النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة الحديد : الآية ٢٨
شيئًا؟ قالوا: لا. قال : فذاك فَضْلى أُوتِيهِ مَن أشاءُ))(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبَرنى الليثُ وابنُ لَهيعةً ، عن
سليمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى أمامة الباهليّ ، أنه
قال: شَهِدتُ خطبةَ رسولِ اللَّهِ عْظَلَّهِ يومَ حجة الوداع، فقال قولًا كثيرًا حسنًا
جميلاً، وكان فيها: ((مَن أسلَم من أهلِ الكتابَيْنِ فله أجرُه مرّتين، وله مثلُ الذى
لنا ، وعليه مثلُ الذى علينا، ومَن أسلَم من المشركين فله أجرُه ، وله مثلُ الذى لنا ،
وعليه مثلُ الذى علينا))(٢).
وقولُه: ﴿ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَعْشُونَ بِهِ ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى الذى
عُنِى به (( النورُ)) فى هذا الموضع ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به القرآنُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو عمارِ المروزىُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ
السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾:
القرآنُ(٣)، وأَتِّبَاعُهم النبىَّ ◌ٍَّ(١).
/ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن ٢٤٥/٢٧
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾. قال :
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١١/١ بنحوه، وأحمد ١٤٠/١٠ - ١٤٤ (٥٩٠٢، ٥٩٠٤، ٥٩١١) عن
مؤمل به، وأخرجه أحمد ١٤١/١٠ (٥٩٠٣)، والبخارى (٥٠٢١)، من طريق سفيان به، وأخرجه البخارى
(٢٢٦٩)، والترمذى (٢٨٧١)، وابن حبان (٦٦٣٩)، من طريق ابن دينار به.
(٢) أخرجه الطحاوى فى المشكل (٢٥٧١) عن يونس به ، وأخرجه أحمد ٢٥٩/٥ (الميمنية)، والرويانى
(١٢٢٦)، من طريق ابن لهيعة به ، وأخرجه الطبرانى (٧٧٨٦) من طريق الليث به .
(٣) فى م: ((قال : الفرقان)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/٦ إلى عبد بن حميد .

٤٤٢
سورة الحديد : الآيتان ٢٩،٢٨
الفرقانُ، واتِّبَاعُهم النبيَّ عَلَّهِ .
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشام ، قالا : ثنا يحيى بنُ يمانٍ ، عن سفيانَ ، عن عطاءٍ
ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ
بِهِ﴾. قال : القرآنُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ مثلَهُ (١).
وقال آخرون : عُنِى بالنورِ فى هذا الموضع : الهُدى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله : ﴿ تَمْشُونَ بِهِ، ﴾. قال: هُدًى(٢) .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ : إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه وعَد هؤلاءِ
القومَ أنْ يجعلَ لهم نورًا يَمْشُون به ، والقرآنُ مع اتِّاعِ رسولِ اللهِ صَ لِّ نورٌ لمن آمن
بهما وصدَّقهما، وهُدًى؛ لأن مَن آمن بذلك فقد اهْتَدى .
وقولُه: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. يقولُ: ويَصْفَخْ لكم عن ذنوبِكم فيَسْشُرُها
عليكم، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ ذو مغفرةٍ ورحمةٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن
٣٩
فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/٦ إلى ابن الضريس.
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/٦ إلى عبد بن حميد.

٤٤٣
سورة الحديد : الآية ٢٩
يقولُ تعالى ذكره للمؤمنين به وبمحمدٍ عَّلَّهِ مِن أهلِ الكتابِ: يفعلُ بكم
ربّكم هذا لكى يعلمَ أهلُ الكتابِ أنهم لا يَقْدِرون على شىءٍ مِن فضلِ اللَّهِ الذى
آتاكم وخصَّكم به؛ لأنهم كانوا يَرَوْن أَنَّ اللَّهَ قد فضَّلهم على جميعِ الخَلْقِ،
فَأَعْلَمهم اللَّهُ جلّ ثناؤه أنَّه قد آتَى أمةَ محمدٍ عَظِلّهِ مِن الفضلِ والكرامةِ، [٩٣٣/٢و]
ما لم يُؤْتِهم، وأنَّ أهلَ الكتابِ حسَدوا المؤمنينَ لمّا نزَل قولُه: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًّا
تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. فقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: فعَلْتُ ذلك ليعلمَ (١) أهلُ الكتابِ
أنهم لا يَقْدِرون على شىءٍ مِن فضلِ اللهِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٢٤٦/٢٧
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ الآية. قال: لما نزلت هذه الآيةُ حسَد أهلُ
الكتابِ المسلمينَ عليها، فأَنزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لِثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ
عَلَى شَىْءٍ﴾ الآية. قال: ذُكِر لنا أنَّ نبىَّ اللَّهِ بِ هِ كان يقولُ: ((إَّمَا مَثَلُنا ومَثَلُ أهلِ
الكتابَيْن قَبْلَنا، كمَثَلِ رجلٍ اسْتَأْجَرِ أُجَرَاءَ يَعْمَلُون إلى اللَّيلِ على قِيراطٍ ، فلمَّا
انْتَصَف النَّهَارُ سَئِمُوا عمَلَه وملُّوا ، فحاسَبهم، فأَعْطاهم ( نصفَ قيراطٍ ، ثم استأجر
أجراءَ يعملون إلى الليلِ على قيراطٍ ، فعمِلوا إلى صلاةِ العصرِ، ثم سَئِموا وملُّوا عملَه،
فحاسَبهم، فأعطاهم١٢) على قَدْرِ ذلك، ثم اسْتَأْجَر أُجَراءَ إلى اللَّيلِ على قِيراطيٍ
يَعْمَلُون له بقيَّةَ عملِه، فقيل له: ما شأنُ هؤلاءِ أَقُلُّهم عملًا ، وأَكْثَرُهم أَجْرًا؟ قال:
(١) فى ت١: ((لئلا يعلم)).
(٢ - ٢) سقط من: م.

٤٤٤
سورة الحديد : الآية ٢٩
مالى، أُغْطِى مَن شِئْتُ . فَأَرْجو أنْ نكونَ نحنُ أصحابَ القِرَاطَيْنِ)) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كِفْلَيْنِ مِن
رَّحْمَيِّهِ،﴾. قال: بلَغنا أنَّها حينَ نزَلت حسَد أهلُ الكتابِ المسلمين، فأنزل اللَّهُ:
﴿لِّثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ﴾(١).
حدَّثنا أبو عمارٍ، قال : ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ ، عن عطاءٍ بنٍ
السائبٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباس: ﴿لِثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ﴾ : الذين
يَتَسَمَّعون، ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ ﴾ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
وقيل: ﴿ِثَلَّا يَعْلَمَ ﴾. وإنما هو: لِيَعْلَمَ، وذُكِر أنَّ ذلك فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ :
( لِكَىْ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ أَلَّ يَقْدِرُون)(٢)؛ لأنَّ العربَ تجعلُ ((لا)) صلةً فى كلِّ كلام
دخَل فى أوَّلِه أو (١) آخرِهِ جَخْدٌ غيرُ مُصَرَّح، كقولِه فى الجَحْدِ السابقِ الذى لم
يُصَرِّخْ به: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ [الأعراف: ١٢]. وقوله: ﴿ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ
أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]. وقوله: ﴿وَحَرَمُ عَلَى قَرْيَةٍ
أَهْتَكْنَهَا﴾ الآية [الأنبياء: ٩٥]. ومعنى ذلك: أهلكناها أنهم يَرْجِعون .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٦/٢ عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٢) ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٥٣، والبحر المحيط ٢٢٩/٨.
(٣) فى ت٢، ت٣: ((و)). وينظر معانى القرآن للفراء ١٣٧/٣.

٤٤٥
سورة الحديد : الآية ٢٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبرنا أبو هارونَ الغَنَوَىُّ،
قال: قال خطابُ بنُ عبدِ اللَّهِ: ﴿لِّثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن
فَضْلِ اَللَّهِ ﴾ .
(١)
قال : ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى المُعَلَّى، قال: كان سعيدُ بنُ جبيرٍ يقولُ: (لِكَيْلاً
يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ)(٢).
/ وقولُه: ﴿ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولِيعلَموا أن الفضلَ ٢٤٧/٢٧
ج
بيدِ اللَّهِ دونَهم، ودونَ غيرِهم من الخلقِ، ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾. يقولُ: يُغطى فضلَه
ذلك من يشاءُ من خلقِه، ليس ذلك إلى أحدٍ سواه، ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
يقولُ تعالى ذكره : واللَّهُ ذو الفضلِ على خلقِه ، العظيمُ فضلُه.
آخِرُ تفسير سورةِ ((الحديدِ))
(١) فى الدر المنثور: ((كى لا)). وينظر ما تقدم فى ص ٤٣٧ حاشية (٤)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٤٤٦
سورة المجادلة : الآية ١
تفسير سورةِ (( المجادلَةِ))
/ [٩٣٣/٢ظ] بسم الله الرحمن الرحيم
١/٢٨
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَِّى
تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ ◌ّهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ يا محمدُ، ﴿قَوْلَ الَّتِى
تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾. والتى كانت تُجَادِلُ رسولَ اللَّهِ ◌َ هِ فى زوجِها امرأةٌ مِن
الأنصارِ .
واختلف أهلُ العلم فى نَسَبِها واسمِها ؛ فقال بعضُهم : خَوْلةُ بنتُ ثعلبةَ . وقال
بعضُهم: اسمُها خُوَيْلةُ بنتُ ثعلبةَ. وقال آخرون: هى خُوَيْلةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ . وقال
آخرون: هى خُوَيْلةُ بنتُ الصامتِ . وقال آخرون : هى خويلةٌ بنتُ الدُّلَيِجِ .
وكانت مجادلتُها رسولَ اللَّهِ عْظَهِ فى زوجِها - وزوجها أَوْسُ بنُّ الصامتِ -
مراجعتَها(١) إِيَّاه فى أمرِهِ، وما كان مِن قولِه لها: أنتِ علىَّ كظَهْرٍ أمىٌّ . ومحاورتَها
إِيَّاه فى ذلك. وبذلك قال أهلُ التأويلِ، وتظاهرت به الروايةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك، والآثارِ الواردة به
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ ، قال: سمِعتُ أبا العاليةِ
يقولُ : إن خُوَيْلةَ ابنةَ الدُّلَيْجِ أتت النبيَّ ◌ِلِ وعائشةُ تَعْسلُ شِقَّ رأسِه ، فقالت : يا
رسولَ اللَّهِ ، طالتْ صُحْبَتى مع زوجى، ونَفَضتُ له بَطْنِى(٢)، وظاهَر مِنِّى. فقال
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((و)).
(٢) نفضت المرأة كرشها فهى نفوض: كثيرة الولد. اللسان (ن ف ض).

٤٤٧
سورة المجادلة : الآية ١
رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((حَرُمْتِ عليه)). / قالت: أَشْكُو إلى اللَّهِ فاقتى. ثم قالت: يا ٢/٢٨
رسولَ اللَّهِ، طالَتْ صُحْبتى، ونَفَضْت له بَطْنِى. فقال رسولُ اللَّهِ مَ له: ((حَرُمْتِ
عليه)). فجعَل إذا قال لها: ((حَرُمْتِ عليه)). هَتَفَت وقالت: أشكو إلى اللَّهِ فاقتى.
قال : فَزَل الوحىُ، وقد قامَت عائشةُ تَغْسِلُ شِقَّ رأسِه الآخرَ، فَأَوْمَت إليها عائشةُ
أنِ اسْكُتى . قالت: وكان رسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ إذا نزل عليه الوحى أخَذه مثلُ الشُّبَاتِ،
فلما قُضِى الوحىُ قال: ((ادْعى زوجَك)). فَتَلاها عليه رسولُ اللَّهِ عَلِ: ﴿قَدْ
سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَ﴾ إِلى
قولِه: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾. أى: يَرْجِعُ فيه،
﴿فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآَسَأَ﴾، (( أَتَسْتَطِيعُ رقَبَةً؟)). قال: لا. قال: ﴿فَمَنْ
لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنِ﴾. قال: يا رسولَ اللَّهِ ، إنى إذا لم آكُلْ فى اليومِ
ثلاثَ مِرارِ(١) خَشِيتُ أَنْ يَعْشُوَ بصرِى. قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ
مِسْكِينَاً﴾. قال: ((أَتَستَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّن مِسْكينًا؟)). قال: لا يا رسولَ اللَّهِ، إلا
أنْ تُعِينَنِى. قال: فأَعانه رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ فَأَطْعَمِ(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أنَّ خُوَيْلةَ
ابنَةَ ثعلبةَ، وكان زوجها أوسُ بنُ الصامتِ قد ظاهرَ منها، فجاءت تَشتكِى إلى
رسولِ اللَّهِ مَّهِ، فقالت: ظاهَر مِنِّى زوجى حينَ كَبِرِ سِنِّى وَرَقَّ عَظْمِى. فأنزل اللَّهُ
فيها ما تَشْمعون: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ أَلَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِ إِلَى اللَّهِ﴾،
وَاُلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَعَفُوُّ غَفُورٌ
(١) فى م: ((مرات)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٦٤/٨ - والبيهقى ٣٨٤/٧ من طريق داود به بنحوه .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٦، ١٨٣ إلى عبد بن حميد وابن مردويه مطولا .

٤٤٨
سورة المجادلة : الآية ١
قَالُواْ﴾. يُرِيدُ أنْ يَغْشَى بعدَ قولِه ذلك، فدعاه رسولُ اللَّهِ مَ له، فقال له: «أتَسْتَطِيعُ
أن تُحرِّرَ مُحَرَّرًا؟)). قال: ما لى بذلك يَدانٍ. أو قال: لا أَجِدُ. قال: ((أَتَسْتَطِيعُ أنْ
تَصومَ شَهْرِين متَتَابِعَيْن؟)). قال: لا واللَّهِ، إنه إذا أخطأَه المأكلُ كلَّ يومٍ مِرارًا يَكِلَّ
بصرُه . قال: ((أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّين مِسْكِينًا؟)). قال: لا واللَّهِ ، إلا أن تُعِينَنى
منك بعونٍ وصَلاةٍ. قال بشرٌ: قال يزيدُ: يعنى دعاءً. فأعانه رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ
بخمسةَ عشَرَ صاعًا، فجَمَع اللَّهُ له، واللَّهُ (١) رحيمٌ(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ فى قولِ اللَّهِ :
ج
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَا.
قال : [٩٣٤/٢ و] ذاك أوسُ بنُ الصامتِ، ظاهَر مِن امرأتِه خُوَيْلةَ ابنَةِ ثعلبةً ، قالت : يا
رسولَ اللَّهِ، كَبِرت سِنِّى، ورَقَّ عَظْمِى، وظاهَر مِنِّى زوجى. قال: فأنزل اللَّهُ:
﴿ وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نّسَآءِهِمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾. يريدُ أَنْ يَغْشى
بعدَ قولِه، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَا﴾، فدعاه إليه نبىُ اللَّهِ مَِّّهِ، فقال:
((هل تَشْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟)). قال: لا. قال: ((أَفَتَسْتَطِيعُ أنْ تصومَ شَهْرين
متَتَابعَيْن؟)). قال : إنه إذا أخطأَّه أَنْ يَأْكُلَ كلَّ يوم ثلاثَ مرّاتٍ يَكِلُّ بصره. قال:
((أَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِين مِسْكِينًا؟)). قال: لا، إلا أنْ يُعِينَنى فيه رسولُ اللَّهِ عَ ل
بعونٍ وصلاةٍ . فأعانه رسولُ اللَّهِ ◌َّهِ بخمسةَ عشَرَ صاعًا، وجَمَع اللَّهُ له أمرَه، واللَّهُ
غفورٌ رحيمٌ .
٣/٢٨
/ حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبى حمزةَ، عن عكرمةَ،
عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان الرجلُ إذا قال لامرأَتِه فى الجاهليةِ: أنتِ علىَّ كظَهْرٍ
(١) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: ((غفور)).
(٢) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٣٠٥ من طريق قتادة عن أنس بنحوه .

٤٤٩
سورة المجادلة : الآية ١
أمى. حَرُمَت فى الإسلام، فكان أوَّلَ مَن ظاهر فى الإِسلامِ أوسُ بنُ الصامتِ ،
وكانت تحتَه ابنةُ عمّ له يقالُ لها: خُوَيْلةُ بنتُ خُوَيْلدٍ. وظاهر منها، فَأَسْقِط فى
يَدَيه ، وقال: ما أُراكِ إلا قد حَرُمْتِ علىَّ. وقالت له مثلَ ذلك. قال: فانطلِقى إلى
رسولِ اللَّهِ صِلَّهِ. قال: فَأَتَتْ رسولَ اللَّهِ ◌ِِّ، فوجَدَت عندَه ماشطةٌ تَمْشُطُ رَأْسَه ،
فأخبرَتْه، فقال: (( يا خُوَيْلةُ، ما أُمِرْنا فى أَمْرِك بشىءٍ)). فأَنزَل اللَّهُ على رسولِه عَلَهِ ،
فقال: ((يا خُوَيْلةُ، أَبْشِرى)). قالت: خيرًا. قال: فقرَأ عليها رسولُ اللَّهِ ◌َِّهِ :
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَآَسَا﴾. قالت: وأىُّ رقبةٍ لنا؟ واللهِ ما يجدُ رَقَبَةٌ غيرى. قال: ((﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾)). قالت: واللَّهِ لولا أنه يَشْرَبُ فى اليومِ ثلاثَ مراتٍ
لذهَب بصرُه. قال: ((﴿فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطَعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا ﴾)). قالت: مِن
أينَ؟ ما هى إلا أَكْلةٌ إلى مِثلِها. قال: فدعاً(١) بِشَطْرِ وَسْقٍ ؛ ثلاثين صاعًا، والوَسْقُ
سِتُّون صاعًا، فقال: ((ليُطْعِمْ ستِّين مِسْكينا ولْيُراجِعْكِ))(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى
اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾؛ وذلك أن خَوْلَةَ ابنَةَ الصامتِ - امرأةٌ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فدعاه))، وفى م: ((فرعاه)). والمثبت من كشف الأستار وتفسير ابن
کثیر .
(٢) أخرجه البزار (١٥١٣ - كشف)، والنحاس فى ناسخه ص ٧٠٠ ، والبيهقى ٣٨٢/٧ من طريق عبيد الله بن
موسى به بنحوه . وأخرجه الطبرانى (١١٦٨٩) من طريق أبى حمزة به بنحوه مطولا ، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/
٦٣، ٦٤. قال البزار: وأبو حمزة لين الحديث، وقد خالف فى روايته ومتن حديثه الثقات فى أمر الظهار ... وحديث
أبى حمزة منكر، وفيه لفظ يدل على خلاف الكتاب؛ لأنه قال: ((وليراجعك))، وقد كانت امرأته، فما معنى
مراجعته امرأته ولم يطلقها، وهذا مما لا يجوز على رسول الله عَئته، وإنما أتى هذا من رواية أبى حمزة الثمالي. أهـ.
( تفسير الطبرى ٢٩/٢٢ )
٤

٤٥٠
سورة المجادلة : الآية ١
مِن الأنصارِ - ظاهر منها زوجُها فقال: أنتِ علىَّ مثلُ ظَهْرٍ أمى. فَأَتَت رسولَ اللَّهِ ◌ِ ◌ِهِ ،
فقالت : إنَّ زوجى كان تَزَوَّجنى، وأنا أحَبُّ الناسِ(١) إليه(٢)، حتى إذا كَبِرْتُ،
ودَخَلْتُ فى السِّنِّ قال: أنت علىَّ مثلُ ظهْرٍ أمى . فتَرَكنى إلى غيرِ أحدٍ ، فإنْ كنتَ
تجدُ لى رخصةً يا رسولَ اللَّهِ تَنْعَشُنى(٢) وإيّاه بها فحدِّ ثْنى بها. فقال رسولُ اللَّهِ عِلّهِ :
(( ما أُمِرْتُ فِى شَأْنِك بشىءٍ حتى الآنَ، ولكنِ ارْجِعِى إلى بَيْتِك، فإِنْ أَومَرْ
بشىءٍ لا أُعَمِّه(٤) عليكِ إِنْ شاء اللَّهُ)). فرَجَعَتْ إلى بيتِها، وأنزل اللَّهُ على
رسولِه ◌ِ له فى الكتابِ رُخْصَتَها ورخصةَ زوجِها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِىِ تُحَدِلُكَ
فِي زَوْجِهَا﴾ إلى قولِه: ﴿ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: فأرسَل رسولُ اللَّهِ عَه إلى
زوجِها، فلما أتاه قال له رسولُ اللَّهِ عِهِ: (( ما أرَدتَ إلى يَمينِك التى أَقْسَمْتَ
عليها؟)). فقال: وهل لها كفارةٌ؟ فقال له رسولُ اللَّهِ عِه: ((هل تَسْتَطِيعُ أن تُعْتِقَ
رقبةً؟)). قال: إِذًا يذهبُ مالى كلُّه؛ الرَّقَبَّةُ غاليةٌ ، وأنا قليلُ المالِ . فقال له
رسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ: ((فهل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصومَ شَهْرِين متَتابِعَيْن؟)). قال: لا واللهِ،
لولا أنى آكلُ فى اليومِ ثلاثَ مراتٍ لِكَلَّ بَصَرِى. فقال له رسولُ اللَّهِ صَلِّ: ((هل
تَسْتَطِيعُ أن تُطْعِمَ سِتِين مسكينًا؟)). قال: لا واللَّهِ ، إلا أنْ تُعِينَنى على ذلك بعون
وصلاةٍ . فقال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((إنى مُعِينُك بخمسةَ عشرَ صاعًا، وأنا داعٍ لك
بالبَرَكةِ )) . فأصلَح ذلك بينَهما . قال: وجعَل فيه تحريرَ رقبةٍ لمن كان مُوسِرًا ، لا
يُكفِّرُ عنه إلا تحرير رقبةٍ إذا كان مُوسِرًا، مِن قبلِ أن يَتَماسًا،/ فإنْ لم يكنْ مُوسِرًا
فصيامُ شَهْرَين متَتَابِعَيْنِ، لا يَصْلُحُ له الصومُ إلا إذا كان مُغْسِرًا ، إلا أنْ لا يَسْتَطِيع،
٤/٢٨
(١) سقط من النسخ، والمثبت من الدر المنثور.
(٢) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.
(٣) نعش فلانا: تداركه من ورطة . الوسيط (ن ع ش) .
(٤) فى ص، م، ت ١: ((أغممه)) .
:

٤٥١
سورة المجادلة : الآية ١
فإنْ لم يَسْتَطِعْ فإطعامُ سِتِين مِسْكينًا، وذلك كلُّه قبْلَ الجماعِ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا مِهْرانُ ، عن أبى مَعْشرٍ المدنىِّ ، عن محمدِ بنِ كعبٍ
القُرَظِيِّ ، قال: كانت خَوْلةُ ابنَةُ ثعلبةَ تحتَ أَوْسِ بنِ الصامتِ ، وكان رجلاً به
لَمَمْ(٢)، فقال فى بعضِ هِجراتِه: أنتِ علىَّ كظَهْرٍ أَمِّى. [٩٣٤/٢ظ] ثم نَدِم على ما
قال ، فقال لها : ما أظنُّكِ إلا قد حَرُمْتِ علىَّ. قالت: لا تَقُلْ ذلك، فواللهِ ما أحَبَّ
اللَّهُ طلاقًا. قالت: ائتِ رسولَ اللَّهِ عَّهِ فَلْه. فقال: إنى أجدُنى أَسْتحْيِى منه أن أسَلَه
عن هذا. فقالت: فدَغْنِى أن أسألَه. فقال لها: سَلِيه. فجاءت إلى رسولِ اللَّهِ مَ اله
فقالت : يا نبيَّ اللَّهِ ، إِنَّ أَوْسَ بنَ الصامتِ أبو ولدِى، وأُحبُّ الناسِ إلىّ، قد قال
كلمةٌ والذى أنزل عليك الكتابَ ما ذكَر طلاقًا ، قال: أنتِ علىَّ كظَهْرٍ أَمِّى . فقال
النبىُّ عَمِ: (( مَا أَرَاكِ إلا قد حَرُمْتِ عليه)). قالت: لا تَقُلْ ذلك يا نبيَّ اللَّهِ ، واللَّهِ ما
ذَكَرِ طلاقًا. فرادَّتِ (٢) النبىَّ ◌ِّهِ مِرارًا، ثم قالت: اللهمَّ إنى أَشْكُو اليومَ شِدَّةَ حالى
ووِحْدَتى، وما يَشُقُّ علىَّ مِن فِراقِه، اللهمَّ فأَنزِلْ على لسانٍ نبيِّك. فلم تَرِمُ (٤) مكانَها
حتى أنزل اللَّهُ: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى أن
ذكَر الكفاراتِ، فدعاه النبيُّ ◌َّهِ فقال: ((أَعْتِقْ رَقَبَةً)). فقال: لا أَجِدُ. فقال:
((صُمْ شَهْرِين متَتَابِعَيْن)). قال: لا أَستَطِيعُ، إنى لأَصومُ اليومَ الواحدَ فيشُقُّ علىَّ .
قال: ((أَطْعِمْ سِتِّين مِشْكينًا)). قال: أما هذا فتَعم (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن أبى إسحاقَ: ﴿قَدْ
سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾. قال: نزَلت فى امرأةٍ اسمُها خَوْلَةُ - وقال
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٠/٦ إلى ابن مردويه.
(٢) اللمم: الجنون ، أو طرف منه، يُلِمُّ بالإنسان ويعتريه. (ل م م).
(٣) رادَّه الكلامَ : راجعه إياه . الوسيط (رد د).
(٤) رام المكان : بَرِحَه . الوسيط (رى م).
(٥) ذكره الزيلعى فى تخريج أحاديث الكشاف ٤٢٣/٣، ٤٢٤ عن المصنف .

٤٥٢
سورة المجادلة : الآية ١
عكرمةُ: اسمُها خُوَيلةُ ابنَةُ ثعلبةَ، وزوجها أَوْسُ بنُ الصامتِ - جاءت النبيَّ عَ لَّه
فقالت إِنَّ زوجَها جعَلها عليه كظَهْرِ أُمّه. فقال النبى مَّ الِمِ: (( ما أَرَاكِ إِلَّ قد حَرُمْتِ
عليه)). وهو حينئذٍ يغسِلُ رأسَه، فقالت: انظرْ جُعلتُ فِداكَ يانبيَّ اللهِ، فقال: (( ما
أُراكِ إِلَّ قد حَرُمْتِ عليه)). فقالت: انظرْ فى شأنى يا رسولَ اللهِ. فجعَلت تجادلُه،
ثم حوَّل رأسَه ليغسلَه ، فتحوَّلت من الجانبِ الآخرِ ، فقالت: انظرْ جعَلنى اللهُ فِداكَ
يا نبيَّ اللهِ . فقالت الغاسلةُ: أَقْصِرى حديثَك ومخاطبتَكِ يا خَوْلةُ (١)، أمَا ترَين وجهَ
رسول اللـهِ وَمِ متربدًا (١) لِيُوحى إليه؟! فأنزل اللهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِى
زَوْجِهَا﴾. حتى بلَغ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾. قال قتادةُ: فَحرَّمَها، ثم يريدُ أن
يعودَ لها فيطأَها ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. حتى بلَغ: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
قال أيوبُ: أحسَبُه ذكَّره عن عكرمةً ، أن الرجلَ قال: يا نبيَّ اللهِ ، ما أجِدُ
رقبةٌ. فقال النبىُّ عَّمِ: (( ما أنا بزائدِك)). فأنزَل اللَّهُ عليه: ﴿ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَّابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَا﴾. فقال: واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ، ما أُطِيقُ الصومَ ، إنى إذا لم
آكُلْ فى اليومِ كذا وكذا أَكلةٌ، لِقِيتُ ولَقِيتُ. فجعَل يَشكو إليه، فقال: (( ما أنا
بِزَائِدِك)». فَنزَلْت: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيْنَاً﴾ (٢).
٥/٢٨
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابنُ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿الَِّ تُجَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا﴾. قال: تُجَادِلُ
محمدًاً عَظِّهِ، فهى تَشتكى إلى اللَّهِ عندَ كِبَرِهِ وكِبَرِها، حين انتَقَض وانتَفَض رَحِمُها .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أَبى نجيحٍ، عن
(١) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((خويلة)).
(٢) ارْبَدَّ وجهُه وتَرَبَّد: احمر حمرة فيها سواد عند الغضب. اللسان (رب د).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٧/٢، ٢٧٨ - ومن طريقه الجصاص فى أحكام القرآن ٣٠١/٥،
٣٠٢ - عن معمر به .

٤٥٣
سورة المجادلة : الآية ١
مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿الَّتِى تُحَدِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾. قال: محمدًا فى زوجِها قد
ظاهر منها ، وهى تَشتكِى إلى اللّهِ . ثم ذكَر سائرَ الحديثِ نحوَه .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ ، قال: ثنى أبى، قال : ثنا أبانٌ العطارُ، قال :
ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ ، أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ : كتَبْتَ إلىَّ
تسأَلُنى عن خُوَيْلَةَ ابنَةِ أَوْسٍ بنِ الصامتِ ، وإنها ليست بابنةِ أوْسٍ بنِ الصامتِ ،
ولكنها امرأةٌ أَوْسٍ ، وكان أَوْسٌ امرأً به ◌َم ، وكان إذا اشتدَّ به لَمُه تظاهر منها، وإذا
ذهَب عنه لَمُه لم يَقُلْ مِن ذلك شيئًا، فجاءت رسولَ اللَّهِ يَِّ تَشْتَفْتِيه، وتشتَكِى
إلى اللَّهِ ، فأنزل اللَّهُ فيها(١) ما سمِعتَ، وذلك شأنُهما (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبى، قال: سمِعتُ محمدَ
ابنَ إسحاقَ يُحدِّثُ عن معمرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن يوسفَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سَلَام ، قال:
حدَّثَتْنِى خُوَيْلةُ امرأةٌ أَوْسِ بنِ الصامتِ ، قالت : كان بينى وبينَه شىءٌ - تَعْنى
زوجَها - فقال: أنتِ علىَّ كظَهْرٍ أمِّى. ثم خرَج إلى نادِى قومِه، [٩٣٥/٢ و] ثم رجع
فراوَدَنى عن نفسِى، فقالت: كلا والذى نفسِى بيدِه، حتى يَنْتَهِىَ أَمْرى وأمؤك إلى
رسولِ اللهِ عَ لَّهِ، فَيَقْضِىَ فيَّ وفِيك أمرَه. وكان شيخًا كبيرًا رقيقًا، فَغَلَبَتْه بما تَغْلِبُ
به المرأةُ القويةُ الرجلَ الضعيفَ، ثم خرَجَتْ إلى جارةٍ لها، فاستعارَتْ ثيابَها ، فَأَتَتْ
رسولَ اللَّهِ عَظَلِ حتى جلَسَتْ بينَ يديه، فذكَرَتْ له أمرَه ، فما بَرِحَتْ حتى أَنزِل
الوحىُ على رسولِ اللهِ وَّهِ، ثم قلتُ(٢): لا يَقْدِرُ على ذلك، قال: ((إنا سنُعِينُه على
ذلك بفَرْقٍ مِن تمرٍ)). قلتُ: وأنا أُعينُه بفَرْقٍ آخرَ. فَأَطْعَمَ سِتِين مسكينًا(٤).
(١) سقط من : م.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٧/ ٢٧٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٦٠.
(٣) فى م: ((قالت)).
(٤) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثاني (٣٢٥٨) من طريق وهب به، وأخرجه أحمد ٤١٠/٦=

٤٥٤
سورة المجادلة : الآية ١
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن تميمٍ، عن عروةَ،
عن عائشةَ ، قالت : الحمدُ للَّهِ الذى وَسِع سمعُه الأصواتَ، لقد جاءت المجادِلةُ إلى
رسولِ اللهِ ◌َ له وأنا فى ناحيةِ البيتِ تشكو زوجَها، ما أسمعُ ما تقولُ، فأنزل اللَّهُ عزّ
وجلّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ(١).
حدَّثنى عيسى بنُ عثمانَ الرملُ ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى ، عن الأعمشِ ، عن
تميم بن سلمةً، عن عروةَ، عن عائشةَ ، قالت : تبارك الذى وَسِع سمعُه الأصواتَ
كلَّها، إن المرأةَ لتُناجِى النبىَّ ◌َِّ، أُسمعُ بعضَ كلامِها، ويَخْفى علىَّ بعضُ
كلامِها، إذ أَنزَل اللَّهُ: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا﴾(١).
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثنى أبى، عن أبيه عن جَدِّه، عن
الأعمشِ، عن تميم بنِ سلمةَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، قال : قالت عائشةُ : تبارك الذى
وَبِع سمعُه كلِّ شىءٍ ، إنى لأُسمعُ كلامَ / خَوْلَةَ ابنَةِ ثعلبةَ ، ويَخْفِى علىَّ بعضُه،
وهى تَشْتَكِى زوجَها إلى رسولِ اللَّهِ مَ له وهى تقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَكَل شَبابِى،
ونَثَوْتُ له بَطْنِى، حتى إذا كَبِرتْ سِنِّى، وانقَطَع ولَدى، ظاهَرَ مِنِّى! اللهمَّ إنى
أَشْكو إليك. قال: فما بَرِحَت حتى نزَل جبريلُ عليه السلامُ بهؤلاء الآياتِ: ﴿قَدْ
سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾. قال: وزوجها أَوْسُ بنُ الصامتِ(٣).
٦/٢٨
= (الميمنية)، وأبو داود (٢٢١٥)، وابن حبان (٤٢٧٩)، والطبرانى ١ /١٩٥، ٢٤/ ٢٤٧، ٢٤٨ (٦١٦، ٦٣٣،
٦٣٤)، والبيهقى ٧/ ٣٩١، والواحدى فى أسباب النزول ص ٣٠٦ من طريق محمد بن إسحاق به بنحوه .
(١) أخرجه أحمد ٤٦/٦ (الميمنية)، وابن ماجه (١٨٨)، والبيهقى ٣٨٢/٧ وفى الأسماء والصفات (٣٨٥)
وفى الاعتقاد ص ٨٥ من طريق أبى معاوية به .
(٢) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (٦٢٥)، والآجرى فى الشريعة (٦٦٢)، والواحدى فى أسباب النزول
ص ٣٠٥ من طريق يحيى بن عيسى به .
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٠٦٣)، وأبو يعلى (٤٧٨٠)، والحاكم ٢ / ٤٨١، والبيهقى ٣٨٢/٧، والواحدى
فى أسباب النزول ص ٣٠٤ من طريق محمد بن أبى عبيدة المسعودى - جَدُّ يحيى بن إبراهيم - به .

٤٥٥
سورة المجادلة : الآية ١
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن تميم بن سلمةَ، عن
عروةَ، عن عائشةَ ، قالت: الحمدُ للَّهِ الذى وَسِع سمعُه الأصواتَ؛ إِنَّ خَوْلةَ تَشْتَكِى
زوجَها إلى رسولِ اللَّهِ عَِّ، فَيَخْفى علىَّ أحيانًا بعضُ ما تقولُ. قالت: فأنزل اللَّهُ عزّ
وجلّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى اللَّهِ﴾(١).
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ ،
عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ جميلةً كانت امرأةً أَوْسٍ بنٍ
الصامتِ، وكان امرأً به ◌َمّ ، وكان إذا اشتدَّ به لَمُه ظاهَر مِن امرأَتِه، فأنزل اللَّهُ عزّ
وجلّ آيَةَ الظُّهارِ(٣) .
حدَّثنى يحيى بنُ بشيرٍ (٢) القَرْقَسانيُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الرحمنِ
الأُمَوىُّ، قال: ثنا خُصَيْفٌ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان ظهارُ الجاهليةِ
طلاقًا ، فأوَّلُ مَن ظاهر فى الإِسلامِ أَوْسُ بنُ الصامتِ ، أخو عبادةَ بنِ الصامتِ ، من
امرأَتِهِ الخَزْرَجِيَّةٍ ، وهى خولةُ بنتُ ثعلبةَ بنِ مالكٍ؛ فلما ظاهَر منها حَسِبَتْ أنْ يكونَ
ذلك طلاقًا، فَأَتَتْ به نبيَّ اللَّهِ بِهِ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ أَوْسًا ظاهَر مِنِّى، وإنا
إن افترَقْنَا هِلَكنا، وقد نَثَرَتْ بَطْنِى مِنه، وقَدُمَتْ صحبتُه . فهى تَشْكو ذلك وتَبْكِى ،
ولم يكنْ جاء فى ذلك شىءٌ ، فَأَنزَل اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُحَدِلُكَ
فِي زَوْجِهَا﴾ إلى قولِه: ﴿ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فدعاه رسولُ اللَّهِ ◌َِّ فقال:
((أَتَقْدِرُ على رَقَبَةٍ تُعْتِقُها؟)) فقال: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، ما أَقْدِرُ عليها. فجمَع له
رسولُ اللَّهِ سَمِ حتى أَعْتَق عنه، ثم راجَع أهلَه (٤).
(١) أخرجه النسائى (٣٤٦٠)، والآجرى فى الشريعة (٦٦١) من طريق جرير به.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٢٢٠)، والحاكم ٢/ ٤٨١، والبيهقى ٣٨٢/٧ من طريق حماد به .
(٣) فى م: ((بشر)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٣/٨ عن خصيف به .

٤٥٦
سورة المجادلة : الآيتان ١، ٢
وذُكِر أنَّ ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ : (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُحاورُكَ(١)
فِى زَوْجِها ).
وقولُه: ﴿وَتَشْتَكِنْ إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وتَشْتَكِى المجادِلةُ ما لديها مِن الهَمّ
بظِهارِ زوجِها منها إلى اللَّهِ، وتسألُهُ الفَرَجَ، ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمْ﴾. يعنى: تَحَاؤُرَ
رسولِ اللَّهِ عَه والمجادِلِةِ خَوْلَةَ ابنَةٍ ثعلبةَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: إِنَّ اللَّهَ سميعٌ لما " تَتَجاوبانِهِ وتَتَحاورانِه" ، وغيرِ ذلك مِن كلامِ خَلْقِه ، بصيرٌ
بما تَعْملون(٢) ويَعْمِلُ جميعُ عبادِه.
[٩٣٥/٢ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْكُمْ مِّن نِسَآءِهِم
مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِّنَ اُلْقَوْلِ
وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ
/ يقولُ تعالى ذكرُه: الذين يُحرِّمون نساءَهم على أنفسِهم تحريمَ اللَّهِ عليهم
ظهورَ أمهاتِهم ، فيقولون لهن : أنتنّ علينا كظُهورِ أمهاتِنا . وذلك كان طلاقَ الرجلِ
امرأتَه فى الجاهليةِ .
٧/٢٨
كذلك حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عليةً، قال : ثنا أيوبُ، عن أبى قِلابةَ ،
قال : كان الظهارُ طلاقًا فى الجاهليةِ ، الذى إذا تكلّم به أحدُهم لم يَرْجِعْ فى امرأتِه
أبدًا، فَأَنزَل اللَّهُ عزّ وجلّ فيه ما أَنزَل(٤) .
(١) فى م: ((تحاولك))، وفى ت ١، ت ٢: ((تجادلك)). وينظر مختصر الشواذ ص ١٥٤.
(٢ - ٢) فى م: ((يتجاوبانه ويتحاورانه)).
(٣) فى م: ((يعملون)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١١٥٧٨) - ومن طريقه الجصاص فى أحكام القرآن ٣٠١/٥ - من طريق
خالد الحذاء عن أبى قلابة بنحوه . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٦ إلى عبد بن حميد .

٤٥٧
سورة المجادلة : الآية ٢
واختلَفتِ القرأَةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ سوى نافع ، وعامةُ قرأةِ
الكوفةِ خلا عاصم: (يَظَاهَرُونَ) بفتح الياءِ وتشديدِ الظاءِ وإثباتِ الألفِ (١)،
وكذلك قرَءوا الأخرى، بمعنى ((يَتَظاهرون))، ثم أَدْغِمَت التاءُ فى الظاءِ فصارتا ظاءً
مشدَّدةً. وذكر أنها فى قراءةٍ أَبَبىّ: (يَتَظاهَرُونَ)(١)، وذلك تَصحِيح لهذه القراءةِ
وتقويةٌ لها . وقرَأْ ذلك نافعٌ وأبو عمرٍو كذلك؛ بفتح الياءِ وتشديدِ الظاءِ ، غيرَ أنهما
قَرَأْأه بغيرِ أَلِفٍ: (يَظَّهَّرُون )(١). وقرَأ ذلك عاصمٌ: ﴿يُظَهِرُونَ﴾ بتخفيفِ الظاءِ
وضمِّ الياءِ وإثباتِ الأَلِفِ(٤) .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنّ كلّ هذه القراءاتِ متقارباتُ المعانى ؛
وأمّا (يَظَّاهَرُون) فهو مِن تَظَاهَر، فهو يتَظاهَرُ، وأمّا (يَظَّهَّرُون) فهو مِن تَظَهَّر فهو
يَتَظهَّرُ، ثم أَدغِمَتِ التاءُ فى الظاءِ فقيل: يَظْهَرُ، وأمّا ﴿ يُظَهِرُونَ﴾ فهو مِن ظاهَر
يُظاهِرُ، فبأيَّةِ هذه القراءاتِ الثلاثِ قرَأ ذلك القارئُّ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿مَّا هُرَ أُمَّهَتِهِمٌّ ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ما نساؤُهم الَّلائى
تَظَاهَروا(٥) منهن بأمهاتِهم، فيقولوا لهن: أنْتنّ علينا كظَهْرِ أمهاتِنا . بل هن لهم
حلالٌ .
وقولُه: ﴿إِنَّ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ ﴾، لا اللَّئى قالوا لهنّ ذلك.
وقولُه: ﴿وَإِنَهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ اُلْقَوْلِ وَزُورًا﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: وإِن
(١) بها قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائى وخلف. النشر ٢٨٧/٢.
(٢) ينظر مختصر الشواذ ص ١٥٤.
(٣) فى م: ((يظاهرون)). والمثبت قراءة يعقوب ونافع وأبى عمرو وابن كثير. النشر ٢٨٧/٢.
(٤) ينظر المصدر السابق ٢٨٧/٢ .
(٥) فى م: ((يظاهرون)).

٤٥٨
سورة المجادلة : الآيتان ٢، ٣
الرجالَ لَيَقولون مُنكرًا مِن القولِ الذى لا تُعْرَفُ صحتُه، ﴿ وَزُورًا﴾. يعنى: كَذِبًا .
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:
﴿ مُنكَرًا مِنَ الْقَوّلِ وَزُورًا﴾. قال: الزُّورُ الكَذِبُ(١) .
﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُ غَفُورٌ ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: وإن اللَّهَ لذو عفوٍ وصفْحٍ عن
ذنوبٍ عبادِه إذا تابوا منها وأنابوا، غفورٌ لهم أنْ يعاقِبَهم عليها بعدَ التوبةِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُطَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ
تَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَأْ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيٌ
يقولُ جلّ ثناؤه : والذين يقولون لنسائهم: أنتُنّ علينا كظُهورِ أمهاتِنا .
وقولُه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾. اختلف أهلُ العلمِ فى معنى العَوْدِ لما قال
المُظاهرُ(٣) ؛ فقال بعضُهم: هو الرُّمجُوعُ فى تحريم ما حرَّم على نفسِه مِن زوجته التى
كانت له حلالاً قبلَ تَظاهُرِهِ، فيُحلَّها بعدَ تحريمِه إيَّاها على نفسِه، بعزمِه على
غِشيانِها ووَطْئِها .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٨/٢٨
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ :
يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾. قال: يريدُ أن يَغْشَى بعدَ قولِه .
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ مثلَه .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٨/٢ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر.
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وقوله ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾)).
(٣) فى ص، ت ١: ((المتظاهر)).

٤٥٩
سورة المجادلة : الآية ٣
﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
لِمَا قَالُواْ ﴾. قال: حرَّمها، ثم يريدُ أنْ يعودَ لها فيَطأَها (١).
وقال آخرون نحوَ هذا القولٍ، إلا أنَّهم قالوا: إمساكُه إِيَّاها بعدَ تَظَهُّرِه (١) منها،
وتَرْكُه فِراقَها ، عَوْدٌ منه لما قال، عزَم على الوَطِ أو لم يَعزِمْ. وكان أبو العاليةِ يقولُ :
معنى قوله: ﴿ لِمَا قَالُواْ ﴾ : فيما قالوا .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأُعلى، قال: ثنا داودُ، قال: سمِعتُ أبا
العاليةِ يقولُ فى قولِه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾. أى يَرْجِعُ فيه (١).
واختلف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُ نحوِّى البصرةِ فى ذلك
المعنى : فتحريرُ رَقَّبَةٍ مِن قبلِ أنْ يتماسّا، فمن لم يجدْ فصيامٌ(٢) ، فإطعامُ سِتِّين
مسِكّينًا ، ثم يعودون لما قالوا : إنا لا نفعلُه. فيَفْعلونه، هذا الظهارُ، يقولُ: هى علىَّ
كظَهْرِ أمِّى. [٩٣٦/٢و] وما أشبه هذا مِن الكلام، فإذا عاد(٥) أَعتَقْ رَقَّبَةٌ أَوْ أَطْعَمْ سِتِّين
مِشْكينًا، عاد " لهذا الذى قد قال: هو علىَّ حَرامٌ. بفعلِه(٧)، وكأنّ قائلَ هذا
القولِ كان يرى أنّ هذا مِن المُقُدَّم الذى معناه التأخيرُ.
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ(٨): ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾، يصلُحُ فيها فى
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١١٤٧٧) - ومن طريقه ابن حزم فى المحلى ١١/ ٢٥٦، ٢٥٧ - عن
معمر به .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((تظهيره)).
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٨/ ٥١.
(٤) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((صيام))، وفى ت ١: (( صام)).
(٥) سقط من: م، وفى ت ٢، ت ٣: ((أعاد)).
(٦ - ٦) فى م: (( لما)).
(٧) فى م، ت ١، ت ٢: ((يفعله)).
(٨) معانى القرآن للفراء ١٣٩/٣.

٤٦٠
سورة المجادلة : الآية ٣
العربية: ثم يعودون إلى ما قالوا : وفيما قالوا ، يريدون النكاح، يريدُ: يَرْجِعون عمّا
قالوا، وفى نَقْضٍ(١) ما قالوا. قال: ويجوزُ فى العربيةِ أَنْ تقولَ: إن عاد لما فعَل .
تريدُ : إنْ فعَل مرّة أخرى . ويجوزُ إِنْ عاد لما فعَل: إن نَقَض(١) ما فعَل. وهو كما
تقولُ: حَلَف أنْ يَضْرِبَك. فيكونُ معناه : حلَف لا يَضْرِبُك، وحلَف لَيَضْرِبِنَّك .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنْ يقالَ: معنى اللام فى قوله: ﴿لِمَا
قَالُواْ﴾. بمعنى ((إلى)) أو ((فى))؛ لأنّ معنى الكلام: ثم يعودون لنقْضٍ(١) ما قالوا
مِن التحريم فيُحلِّلونه . وإنْ قيل: معناه ثم يعودون إلى تحليلٍ ما حرّموا . أو: فى تحليلٍ
ما حرَّموا . فصوابٌ؛ لأنَّ كلَّ ذلك عَوْدٌ له . فتأويلُ الكلام: ثم يَعُودون لتحليلِ ما
حرَّموا على أنفسِهم مما أُحلَّ اللَّهُ لهم .
وقولُه: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآَسَأْ﴾. يقولُ: فعليه تحرِيرُ رَقَبَةٍ .
يَعْنى عِثْقَ رقَبَةٍ عبدٍ أو أمةٍ ، مِن قبلِ أن يَماسَّ الرجلُ المُظاهِرُ امرأتَه التى ظاهر منها أو
تَماسه .
واختُلِف فى المعنىِّ بالمَسِيسِ فى هذا الموضعِ نظيرَ اختلافِهم فى قوله: ﴿ وَإِن
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقد ذكرنا ذلك هنالك (٤) ،
وسنذكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُوْه هنالك .
حدَّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بعض).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يقضى).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لبعض)).
(٤) تقدم فى ٤ /٢٨٦، ٢٨٧.