النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة المجادلة : الآيتان ١١، ١٢
الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَتٍ﴾: إن(١) بالعلم لأهلِه فضلًا، وإن له
على أهلِه حقًّا، ولَعَمْرِى لِلحقِّ عليك أيُّها العالمُ فضلٌ، واللَّهُ مُعْطِى كلَّ ذى فضل
فضله .
وكان مُطَرّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ يقولُ : فضلُ العلمِ أحبُّ إلىَّ مِن فضلٍ
العبادةِ ، وخيرُ دينِكم الوَرَعُ (١) .
وكان ("عبدُ اللَّهِ بنُ مُطَرِّف٢ٍ) يقولُ: إِنك لَتَلْقَى الرجلين؛ أحدُهما أكثرُ صومًا
وصلاةٌ وصدقةً ، والآخر أفضلُ منه بَوْنًا بعيدًا . قيل له: وكيف ذاك ؟ فقال: هو
أشدُّهما وَرَعًا للَّهِ عن محارمِه (٤).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ ﴾: فى دينِهم، إذا فعلوا ما أُمِروا به .
وقولُه: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها
الناسُ ذو خبرةٍ ، لا يَخْفى عليه المطيعُ منكم ربَّه مِن العاصى ، وهو مُجازٍ جميعَكم
بعملِهِ؛ المحسنَ بإحسانِهِ، والمسىءَ بالذى هو أهلُه ، أو يَغْفو .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ
١٢
نَجْوَ نَكُمْ صَدَقَةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرٌّ فَإِن لَّْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أى)).
(٢) أخرجه أحمد فى الزهد ص ٢٤٠ من طريق سعيد به. وأخرجه ابن سعد فى الطبقات ٧/ ١٤٢،
والفسوى فى المعرفة والتاريخ ٢ / ٨٢، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله ١١٦/١ (١٠٤) من طريق
قتادة به .
(٣ - ٣) كذا فى النسخ . ولعل الصواب مطرف بن عبد الله كما فى مصدر التخريج.
(٤) أخرجه أحمد فى الزهد ص ٢٤٠ من طريق سعيد به .
( تفسير الطبرى ٣١/٢٢ )

٤٨٢
سورة المجادلة : الآية ١٢
يقولُ تعالى ذكره: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، إذا ناجَيتم رسولَ اللَّهِ،
فقدِّموا أمامَ نجواكم صدقةً تتصدَّقون بها على أهلِ المسكنةِ والحاجةِ، ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ
لَكُمْ﴾. يقولُ: وتقديمُكم الصدقةَ أمامَ نجواكم رسولَ اللَّهِ وَّهِ خيرٌ لكم عندَ اللَّهِ،
وَأَظْهَرٌ﴾ [٩٣٩/٢ظ] لقلوبِكم مِن المآثمِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
٢٠/٢٨ فى قوله: ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ﴾. / قال: نُهوا عن مناجاة النبيِّ مَ اله
حتى يتَصدَّقوا ، فلم يُناجِه إلا علىُّ بن أبى طالبٍ رضِى اللهُ عنه، قدَّم دينارًا فتَصدَّق
به ، ثم أُنزِلت الرخصةُ فى ذلك(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدِ بنِ محمدٍ المحاربِىُّ، قال: ثنا المطَّلِبُ بنُ زيادٍ ، عن ليثٍ،
عن مجاهدٍ ، قال: قال علىّ رضى اللهُ عنه: إن فى كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ لآيَةً ما عمِل
بها أحدٌ قبلى، ولا يَعْمِلُ بها أحدٌ بعدِى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ
فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَّكُمْ صَدَقَةٌ﴾. قال: فُرِضت ثم نُسِخت .
مُ
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ ، قال : ثنا أبو أسامةَ ، عن شِبْلِ بنِ
عبَادٍ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥١. وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٠/٢ - ومن طريقه ابن الجوزى فى نواسخ
القرآن ص ٤٨٠ - من طريق سليمان الأحول عن مجاهد. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٥/٦ إلى عبد
ابن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
:

٤٨٣
سورة المجادلة : الآية ١٢
فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَلَكُمْ صَدَقَةٌ﴾. قال: نُهوا عن مناجاةِ النبيِّ مَّهِ حتى يَتَصدَّقوا ،
فلم يُناجِه إلا علىُّ بن أبى طالبٍ رضي اللهُ عنه، قدَّم دينارًا صدقةً تَصدَّق به ، ثم
أَنْزِلِت المُخصةُ .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ إدريس، قال: سمِعتُ ليثًا ، عن مجاهدٍ ، قال : قال
علىٌّ رضى اللهُ عنه: آيةٌ مِن كتابِ اللهِ لم يَعْمِلْ بها أحدٌ قبلى ، ولا يَعْمِلُ بها أحدٌ
بعدِى؛ كان عندِى دينارٌ فصَرَفْتُه بعَشَرةِ دراهمَ، فكنتُ إذا جئتُ إلى رسولِ اللهِ عَ له
تصدَّقَتُ بدرهم، فَنُسِخت، فلم يَعْمِلْ بها أحدٌ قَبْلى؛ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَّةٌ﴾(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدْعُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَّةٌ﴾. قال: سأل الناسُ رسولَ اللهِ عَ ل
حتى أَحْفَوه بالمسألةِ(٢) ، فقَطَعهم(٢) اللهُ بهذه الآيةِ ، وكان الرجلُ تكونُ له الحاجةُ إلى
نبيِّ اللهِ عَّهِ، فلا يستطيعُ أن يَقضِيَها حتى يُقدِّمَ بينَ يديه صدقةً، فاشتدَّ ذلك
عليهم، فَأَنزَل اللهُ عزّ وجلّ الرخصةَ بعدَ ذلك؛ ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
(٤)
(١) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٣٧٣، وابن أبى شيبة ٨١/١٢ عن ابن إدريس به . وأخرجه إسحاق ابن
راهويه - كما فى المطالب العالية (٤١٤٠) - وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٤٧٩ من طريق ليث به .
وأخرجه الحاكم ٤٨٢/٢ من طريق مجاهد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على بن أبى طالب . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٨٥/٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن
مردويه .
(٢) أحفى فلانا : ألح عليه فى السؤال وجَهَده. الوسيط (ح ف ى).
(٣) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((فعظمهم))، وفى م: ((فوعظهم))، وفى ت ١: ((فعصمهم)). والمثبت من
تفسير ابن كثير. وقطعهم بالآية : أى جعلهم يكفون عن المسألة .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٦/٨.

٤٨٤
سورة المجادلة : الآية ١٢
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ
فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَكُمْ صَدَقَّةٌ﴾. قال: إنها منسوخةٌ، ما كانت إلا ساعةً مِن نهارٍ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ
نَجْوَكُمْ صَدَقَّةٌ﴾ إلى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قال: كان المسلمون يُقدِّمون بينَ يدَى
النَّجوى صدقةً ، فلما نَزَلت الزكاةُ نُسِخ هذا(٢) .
حدَّثنى علىٍّ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ تَّجْوَنَّكُمْ صَدَقَّةٌ﴾: وذاك أن المسلمين أَكْثَروا المسائلَ على
رسولِ اللهِ مَِّ، حتى شَقُوا عليه، فأراد اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عن نبيّه؛ فلما قال ذلك
٢١/٢٨ ضَنَّ(٣) كثيرٌ مِن الناسِ، وكقُّوا عن المسألةِ، فَأَنزَل / اللهُ بعدَ هذا: ﴿ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ
وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾. فوسَّع اللهُ عليهم ولم يُضَيِّقْ(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عثمانَ بنِ أبى المغيرةِ ، عن
سالمِ بنِ أبي الجعدِ ، عن عليّ بن علقمةَ الأنمارىِّ، عن عليٍّ، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ:
((ما تَرَى؟ دينارٌ؟)). قال: لا يُطِيقون. قال: ((نِصْفُ دينارٍ؟)). قال: لا يُطِيقون.
قال: ((ما تَرى؟)). قال: شَعِيرةٌ. فقال له النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّك لزهيدٌ)). قال: قال
علىٍّ رضي اللهُ عنه: فبى خُفِّف(٥) عن هذه الأمةِ؛ قولُه: ﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٠/٢ - ومن طريقه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٤٨٠ - عن معمر به.
(٢) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٤٨٠، ٤٨١ من طريق محمد بن سعد به .
(٣) فى النسخ: ((صبر))، وهو تحريف، والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٤٣٠/٣ عن المصنف ، وأخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٣٧١ ، وابن
مردويه - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ٤٣٠/٣ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٨٥/٦ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) فى م: ((خفف الله)).

٤٨٥
سورة المجادلة : الآية ١٢
بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَكُمْ صَدَقَةٌ﴾ - فَزَلت: ﴿َ أَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَاتٍ﴾(١)
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ تَجْوَنَكُمْ صَدَقَّةٌ﴾: لئلَّ يُناجِىَ أهلُ
الباطلِ رسولَ اللهِ لَّهِ، فَيَشُقَّ ذلك على أهلِ الحقِّ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما
نستطيعُ ذلك ولا تُطِيقُه. فقال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿َأَشْفَقْتُ أَنْ نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ
صَدَقَتٍّ فَإِذْ لَ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ [٩٤٠/٢ و] عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾.
وقال: ﴿لَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]: مَن جاء يُناجِيك فى هذا فاقْبَلْ مناجاتَه،
ومَن جاء يُناجِيك فى غيرِ هذا فاقْطَعْ أنت ذاك عنه ، لا تُناجِه . قال : وكان المنافقون ربما
ناجَوا فيما لا حاجةً لهم فيه، فقال اللهُ عزّ وجلّ: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ
يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَجُوْنَ بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. قال: لأن
الخبيثَ(٢) يدخلُ فى ذلك.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ ، عن
عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: قال فى المجادلةِ : ﴿ إِذَا نَجَيْتُ الرَّسُولَ فَقَدِمُواْ بَيْنَ
يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَّةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَظْهَرَّ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورُ زَّحِيمٌ﴾
فتَسَخَّتْها الآيةُ التى بعدَها ، فقال: ﴿ وَأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ
لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَاللَّهُ خَبِيرٌ
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢ / ٨١، وعبد بن حميد (٩٠)، والترمذى (٣٣٠٠)، والبزار (٦٦٨)، والنسائى
فى خصائص على (١٥٢)، وأبو يعلى (٤٠٠)، وابن حبان ( ٦٩٤١، ٦٩٤٢) والنحاس فى ناسخه ص
٧٠١، وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٤٧٨ من طريق سفيان الثورى به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٨٥/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٢) كذا فى ص، م، ت ١. وفى ت ٢، ت ٣: ((الحنث)) ولعل المراد بالخبيث الشيطان، والله أعلم.

٤٨٦
سورة المجادلة : الآيتان ١٢، ١٣
بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(١)
وقولُه: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : فإن لم تَجِدوا ما تتصدَّقون به
. يقولُ : فإِنَّ اللهَ ذو عفوٍ
أمامَ مناجاتِكم رسولَ اللهِ عَّهِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
عن ذنو پِکم إذا تُم منها ، رحيمٌ بکم أُنْ يُعاقِبکم عليها بعد التوبة ، وغیرُ مُؤاخذٍ كم
بمناجاتِكم رسولَ اللهِ عَظِلّهِ، قَبْلَ أن تُقَدِّموا بينَ يدَى نجواكم(٢) إِيَّه صدقةً .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿َأَنْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّعُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَكُمْ صَدَقَاتٍّ فَإِذْ لَـ
تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهْ وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ
١٣
٢٢/٢٨
يقولُ تعالى ذكره : أَشَقَّ عليكم زخَشِيتُم أيُّها المؤمنون بأنْ تُقَدِّموا بينَ يَدَى
نجواكم رسولَ اللهِ مَ ◌ّه صدقاتٍ - الفاقةَ. وأصلُ الإشفاقِ فى كلام العربِ الخوفُ
والحذرُ. ومعناه فى هذا الموضع: أَخَشِيتم بتقديم الصدقةِ الفاقةَ والفقرَ؟
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
ءَأَشْفَقْتُ﴾. قال: شَقَّ عليكم تقديمُ الصدقةِ ، فقد وُضِعَتْ عنكم . وأَمِروا بمناجاةٍ
رسولِ اللهِ لَّهِ بغيرِ صدقةٍ حينَ شَقَّ عليهم ذلك(٣).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٦/٨. وأخرج ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٤٧٩ من طريق على بن
الحسین عن أبيه عن یزید عن عكرمة عن ابن عباس نحوه .
(٢) فى ت ٢، ت ٣: (( مناجاتكم)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٥١.

٤٨٧
سورة المجادلة : الآيتان ١٣، ١٤
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شِبْلِ بنِ عَّادٍ
المكىِّ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ءَأَشْفَقْتُ أَنْ
تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَكُمْ صَدَقَتٍّ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَفِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ﴾. فريضتان واجبتان لا رَجْعةَ لأحدٍ فيهما ، فتَسَخَتْ هذه الآيةُ ما كان قبلَها
مِن أمرِ الصدقةِ فى النجوى .
وقولُه: ﴿فَإِذْ لَ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه : فإذا لم تُقَدِّموا
بين يدَى نجواكم صدقاتٍ ، ورَزَقكم اللهُ التوبةَ مِن تَرْكِكم ذلك، فأَدُّوا فرائضَ اللهِ
التى أوجبها عليكم ولم يَضَغْها عنكم، مِن الصلاةِ والزكاةِ ، وأَطِيعوا الله ورسوله
فیما أُمر کم به وفيما نها كم عنه .
﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: واللهُ ذو خبرةٍ وعلم بأعمالِكم،
وهو مُخصِیھا علیکم ؛ ليجازِیکم بها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَولَوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا
١٤
هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَّهِ: ألم تَنْظُرْ بعینِ قلبك يا محمدُ ، فَتَرَى إلى
القومِ الذين تولَّوا قومًا غَضِب اللهُ عليهم . وهم المنافقون تولّوْا اليهودَ وناصَحوهم .
/ كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ ٢٣/٢٨
إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم ﴾. إلى آخرِ الآيةِ، قال: هم المنافقون تولَّؤًا اليهودَ
وناصَحوهم .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿نَولَوْ قَوْمًا

٤٨٨
سورة المجادلة : الآية ١٤
غَضِبَ اُللَّهُ عَلَيْهِم﴾. قال: هم اليهودُ تولَّهم المنافقون(١).
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ عزّ
وجلّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّا قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾. قال:
هؤلاء كفرةُ أهلِ الكتابِ اليهودُ [٩٤٠/٢ظ]، والذين تولَّوهم المنافقون، تولَّؤا اليهود .
وقرَأْ قولَ اللهِ: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَبِ﴾ حتى بلَغ: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١]، لئن كان ذلك لا
يَفْعلون. وقال هؤلاءِ المنافقون قالوا: لا نَدَمُ حلفاءَنا وموالِينا، يكونون معنا (١)
النصرتِنا وعزِّنا، ومَن يَدْفعُ عنا؟ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائرةٌ. فقال اللهُ عزّ وجلّ: ﴿ فَعَسَى
اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِاُلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ،﴾ [المائدة: ٥٢] حتى بلغَ: ﴿فِي صُدُورِهِم مِّنَ
اللَّهِ ﴾ [الحشر: ١٣]، وقرأ حتى بلَغ: (أُوْ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ(١) قال: لا يَتْرُزُون.
وقولُه: ﴿مَّا هُم مِّنَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ما هؤلاء الذين تولَّوا هؤلاءٍ
القومَ الذين غَضِب اللهُ عليهم - ﴿مِّنَكُمْ﴾. يعنى: مِن أهلِ دينِكم ومِلَّتِكم، ﴿ وَلَا
مِنْهُمْ﴾: ولا هم مِن اليهودِ الذين غَضِب اللهُ عليهم. وإنما وصَفهم بذلك جلّ
ثناؤه؛ لأنهم منافقون؛ إذا لَّقُوا اليهودَ قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزِئون . وإذا
لَقُوا الذين آمنوا قالوا : آمَنَّا .
وقولُه: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَحْلِفون
على الكذبِ؛ وذلك قولُهم لرسولِ اللهِ مَّهِ: نَشْهَدُ إِنَّك لرسولُ اللهِ. وهم
كاذبون غيرُ مُصدِّقين به، ولا مؤمنين به. كما قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَاَللَّهُ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٠/٢ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٦/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) فى م: (( معا)).
(٣) فى م: ((جدر)). وسيأتى ذكر الاختلاف فى هذه القراءة فى سورة الحشر.

٤٨٩
سورة المجادلة : الآيات ١٤ - ١٦
يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. وقد ذُكر أنَّ هذه الآيةَ نزلت فى
رجلٍ منهم عاتَبه رسولُ اللهِ يَّمِ على أمْرٍ بَلَغه عنه، فَحَلَف كَذِبًا .
ذكرُ الخبرِ الذى رُوى بذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن سِماكٍ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ مَّهِ: ((يَدْخُلُ عليكم رجلٌ
يَنْظُرُ بعينِ شيطانٍ، أو بعَيْنَى شيطانٍ)). قال: فدَخَل رجلٌ أزرقُ، فقال له: ((علامَ
تَسُبُنى أو تَشْتُمُنى؟)). قال: فجعَل يَخْلِفُ. قال: فنزَلت هذه الآيةُ التى فى
((المجادلةِ)): ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، والآيةُ الأخرى(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ
١٦
اَتَّخَذُوَاْ أَيْمَهُمْ جُنَّةُ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
١٥
يَعْمَلُونَ
/ يقولُ تعالى ذكرُه: أعدَّ اللهُ لهؤلاءِ المنافقين الذين تولّوا اليهودَ عذابًا فى ٢٤/٢٨
الآخرةِ شديدًا، ﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فى الدنيا؛ بغِشِّهم المسلمين،
ونُضْحِهم لأعدائهم مِن اليهودِ .
وقولُه: ﴿ أَتَّخَذُوَّأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: جعَلوا حَلِفَهم وأيمانَهم
جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّون بها مِن القتلِ ، ويَدْفعون بها عن أنفسِهم وأموالهم وذرارِيِّهم. وذلك
أنهم إذا اطَّلِع منهم على النفاقِ ، حلَفوا للمؤمنين باللهِ إنهم لمنهم، ﴿ فَصَدُواْ عَنْ
(١) أخرجه البزار (٢٢٧٠ - كشف) عن ابن المثنى به. وأخرجه أحمد ٤٨/٤ (٢١٤٧)، والطبرانى
(١٢٣٠٩) من طريق محمد بن جعفر به. وأخرجه أحمد ٤/ ٢٣١، ٢٣٢، ٣١٦/٥ (٢٤٠٧، ٢٤٠٨،
٣٢٧٧) والحاكم ٢/ ٤٨٢، والبيهقى فى الدلائل ٢٨٢/٥، والواحدى فى أسباب النزول ص ٣٠٩،
وأخرجه كذلك ابن أبى حاتم فى تفسيره، وابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ٤٣٢/٣ من طريق
سماك بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٦/٦ إلى ابن المنذر .

٤٩٠
سورة المجادلة : الآيات ١٦ - ١٨
سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: فصَدُّوا بأيمانِهم التى اتخذُوها جُنَّةً المؤمنين عن سبيلٍ
اللهِ فيهم، وذلك أنهم كفرةٌ ، وحكمُ اللهِ وسبيلُه فى أهلِ الكفرِ به من أهلِ الكتابِ
القتلُ، أو أَخْذُ الجِزْيةِ ، وفى عبدة الأوثانِ القتلُ، فالمنافقون يَصُدُّون المؤمنين عن
سبيلِ اللهِ فيهم بأيمانِهم إنهم مؤمنون ، وإنهم منهم، فيَحُولون بذلك بينَهم وبينَ
قتلِهِم، ويَمْتَنِعون به مما يَمْتَنِعُ منه أهلُ الإِيمانِ باللهِ .
وقولُه : ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . يقولُ: فلهم عذابٌ مُذِلٌّ لهم فى النارِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَّنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَهُمْ وَلََّ أَوْلَدُهُ مِّنَ اللَّهِ شَيْئًاً
أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
١٧
يقولُ تعالى ذكرُه : لن تُغْنِىَ عن هؤلاءِ المنافقين يومَ القيامةِ أموالُهم ، فيَفْتَدُوا
بها من عذابِ اللهِ المهينِ لهم، ولا أولادُهم، فيَنْصُروهم ويَسْتَنْقِذُوهم مِن اللهِ إذا
عاقَبَهم، ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ﴾. يقولُ: هؤلاءِ الذين تولّوا قومًا غَضِب اللهُ
عليهم - وهم المنافقون - ﴿ أَصْحَبُ النَّارِ﴾. يعنى: أهلُها الذين هم أهلُها) ،
﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾. يقولُ: هم فى النارِ ما كِثون إلى غيرِ نهايةٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ
١٨
وَبَحْسَبُونَ أَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَّ إِنَهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ
يقولُ تعالى ذكره: هؤلاء الذين ذكَرهم اللهُ(١) أصحابُ النارِ، يومَ يَبعثُّهم اللهُ
جميعًا. فـ ((يوم)) من صلةٍ ﴿أَصْحَبُ النَّارِ﴾. وعُنِى بقولِه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
جَميعًا﴾: (يومَ يَبْعَثُهم اللهُ جميعًا" مِن قبورِهم أحياءٌ كهيئتِهم قبلَ مماتِهم،
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى ص، م، ت ١: ((هم))، وبعده فى ت ٣: ((هم)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م: (( كهيئاتهم)).

٤٩١
سورة المجادلة : الآيتان ١٨، ١٩
فيَخْلِفون له كما يَخْلِفون لكم كاذبين مُبْطِلين فيها .
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فی قولِه :
﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾. قال: إن المنافقَ حلَف له يومَ القيامةِ كما حلَف لأوليائِه فى
(١)
الدنيا(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ
جَمِيعًا﴾ الآية، واللهِ حالَف المنافقون ربَّهم يومَ القيامةِ كما حالَفوا أولياءه / فى الدنيا. ٢٥/٢٨
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ [ ٩٤١/٢ و ]، عن سماكِ بنِ حربٍ
البكرىِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان النبيُّ ◌َّهِ فى ظِلّ حُجْرةٍ قد كاد يَقْلِصُ عنه
الظِّلُّ، فقال: ((إِنَّه سيأْتِيكم رجلٌ - أو يَطْلُغُ رجلٌ - بعينِ(٢) شيطانٍ، فلا تُكلِّمُوه)) .
فلم يَلْبَتْ أَنْ جاء، فاطَّلَع فإذا رجلٌ أَزرقُ، فقال له: ((عَلَامَ تَشْتُمُنِى أنتَ وفلانٌ
(٤) وفلان٤ٌ)؟)). قال: فذهَب فدعا أصحابَه، فحلَفوا ما فعَلوا. فنزلت: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ
اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾.
وقولُه: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ . يقولُ : ويَظُنُّون أنهم فى أيمانهم وخلفهم
باللهِ كاذبين، على شىءٍ مِن الحقِّ، ﴿أَآَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ فيما يَحْلِفون عليه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿اَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَئِنُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ
١٩
حِزْبُ الشَّيْطَنِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُ الْخَسِرُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ غَب عليهم الشيطانُ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨١/٢ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٦/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((يعنى)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣.

٤٩٢
سورة المجادلة : الآيات ١٩ - ٢١
فأنساهم ذكرَ اللهِ ، ﴿ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَنِ﴾. يعنى: جندُه وأتباعُه، ﴿ أَلََّ إِنَّ
حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَبِيرُونَ﴾. يقولُ: أَلَا إِنَّ جندَ الشيطانِ وأتباعَه هم الهالكون
المَغَّبونون فى صَفْقَتِهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَكَ فِى
اٌلْأَذَلِينَ
٢١
كَتَبَ اللَّهُ لَّأَغْلِيَ أَنَا وَّرُسُلَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ
يقولُ تعالى ذكره : إنَّ الذين يخالفون الله ورسوله فی حدوده، وفيما فرَض
عليهم(١) مِن فرائضِه فُعادُونه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَذُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ: يُعادُون اللهَ ورسولَه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿يُحَآَذُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ: ﴾. قال: يُعادون ، يُشاقُّون(٣) .
٢٦/٢٨
/ وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ فِ الْأَذَلِّينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : هؤلاءِ الذين يُحادُّون
الله ورسولَه فى أهلِ الذِّلةِ؛ لأن الغلبةَ للهِ ورسوله .
(١) زيادة من: م.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨١/٢ عن معمر به .
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٥١. ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣٣٧/٤.

٤٩٣
سورة المجادلة : الآيتان ٢٢،٢١
وقولُه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَا وَرُسُلَّ﴾. يقولُ: قضَى اللهُ وخطَّ فى أمّ
الكتابِ لأغلبنَّ أنا ورسُلى من حادَّنى وشاقَّنى .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
لَأَغْلِبََ أَنَا وَرُسُلَّ﴾ الآية. قال: كتَب اللهُ كتابًا وأمضاه(١).
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾. يقولُ: إِنَّ اللهَ جلّ ثناؤه ذو قوَّةٍ وقدرةٍ على
كلٍّ من حادّه ورسوله أنْ يُهلِكَه، ذو عزَّةٍ، فلا يَقْدِرُ أحدٌ أنْ يَنْتَصِرَ منه إذا هو أهلَك
وليّه ، أو عاقَبه ، أو أصابه فى نفسِه بسوء .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ
يُوَاذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ
عَشِيرَتَهُمَّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَتَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهٌ وَيُدْسِلُهُمْ
جَثَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَاْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَِّكَ حِزْبُ
اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ
مَنْ حَاذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾: لا تجدُ يا محمدُ قومًا يُصدِّقون اللهَ، ويُقِرُّون باليومِ الآخرِ،
يوادُّون من عادَى (٢) الله ورسولَه وشاقَّهما، وخالفَ أمرَ اللهِ ونهيَه، ﴿وَلَوْ كَانُواْ
ءَبَآءَ هُمْ ﴾. يقولُ: ولو كان الذين حادُّوا اللهَ ورسولَه آباءَهم ، أو أبناءَهم، أو
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٦/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى م: ((حاد)).

٤٩٤
سورة المجادلة : الآية ٢٢
إخوانَهم، أو عشيرتَهم. وإنما أخبرَ اللهُ جلّ ثناؤُه نبيّه ◌ِّمِ بهذه الآيةِ أنَّ الذين تولَّوا
قومًا غَضِب اللهُ عليهم ليسوا مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ ولا باليوم الآخرِ، فلذلك تولَّؤًا
الذين تولّؤهم مِن اليهودِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. أى: مَن عادى
. (١)
الله ورسوله(١) .
وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه : هؤلاءٍ
الذين لا يُوادُّون مَن حادَّ اللهَ ورسولَه ولو كانوا آباءَهم، أو أبناءَهم ، أو إخوانَهم ، أو
عشيرتَهم - كتَب اللهُ فى قلوبِهم الإيمانَ .
٢٧/٢٨
/ وإنما عُنِى بذلك: قضَى لقلوبِهم الإيمانَ. فـ ((فى)) بمعنى اللامِ،
وأخبر تعالى ذكرُه أنه كتب فى قلوبهم الإيمانَ لهم، وذلك لمَّا كان الإيمانُ
بالقلوبِ ، [٩٤١/٢و] وكان معلومًا بالخبرِ عن القلوبِ أن المرادَ به أهلُها، اجْتُزِئَّ
بذكرِها مِن ذكرِ أهلِها .
وقولُه: ﴿ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهٌ﴾. يقولُ : وقوَّاهم ببرهانٍ منه ونورٍ
وهُدّى، ﴿ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾. يقولُ: ويُدْخِلُهم بساتينَ
تَجْرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَلِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكِثين فيها أبدًا ،
﴿ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بطاعتِهم إِيَّاه فى الدنيا، ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ فى الآخرةِ بإدخالِه
إيَّاهم الجنةَ، ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهُ ﴾. يقولُ: أولئك الذين هذه صفتُهم جندُ اللهِ
(١) تقدم تخريجه ص ٤٦٦.

٤٩٥
سورة المجادلة : الآية ٢٢
وأولياؤُه، ﴿أَلَّ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾. يقولُ: ألا إن جندَ اللهِ وأولياءَه ﴿هُمُ
الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: هم الباقون المُجِحُون بإدراكِهم ما طلَبوا والتَمسوا ، بتعبِهم
(١)
فی الدنیا ، وطاعتهم ربَّهم .
آخرُ تفسير سورةِ (( المجادلةِ)» والحمدُ للهِ
(١) فى م: ((ببيعتهم)).

٤٩٦
سورة الحشر : الآيتان ١، ٢
تفسير سورةٍ («الحَشْرِ))
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ وَهُوَ
اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ﴾: صلَّى للهِ، وسجَد له، ﴿ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ﴾ مِن خَلْقِه. ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: وهو
العزيزُ فى انتقامِهِ مَّن انتقَم مِن خَلْقِه، على معصيتِه ١ إياه ، الحكيمُ فى تدبيرِه إيّاهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَِّينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ مِن
دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَنُواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ
فَأَتَنُهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِهِمْ وَأَيْدِى
اٌلْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوا يَتَأُوْلِ الْأَنْصَرِ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ مِن
دِيَِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ﴾: اللهُ الذى أَخْرَج الذين جَحدوا نبؤَّةَ محمدٍ عَ لَّهِ مِن أَهلِ
الكتابِ، وهم يهودُ بنى النَّضِيرِ مِن ديارِهم، وذلك خروجُهم عن منازلهم
ودُورِهم، حينَ صالَحَوا رسولَ اللهِ عَظِّهِ / على أن يُؤَمِّنَهم على دمائِهم ونسائهم
وذَرارِيِّهم ، وعلى أن لهم(٢) ما(٢) أَقَّت الإبلُ مِن أموالهم، ويُخَلَّوا له دُورَهم وسائرَ
أموالِهم، فأجابهم رسولُ اللَّهِ عَ لَّ إلى ذلك، فخرَجوا مِن ديارِهم ؛ فمنهم مَن خرَج
٢٨/٢٨
(١) فى م: ((معصيتهم)).
(٢) فى ت ٣: ((يؤمنهم على)).
(٣) فى ص، ت٣: ((مما)).

٤٩٧
سورة الحشر : الآية ٢
إلى الشامٍ ، ومنهم مَن خرَج إلى خيبرَ. فذلك قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ﴾.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ﴾
٠
قال : النَّضيرَ، حتى قولِه: ﴿وَلِيُخْرِىَ اٌلْفَسِقِينَ﴾(١).
ذكرُ ما بَيَّ ذلك كلِّه فيهم
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ﴾. قيل: الشامُ؛ وهم بنو
التَّضيرِ - حىٌّ مِن اليهودِ - فَأَجْلاهم نبىُ اللَّهِ عَّهِ مِن المدينةِ إلى خَيْبرَ، مَرْجِعَه
مِن أُحُدٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ: ﴿ مِن دِيَرِهِمْ
لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ﴾. قال: هم بنو النَّضيرِ، قائَلهم النبىُّ ◌َظَلِّ حتى(١) صالحهم على
الجلاءِ، فَأَجْلاهم إلى الشام، وعلى أنَّ لهم ما أَقَلَّت الإبلُ مِن شىءٍ إلا الحَلْقَةَ ،
والحَلْقَةُ : السّلامحُ، كانوا من سِبْطِ لم يُصِبْهم جَلَاءٌ فيما مضى، وكان اللَّهُ عزَّ وجلَّ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٦ إلى عبد بن حميد .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٦ إلى عبد بن حميد .
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((حين)).
( تفسير الطبرى ٣٢/٢٢ )

٤٩٨
سورة الحشر : الآية ٢
قد كتَب عليهم الجَلَاءَ، ولولا ذلك عذَّبهم فى الدنيا بالقتلِ والسّباءِ ) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ هُوَ
الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ ﴾. قال: هؤلاء
التَّضيرُ حينَ أَجْلاهم رسولُ اللَّهِ سَمِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال : ثنا ابنُ إسحاقَ ، عن
يزيدَ بنِ رُومانَ ، قال: نزَل فى بنى النَّضيرِ (( سورةُ الحشرِ)) بأَسرِها، يُذْكَرُ فيها ما
أَصابهم اللَّهُ عزّ وجلَّ به مِن نِقْمَتِهِ، (٢وما٢) سَلَّط عليهم به رسولَ اللَّهِ عَه، وما عَمِل
به (٣) فيهم. فقال: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَخْرَجَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِنْ دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ
الْخَشْرِّ ﴾ الآيات(٤).
وقولُه: ﴿لِأَوَّلِ الْخَشْرَّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: لأوَّلِ الجَمْع فى الدنيا ، وذلك
حشرُهم إلى أرضِ الشامِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ قولَه :
:
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٥٤/٢، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٢٨٢، وأبو عبيد فى الأموال
(١٨)، وابن زنجويه (٥٧) من طريق معمر به، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ١٧٦/٣ من طريق عقيل عن
الزهرى .
(٢ - ٢) سقط من: ص .
(٣) سقط من : ص .
(٤) سيرة ابن هشام ١٩٢/٢، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٤/٨، وفى البداية والنهاية ٥٣٨/٥ .

٤٩٩
سورة الحشر : الآية ٢
لِأَوَّلِ اَلْحَشْرِّ﴾. قال: كان جَلاؤُهم أوَّلَ (١) الحشرِ فى الدنيا إلى الشامِ .
/ حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: تَجِى ءُ نارٌ ٢٩/٢٨
مِن مَشْرِقِ الأرضِ ، تَحْشُرُ الناسَ إلى مَغارِبِها ، فتَبِيتُ معهم حيثُ باتُوا، وتَقِيلُ معهم
حيثُ قالوا ، وتأكلُ مَن تَخَلَّف(٤) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بلَغنى
أنَّ رسولَ اللَّهِ مَّ ◌ِ لما أَجْلَى بنى النَّضيرِ، قال: ((امْضُوا فهذا أوَّلُ الحَشْرِ، وأنا على
(٦)
الأَثَرِ))(١) .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لِأَوَّلِ
الْخَشْرِ﴾. قال: الشامِ حينَ ردَّهم إلى الشام . وقرأ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يََّأَيُّهَا
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا
فَتَرُدَّهَا عَلَّ أَذْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. قال: مِن حيثُ جاءت ، أدبارُها أنْ رجَعت إلى
الشامِ، مِن حيث جاءت رُدُّوا إليه(٧) .
وقولُه: ﴿ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ﴾. يقولُ تعالى ذكره للمؤمنين مِن أصحاب
رسولِ اللَّهِ مَّ ◌َّهِ: ما ظَنَئْتم أنْ يَخْرُجَ هؤلاء الذين أُخرَجهم اللَّهُ مِن ديارِهم مِن أَهلِ
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((بأول)).
(٢) أخرجه البيهقى فى الدلائل ١٧٦/٣، ١٧٧ من طريق عقيل عن الزهرى .
(٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((قوله)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٢/٢ عن معمر به .
(٥) فى ص، ت١: ((أوان)).
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٤/٨ عن المصنف، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٥٩/٢ ، ابن أبى حاتم -
كما فى تفسير ابن كثير ٨٤/٨ - من طريق عوف به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٧) تقدم تخريجه فى ١١٤/٧، ١١٥ .

٥٠٠
سورة الحشر : الآية ٢
الكتابِ، من مساكنِهم ومنازلهم، ﴿ وَظَنُواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ ﴾ وإنما
ظَنَّ القومُ - فيما ذُكِر - ذلك؛ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ أَتَىِّ وجماعةً مِن المنافقين بعثوا إليهم (١) لمّ
حاصَرهم رسولُ اللَّهِ عَه، يَأْمرونهم بالثباتِ فى حُصونِهم، ويَعِدُونهم النَّصْرَ.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ
رُومانَ ، أَنَّ رهطًا مِن بنى عوفٍ بنِ الخَزْرَجِ ؛ منهم عبدُ اللَّهِ بنُ أَبِيِّ ابنٍ سَلُولَ ،
ووديعةُ، ومالكُ "بنُ أبى قَوْقَلِ)، وسُويدٌ، وداعِشٌ، بعَثوا إلى بنى النَّضيرِ؛ أن
اْبُتوا وتَمَنَّعوا، فإِنا لن نُسْلِمَكم، وإن قُوتِلْتم قاتلْنا معكم، وإن أُخْرِبْتُم خَرَجْنا
معكم . فَتَرَّبَّصوا لذلك مِن نَصْرِهم، فلم يَفْعلوا، وكانوا قد تَحَصَّنوا فى الحصونِ مِن
رسولِ اللهِ وَِّ حينَ نَزَل بهم(١).
وقولُه: ﴿ فَأَنَنْهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾. (٢) يقولُ تعالى ذكره: فَأَتَاهم
أَمْرُ اللَّهِ مِن حيثُ لم يَحْتَسِبوا أنه يَأْتيهم، وذلك الأمرُ الذى أَنَاهم مِن اللَّهِ مِن حيثُ
لم يَحْتَسِبوا) ، قَذَف فى قلوبهم الرعبَ بتُزُولِ رسولِ اللَّهِ سَمِ بهم فى أصحابِه .
يقولُ جلَّ ثناؤه: ﴿ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ﴾.
وقولُه: ﴿ يُخْرِبُونَ بُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه :
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ بنى النَّضيرِ مِن اليهودِ، أنهم يُخْرِبون مساكِنَهم، وذلك أنهم
كانوا يَنْظُرون إلى الخشبةِ - فيما ذُكِر - فى منازلهم مما يَسْتَحْسِنونه، أو العمودِ ، أو
(١) فى ت٢، ت٣: ((إليه)).
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢: ((ابنا نوفل))، وفى ت٣: ((أبناء نوفل)). والمثبت من مصادر
التخريج ، ووديعة هو ابن ثابت أخو بنى عمرو بن عوف . وينظر طبقات ابن سعد ٥٤٨/٣، والبداية
والنهاية ١٤/٥.
(٣) سيرة ابن هشام ١٩١/٢، وذكره المصنف فى تاريخه ٥٥٤/٢ من قول ابن إسحاق.
(٤ - ٤) سقط من : ت٢، ت٣.