النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سورة الحديد : الآية ١٣
وقولُه: ﴿قِلَ أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فيُجابون بأن
يُقالَ لهم : ارجِعوا من حيثُ جئتُم، واطلُبُوا لأنفسكم هنالك نورًا، فإنه لا سبيلَ
لكم إلى الاقتباس من نورِنا .
وبنحوِ الذى قْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَثُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَبِئْسَ
اُلْمَصِيرُ﴾. قال ابنُ عباس : بينما الناسُ فى ظُلْمةٍ ، إذ بعَث اللَّهُ نورًا؛ فلما رأى
المؤمنون النورَ توجَّهوا نحوَه، وكان النورُ دليلًا من اللَّهِ إلى الجنةِ؛ فلما رأى المنافقون
المؤمنين قد انطَلَقوا تبِعوهم ، فأظلَم اللَّهُ على المنافقين، فقالوا حينئذٍ : انظُرُونا نَقْتَبِسْ
من نورٍكم، فإنا كنَّ معكم فى الدنيا . قال المؤمنون : ارجِعوا من حيثُ جئتُم من
الظلمةِ ، فالتَمِسوا هنالك النورَ(١).
/حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخْبَرنا عبيدٌ، قال: ٢٢٥/٢٧
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَثُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
الآية : كان ابنُ عباسٍ يقولُ : بينما الناسُ فى ظلمةٍ. ثم ذكَر نحوَه (١).
وقولُه: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاِنُهُ فِهِ الرَّحْمَةُ وَظَِهِرُهُ مِن قِبَلِهِ
اَلْعَذَابُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فضرَب اللَّهُ بينَ المؤمنين والمنافقين بسُورٍ؛ وهو
حاجزٌ بينَ أهلِ الجنةِ وأهلِ النارِ .
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٥/٨، وابن كثير فى تفسيره ٤٣/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٣/٦
إلى المصنف وابن مردويه والبيهقى فى البعث والنشور .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٣/٦ إلى ابن مردويه.
( تفسير الطبرى ٢٦/٢٢ )

٤٠٢
سورة الحديد : الآية ١٣
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ بِسُورٍ لَُّ بَابٌ﴾. قال: كالحجابِ فى ((الأعرافِ))(١).
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم
◌ِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ﴾: السورُ: حائطٌ بينَ الجنةِ والنّارِ(٢).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَضُرِبَ
بَيْنَهُمُ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ﴾. قال: هذا السورُ الذى قال اللَّهُ: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِمَاتٌ﴾(٣)
[ الأعراف: ٤٦] .
وقد قيل : إن ذلك السورَ ببيتِ المقدسِ عندَ وادى جهنمَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى علىٌّ، قال: ثنا الحسنُ بنُ بلالٍ ، قال: ثنا حمادٌ ، قال: أخبرنا
أبو سنانٍ ، قال : كنتُ مع علىّ بنِ عبدِ الله بن عباسٍ عندَ وادی جهنم ، فحدَّث عن
أبيه، أنه قال: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَِهِرُهُ مِن قِبَلِهِ
اٌلْعَذَابُ﴾. فقال: هذا موضعُ السورِ عندَ وادى جهنمَ (٤).
(١) سيأتى تخريجه فى ص ٤٠٥ .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٤/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣/٨ .
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٤٦/١٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٤/٦ إلى عبد بن حميد.

٤٠٣
سورة الحديد : الآية ١٣
حدَّثنى إبراهيمُ بنُ عطيةَ بنِ رُديح بنِ عطيةَ ، قال : ثنى عمِّى محمدُ بنُ رُدَيحِ بنِ
عطيةَ ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن أبى العوَّامِ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ ، أنه كان
يقولُ: ﴿ بَابُ بَالِثُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَِهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. قال: هذا بابُ
.(١)
الرحمة (١) .
حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ، عن سعيدٍ ، عن(١) عطيةَ بنِ
قيسٍ، عن أبى العوامِ مُؤَذِّنِ بيتِ المقدسِ ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بن العاصِ
يقولُ: إن السورَ الذى ذكّره اللَّهُ فى القرآنِ: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاِنُ فِهِ
الرَّحْمَةُ وَظَِهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. هو السورُ الشرقيُ، باطنُه المسجدُ، وظاهرُه
وادی جهنمَ() .
حدَّثنى محمدُ بنُ عوفٍ ، قال: ثنا أبو المُغيرةِ ، قال : ثنا صفوانُ ، قال : ثنا
شريح أن كعبًا كان يقولُ فى البابِ الذى فى بيتِ المقدسِ: إنه البابُ الذى قال اللَّهُ:
﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَُّ بَابُ بَاِنُ فِهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾(٤).
/وقولُه: ﴿لَّهُ بَابُ بَاِنُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لذلك السورِ ٢٢٦/٢٧
بابٌ؛ باطنُه فيه الرحمةُ ، ﴿ وَظَِهِرُهُ﴾ من قِبَلِ ذلك الظاهرِ، ﴿ الْعَذَابُ ﴾. يعنى :
النار.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣/٨.
(٢) فى النسخ: ((بن)). والمثبت من المستدرك، وينظر تهذيب الكمال ٥٣٩/١٠.
(٣) أخرجه الحاكم ٦٠١/٤ من طريق سعيد بن عبد العزيز به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٤/٦ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٦/٨، وابن كثير فى تفسيره ٤٣/٨ .

٤٠٤
سورة الحديد : الآيتان ١٣، ١٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: [٩٢٧/٢] ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿ وَظَِهِرُهُ
مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. أى: النارُ(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿بَاِنُهُ
فِهِ الرَّحْمَةُ﴾. قال: الجنةُ وما فيها (٣) .
وقولُه: ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ تَكُنْ مَعَكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : يُنادِى
المنافقون المؤمنين - حينَ مُحُجِز بينَهم بالسورِ ، فبقُوا فى الظلمةِ والعذابِ ، وصار
المؤمنون فى الجنةِ -: ألم نَكُنْ معَكم فى الدنيا نُصَلِّى ونصومُ، ونُناكِحُكم
ونُوارِثُكم؟ ﴿ قَالُواْ بَى﴾. يقولُ: قال المؤمنون: بلى، بل كنتُم كذلك،
﴿ وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، فنافَقَتُم. وفِنتُهم أنفسَهم فى هذا الموضعِ كانت
النفاقَ .
وكذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهد
قولَه : ﴿فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: النفاقُ، وكان المنافقون مع المؤمنين أحياءً
يُناكِحونهم، ويَغْشَونهم ، ويُعاشِرونهم، وكانوا معهم أمواتًا ، ويُعْطَون النورَ جميعًا
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٤٦/١٧، وابن كثير فى تفسيره ٤٣/٨.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣/٨.

٤٠٥
سورة الحديد : الآية ١٤
يومَ القيامةِ ، فَيُطْفَأَ النورُ من المنافِقِين إذا بلغوا السورَ، ويُمازُ بينَهم حينئذٍ (١).
وقولُه: ﴿ وَتَرَضّةٌ﴾. يقولُ: وتلبَّئتم بالإِيمانِ، ودافَعتم بالإقرارِ باللَّهِ
ورسوله .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَتَرَّصْتُمْ﴾. قال: بالإيمانِ برسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ، وقرَأ: ﴿فَتَرَبَُّواْ إِنَّا مَعَكُمْ
مُتَرَبِّصُونَ ﴾ [ التوبة :
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَرَتَضْتُمْ ﴾
يقولُ : تربَّصوا بالحقِّ وأهلِه(٢).
وقولُه: ﴿وَأَرْتَبْتُمْ﴾. يقولُ: وشكَكتم فى توحيدِ اللَّهِ، وفى نبؤَّةِ
محمد عبده .
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَأَرْتَبْتُمْ ﴾ : شكّوا .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿ وَأَرْبَبْتُمْ ﴾﴾
ارتابوا(٢) : كانوا فى شكٌّ من اللَّهِ(٤).
(١) تفسير مجاهد ص ٦٤٨، ومن طريقه البيهقى فى الأسماء والصفات (١٠١٦)، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٧٤/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٤/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٤/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) سقط من : م .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٤/٦ إلى عبد بن حميد.

٤٠٦
سورة الحديد : الآية ١٤
وقولُه: ﴿ وَغَرَّتَكُمُ الْأَمَانِىُّ ﴾. يقولُ: وخدَعتْكم أمانىُ نفوسِكم،
فصدَّتْكم عن سبيلِ اللَّهِ وأَضَلَّثْكم، ﴿ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ الَّهِ ﴾. يقولُ: حتى جاء قضاءُ
اللَّهِ بمناياكم، فاجتاحَتْكم (١).
٢٢٧/٢٧
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَغَرَّتَّكُمُ
اُلْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: كانوا على خُدْعةٍ مِن الشيطانِ، واللَّهِ ما زالوا عليها
حتى قذَفهم اللَّهُ فى النارٍ(٢) .
وقولُه: ﴿ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. يقولُ: وخدَعكم باللَّهِ الشيطانُ،
فَأَطْمَعَكم بالنجاةِ مِن عقوبته والسلامةِ من عذابِهِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أَبى نجيح ، عن مجاهدٍ ،
قال: ﴿اُلْغَرُورُ﴾. أى: الشيطانُ(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ
(١) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((فاجتاحكم)).
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٦/٨، وابن كثير فى تفسيره ٤٤/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٤/٦
إلی عبد بن حميد .
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٨٣/١٨ .

٤٠٧
سورة الحديد : الآيتان ١٤، ١٥
اٌلْغَرُورُ﴾. أى : الشيطانُ(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَغَزَّكُمْ
بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾: الشيطانُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
10
مَأْوَلَكُمُ النَّارِ هِىَ مَوْلَئِكُمْ وَيِْسَ الْمَصِبُ
يقولُ تعالى ذكرُهُ مُخْبِرًا عن قيلِ المؤمنين لأهلِ النفاقِ ، بعدَ أنْ مَيَّز بينَهم فى
القيامةِ: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ أيُّها المنافقون، ﴿لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾. يعنى: عوضًا
وبدلًا ، يقولُ: لا يُؤْخَذُ ذلك منكم بدلًا مِن عقابِكم وعذابِكم، فيُخلِّصَكم مِن
عذابِ اللَّهِ ، ﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يقولُ: ولا تُؤْخَذُ الفديةُ أيضًا مِن الذين
کفَروا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ
فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾. يعنى: المنافقين، ولا مِن الذين كفروا(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿قَالْيَوْمَ لَا
يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِذْيَةٌ﴾ مِن المنافقين، ﴿ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ معكم؛ ﴿ مَأْوَنَكُمُ
ج
الثَّارِ﴾.
(١) تقدم تخريجه فى ٥٨٣/١٨ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٤/٦ إلى عبد بن حميد.

٤٠٨
سورة الحديد : الآيتان ١٥، ١٦
٢٢٨/٢٧
/ واختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ قَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ﴾؛ فقرَأَت
ذلك عامةُ القرأةِ بالياءِ: ﴿يُؤْخَذُ﴾(١)، وقرَأه أبو جعفرِ القارئُّ بالتاءِ(٣)
٠
وأولى القراءتين بالصوابِ الياءُ، وإن كانت الأخرى جائزةً .
وقولُه: ﴿ مَأْوَنَكُمُ النَّارٌ﴾. يقولُ: مَثْواكم ومسكنُكم الذى تَسْكُنونه يومَ
القيامة النار.
وقولُه: ﴿هِىَ مَوْلَئِكُمْ﴾. يقولُ: النارُ أَوْلى بكم.
وقوله : ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس مصيرُ مَن صار إلى النارِ .
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ
[٩٢٨/٢ و] القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿﴾
قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ
١٦
عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: ألم يَحِنْ للذين صدَّقوا
اللَّهَ ورسولَه أن تَلِينَ قلوبُهم لذكرِ اللَّهِ ، فَتَخْضَعَ قلوبُهم له ، ولما نزَل مِن الحقِّ، وهو
هذا القرآنُ الذى نَزَّنْه على رسولِه ◌ِ لِّ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾.
قال : تُطِيعَ قلوبُهم .
(١) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وعاصم وحمزة والكسائى وخلف. النشر ٢٨٧/٢.
(٢) وهى أيضًا قراءة ابن عامر ويعقوب . المصدر السابق.

٤٠٩
سورة الحديد : الآية ١٦
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ ، عن
عكرمةَ: ﴿أَلَمَّ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ
ءَامَنُوَاْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. ذُكِر لنا أنَّ شدَّادَ بنَ أوْسِ كان يَرْوِى
عن رسولِ اللَّهِ مَّه، قال: ((إنَّ أوَّلَ ما يُرْفَعُ مِن الناسِ الخُشُوعُ)) (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال : كان
شدَّادُ بنُ أَوْسٍ يقولُ: أوَّلُ ما يُؤْفَعُ مِن الناسِ الْخُشُوعُ(٣).
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾؛ فقرأتْه عامةُ القرأةِ غيرَ
شيبةً ونافعٍ بالتشديدِ : ( نزَّل)، وقرَأَه شيبةُ ونافعٌ: ﴿ وَمَا نَزَلَ ﴾ بالتخفيفِ،
وبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُّ فمصيبٌ ؛ لتقاربِ معنيهما
وقولُه: ﴿ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾. يقولُ
تعالى ذكره: ألم يأنِ لهم أن ﴿ لَا يَكُونُواْ﴾ يعنى: الذين آمنوا مِن أمةِ محمدٍ عَ لَه
كَلَِّينَ أُوتُواْ اُلْكِنَبَ مِن قَبْلُ ﴾. يعنى: مِن بنى إسرائيلَ ، ويَعنى بالكتابِ الذى
أُوتُوه مِن قبلِهم التوراةَ والإنجيلَ .
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ
٢٢٩/٢٧
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٥/٦ إلى عبد بن حميد بلفظ: ألم يحن للذين آمنوا. وفى مخطوطة
مكتبة المحمودية ص ٤٠٨ : ألم يتبين للذين آمنوا .
(٢) أخرجه الطبرانى (٧١٨٣) من طريق قتادة عن الحسن عن شداد، وأخرجه ابن عدى فى الكامل ٢/ ٨٤٠، وأبو الشيخ
فى طبقات أصبهان ٣/ ١٦٤، ١٦٥ بإسنادهما عن الحسن عن شداد، وعزاه فى الدر المنثور ١٧٥/٦ إلى عبد بن حميد .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٥/٢ عن معمر به، وأخرجه أحمد ٢٦/٦، ٢٧ (ميمنية)، وابن حبان (٤٥٧٢،
٦٧٢٠)، وابن عبد البر فى الاستيعاب ٥٣٤/٢ من طريق جبير بن نفير عن شداد بن أوس بنحوه مطولًا.
(٤) قرأ بالتخفيف من السبعة نافع، وحفص عن عاصم. ينظر السبعة ص ٦٢٦، والتيسير ص ١٦٩.

٤١٠
سورة الحديد : الآية ١٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبى معشرٍ، عن إبراهيمَ ،
قال : جاء عِتْرِيسُ بنُ عُرْقُوبٍ إلى ابنِ مسعودٍ ، فقال: يا عبدَ اللَّهِ ، هلَك مَن لم يأَمُرْ
بالمعروفِ ويَنْهَ عن المنكرِ. فقال عبدُ اللَّهِ : هلَك مَن لم يَعرِفْ قلبُه معروفًا ، ولم يُنْكِرْ
قلبُه منكرًا ؛ إنَّ بنى إسرائيلَ لما طال عليهم الأمدُ وقسَت قلوبُهم ، اختَرَعوا كتابًا مِن
بينٍ أيديهم وأرجلهم، اسْتَهوتْه قلوبُهم، واسْتَحْلَتْه ألسنتُهم، وقالوا: نَعْرِضُ بنى
إسرائيل على هذا الكتاب ، فمن آمن به تَرَكْناه ، ومَن كفَر به قتَلْناه. قال: فجعَل
رجلٌ منهم كتابَ اللَّهِ فى قَرَنٍ (١)، ثم جعل القَرَنَ بينَ ثَنْدُوَتَتْهُ(١) ، فلما قيل له : أتُؤْ مِنُ
بهذا؟ قال : آمنتُ به - ويُومِىُّ إلى القَرَنِ الذى بين ثَنْذُوَتَيْه - وما لى لا أُومِنُ بهذا
الكتابِ! فمِن خَيْرِ مِلَلِهم اليومَ مِلَّةُ صاحبِ القَرَنِ(١) .
ويعنى بقولِه: ﴿فَطَالَ عَلَهِمُ الْأَمَّدُ﴾: (٢ فطال عليهم أمدُ) ما بينَهم وبينَ
موسى عَِّ ، وذلك الأَمَدُ : الزمانُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١) القرَن : الجعبة . اللسان (ق رن ).
(٢) الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة . ينظر اللسان (ث ن د ).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧/٨ عن المصنف ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٥/٦ إلى سعيد بن
منصور .
(٤ - ٤) سقط من : م .

٤١١
سورة الحديد : الآيات ١٦ - ١٨
قولَه: ﴿اَلْأَمَّدُ﴾. قال: الدَّهْرُ(١).
وقولُه: ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: " فقسَت قلوبُهم٢) عن الخيراتِ، واشتدَّت على
السكونِ إلى معاصى اللَّهِ، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه : وكثيرٌ مِن
هؤلاء الذين أوتُوا الكتابَ مِن قبلِ أمةِ محمدٍ عَِّ فاسقون .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَأَ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ وَأَفْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
١٧
اُلْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
١٨
يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَعْلَمُواْ ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ ﴾ المَيْتَةَ
التى لا تُنْبِتُ شيئًا، ﴿ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. يعنى: بعد دُثُورِها ودُرُوسِها، يقولُ: وكما
يُخبى هذه الأرضَ المَيْتَةَ بعدَ دُرُوسِها، كذلك يَهْدِى الإِنسانَ الضَّالِّ عن الحقِّ إلى
الحقِّ، فيوفِّقُه ويُسَدِّدُه للإِيمانِ حتى يصيرَ مؤمنًا مِن بعدِ كفْرِه، ومهتديًا مِن بعدِ
ضلالِه .
وقولُه: ﴿قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: قد بيّا لكم الأدلةَ
والحججَ لتَعْقِلوا .
وقولُه: ﴿إِنَّ اُلْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَتِ﴾. اختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛
فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا ابنِ كثيرٍ وعاصمٍ بتشديدِ الصادِ والدَّالِ ، بمعنى: إن
المتَصدِّقين والمتَصدِّقات. ثم تُدْغِمُ التاءَ فى الصادِ، / فتَجْعَلُها صادًا مشدّدةً، كما ٢٣٠/٢٧
(١) تفسير مجاهد ص ٦٤٨ مطولا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن
المنذر .
(٢ - ٢) سقط من: م.

٤١٢
سورة الحديد : الآيتان ١٨، ١٩
قيل: ﴿ يَأَيُّهَا الْمُزَِّلُ﴾ [المزمل: ١]. يعنى: المُتَزِّلُ. وقرَأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ:
(إنَّ المُصَدِّقين والمُصَدِّقَاتِ) بتخفيفِ الصادِ، وتشديدِ الدَّالِ، بمعنى: إنَّ الذين
صدَّقوا اللَّهَ ورسولَهُ(٢) .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ عندى [٩٢٨/٢ظ] أن يقال: إنهما قراءتان
معروفتان ، صحيحٌ معنى كلِّ واحدةٍ منهما ، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
فتأويلُ الكلام إذن على قراءةٍ مَن قرَأ ذلك بالتشديدِ فى الحرفين - أعنى فى
الصادِ والدَّالِ -: إن المتصدِّقين مِن أموالهم والمتصدِّقاتِ، ﴿ وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا﴾ بالنفقةِ فى سبيلِه، وفيما أَمَر بالنفقةِ فيه، أو فيما نَدَب إليه - ﴿ يُضَعَفُ
لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: يُضاعِفُ اللَّهُ لهم قروضَهم التى أَقْرَضوها إِيَّاه،
فيُوفِيهم ثوابَها يومَ القيامةِ، ﴿ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم ثوابٌ مِن اللَّهِ
على صِدْقِهِم وقُروضِهم إِيَّه - كريمٌ ، وذلك الجنةُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ- أُوْلَكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌ
وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَآَ أُوْلَكَ
١٩
أَصْحَبُ اَلْجَحِيمِ
يقولُ تعالى ذكرُه : والذين أقرّوا بوحدانيةِ اللَّهِ وإرسالِه رسلَه ، فصدَّقوا الرسلَ
وَآمَنوا بما جاءُوهم به مِن عندِ ربِّهم - أولئك هم الصِّدِّيقون.
وقولُه: ﴿ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال
بعضُهم: قولُهُ(٢): ﴿ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ منفصلٌ مِن الذى قَبَلَه، والخبرُ عن الذين
(١) هى قراءة نافع وابن عامر وأبى عمرو وحمزة والكسائى، وحفص عن عاصم . السبعة ص ٦٢٦.
(٢) هى قراءة ابن كثير ، وأبى بكر عن عاصم . المصدر السابق .
(٣) سقط من : م .

٤١٣
سورة الحديد : الآية ١٩
آمنوا باللّهِ ورسلِه مُتَناهٍ عندَ قوله: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، و﴿ الصِّدِّيقُونَ﴾ مرفوعون
بقوله: ﴿هُمُ﴾. ثم ابتُدِىَّ الخبرُ عن الشهداءِ فقيل: ﴿ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ
أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، و﴿ وَالشُّهَدَآءُ ﴾ فى قولِهم مرفوعون بقولِه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ
وَنُورُهُمّ ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌ
قال: هذه مفصولةٌ. ﴿ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُوْرُهُمّ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ، عن منصورٍ ، عن
أبى الضُّحى، عن مسروقٍ: ﴿أُوْلِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
وَنُورُهُمٌّ﴾. قال: هى للشهداءِ خاصةً(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ ، عن سفيانَ ، عن منصورٍ ، عن أبى
الضُّحى، عن مسروقٍ ، قال : هى خاصةً للشهداءِ .
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبى الضُّحى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ
ثم اسْتَأْنَف الكلامَ فقال: ﴿ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِهِمْ﴾(١).
٠
/ حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ ٢٣١/٢٧
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ- أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ : هذه
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٥٣/١٧، وابن كثير فى تفسيره ٤٧/٨.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٦/٢ عن الثورى به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/٦ إلى عبد
ابن حميد وابن المنذر .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٨/٨.

٤١٤
سورة الحديد : الآية ١٩
مفصولةٌ، سمَّاهم اللَّهُ صِدِّيقين بأنهم آمنوا باللّهِ وصدَّقوا رسلَه، ثم قال:
وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. هذه مفصولةٌ(١).
وقال آخرون: بل قولُه: ﴿ وَالشُّهَدَآءُ ﴾. مِن صفةِ الذين آمنوا باللّهِ ورسلِه .
قالوا : إنما تَناهى الخبرُ عن الذين آمنوا عندَ قولِه: ﴿ وَالشُّهْدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. ثم ابتُدِىَّ
الخبرُ عمَّا لهم، فقيل: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمّ﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، قال :
أخبرنا أبو قيسٍ أنه سمِعِ هُزَيلًا يُحدِّثُ، قال: ذَكَروا الشهداءَ، فقال عبدُ اللَّهِ :
الرجلُ يُقاتِلُ الذِّكْرِ، والرجلُ يُقاتِلُ لِيُرَى مكانُه، والرجلُ يُقاتِلُ للدنيا، والرجلُ
يُقاتِلُ للشّمْعةِ ، والرجلُ يُقاتِلُ للمَغْنمِ - قال شعبةُ شيئًا هذا معناه - والرجلُ يُقاتِلُ
يُريدُ وجْهَ اللَّهِ ، والرجلُ يموتُ على فراشِه وهو شهيدٌ . وقرَأ عبدُ اللَّهِ هذه الآيةَ:
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِِّقُونَ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ:
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن حبيبٍ بن أبى ثابتٍ
وليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ- أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ
عِنْدَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمَّ﴾ . قال: كلُّ مؤمنٍ شهيدٌ. ثم قرأها (٣).
حدَّثنى صالحُ بنُ حربٍ أبو معمرٍ ، قال : ثنا إسماعيلُ بنُ يحيى ، قال : ثنا ابنُ
عجلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ عَ لَّمِ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٨/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/٦ إلى المصنف.
(٢) عزاء السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/٦ إلى ابن المنذر مختصرًا.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٦/٢ عن سفيان عن ليث به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/٦
إلی عبد بن حميد .

٤١٥
سورة الحديد : الآية ١٩
يقولُ: ((مُؤْمِنو أَمَّتِى شُهداءُ)). قال: ثم تلا النبىُّ عَّهِ هذه الآيةَ: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِلَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ الصِّدِّيقُونٌ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِهِمْ﴾. قال: بالإيمانِ على أنفسِهم باللّهِ(٢) .
وقال آخرون : الشهداءُ عندَ ربِّهم فى هذا الموضع : الشَّيون الذين يَشْهَدون على
أممهم؛ مِن قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِمٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ
عَلَى هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
والذى هو أولى الأقوالِ عندِى فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : الكلامُ والخبرُ
عن الذين آمنوا مُتَناهٍ عندَ قولِه: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌ﴾، وأنَّ قولَه: ﴿ وَالشُّهَدَآءُ
عِندَ رَبِّهِمْ﴾ خبرٌ مُبتدأُ [٩٢٩/٢و] عن الشهداءِ.
وإنما قلنا : إنَّ ذلك أولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ ؛ لأنَّ ذلك هو الأغلبُ مِن
معانِيه فى الظاهرِ ، وأنَّ الإيمانَ غيرُ مُوجبٍ - فى المتعارَفِ - للمؤمنِ اسمَ شهيد
إلّا(١) بمعنى غيرِهِ، إلا أن يُرادَ به أنه (٤) شهيدٌ على ما آمَن به وصدَّقه، فيكونَ ذلك
وجْهًا ، وإن كان فيه بعضُ البُعدِ؛ لأن ذلك ليس بالمعروفِ مِن معانيه إذا أُطْلِق / بغيرِ ٢٣٢/٢٧
وصلٍ، فتأويلُ قولِه: ﴿وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمّ﴾ إذنْ: والشهداءُ
الذين قُتِلوا فى سبيلِ اللَّهِ ، أو هلَكوا فى سبيلِه ، عندَ ربِّهم ، لهم ثوابُ اللَّهِ إِيَّاهم فى
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٨/٨ عن المصنف .
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٩ .
(٣) فى م: ((لا)).
(٤) سقط من : م .

٤١٦
سورة الحديد : الآيتان ٢٠،١٩
الآخرة ونورُهم .
وقولُه: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ
تعالى ذكره: والذين كفروا باللَّهِ وكذَّبوا بأُدلَِّهِ وحجَجِه، أولئك أصحابُ الجحيمِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ
بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَنَوَلِ وَالْأَوْلِّدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُ ثُمَّ ◌َهِيجُ فَرَنَهُ
مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًا وَفِىِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَوَةُ
الذُّنْيَآ إِلَّ مَتَعُ الْغُرُورِ
يقولُ تعالى ذكره : اعلموا أيُّها الناسُ أنَّ متاعَ الحياةِ الدنيا المُعَّلَةِ لكم ، ما هى
إلا ﴿ لَعِبُّ وَلَهُوٌ﴾ تَتَفَكّهون به، ﴿وَزِينَةٌ﴾ تَزَيَّنون بها، ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾،
يَفْخَرُ بعضُكم على بعضٍ بما أُولِىَ فيها من رِياشِها، ﴿ وَتَكَاثُرٌ فِ اْأَمْوَلِ
وَالْأَوْلَدِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويُباهِى بعضكم بعضًا بكثرةِ الأموالِ والأولادِ،
كَثَلِ غَيْثٍ﴾، (وذلك مطرٌ)، ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾. يقولُ
تعالى ذكره: ثم يَتْبَسُ ذلك النباتُ، ﴿فَتَرَنَهُ مُصْفَرًّا﴾ بعدَ أن كان أَخْضَرَ نَضِرًا .
وقولُه: ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: ثم يكونُ ذلك النباتُ
حُطامًا ، يعنى به أنه يكونُ نَبْتًا يابسًا متهشِّمًا، ﴿ وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه: وفى الآخرةِ عذابٌ شديدٌ للكفارِ، ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾
ج
لأهل الإيمانِ باللَّهِ ورسوله .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَعْلَمُواْ
أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمُوٌ ﴾ الآية . يقولُ: صار الناسُ إلى هذين الحَرْفَين فى
(١ - ١) سقط من: م.

٤١٧
سورة الحديد : الآيتان ٢٠، ٢١
الآخرة (١).
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ(١) يقولُ فى قوله: ﴿وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ
ج
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾. ذكَر ما فى الدنيا، وأنه على ما وصَف ، وأما الآخرةُ فإنَّها إما
عذابٌ ، وإما جنةٌ. قال: والوَاؤُ فيه و ((أَوْ)) بمنزلةٍ واحدةٍ .
وقولُه: ﴿ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ ﴾. يقولُ تعالى ذكره : وما زينةٌ
الحياةِ الدنيا المُعَجَّلَةُ لكم أيُّها الناسُ، ﴿ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾.
حدَّثنا علىُّ بنُ حربٍ الموصلىُّ، قال : ثنا المحارِبِىُّ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن
أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، قال: قال النبيُّ عَ لَه: ((مَوْضِعُ سَوْطٍ فى الجنَّةِ خيرٌ مِن
الدنيا وما فيها))(٣) .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٢٣٣/٢٧
كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن
٢١
يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
يقولُ تعالى ذكره : سابِقوا أيُّها الناسُ إلى عملٍ يُوجِبُ لكم مغفرةٌ من ربّكم
وجنة عرضها كعرضِ السماءِ والأرضِ، أُعِدَّت هذه الجنةُ ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ ﴾. يعنى: للذين وحَّدوا اللَّهَ وصدَّقوا رسلَه.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤه : هذه الجنةُ التى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) هو الفراء كما فى معانى القرآن ١٣٥/٣.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٠١/١٣، ١٠٢، وأحمد ٤٠٨/١٥ (٩٦٥١)، والدارمى ٣٣٢/٢، ٣٣٣،
والترمذى (٣٠١٣، ٣٢٩٢)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٨٥)، وابن حبان (٧٤١٧)، والحاكم ٢٩٩/٢،
والبيهقى فى البعث (٤٣١)، من طريق محمد بن عمرو به مطولا.
( تفسير الطبرى ٢٧/٢٢ )

٤١٨
سورة الحديد : الآيتان ٢٢،٢١
عَرْضُها كعرضِ السماءِ والأرضِ ، التى أعدَّها اللَّهُ للذين آمنوا باللّهِ ورسلِه - فضلُ
اللَّهِ تَفضَّل به على المؤمنين، واللَّهُ يؤتى فَضْلَه مَن يشاءُ مِن خَلْقِه، وهو ذو الفَضْلِ
العظيمِ عليهم، بما بَسَط لهم مِن الرزقِ فى الدنيا، ووهَب لهم مِن النِّعمِ، وعرَّفهم
موضعَ الشكرِ، ثم جزاهم فى الآخرةِ على الطاعةِ ما وصَف أنه أعدَّه لهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن ◌ُصِيبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ
٢٢
إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَّبْرَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
يقولُ تعالى ذكرُه : ما أصابكم أيُّها الناسُ مِن مصيبةٍ فى الأرضِ ؛ بجُدُوبِها
وقُخُوطِها وذَهابٍ زروعِها وفسادِها، ولا فى أنفسكم؛ بالأوصابِ والأوجاع
والأسقامٍ، ﴿إِلَّا فِ كِتَبٍ﴾. يعنى: إلا فى أمّ الكتابِ، ﴿مِّن قَبْلِ أَنَ
نَبْرَأَهَاً ﴾. يقولُ: من قبلٍ أَن نَبْرَأَ الأنفسَ، يعنى: مِن قبل أن نخلُقَها. يقالُ: قد بَرَأْ
اللَّهُ هذا الشىءَ. بمعنى: خَلَقه، فهو بارُه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه [٩٢٩/٢ظ]، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِن قُصِيبَةٍ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ
أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَّبْرَأَهَاً ﴾. قال: هو شىءٌ قد فُرِغ منه مِن قبلٍ
أن نبرأَ النفسَ ().
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ مَا أَصَابَ مِن
مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ﴾: أما مصيبةُ الأرضِ فالسّنون، وأما فى أنفسكم فهذه الأمراضُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/٦ إلى المصنف .

٤١٩
سورة الحديد : الآية ٢٢
والأوصابُ، ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ تَّبْرَأَهَا﴾: مِن قبلٍ أن نخلُقَها .
/ حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قوله: ﴿﴿ مَا ٢٣٤/٢٧
أَصَابَ مِن تُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ﴾. قال: هى السِّنون، ﴿ وَلَا فِىِّ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال:
الأوجائُ والأمراضُ. قال: وبلغنا أنه ليس أحدٌ يُصِيبُه خَدْشُ عُودٍ ، ولا نَكْبَةُ قدم ،
ولا خَلَجَانُ عِزْقٍ - إلا بذنبٍ، وما يَغْفو اللَّهُ عنه أكثرُ(١).
حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا ابنُ عليةً، عن منصورِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال: كنتُ
جالسًا مع الحسنِ، فقال رجلٌ: سَلْه عن قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن تُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا
فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَهَاً ﴾. فسألْتُه عنها ، فقال: سبحانَ
اللَّهِ! ومَن يَشُكُّ فى هذا؟ كلُّ مصيبةٍ بينَ السماءِ والأرضِ ففى كتابِ اللَّهِ، مِن قبلٍ
أن تُبْرَأَ النَّسَمَةُ(٢).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِى
كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَّبْرَهَاً﴾. يقولُ: هو شىءٌ قد فُرِغ منه، ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ
تَّبْرَهَاْ﴾ : مِن قبلِ أنْ نَبْرَأَ الأَنفسَ .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ جلَّ
ثناؤه: ﴿فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَهَاً﴾ . قال: مِن قبلِ أنْ نخلُقَها . قال :
المصائبُ والرزقُ والأشياءُ كلُّها مما تُحِبُّ وتَكْرُهُ ، فَرَغ اللَّهُ مِن ذلك كلِّه قبلَ أنْ يَبْرَأَ
(١) أخرجه عبد الرزاق ٢٧٥/٢ فى تفسيره عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٧/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥١/٨ عن المصنف، وأخرجه البيهقى فى الشعب (٩٧٧٠) من طريق ابن علية
به .

٤٢٠
سورة الحديد : الآيتان ٢٣،٢٢
النفوسَ ويخلُقَها .
وقال آخرون : عُنِى بذلك : ما أصاب مِن مصيبةٍ فی دینٍ ولا دنيا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىِّ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ مَّآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِىِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ
أَنْ نَبِّأَهَاً﴾. يقولُ: فى الدينِ والدنيا، إلا فى كتابٍ مِن قبلٍ أن نخلُقَها(١).
واختلف أهلُ العربيةِ فى معنى: ﴿فِ﴾ التى بعدَ قوله: ﴿إِلَّا﴾؛ فقال بعضُ
نحويِّى البصرةِ: يريدُ واللَّهُ أعلمُ بذلك: إلا هى فى كتابٍ ، فجاز فيه الإضمارُ.
قال : وقد يقولُ: عندى هذا ليس إلّا. يريدُ: ليس إلا هو.
وقال غيرُه منهم : قولُه: ﴿فِي كِتَبٍ﴾. من صلة: ﴿ مَآ أَصَابَ ﴾ ، وليس
إضمارُ ((هو)) بشىءٍ. وقال: ليس قولُه: عندى هذا ليس إلا. مثلَه؛ لأن ((إلا))
تكفى مِن الفعلِ ، كأنه قال : ليس غيرَه .
وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن خَلْقَ النفوسِ
وإحصاءَ ما هى لاقيةٌ مِن المصائبِ، على اللَّهِ سهلٌ يسيرٌ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ
٢٣
ءَاتَنَكُمُّ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
٢٣٥/٢٧
/ يقولُ تعالى ذكره: ما أصابكم أيُّها الناسُ مِن مصيبةٍ فى أموالكم ولا فى
أنفسِكم ، إلا فى كتابٍ قد كُتِب ذلك فيه مِن قبل أن نخلُقَ نفوسَكم، ﴿لِكَيْلًا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤٧/٢ - من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٧٦/٦ إلى ابن المنذر .