرون : عُنِى بها من غيرِ أهلِ مكةَ مَن لم يُهاجِرْ .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٩٥٣/٢و] حدِّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ الأنماطىُّ، قال: ثنا هارونُ بنُ معروفٍ ،
قال : ثنا بشرُ بنُ السرىِّ ، قال : ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ ، عن عمِّه عامرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
الزبيرِ ، عن أبيه ، قال: نزَلت فى أسماءَ بنتِ أبى بكرٍ، وكانت لها أمّ فى الجاهليةِ
يُقالُ لها: قُتَيلةُ(٢) ابنةُ عبدٍ (٢) العُزَّى، فأتتها بهدايا؛ ضِبابٍ (٤) وأَقِطُ وسمنٍ(١)،
فقالت : لا أقبلُ لكِ هديةً، ولا تَدْخُلى علىَّ حتى يَأْذَنَ رسولُ اللَّهِ عْ لِ. فذكَرَت
ذلك عائشةُ لرسولِ اللَّهِ بِهِ، فأنزل اللَّهُ: ﴿لَّا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي
(٧
الدِّينِ﴾ إلى قوله: ﴿اَلْمُفْسِطِينَ﴾
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى الكامل: ((قيلة)). وينظر فتح البارى ٢٣٣/٥.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى ص: ((بطى))، وفى م: ((وصناب))، وفى الكامل: ((بأطباق))، وفى ت١، ت٢، ت٣: ((مطى)).
والمثبت من بقية مصادر التخريج . والضباب جمع ضَبِّ ، وهو الحيوان المعروف ، أما الصناب ، فهو صباغ
يتخذ من الخردل والزبيب . ينظر اللسان (ض ب ب ، ص ن ب) .
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((قرط)). والأقط: شىء يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى
يحصل. اللسان (أق ط) .
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((شىء)). واختلفت المصادر فى هذه الهدايا، ففى بعضها كالمثبت،
وقيل : زبيب وسمن وقرظ. وقيل : قرط وأشياء .
(٧) أخرجه ابن عدى فى الكامل ٢٣٥٩/٦ من طريق بشر بن السرى به .
٥٧٣
سورة الممتحنة : الآية ٨
قال : ثنا إبراهيمُ بنُ الحجاج ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: ثنا مصعبُ بنُ
ثابتٍ ، عن عامرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، عن أبيه، قال: قَدِمت قُتَيلةُ بنتُ عبدٍ(١)
العزَّى بنِ أسعدَ من بنى مالكِ بنِ حسْلٍ، على ابنتها أسماء بنتِ أبى بكرٍ. فذكَر
(٢)
نحوَه (٢) .
وقال آخرون: بل عُنِى بها من مُشْرِكى مكةَ مَن لم يُقاتِلِ المؤمنين ولم
يُخْرِجُوهم من ديارِهم. قالوا: ونسَخ اللَّهُ ذلك بعدُ بالأُمرِ بقتالِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ وسألتُه عن قولِ اللَّهِ
عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. فقال: هذا قد نُسِخ ؛ نسخه القتالُ، أُمِروا أن
يَرْجِعوا إليهم بالسيوفِ ويُجاهِدوهم بها؛ يَضْرِبونهم ، وضرَب اللّهُ لهم أجلَ أربعةٍ
أشهرٍ؛ إما المذابحةُ وإما الإِسلامُ(٣) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قولِه: ﴿لَا
(٤)
يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. قال: نسختها: ﴿فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾
[ التوبة : ٥] .
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه النحاس فى ناسخه ص ٧١٥ ، وابن بشكوال فى غوامض الأسماء المبهمة ١٢٦/١ من طريق
إبراهيم بن الحجاج به، وأخرجه الطيالسى (١٧٤٤)، وابن سعد ٢٥٢/٨، وأحمد ٣٧/٢٦ (١٦١١١)،
والبزار (٢٢٠٨)، وأبو يعلى - كما فى المطالب العالية (٤١٥١)، والحاكم ٤٨٥/٢، وابن بشكوال ١٢٦/١
من طريق ابن المبارك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٦ إلى الطيرانى وابن مردويه.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٨/ ٥٩.
(٤) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٤٨٥ من طريق ابن ثور به ، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره
٢٨٧/٢ - ومن طريقه النحاس فى ناسخه ص ٧١١ - عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٠٥/٦ إلى ابن المنذر.
٥٧٤
سورة الممتحنة : الآيتان ٨، ٩
وأولَى الأقوالِ فى ذلك بالصَّوابِ قولُ مَن قال: عُنى بذلك: لا يَنْهاكم اللَّهُ
عن الذين لم يُقاتِلوكم فى الدينِ من جميع أصنافِ المللِ والأديانِ ، أن تبرُّوهم
وتَصِلوهم وتُقْسِطوا إليهم. إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ عَمَّ بقولِه: ﴿ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِى اُلِيْنِ
وَلَّ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَِكُمْ﴾ جميعَ مَن كان ذلك صفتَه، فلم يَخْصُصْ به بعضًا دونَ
بعضٍ. ولا معنَى لقولٍ مَن قال: ذلك مَنْسُوٌ. لأن برَّ المؤمنِ من أهلِ الحربِ ممن
بينَه وبينَه قَرابةُ نسبٍ (١)، أو ممن لا قرابةَ بينَه وبينَه ولا نسبَ (١ - غيرُ محرَّمِ ولا
منهىٌّ عنه، إذا لم يَكُنْ فى ذلك دلالةٌ له أو لأهلِ الحربِ على عورةٍ لأَهلِ الإسلامِ ، أو
تقویةٌ لهم بگراع أو سلاح . وقد بيَّ صحةً ما قلنا فى ذلك الخبرُ الذی ذكرناه عن ابنٍ
الزبيرِ فى قصةِ أسماءً وأمِّها .
وقولُه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحبُّ المنصِفين الذين
يُنْصِفون الناسَ، ويُعْطونهم الحقَّ والعدلَ من أنفسِهم، فيَبرُّون مَن بَرَّهم، ويُخْسِنون
إلى من أحسن إليهم .
٦٧/٢٨
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُكُمْ فِ الذِينِ وَأَخْرَجُوكُم
مِّن دِيَّرِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَى إِخْرَاِكُمْ أَن تَوَلَّهُمَّ وَمَن يَنَوَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَِّمُونَ
٩
يقولُ تعالى ذكره : إنما ينها كم اللهُ أَيُّها المؤمنون ﴿عَنِ الَّذِينَ قَلُوكُمْ فِ الدِّينِ
من كفارٍ أهلِ مكةً ، ﴿ وَأَخْرَجُوكُم ◌ِّن دِيَِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَى إِخْرَاِكُمْ أَنْ تَلَّوْهُمْ﴾ .
يقولُ : وعاونوا مَن أخرجكم من ديارِ كم على إخراجِكم، أن تولّوهم فتكونوا لهم أولياءَ
ونصراءَ، ﴿ وَمَنْ يَنَوَّمْ﴾. يقولُ: ومَن يَجْعَلْهم منكم أو من غيرِ كم أولياءَ، ﴿فَأُوْلَكَ
هُمُ الَّلِمُونَ﴾. يقولُ: فأولئك هم الذين تَوَلَّوا غيرَ الذى يجوزُ لهم أن يَتَوِلّوهم،
ووضَعوا ولايتَهم فى غيرِ موضِعِها، وخالفوا أمرَ اللَّهِ فى ذلك .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سبب).
٥٧٥
سورة الممتحنة : الآيتان ٩، ١٠
وبنحوِ الذى قلْناً فى معنى قوله: ﴿ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ﴾ قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ إِنَّمَا يَتَبَّكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُوَّكُمْ فِ الدِّينِ﴾. قال: كفارِ أهلِ مكةً (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ
مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ نَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُغَارِ لَا
هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَا هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ عَظِهِ: يَأيُّها الذين آمنوا إذا
جاءكم النساء المؤمناتُ مهاجراتٍ من دارِ الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ، فامْتَحِنوهن .
وكانت محنةُ رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ إِيَّاهن إذا قَدِمن مهاجراتٍ .
كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ ، عن قيسٍ بنِ الربيعِ، عن
الأُغرِّ بنِ الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حصينٍ، عن أبى نصرٍ ) الأسدىِّ، قال: سُئل ابنُ
عباسٍ: كيفَ كان امتحانُ رسولِ اللَّهِ مَ لِّ النساءَ؟ قال: كان يَمْتَحِنُهنَّ: ((باللَّهِ ما
خرَجتِ من بغضٍ زوج، وباللَّهِ ما خرَجتٍ [٩٥٣/٢ظ] رغبةً عن أرضٍ إلى أرضٍ،
وباللّهِ ما خرَجتِ التماسَ دنيا ، وباللَّهِ ما خرَجتِ إلا حبًّا للَّهِ ورسولِهِ؟))(٣).
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٦ إلى ابن المنذر.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نصرة)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٨/٨ عن المصنف ، وأخرجه البزار (٢٢٧٢ - كشف)، والحارث بن أبى أسامة
(٧٢١ - بغية) من طريق قيس به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/٦ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه.
٥٧٦
سورة الممتحنة : الآية ١٠
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا الحسنُ بنُ عطيةً، عن قيس ، قال : أخبرنا الأغرُّ بنُ
الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حصينٍ، عن أبى نصرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَحِكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: كانت المرأةُ إذا أتت
رسولَ اللَّهِ يَِّ حلَّفها: ((باللَّهِ ما خرَجتٍ)). ثم ذكَر نحوَه(١).
٦٨/٢٨
/حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، أن عائشةَ
قالت: ما كان رسولُ اللَّهِ عَ لَّه يَحْتَحِنُ المؤمناتِ إلا بالآيةِ التى قال اللَّهُ: ﴿ إِذَا جََ
اُلْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾. ولا، ولا(٢).
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى يونسُ،
عن ابنٍ شهابٍ ، قال: أخبرنى عُرْوةُ بنُ الزبيرِ، أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ◌ٍَّ قالت:
كان المؤمناتُ إذا هاجَوْنَ إلى رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّه يُْتَحَنَّ بقولِ اللَّهِ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا
جَاءَكَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ . قالت عائشةُ : فمن أقرَّ بهذا من المؤمناتِ
فقد أقرَّ بالمحبةِ، فكان رسولُ اللَّهِ مَّه إذا أقرَرْن بذلك من قولِهِنَّ قال لهنَّ: ((انطلِقْنَ
فقد بايعتُكنَّ)). ولا واللَّهِ ما مشَت يدُ رسولِ اللَّهِ ◌ِهِ يدَ امرأةٍ قطُّ ، غيرَ أنه يُايِعُهُنَّ
بالكلام. قالت عائشةُ: واللَّهِ ما أخَذ رسولُ اللَّهِ ◌ِ ◌ِفَمِ على النساء قطُّ إلا بما أمَره اللَّهُ
عزَّ وجلَّ، وكان يقولُ لهنَّ إذا أخَذ عليهنَّ: ((قد بايعتُكنَّ)). كلامًا(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَتُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾
(١) ينظر تفسير ابن كثير ١١٨/٨.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٧/٢ - ومن طريقه عبد بن حميد - كما فى الدر المنثور ٢٠٩/٦ وعنه
الترمذى (٣٣٠٦)، والبخارى (٧٢١٤) - عن معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة .
(٣) أخرجه مسلم (١٨٦٦)، وابن ماجه (٢٨٧٥) من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخارى (٢٧١٣)،
وابن مردويه - كما فى تغليق التعليق ٣٣٩/٤ -، والبيهقى ٢٢٨/٩ من طريق الزهرى به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور إلى ابن المنذر .
٥٧٧
سورة الممتحنة : الآية ١٠
إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: كان امتحانُهنَّ أَن يَشْهَدْنَ ألا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا
. (٢)
عبدُهُ(١) ورسولُه(١) .
. (١)
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: سَلُوهنَّ ما جاء بهنَّ، فإن كان جاء بهنَّ غضَبٌ على
أزواجهنَّ، أو سخطةٌ، أو غيرُه، ولم يُؤْمِنَّ، فارجِعوهنَّ إلى أزواجِهنَّ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَمْتَحِنُوهُنَّ ﴾
قال: كانت محنتُهنَّ أن يُسْتَحْلَفْنَ باللَّهِ: ما أَخْرَ جَكُنَّ النشوزُ، وما أَخْرَ جَكُنَّ إلا
حبُّ الإِسلامِ وأهلِه وحرصٌ عليه؟ فإذا قُلْن ذلك قُبِل ذلك منهنّ(٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قولِه :
فَتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: يَحْلِفْنَ ما خَرَجْنَ إلا رغبةً فى الإسلام، وحبًا للَّهِ
(٥)
ورسوله(9).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا مهرانُ ، عن سفيانَ، عن أبيه، أو عكرِمةَ: ﴿إِذَا
جَآءَكُمُ (١) الْمُؤْمِنَكُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: يقالُ: ما جاء بكِ إلا حبُّ اللَّهِ
ورسوله، ولا جاء بكِ عشقُ رجلٍ منَّا، ولا فرارٌ من زوجِك؟ فذلك قولُه :
(١) فى ص، ت٢: ((عبد الله)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٧/٦ إلى ابن مردويه .
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، ٦٥٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٦/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد
وابن المنذر .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٦/٦، ٢٠٧ إلى عبد بن حميد وأبى داود فى ناسخه وابن المنذر.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٨/٢ عن معمر به .
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((جاءك)).
( تفسير الطبرى ٣٧/٢٢ )
٥٧٨
سورة الممتحنة : الآية ١١١٠
فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : كانت المرأةُ من
المشرِكين إذا غضِبت على زوجِها وكان بينَه وبينَها كلامٌ قالت: واللَّهِ لأَّهاجِرَنَّ إلى
محمدٍ عَ ظِّهِ وأصحابِهِ. فقال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿إِذَا جََّكُمُ الْمُؤْمِنَكُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ :
إن كان الغضبُ أَتَّى بها فرُدُّوها، وإن كان الإِسلامُ أَتَّى بها فلا تردُّوها (١).
/حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عمرُو بنُ الحارثِ، عن
بكيرِ بنِ الأشجِّ ، قال: كان امتحانُهنَّ: إنه لم يُخْرِجْكِ إلا الدينُ .
٦٩/٢٨
وقولُه: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِمَنِنَّ﴾. يقولُ: اللَّهُ أعلمُ بإيمانِ مَن جاء من النساءِ
مهاجراتٍ إليكم .
وقولُه: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾. يقولُ: فإن أقْرَرنَ
عندَ المحنةِ بما يَصِحُ به عقدُ الإيمانِ لهنَّ والدخولُ فى الإسلام ، فلا تردُّوهنَّ عندَ ذلك
إلى الكفارِ. وإنما قيل ذلك للمؤمنين؛ لأن العهدَ كان جرّى بينَ رسولِ اللَّهِ صَ لّم.
وبينَ مُشْرِكى قريشٍ فى صلح الحديبيةِ أن يُدَّ المسلمون إلى المشركين مَن جاءهم
مسلمًا، فأَبطِل ذلك الشرطُ فى النساءِ إذا جِئْنَ مؤمناتٍ مهاجراتٍ فامتُحِنَّ،
فوجَدَهن المسلمون مؤمناتٍ، وصحَّ ذلك عندَهم بما قد ذكَرْنا قبلُ، وأُمِروا ألا
يَرُدُّوهنَّ إلى المشرِكين إذا عُلِم أنهن مؤمناتٌ، وقال جلَّ ثناؤه لهم: ﴿فَإِنّ(٣)
عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُغَارِّ لَا هُنَّ ◌ِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَةٌ﴾. يقولُ : لا
المؤمناتُ حلِّ للكفارِ، ولا الكفارُ يَحِلُّون للمؤمناتِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك جاءت الآثارُ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قوله.
(٢) عزاه الحافظ فى الفتح ٦٣٧/٨ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((فإذا)).
٥٧٩
سورة الممتحنة : الآية ١٠
[٩٥٤/٢و] ذكرُ بعضٍ ما رُوِى فى ذلك من الأثر
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ ، قال :
دخَلتُ على عُزوةَ بنِ الزُّبِيرِ وهو يَكْتُبُ كتابًا إلى ابنِ أبى هُنَيدِ ١ صاحبِ الوليدِ بنِ
عبدِ الملكِ، وكتب إليه يَشْأَلُه عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ
مُهَجِرَتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . وكتب إليه عُرْوةُ بنُ الزُّبيرِ: إِن رسولَ
اللَّهِ عَ ظِيمٍ كان صالَحَ قريشًا عامَ الحديبيةِ على أن يَرُدَّ عليهم من جاء بغيرِ إذنٍ وليّه ،
فلما هاجَر النساءُ إلى رسولِ اللَّهِ عَلَه وإلى الإسلام، أتَى اللَّهُ أَن يُوْدَدْنَ إِلى المشرِكين
إذا هنَّ امتُحِنَّ محنةَ الإِسلامِ ، فعرفوا أنهن إنما جِئْن رغبةً فيه(٢) .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَءَاتُوُهُم مََّ أَنْفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَ
إِذَاَ ءَانَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَسْتَلُوْمَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُواْ مَآ أَنْفَقُواْ ذَلِكُمْ
ج
مُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
وقولُه: ﴿ وَءَاتُوُهُم مَّا أَنْفَقُواْ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وأَعطوا المشركين الذين
جاءكم نساؤُهم مؤمناتٍ - إذا علمِتُموهنَّ مؤمناتٍ ، فلم تَرْجِعوهنَّ إليهم - ما
أَنفَقوا فى نكاحِهم إِيَّاهنَّ من الصداقِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
٧٠/٢٨
(١) فى سيرة ابن هشام: ((هنيدة)). والمثبت موافق لما فى سنن البيهقى. وقال المزى فى تهذيب الكمال
٤٧١/١٧: عبد الرحمن بن هنيدة، ويقال : ابن أبى هنيدة .
(٢) سيرة ابن هشام ٣٢٦/٢، وأخرجه البيهقى ٢٢٨/٩، ٢٢٩ من طريق ابن إسحاق به ، وأخرجه ابن سعد
٨/ ١٢، ١٣ من طريق ابن أخى الزهرى ، عن الزهرى .
٥٨٠
سورة الممتحنة : الآية ١٠
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾
إلى قوله: ﴿ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال: كان امتحانُهن أَن يَشْهَدْن ألا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن
محمدًا عبدُه ورسولُه. فإذا علموا أن ذلك حقٌّ منهنَّ لم يَرْجِعوهُنَّ إلى الكفارِ،
وأَعْطِىَ بعلُها من الكفارِ الذين عقَد لهم رسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ - صداقَه الذى أصدَقها(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَءَاتُوهُم مَّا أَنْفَقُواْ﴾: وآتُوا أزواجهن صَدُقاتِهن(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِهِنَّ﴾ حتى بلَغْ:
﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: هذا حكم حكَمه اللَّهُ عزَّ وجلَّ بينَ أَهلِ الهدَى وأهلِ
الضلالةِ، كنَّ إذا فرَرْنَ من المشركين الذين بينهم وبينَ نبيِّ اللّهِ يِّهِ وأصحابِه
عهدٌ - إلى أصحابٍ نبيِّ اللّهِ عَظ ◌ِهِ، فتزوَّ ◌ُوهن، بعَثوا مُهورَهنَّ إلى أزواجِهن من
المشركين الذين بينَهم وبينَ(١) نبيِّ اللَّهِ مَّهِ عهدٌ، وإذا فرَرْن من أصحابٍ نبيِّ
اللَّهِ مَهِ إلى المشركين الذين بينَهم وبينَ نبيِّ اللّهِ مَ ◌ِّ عهدٌ فتزوَّجوا(*) بعَثوا
بمهورِهن إلى أزواجِهن من أصحابٍ نبيِّ اللّهِ مَّةٍ(٥).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، قال: نزَلت
عليه وهو بأسفلِ الحُديبيةِ، وكان النبيُّ عَ لَه صالحهم أنه مَن أتاه منهم ردَّه إليهم،
فلما جاءَه النساءُ نزلت عليه هذه الآيةُ ، وأَمَره أن يَرُدَّ الصداقَ إلى أزواجِهن ، وحكم
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٧/٦ إلى ابن مردويه .
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٦/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((أصحاب)).
(٤) سقط من : م .
(٥) أخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٤٩٠ من طريق سعيد به .