النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة الحشر : الآية ٧
القارئ: ﴿كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ﴾ نصبًا على ما وصَفْتُ من المعنى، وأنَّ فى ﴿ يَكُنَ
ذكرَ الفَىْءِ. وقولُه: ﴿ دُولَةٌ﴾. نَصْبٌ؛ خبرُ ﴿يَكُونَ﴾. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ
القارئُ: (كَيْلا يَكُونَ دُولَةٌ) على رفع الدُّؤْلةِ(١)، مرفوعةٌ بـ ( يكون)، والخبرُ قولُه:
﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. وبضمِّ الدَّالِ مِن: ﴿دُوْلَةٌ﴾. قرَأ جميعُ قرأةِ الأمصارِ ،
غيرَ أنه حُكِى عن أبى عبد الرحمنِ الفَتْحُ فيها (١).
وقد اختلف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ فى معنى ذلك إذا ضُمَّتِ الدَّالُ أو
فُتِحَت ؛ فقال بعضُ الكوفيّين: معنى ذلك إذا فُتِحَت : الدَّوْلةُ، وتكونُ للجيشينِ(٣)
يَهْزِمُ هذا هذا، ثم يُهْزَمُ الهازِمُ، فيقالُ: قد رجَعت الدَّولةُ على هؤلاءِ. قال: والدُّولةُ
برفع الدَّالِ: فى المُلْكِ والسنين التى تُغَّرُ وتُبدَّلُ على الدَّهْرِ، فتلك الدُّولةُ
والدُّولُ (٢) . وقال بعضُهم: فَوْقُ ما بينَ الضمِّ والفَتْحِ أَنَّ الدُّولةَ هى اسمُ الشىءِ الذى
يُتداوَلُ بعينِهِ ، والدَّولةَ الفِعْلُ.
والقراءةُ التى لا أَسْتَجِيزُ غيرَها فى ذلك: ﴿كَ لَا يَكُونَ﴾ بالياءِ، ﴿ دُوْلَةٌ﴾
بضمِّ الدَّالِ ونَصْبِ الدُّولةِ، على المعنى الذى ذكَرْتُ فى ذلك؛ لإجماعِ الحجةِ
عليه(٤) ، والفَرْقُ بينَ الدُّولةِ والدَّولةِ بضمّ الدَّالِ وفَتْحِها ما ذكَرْتُ عن الكوفيّ فى
ذلك .
(١) قراءة نصب ﴿ دولةٌ﴾ وبالياء فى ﴿يكون﴾ هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم
وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف ، وقراءة رفع (دولةٌ) وبالتاء فى (تكون) هى قراءة أبى جعفر المدنى
وحده . ينظر النشر ٢٨٨/٢.
(٢) ينظر معانى القرآن للفراء ١٤٥/٣.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٣: ((للجيش)).
(٤) القراءتان كلتاهما صواب؛ لأنهما متواترتان .

٥٢٢
سورة الحشر : الآيتان ٧ ، ٨
وقولُه: ﴿ وَمَآ ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما أَعطاكم
رسولُ اللَّهِ حِجِ مما أفاء اللَّهُ عليه مِن أهلِ القُرى فخُذُوه، ﴿ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ﴾ من
الغُلُولِ وغيرِهِ مِن الأمورِ(١)، ﴿فَانْتَهُواْ﴾. وكان بعضُ أهلِ العلم يقولُ نحوَ قولِنا فى
ذلك، غيرَ أنَّه كان يُوجّهُ معنى قوله: ﴿ وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ إلى: ما
آتاكم مِن الغنائم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن عوفٍ ، عن الحسنِ فى قولِه :
وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ﴾. قال: يُؤتيهم الغنائمَ
ويمنَعُهم الغُلُولَ(٢) .
٤٠/٢٨
/وقولُه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ، واحْذَروا عقابه فى خلافِكم
على رسولِه، بالتقدُّم على ما نهاكم عنه، ومعصيتِكم إِيَّاه، ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ
اَلْعِقَابِ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ شديدٌ عقابُه ◌ِن عاقَبَه مِن أهلِ معصيتِه لرسولِهِ عَلَّهِ .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ
٨
يَتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ
يقولُ تعالى ذكره: كيلا يكونَ ما (٢) أفاء اللَّهُ على رسولِه دُولةٌ بينَ الأغنياءِ
منكم، ولكن يكونُ للفقراءِ المهاجرِين .
(١) بعده فى ص، ت ٢، ت ٣: ((وغيره)) ..
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٩٥/١٢ من طريق عوف به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((دولة)).

٥٢٣
سورة الحشر : الآية ٨
وقيل : عُنِى بالمهاجرين، مُهاجِرةُ قريشٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿َّآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ،﴾: مِن قُرِيظةَ جعَلها لمهاجِرةٍ قريشٍ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ وسعيدِ بنِ
عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى، قالا: كان ناسٌ مِن الْمُهَاجِرِين لأَحدِهم الدارُ والزوجةُ والعبدُ
والناقةُ يَحُجُّ عليها ويَغْزُو، فتَسَبهم اللَّهُ إلى أنهم فقراءُ، وجعَل لهم سهمًا فى
(١)
الزكاةٍ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
اَلْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾. قال:
هؤلاء المهاجرون ترَكوا الديارَ والأموالَ والأهْلِين والعشائرَ، خرَجوا حبًّا للَّهِ
ولِرَسولِه، واختاروا الإسلامَ على ما فيه من الشِّدَّةِ، حتى لقد ذُكِر لنا أنَّ الرجلَ كان
يَعْصِبُ الحجَرَ على بَطْنِهِ لِيُقِيمَ به صُلْبَه مِن الجوع، وكان الرجلُ يَتَّخِذُ الحَفِيرةَ فى
الشتاءِ ما لَه دِثارٌ غيرُها(١) .
وقولُه: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ
وَرِضْوَانًا﴾. ومَوْضِعُ ﴿ يَبْتَغُونَ﴾ نَصْبٌ؛ لأنَّه فى موضعِ الحالِ .
وقولُه: ﴿ وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾. يقولُ: ويَنْصُرون دينَ اللَّهِ الذى بعَث به
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٠/١٨.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٥٢٤
سورة الحشر : الآيتان ٨، ٩
رسوله محمدًا عظته.
وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾. يقولُ هؤلاءِ الذين وصَف صِفتَهم مِن
الفقراءِ المهاجرين هم الصادقون فيما يقولون .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ
مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ قِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ. فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٤١/٢٨
/يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾. يقولُ: اتخذوا
المدينةَ مدينةَ الرسولِ عَّ ◌ِلّهِ، فابْتَنَوها منازلَ، ﴿ وَالْإِيمَنَ ﴾ باللّهِ ورسولِه، ﴿مِن
قَبْلِهِمْ﴾. يعنى: مِن قبلِ المُهاجرِين، ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: يُحِبُّون مَن تَرَك
مَنْزِلَه وانتقَل إليهم مِن غيرِهم. وعُنى بذلك: الأنصارُ يُحِبُّون المهاجرين .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِه: ﴿ وَاَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾. قال: الأنصارُ؛ نَعَتَ - قال
محمدُ بنُّ عمرو: سَفَاطَةَ أنفسِهم (١) . وقال الحارثُ : سَخاوةَ أنفسِهم - عند
ما زُوِىُ عنهم مِن ذلك، وإيثارَهم إِيَّاهم، ولم يُصِبِ الأنصارَ مِن ذلك
(١) السَّفيط: الطيب النفس. تاج العروس (س ف ط ).
(٢) فى النسخ وفى مخطوطة مكتبة المحمودية الدر المنثور: ((رؤى))، والمثبت من تفسير مجاهد. وزوى عنه
الشىء : صرفه ونحاه . الوسيط (ز وى) ..

٥٢٥
سورة الحشر : الآية ٩
(١)
الفَىْءِ شىءٌ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَاَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ
وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ
أُوتُوا﴾. يقولُ: مما أَعْطَوا إخوانَهم؛ هذا الحىُّ مِن الأنصارِ ، أسلموا فی دیارِهم ،
فَابْتَنَوا المساجدَ(٢) قبل قُدُومِ النبيِّ عَّهِ، فأحسَن اللَّهُ عليهم الثناءَ فى ذلك، وهاتان
الطائفتان الأُولتان مِن هذه الآيةِ(٣) أَخَذتا بفَضْلِهما، ومضَتا على مَهْلِهما، وأَثْبَت اللَّهُ
حظّهما فى الفَىءٍ(٥) .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ عَّ
وجلَّ: ﴿ وَاُلَّذِينَ تَبَوَّهُ و الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. قال: هؤلاءِ الأنصارُ يُحِبُّون
مَن هاجَر إليهم [٩٤٦/٢و] مِن المهاجرِين".
وقولُه: ﴿ وَلَا يَجِدُونَ فِىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَّا أُوتُواْ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤه:
ولا يَجِدُ الذين تَبَوَّءوا الدارَ مِن قبلِهم، وهم الأنصارُ، ﴿فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ﴾ .
يعنى: حسدًا، ﴿مِّمَّا أُوتُواْ﴾. يعنى: ممَّا أُوتِى المهاجِرون مِن الفَىْءٍ. وذلك لما
ذُكرِ لنا من أنَّ رسولَ اللَّهِ مَّ قَسَم أموالَ بنى النَّضيرِ بينَ المهاجرين الأوَّلين
دونَ الأنصارِ ، إلا رجلَيْن مِن الأنصارِ، أعطاهما لفقرِهما، وإنما فِعْلُ
ذلك "لرسولِ اللهِ مَّمِ خاصةً .
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، بلفظ:
(( ... ما رأى من ذلك ... )).
(٢) بعده فى النسخ: ((والمسجد)). والمثبت من الدر المنثور.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الأمة)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) ذكره الطوسى فى التبيان ٩/ ٥٦٣، وابن كثير فى تفسيره ٩٥/٨.
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رسول الله)).

٥٢٦
سورة الحشر : الآية ٩
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن عبدِ اللَّهِ
ابنِ أبى بكرٍ، أنه حدَّث أن بنى النَّضيرِ خلَّوا الأموالَ لرسولِ اللَّهِ يَِِّّ، فكانت
النَّضيرُ لرسولِ اللهِ وَ الَمِ خاصةً، يضَعُها حيثُ يشاءُ، فَقَسَمِها رسولُ اللَّهِ وَمِ على
المهاجرين الأوَّلين دونَ الأنصارِ ، إلا أنَّ سَهْلَ بنَ حُنيْفٍ وأبا دُجَانةَ سِماكَ بنَ خَرَشَةَ
ذكَرًا(١) فقرًا، فأعطاهما رسولُ اللَّهِ وَعٍ(٢).
٤٢/٢٨
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ / حَاجَةٌ مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ : المهاجرون . قال : وتكلّم فى ذلك -
يعنى : أموالٍ بنى النضيرِ - بعضُ مَن تكلّم مِن الأنصارِ، فعاتَبهم اللّهُ عزَّ وجلَّ فى
ذلك فقال: ﴿ وَمَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَادٍ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَيِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ . قال: وقال
رسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ لهم: ((إنَّ إخوانكم قد تَرَكوا الأموالَ والأولادَ وخرجوا إليكم)).
فقالوا: أموالُنا بينَهم(١) قطائِعُ. فقال رسولُ اللَّهِ عَّهِ: ((أوَ غيرَ ذلك))؟ قالوا: وما
ذلك يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((هم قومٌ لا يَعْرِفون العملَ، فَتَكْفُونهم وتُقَاسِمونهم
الثَّمَرَ )). فقالوا: نعم يا رسولَ اللَّهِ(٤).
وبنحوِ الذى قلنا فى قوله: ﴿ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ
(١) فى م: ((ذكر)).
(٢) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٤٤٢/٣ عن المصنف، والأثر فى سيرة ابن هشام ٢ / ١٩٢. وأخرجه
المصنف فى تاريخه ٥٥٤/٢.
(٣) فى تفسير ابن كثير: (( بيننا)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٦/٨.

٥٢٧
سورة الحشر : الآية ٩
قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى
رجاءٍ، عن الحسنِ فى قولِهِ: ﴿ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ﴾ .
.(١)
قال : الحسدَ(١).
قال : ثنا عبدُ الصمدِ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ : حاجةٌ فِى
صُدورِهم. قال : حسدًا فى صدورهم.
حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا ابنُ عليةَ، قال : أخبرنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه .
وقولُه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه وهو يَصِفُ الأنصارَ
الذين تبؤَّءوا الدارَ والإيمانَ مِن قبلِ المهاجرِين: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾. يقولُ:
ويُعْطُون المهاجِرين أموالَهم، إيثارًا لهم بها على أنفسِهم، ﴿ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ.
يقولُ : ولو كان بهم حاجةٌ وفاقٌ إلى ما آثَروا به مِن أموالهم على أنفسِهم.
والخَصَاصَةُ مصدرٌ، وهى أيضًا اسمٌ، وهو كلُّ ما تخلَّلْتَه ببصرِك، كالكَوَّةِ
والفُرْجةِ فى الحائطِ ، تُجْمَعُ : خَصاصاتٌ وخَصَاصٌ، كما قال الراجِزُ :
قد عَلِمَ المُقْاتِلاتُ(٢) كَفْحَا (٣)
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٩٤، وابن حجر فى تغليق التعليق ٣٣٧/٤ من طريق شعبة به. وأخرجه
عبد الرزاق - كما فى فتح البارى ٦٣٢/٨ -، وعنه عبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ٣٣٧/٤ - عن
معمر عن قتادة عن الحسن، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٥/٦ إلى ابن المنذر .
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((المقابلات))، وفى ص غير منقوطة .
(٣) فى م، ت ١: ((هجا))، وفى ت ٢: ((لفحا))، وفى ت ٣: ((لهحا)). وكَفَحه كَفْحا: لقيه مواجهة.
اللسان (ك ف ح) .

٥٢٨
سورة الحشر : الآية ٩
والنَّاظراتُ مِنْ خَصَاصِ لَمْحًا (١)
لَأَزْوِنَّها(٢) دَلْجًا أوْ مَتْحًا(٣)
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن أبيه، عن أبى حازمٍ، عن أبى
٤٣/٢٨ هريرةَ، قال: جاء / رجلٌ إلى النبيِّ عَ لَه لِيَضِيفَه، فلم يكنْ عندَه ما يُضِيفُه، فقال:
((أَلا رجلٌ يُضِيفُ هذا، رَحِمه اللَّهُ))؟ فقام رجلٌ مِن الأنصارِ يقالُ له: أبو طَلْحةَ.
فانطَلَق به إلى رَحْلِه، فقال لامرأته: أَكْرِمى ضيفَ رسولِ اللَّهِ لَّهِ؛ نَوِّمى الصُّنْيَةَ،
وَأَطْفِئِى المصباحَ، وأَرِيه بأنك تَأْكُلِين معه، واتْرِكِيه لِضَيْفِ رسولِ اللهِ عَِّ.
فَفعَلتْ، فَنزَلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن فُضَيْلٍ بن٢ِ غَزْوانَ، عن أبى حازمٍ، عن
أبى هريرةَ، أنَّ رجلًا مِن الأنصارِ بات به ضَيْفٌ، فلم يكنْ عندَه إلا قوتُه وقوتُ
صِبْيانِهِ، فقال لامرأَتِه: نَوِّمى الصِّئْبةَ، وأَطْفِئِى المصباحَ، وقرّبى للضيفِ ما عندَك.
قال: فنزلت هذه الآيةُ(٦).
(١) فى م: ((لنجا)).
(٢) فى م: ((لأورينها)).
(٣) فى م: ((منجا))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منحا)). ومتح الماءَ: نزعه واستخرجه. والدَّلْج: أن يأخذ
الدالج - وهو الساقى - الدلو من البئر ويمشى بها إلى الحوض فيفرغها فيه. ينظر الوسيط (دل ج، م ت ح).
(٤) أخرجه مسلم (١٧٣/٢٠٥٤) عن أبي كريب به .
(٥) فى م: ((عن)). وهو خطأ .
(٦) أخرجه مسلم (٢٠٥٤)، والترمذى (٣٣٠٤) عن أبى كريب به. وأخرجه ابن أبى شيبة
٣٥٠/١٣، والنسائى فى الكبرى (١١٥٨٢) من طريق وكيع به. وأخرجه البخارى (٤٨٨٩)، وأبو =

٥٢٩
سورة الحشر : الآية ٩
﴿ وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَن وقاه اللَّهُ شُعَّ نفسِه،
فَأَوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المُخَلَّدون فى الجنةِ. والشُّحُ فى كلامِ العربِ: البُخْلُ
ومَنْعُ الفَضْلِ من المالِ، ومنه قولُ عمرو بنِ كُلُْومٍ(١) :
عليه لمالِه فيها مُهِينا
تَرَى اللَّحِزَ(٢) الشَّحِيحَ إِذا أُمِرَّتْ
يعنى بالشَّحِيح البَخِيلَ، [٩٤٦/٢ظ] يقالُ: إِنَّه لشَحِيحٌ بَيِّنُ الشُّحِّ والشَّحِّ .
وفيه شَخَّةٌ شديدٌ وشَحَاحَةٌ .
وأما العلماءُ فإنهم يَرَوْن أنَّ الشُّعَّ فى هذا الموضعِ إنما هو أَكْلُ أموالِ الناسِ بغيرِ
حقٌّ .
"ذكرُ من قال ذلك٣)
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا المسعودىُّ، عن
أشعثَ ، عن أبى الشَّغْثاءِ، عن أبيه ، قال : أتى رجلٌ ابنَ مسعودٍ فقال : إنى أخافُ أنْ
أكونَ قد هلَكتُ. قال: وما ذاك؟ قال: أسمَعُ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَمَن يُوقَ شُخَّ
نَفْسِهِ﴾، وأنا رجلٌ شَحِيح، لا يكادُ يَخْرُجُ مِن يَدِى شىءٌ. قال: ليس ذاك بالشُّح
الذى ذكَر اللَّهُ فى القرآنِ(٤)؛ الشُّعُ أنْ تَأْكُلَ مالَ أخيك ظلمًا، ذلك البُخْلُ، وبؤس
= إسحاق الحربى فى إكرام الضيف (٧٨)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٩٧٩) من طريق فضيل به
مطولا ، وأخرجه الحاكم ١٣٠/٤ من طريق أبى حازم به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٥/٦ إلى ابن
المنذر وابن مردويه .
(١) شرح القصائد السبع الطوال ص ٣٧٣.
(٢) اللحز: الضَّيِّق البخيل. وقيل: السيئ الخلق اللئيم. المصدر السابق .
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) بعده فى م: ((إنما)).
( تفسير الطبرى ٣٤/٢٢ )

٥٣٠
سورة الحشر : الآية ٩
الشىءُ البُحْلُ .
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ،
عن جامعٍ ، عن الأسودِ بنِ هلالٍ ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ الله بن مسعودٍ ، فقال : يا
أبا عبد الرحمنِ، إنى أَخْشَى أنْ(١) تكونَ أصابَتْنى هذه الآيةُ: ﴿وَمَن يُوقَ
شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَّكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، واللَّهِ ما أُعْطِى شيئًا أُسْتَطِيعُ مَنْعَه .
قال: ليس ذلك بالشُّحِّ، إنما الشُّحُ أنْ تأكلَ مالَ أخيك بغيرِ حقِّه، ولكن
٥ ٠ (٢)
ذلك البُخْلُ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ ، عن
طارقٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن أبى الهَيَّاج الأُسَدىِّ، قال : كنتُ
أطوفُ بالبيتِ ، فرأَيتُ رجلًاً يقولُ: اللهمَّ فِى شُعَّ نفسى. لا يزيدُ على ذلك،
فقلتُ له ، فقال: إنى إذا وُقِيتُ شُعَّ نفسِى لم أَشْرِقْ، ولم أَزْنِ، ولم أَفْعَلْ شيئًا . وإذا
الرجلُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ(٢) .
٤٤/٢٨
حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ الدِّمَشقِىُ ، قال :
ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، قال/: ثنا مُجَمِّعُ بنُ جاريةَ الأنصارىُّ، عن عمّه يزيدَ بنِ
جاريةَ الأنصارىِّ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، عن رسولِ اللهِ مَ اه، قال: ((بَرِىَّ مِن الشُّح
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ألا)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٩٨/٩ من طريق الأعمش به . وأخرجه الفريابى - كما فى الدر المنثور ١٩٦/٦ ومن
طريقه الطيرانى (٩٠٦٠) - وابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٩٨/٨ - والحاكم ٢/ ٤٩٠،
والبيهقى فى شعب الإيمان (١٠٨٤١)، من طريق جامع به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٦/٦ إلى سعيد
ابن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه .
(٣) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٢٨٣/٤١ (طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق) من طريق سعيد بن
جبير به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٦/٦ إلى ابن المنذر.

٥٣١
سورة الحشر : الآية ٩
مَن أدَّى الزكاةَ، وقَرَى الضيفَ، وأَعْطَى فى النائبةِ)) (١)
.
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال : ثنا زِيادُ بنُ يونسَ أبو سلامةً ،
عن نافعِ بنِ عمرَ المكىِّ، عن ابنٍ أبى مُلَيْكةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو(٢) ، قال : إن
نَجَوَتُ مِن ثلاثٍ طَمِعْتُ أن أَنْجُوَ . قال عبدُ اللَّهِ بنُ صفوانَ: ما هنَّ، أَنْبِيك فيهنَّ؟ قال:
أُخْرِجُ المالَ العظيمَ، فَأُخْرِزُهُ(٣) صُرَرًّا(٤)، ثم أقولُ: أُقْرِضُ ربى هذا(٩) الليلةَ. ثم تَعُودُ
نفسِى فيه، حتى أُعِيدَه مِن حيثُ أَخْرِجْتُه، وإن نَجَوْتُ مِن شأْنِ عثمانَ . قال ابنُ
صفوانَ: أما عثمانُ (" فقُتِل يومَ قُتِل وأنت تُحِبُّ قَتْلَه وتَرْضاه، فأنت ممّن قتَله) ، وأما
أنت فرَجُلٌ لم يَقِكَ اللَّهُ شُعَّ نفسِك. قال: صَدَقْتَ(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ:
﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾. قال: مَن وُقِىَ شُحَّ نفسِه فلم يأخُذْ مِن الحرامِ شيئًا ولم يَقْرَّبْه ،
ولم يَدْعُه الشُُّ أَنْ يَخْبِسَ مِن الحلالِ شيئًا، فهو مِن الْمُفْلِحِين، كما قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ.
وحدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَمَن
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٨/٨ عن المصنف، وأخرجه البيهقى فى الشعب (١٠٨٤٢) من طريق
محمد بن إسحاق به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٦ إلى ابن مردويه .
(٢) فى م: ((عمر)).
(٣) فى ص، ت ١: ((فأحرنه))، وفى م، ت ٢، ت ٣: ((فأخرجه)). والصواب ما أثبتناه إن شاء الله.
(٤) فى م: ((ضرارا))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ضررا)).
(٥) فى م، ت ٢، ت ٣: ((هذه).
(٦ - ٦) كذا فى ص، م، وفى ت٢: ((فقتل يوم قتل وأنت تحب قتله وترضاه ممن قتله))، وفى ت٣: ((فقتل
يوم قتل وأنت تحب قتله وترضاه)). وعلى كلٌ فالمتن فيه نكارة. ففى مصدرى التخريج: ((إن كنت رضيت
قتله فقد شركت فى دمه)). ويشهد لهذا المتن ما ورد فى تاريخ دمشق ١٧٤/٣٧، ١٧٥، ١٧٨ من قول
عبد الله بن عمرو: ((فلما كان يوم صفين أقسم علىّ - أى أبوه عمرو - فخرجت . أما والله ، ما كثرت لهم
سوادا، ولا اخترطت لهم سيفا، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم)). وقال: (( ... فقال لى رسول الله عز اته :
((أطع أباك ما دام حيا، ولا تعصه)). فأنا معكم - أى مع أبيه ومعاوية رضى الله عنهما - ولست أقاتل)).
(٧) أخرجه ابن سعد فى الطبقات ٢٦٦/٤ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ١٨٢/٣٧ (طبعة
مؤسسة الرسالة) - من طريق ابن أبي مليكة بنحوه .
=

٥٣٢
سورة الحشر : الآيتان ٩ ، ١٠
يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ،﴾. قال: مَن لم يأْخُذْ شيئًا لشىءٍ نهاه اللَّهُ عنه، ولم يَدْعُه الشُّحُ
على أنْ يمنعَ شيئًا مِن شىءٍ أمَره اللَّهُ به ، فقد وقاه شُعَّ نفسِه، فهو مِن المُفْلِحِينَ(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
أَغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمُ
يقولُ تعالى ذكرُه : والذين جاءوا مِن بعدِ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ مِن قبلٍ
المهاجرين الأوَّلين ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
◌ِلْإِيمَنِ﴾. مِن الأنصارِ. وعُنِى بالذين جاءوا مِن بعدِهم المهاجرون، أنهم
يَسْتَغْفِرون لإخوانِهِم مِن الأنصارِ .
وقولُه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعنى: غِمْرًا) وضِغْنًا .
وقيل : عُنِى بالذين جاءُوا مِن بعدِهم: الذين أسلموا مِن بعدِ الذين تبوَّءُوا الدارَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَالَّذِينَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. قال: الذين أَسْلموا نُعِتوا أيضًا (٣) .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثم ذكَر اللَّهُ
٤٥/٢٨ الطائفةَ الثالثةَ، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
= والأمر الثالث والذى لم يذكر فى رواية المصنف هو يوم صفين كما فى مصدرى التخريج.
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٧٨/٨، والقرطبى فى تفسيره ٣٠/١٨.
(٢) الغِمْر : الحقد والغل. الوسيط (غ مر).
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٣. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٨/٦ إلى عبد بن حميد.

٥٣٣
سورة الحشر : الآية ١٠
وَلِإِخْوَيِنَا﴾، حتى بلَغ: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إنما أُمروا أن يَسْتَغْفِروا لأصحابٍ
النبيِّ عَ لَّه ولم يُؤْمَروا بسَبّهم. وذُكِر لنا أنَّ غلامًا لحاطبِ بنِ أبى بَلْتعةَ جاء نبىَّ اللَّهِ
[٩٤٧/٢ و] عَ لَه فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطبٌ فى حىّ النارِ. قال: ((كَذِبْتَ،
إنه شَهِد بدرًا والحُدَثِيةَ)). وذُكِر لنا أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضى اللَّهُ عنه أَعْلَظ لرجلٍ
مِن أهلِ بدرٍ ، فقال نبىُّ اللّهِ عَمِ: ((وما يُدْرِيك يا عمرُ؟ لعَلَّه قد شَهِد مَشْهِدًا اطَّلَع
اللَّهُ فيه إلى أهلِهِ ، فَأَشْهَدَ ملائِكَتَه : إنِّى قد رَضِيتُ عن عبادِى هؤلاءٍ، فَلْيَعْمَلوا ما
شائءُوا)). فما زال بعدَها (١) مُنْقَبِضًا مِن أَهلِ بدرٍ ، هائبًا لهم. وكان عمرُ رضِى اللَّهُ عنه
يقولُ : وإلى أهلِ بدرٍ تَهالك المُّهالِكون . وهذا الحىُّ مِن الأنصارِ، أحسَن اللَّهُ عليهم
(٢)
الثناءَ(١) .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا
تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. قال: لا تُورِثْ قلوبَنا غِلًّا لأحدٍ مِن أهلِ دينِك.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ، عن قيسٍ بنِ مسلمٍ ،
عن ابنِ أبى ليلى ، قال: كان الناسُ على ثلاثٍ منازِلَ؛ المهاجرون الأُوَّلون ، والذين
اتَّبَعُوهم بإحسانٍ، ﴿ وَالَّذِينَ جَّمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، وأحسَنُ ما يكونُ أنْ نكونَ(٣) بهذه المَزِلَة(٤).
(١) فى م: ((بعضنا)).
(٢) حديث حاطب أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٢٠٤١٨) عن معمر، عن قتادة ، عمن سمع الحسن ،
وابن أبى شيبة ١٥٥/١٢، وأحمد ٨٩/٢٣ (١٤٧٧١)، ومسلم (٢١٩٥)، والترمذى (٣٨٦٤)،
والنسائى فى الكبرى (٨٢٩٦)، وابن أبى عاصم فى السنة (٢٣٦)، وابن حبان (٤٧٩٩)، والبيهقى فى
الدلائل ١٥٣/٣ من حديث جابر بن عبد الله .
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((يكون))، وفى ص غير منقوطة .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٦٨/٦ من طريق عبد الرحمن به .

٥٣٤
سورة الحشر : الآيتان ١٠، ١١
وقولُه: ﴿لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه مُخْبِرًا عن
قيلِ الذين جاءُوا مِن بعدِ الذين تبوَّءوا الدارَ والإِيمانَ أنَّهم قالوا : لا تَجْعَلْ فى قلوبِنا
غِلًّا لأحدٍ مِن أهلِ الإيمانِ بك يا ربَّنا .
وقولُه: ﴿ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ : إنك ذو رأفةٍ بخلْقِك ، وذو رحمةٍ بمن
تاب واسْتَغْفَر مِن ذنوبِه .
أَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى : ﴿
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَبِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَرَ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا
أَبَدَّا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنَصُرَنَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبِّه محمدٍ مَّهِ: ألم تَنْظُرْ بعينِ قلبك يا محمدُ ، فَتَرَى إلى
الذين نافَقوا ، وهُم فيما ذُكِر؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أَبِيِّ ابنُ سَلُولَ، ووَدِيعةُ، ومالكُ بنُ أبى
قَوْقل٢ٍ، وسُويدٌ ، وداعِسٌ، بَعَثوا إلى بنى النَّضيرِ حينَ نزَل بهم رسولُ اللَّهِ عَه
للحَوْبِ: أن اثْبُتُوا وتمنَّعوا، فإنا لن تُسْلِمَكم، وإنْ قويِلْتم قاتَلْنا معكم، وإن
أَخْرِجْتم(١٢) خرَجْنا معكم . فتربَّصوا لذلك مِن نصرِهم، فلم يَفْعَلوا، وقذَف اللَّهُ فى
قلوبهم الرعبَ، فسألوا رسولَ اللّهِ وَِّ أن يُجْلِيَهم(٢) وَيَكُفَّ عن دمائِهم، على أن
لهم ما حمَلَت الإبلُ مِن أموالهم إلا الحَلْقَةَ .
/حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن
. (٤)
٤٦/٢٨
يزيدَ بنِ رُومانَ (٤) .
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ابنا قوقل))، وفى م، ت ٣: ((ابنا نوفل)). والمثبت مما تقدم فى ص ٥٠٠.
(٢) فى م: ((خرجتم)).
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((يخليهم)).
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٤٩٨.

٥٣٥
سورة الحشر : الآية ١١
وقال مجاهدٌ فى ذلك ما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمِ،
قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن
ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾. قال : عبدُ اللَّهِ
ابنُّ أَبِيِّ ابْنُ سَلُولَ، ورِفاعةٌ أو رَافعةُ بنُ تابوتَ - وقال الحارثُ : رِفاعةُ بنُ تابوتَ ،
ولم يشكَّ فيه -، وعبدُ اللَّهِ بِنُ نَبْتَلَ، وأَوْسُ بنُ قَيْظِقٍ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبی
محمدٍ ، عن عكرمةَ أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى
اَلَّذِينَ نَافَقُواْ﴾. يعنى عبدَ اللَّهِ بنَ أَبيِّ وأصحابَه، ومَن كان منهم على مِثلِ
أَمْرِهم(٢).
وقولُه: ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ . يعنى بنى
التَّضيرِ .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى
محمدٍ، عن عكرمةَ أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾. يعنى بنى النَّضيرِ .
وقولُه: ﴿لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَرَ مَعَكُمْ﴾. يقولُ: لئن أُخْرِجْتم مِن
ديارِكم ومنازلكم، وأَجْلِيتم عنها، ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾، فتُجْلَى عن منازلِنا
ودیارِنا معكم .
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٦ إلى ابن مردويه، والأثر فى سيرة ابن هشام ١٩٤/٢، عن ابن
إسحاق .

٥٣٦
سورة الحشر : الآيات ١١ - ١٤
وقولُه: ﴿ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾. يقولُ: ولا نُطِيعُ أحدًا سأَلَنَا
خِذْلانَكم، وتَرْكَ نُصْرتِكم، ولكنا نكونُ معكم، ﴿ وَإِن قُوِلْتُمْ لَتَنَصُرَنَّكُمْ ﴾
يقولُ: وإن قاتلكم محمدٌ عَِّ ومَن معه لنَنْصُرتَّكم معشرَ النَّضيرِ عليهم.
وقولُه: ﴿وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾. يقولُ: [٩٤٧/٢ظ] واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ
هؤلاء المنافقين الذين وعَدُوا بنى النَّضيرِ النُّصْرَةَ على محمدٍ عَ لَه، ﴿لَكَذِبُونَ ﴾ فی
وَعْدِهم إِيَّهم ما وَعَدُوهم مِن ذلك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لَبِنْ أُخْرِجُوْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَيْنِ قُوتِلُواْ لَا
يَصُرُونَهُمْ وَلَيِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلَّنَ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ
١٢
يقولُ تعالى ذكره : لئن أُخرِج بنو النَّضيرِ مِن ديارِهم، فأُجْلُوا عنها لا يَخْرُجُ
معهم المنافقون الذين وعَدُوهم الخروجَ مِن ديارِهم، ولئن قاتَلهم محمدٌ عِلَّمِ لا
يَنْصُرُهم المنافقون الذين وعَدُوهم النَّصرَ، ولئِن نَصَر المنافقون بنى النَّضيرِ ليُولُّنَّ
الأدبارَ مُنْهَزِمين عن محمدٍ عَلَه وأصحابِهِ، هاربين منهم قد خَذَلوهم، ﴿ثُمَّ لَا
يُصَرُونَ﴾. يقولُ: ثم لا يَنْصُرُ اللَّهُ بنى النَّضيرِ على محمدٍ ێِ وأصحابه ، بل
يَخْذُلُهم .
٤٧/٢٨
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ
١٣
بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
لَا يُقَائِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرَى تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ
ج
جُدُرٍ بَأَسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَعْقِلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وَجِ: لَأَنْتُم أيُّها
(١) هنا، وفيما يأتى، فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((جدار))، وهى قراءة كما سيأتى.

٥٣٧
سورة الحشر : الآيتان ١٣، ١٤
المؤمنون أشدُّ رهبةً فى صدورِ اليهودِ مِن بنى النَّضيرِ، ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: هم
يَرْهَبُونكم (١) أَشدَّ مِن رَهْبَتِهِم مِن اللَّهِ، ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه : هذه الرهبةُ التى لكم فى صدورِ هؤلاءِ اليهودِ ، التى هى أشدُّ مِن رهبتهم مِن
اللَّهِ ، مِن أَجْلِ أنهم قومٌ لا يَفْقَهون قدرَ عظمةِ اللَّهِ؛ فهم لذلك يَسْتَخِقُّون بمعاصيه ،
ولا يَرْهَبُون عقابَه، قدرَ رهبتِهم منكم .
وقولُه: ﴿لَا يُقَدِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرَى تُحَصَّنَةٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا
يُقاتِلُكم هؤلاء - يهودُ بنى النَّضيرِ - مُجْتمِعين، إلا فى قرَّى مُحصَّنةٍ بالحصونِ ، لا
يَتْرُزُون لكم بالبرازِ ، ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ جُدٍُّ﴾. يقولُ: أو مِن خَلْفِ حيطانٍ .
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ والمدينةِ: ﴿أَوْ مِن
وَرَآءِ جُدُرٍ﴾ على الجماع، بمعنى الحيطانِ. وقرأه بعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ : ( مِنْ
وَرَاءِ جِدَارٍ) على التوحيدِ ، بمعنى الحائطِ (١).
والصوابُ مِن القولِ عندى فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى ،
فبأيَّتِهِما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيرٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه : عداوةُ بعضِ هؤلاءِ
الكفارِ مِن اليهودِ بعضًا شديدةٌ، ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾. يعنى المنافقين وأهلَ
الكتابِ ، يقولُ: تَظُنُّهم مُؤْتلِفِين مُجْتَمِعةٌ كلمتُهم، ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ﴾. يقولُ :
وقلوبُهم مختلفةٌ ؛ لمعاداةِ بعضِهم بعضًا .
(١) فى م: ((يرهبونهم)).
(٢) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((رهبته)).
(٣) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وبالجمع قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات
ص ٧٠٥.

٥٣٨
سورة الحشر : الآية ١٤
وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: هذا الذى
وصَفْتُ لكم مِن أمرِ هؤلاءِ اليهودِ والمنافقين، وذلك تَشَتُّتُ أهوائِهم، ومعاداةٌ
بعضِهم بعضًا؛ مِن أَجْلِ أنهم قومٌ لا يَعْقِلون ما فيه الحظّ لهم، مما فيه عليهم البَخْسُ
والنَّقْصُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يُقَتِلُونَكُمْ
جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرَّى تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدٍُّ بَأَسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا
ج
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾. قال: تَجِدُ أهلَ الباطلِ مختلفةً
شهادتُهم ، مختلفةً أهواؤهم، مختلفةً أعمالُهم، وهم مُجْتَمِعون فى عداوةِ أهلٍ
الحقِّ(١).
٤٨/٢٨
/حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَهِ: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ﴾. قال: المنافقون يُخالِفُ دينُهم دينَ
(٢)
النَّضيرِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ ، عن سفيانَ ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ :
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ﴾. قال: هم المنافقون وأهلُ الكتابِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٦ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٣. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٥٣٩
سورة الحشر : الآيات ١٤ - ١٦
قال: ثنا مِهْرانُ ، عن سفيانَ ، مثلَ ذلك .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ ، عن مجاهدٍ :
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ﴾. قال: المشركون وأهلُ الكتابِ (١).
وذُكر أنها فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ)(٢)، بمعنى: أشدُّ تَشَتْتًا. أى:
أشدُّ اختلافًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَرِيبًا ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ
كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَا كَفَرَ قَالَ إِ
١٥
وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٦
بَرِيٌّ مِنْكَ إِنَّّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : مَثَلُ هؤلاءِ اليهودِ مِن بنى النَّضيرِ والمنافقين [٩٤٨/٢و] فيما
اللَّهُ صانعٌ بهم، مِن إحلالٍ عقوبتِه بهم، ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ :
کشَبھھم .
واختلف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنُوا بالذين مِن قَبِلِهم ؛ فقال بعضُهم: ◌ُنِى
بذلك بنو فَيْنُقَاعٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى
محمدٍ ، عن عكرمةَ أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعنى بنى فَيْنُقَاعُ .
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٩/ ٥٦٩.
(٢) ذكرها القرطبى فى تفسيره ٣٦/١٨، وأبو حيان فى البحر المحيط ٢٥٠/٨. وهى قراءة شاذة . مختصر
الشواذ ص ١٥٥.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/ ١٠١.

٥٤٠
سورة الحشر : الآيتان ١٥، ١٦
وقال آخرون : ◌ُنِی بذلك مشر کو قریش بيدر .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبّا ذَافُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. قال: كفارٍ
(١)
قريش(١).
وأولى الأقوالِ بالصوابِ أنْ يقالَ: إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ مَثَّل(١٢) هؤلاءِ الكفارَ مِن أَهلِ
الكتابِ - مما (٢) هو مُذِيقُهم مِن نَكالِه - بالذين مِن قَبلِهم، مِن مُكذِّبی
رسولِهِ مَّهِ، الذين أهلكهم بسَخَطِه، وأَمْرُ بنى قَيْنُقاع ووقْعَةُ بدرٍ كانا قبلَ جلاءٍ
٤٩/٢٨ بنى النَّضيرِ، وكلُّ أولئك قد ذاقوا وبالَ أمرِهم، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ / منهم
بعضًا فى تمثيلٍ هؤلاءِ بهم دونَ بعضٍ ، وكلُّ ذائقٌ وبالَ أمرِه، فمن قَرْبَت مَّتُه منهم
قَبَلَهم فهُم ممثَّلون بهم فيما عُنُوا به مِن المثَلِ .
وقولُه: ﴿ ذَاقُواْ وَيَالَ أَمْرِهِمْ ﴾. يقولُ: نالهم عقابُ اللَّهِ على كفرِهم به .
وقولُه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . يقولُ: ولهم فى الآخرةِ مع ما نالهم فى الدنيا
مِن الخزي، ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ . يعنى : مُوجِعٌ.
وقولُه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّ بَرِىّءُ
مِنْكَ إِنِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مثَلُ هؤلاءِ المنافقين الذين
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٦ إلى ابن المنذر.
(٢) بعده فى ت ٢، ت ٣: ((مثل)).
(٣) فى ت ٢، ت٣: ((بما)).