النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١
سورة الواقعة : الآيات ٩١، ٩٣
فذلك مُسَلَّمْ لك، أنك من أصحابِ اليمينِ، وأُلْقِيَت (١) (أن))، وهو (٢) معناها ،
كما تقولُ : أنت مُصَدِّقٌ مسافرٌ عن قليلٍ . إذا كان قد قال : إنى مسافرٌ عن قليلٍ .
وكذلك يَجِبُ معناه أنك مسافرٌ عن قليلٍ. ومصدقٌ عن قليلٍ. قال: وقولُه:
فَسَلَهٌ لَّكَ ﴾. معناه: فسلامٌ لك أنت مِن أصحابِ اليمينِ. قال: وقد يكونُ
كالدعاءِ له؛ كقوله: فسَقْيًا لك مِن الرجالِ . قال: وإن رفَعْتَ السلامَ فهو دعاءٌ،
واللهُ أعلمُ بصوابِهِ
وقال آخرُ منهم قولَه: ﴿ فَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾. فإِنه جمَع بينَ
جوابين؛ ليُعْلَمَ أن ((أما)) جزاءٌ. قال: وأما قولُه: ﴿فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ اَلْيَمِينِ﴾
(" فإن معناه: فسلامٌ لك أنك من أصحابِ اليمينِ"، قال: وهذا أصلُ الكلمةِ :
مُسَلَّمٌ لك هذا. ثم حُذِفَت ((أن)) وأَقِيم (( مِن)) مُقامَها. قال: [١٤٨/٤٧ظ] وقد
قيل : فسلامٌ لك ، أنت مِن أصحابِ اليمينِ . فهو على ذاك، أى: سلامٌ لك . يقالُ:
أنت مِن أصحابِ اليمينِ. وهذا كلُّه على كلامين. قال: وقد قيل: مُسَلَّمٌ . أى:
كما تقولُ : فسلامٌ لك من القوم. كما تقولُ : فسَقْيًا لك مِن القوم . فتكونُ كلمةً
واحدةً .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ : معناه فسلامٌ لك ، أنك مِن
أصحاب اليمينِ. ثم حُذِفَت أن(٤)، واجْتُزِئ بدلالةِ ((مِن)) عليها منها ، بمعنى :
فسلِمْتَ مِن عذابِ اللَّهِ ، ومما تَكْرَهُ؛ لأنك مِن أصحابِ اليمينِ .
/وقولُه: ﴿وَأَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينُ
٢١٤/٢٧
فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ .
٩٢
(١) فى الأصل، ص، ت١، ت٢: ((ألغيت))، وفى ت٣: ((ألغت)).
(٢) فى م: (( نوى)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٣٨٢
سورة الواقعة : الآيات ٩٢ - ٩٦
يقولُ تعالى ذكره : وأما إن كان الميتُ مِن المكذِّبين بآياتِ اللَّهِ، الحائدين عن
سبيله، فله نُزُلٌ مِن حَميم، قد أُغْلِى حتى انتهَى حرُّه، فهو شرابُه، ﴿ وَتَصْلِيَةُ
◌َِيمٍ ﴾ يقولُ: وحريقُ النارِ يُخْرَقُ بها، والتصليةُ التَّفْعِلُ مِن صَلَّه اللّهُ النارَ، فهو
يُصَلِيه تَصْلِيةً . وذلك إذا أُخْرقَه بها .
فَسَيِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ
٩٥
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ أَلْيَقِينِ
اُلْعَظِيمِ
(٩٦
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّه: يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذى أُخْبَرْتُكم به أيُّها
الناسُ مِن الخبرِ عن المقرّبين وأصحابِ اليمينِ، وعن المكذِّبين الضالين، وما إِليه
صائرةٌ أمورُهم - ﴿لَهُوَ حَقُّ أَلْيَقِينِ﴾ يقولُ: لَهو الحقُّ مِن الخبرِ اليقينِ لا شكَّ فيه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ أَلْيَقِينِ﴾ قال: الخبرُ اليقينُ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَمَّ إِن كَانَ مِنَ
إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقٌ
◌َ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيِمٍ ﴿﴿ وَنَصْلِيَةُ ◌َحِيمٍ
٩٢
اُلْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينُّ
اَلْقِينِ﴾ حتى ختَم، إن اللَّه تعالى ليس تاركًا أحدًا مِن خلقِه حتى يُوقِفَه على اليقينِ
(١) فى الأصل، ص، م، ت١: ((الجائرين)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد، وهو فى تفسير مجاهد ص٦٤٦
بلفظ : ((الجزاء المبين)).
٣٨٣
سورة الواقعة : الآيتان ٩٥ ، ٩٦
مِن هذا القرآنِ ؛ فأما المؤمنُ فأيْقَن فى الدنيا فنفَعه ذلك يومَ القيامةِ . وأما الكافر فأيقَن
يومَ القيامةِ حينَ لا يَنْفَعُه .
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ إضافةِ الحقِّ إلى اليقينِ، والحقُّ يقينٌ ؛ فقال بعضُ
نحوِّى البصرةِ، قال: ﴿حَقُّ أَلْيَقِينِ﴾. فأضاف الحقَّ إلى اليقينِ، كما قال:
﴿ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. أى: ذلك دينُ الملةِ القيمةِ، وذلك حقُّ الأمرِ
اليقينِ . قال : وأما : هذا رجلُ السَّوْءِ، فلا يكونُ فيه : هذا الرجلُ السوءِ، كما يكونُ
فى الحقِّ اليقينِ ؛ لأن السوءَ ليس بالرجلِ، واليقينَ هو الحقُّ. وقال بعضُ نحوِّى
الكوفةِ : اليقينُ نعتٌ للحقِّ ، كأنه قال: الحقُّ اليقينُ، والدينُ القيمُ . فقد جاء مثلُه
فى كثيرٍ من الكلامِ والقرآنِ؛ ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾ [ يوسف: ١٠٩]، ﴿وَالذَّارُ
اْأَخِرَةُ ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. قال: فإذا أُضِيف تُؤُهِّم به غيرُ الأولِ .
وقولُه: ﴿فَسَبِّحْ بِأَسِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: [١٤٩/٤٧ظ] فسبِّحْ
بتسميةِ ربِّك العظيمِ بأسمائِه الحسنى .
آخرُ تفسير سورةٍ ((الواقعة))(١)
(١) هنا انتهى الجزء السابع والأربعون من مخطوطة جامعة القرويين التى يرمز لها بـ ((الأصل))، وسيجد
القارئ فيما يأتى أرقام مخطوطة ((ت ١)) بين معكوفين.
٣٨٤
سورة الحديد : الآيتان ١، ٢
٢١٥/٢٧
/ تفسيرُ السورةِ التى يُذكرُ فيها ((الحديدُ))
بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ
لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُحِ، وَيُمِيثٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ
أَحَكِيمُ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أن كلَّ ما دونَه
مِن خلقِه يُسَبِّحُه تعظيمًا له ، وإقرارًا بربوبيتِه، وإِذْعانًا لطاعتِه، كما قال جلَّ ثناؤه:
﴿ تُسَيِّحُ لَهُ اُلَّمَوَتُ الشَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِهِنَّ وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحَدِهِ وَلَكِنْ لَّا
نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقولُه: ﴿ وَهُوَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: ولكنه جلَّ جلالُه العزيزُ فى انتقامِه
ممن عصاه ، فخالَف أمرَه مما فى السماواتِ والأرضِ مِن خلقِه ، الحكيمُ فى تَدبيرِهِ
أمرَهم وتصريفِه إياهم فيما شاء وأحبَّ .
وقولُه: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: له سلطانُ
السماواتِ والأرضِ وما فيهن، ولا شىءَ فيهن يَقْدِرُ على الامتناع منه، وهو فى
جميعِهم نافذُ الأمرِ (١)، ماضى(٢) الحكمِ .
وقولُه: ﴿يُحِ، وَيُمِيثٌ﴾. يقولُ: يُخْبِى ما يَشاءُ مِن الخلقِ، بأن يُوجِدَه
كيف يَشاءُ، وذلك بأن يُحْدِثَ من النُّطْفةِ الميتةِ حيوانًا بنفخ الروح فيها ، من بعدٍ
تاراتٍ يُقَلِّئُها فيها ، ونحوَ ذلك مِن الأشياءِ ، ويُمِيتُ ما يشاءُ مِن الأحياءِ بعدَ الحياةِ ،
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((أمره)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((ماضٍ)).
٣٨٥
سورة الحديد : الآيات ٢ - ٤
بعدَ بلوغِه أجلَه فَيُفْنِيه، ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وهو على
كلِّ شيءٍ ذو قدرةٍ ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شىءٌ أراده؛ من إحياءٍ وإماتةٍ ، وإعزازٍ وإذلالٍ،
وغيرِ ذلك مِن الأمورِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ
هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِنَّ يَعْلَمُ مَا
عَلِيُ الثَّ
يَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
يقولُ تعالى ذكره: هو الأولُ قبلَ كلِّ شيءٍ بغيرِ حدٍّ، ﴿وَالْآَخِرُ﴾. يقولُ:
والآخِرُ بعدَ كلِّ شيءٍ بغيرِ نهايةٍ . وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنه كان ولا شىءً موجودٌ
سواه ، وهو كائنٌ بعدَ فناءِ الأشياءِ كلِّها، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا
وَجْهَهُ﴾ [ القصص: ٨٨].
وقولُه: ﴿ وَاَلَّهِرُ﴾. يقولُ: وهو الظاهرُ على كلِّ شىءٍ دونَه، وهو العالى
فوقَ كلٌّ شىءٍ، فلا شىءَ أعلى منه. ﴿ وَالْبَاِنٌ﴾. يقولُ: وهو الباطنُ جميعَ
الأشياءِ، فلا شىءَ أقربُ إلى شىءٍ منه، كما قال: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ
اٌلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
/وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ◌َّله وقال به أهلُ التأويل. ٢١٦/٢٧
ذكرُ مَن قال ذلك والخبرُ الذى رُوِى فيه
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ
وَالْآَخِرُ وَالَهِرُ وَالْبَاطِنٌ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ عَ لَه بَينَما هو جالس فى أصحابِهِ،
إذ ثار عليهم سحابٌ، فقال: ((هل تَدْرُون ما هذا؟)). قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ.
( تفسير الطبرى ٢٥/٢٢ )
٣٨٦
سورة الحديد : الآيتان ٣، ٤
" قال: ((هذا العنانُ، هذه رَوَايا الأرضِ، يسوقُه الله تبارك وتعالى إلى قومٍ لا يَشْكرُونه
ولا يَدْعُونه)). قال: ((هل تدرون ما فوقكم؟)) قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ". قال: ((فإنها
الرَّقِيعُ(١)؛ مَوْجٌ مَكْفوفٌ، وسقفٌ محفوظٌ)). قال: ((فهل تَدْرُون كم بينكم
وبينَها؟)). قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ((مسيرةُ خمسمائةٍ سنةٍ)). قال: «فهل
تَدْرُون ما فوقَ ذلك؟)). فقالوا مثلَ ذلك. قال: ((فوقَها سماءٌ أخرى، وبينَهما مسيرةُ
خمسِمائةِ سنةٍ)). قال: ((هل تَدْرُون ما فوقَ ذلك؟)). فقالوا مثلَ قولِهم الأولِ ، قال :
((فإن فوقَ ذلك العرشَ، وبينَه وبينَ السماءِ السابعةِ مثلَ ما بينَ السماءين)) . قال :
((هل تَدْرُون ما التى تحتَكم؟)). قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ((فإنها الأرضُ)).
قال: ((فهل تَدْرُون ما تحتَها؟)). [٩٢٥/٢و] قالوا له مثلَ قولِهم الأولِ، قال: ((فإن
تحتَها أرضًا أخرى، وبينَهما مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ)). حتى عدَّ سبعَ أَرَضينَ، بينَ
كلِّ أَرْضَيْن مسيرةُ خمسمائةٍ سنةٍ ، ثم قال: (( والذى نفسُ محمدٍ بيدِه، لو دُلِّيَ
أحدُكم بحبلٍ إلى الأرضِ الأخرى لهبَط على اللَّهِ)). ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ
وَّهِرُ وَالْبَاِنٌّ وَهُوَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ﴾(١).
وقولُه: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره : وهو بكلِّ شىءٍ ذو
علم ، لا يَخْفَى عليه شىءٌ ، فلا يَغْزُبُ عنه مثقال ذرةٍ فى الأرضِ ولا فى السماءِ ولا
أصغرُ مِن ذلك ولا أكبرُ إلا فى كتابٍ مبين .
(١ - ١) سقط من النسخ. والمثبت مما سيأتى فى ٨٠/٢٣، ٨١ .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣/٨ عن المصنف، وقال: مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ. وقد
أخرجه موصولاً أحمد ٤٢٣،٤٢٢/١٤ (٨٨٢٨)، وعبد بن حميد - كما فى الدر المنثور ١٧٠/٦ - وعنه
الترمذى (٣٢٩٨)، وابن أبى عاصم فى السنة (٥٧٨)، وأبو الشيخ فى العظمة (٢٠٣)، وتفسير مجاهد
ص٦٤٧، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٨٤٩)، وابن أبى حاتم والبزار - كما فى تفسير ابن كثير ٣٣/٨-
من طريق قتادة عن الحسن عن أبى هريرة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٠/٦ إلى ابن المنذر وابن
مردويه .
٣٨٧
سورة الحديد : الآيات ٤ - ٦
وقولُه: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: هو الذى أَنْشَأُ السماواتِ السبعَ والأَرَضِينَ، فدبَّرِهن وما فيهن، ثم اسْتَوَى
علی عرشِه، فازتَفع علیه وعلا .
١
وقولُه : ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِمُ فِى الأَرْضِ وَمَا يَخْرُ مِنهَا ﴾ . يقول تعالى ذكرُه مخبرًا عن
صفتِه، وأنه لا يَخْفَى عليه خافيةٌ مِن خلقِه: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِحُ فِ الْأَرْضِ﴾ مِن خلقِه .
يعنى بقوله: ﴿يَلِحُ﴾ يَدْخُلُ، ﴿ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾ منهم(١)، ﴿ وَمَا يَنْزِلُ مِنَ
السَّمَاءِ﴾ إلى الأرضِ مِن شىءٍ قطّ، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فَيَصْعَدُ إليها مِن الأرضِ،
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنُمَّ﴾. يقولُ: وهو شاهدٌ لكم أيُّها الناسُ أينما كنتم
يَعْلَمُكم، ويَعْلَمُ أعمالَكم ومُتَقَلَّبَكم ومَثْواكم، وهو على عرشِه فوقَ سماواتِهِ
السبعِ، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بأعمالِكم التى تَعْمَلونها مِن حسَنٍ
وسَيِّئُّ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، ذو بصرٍ، وهو لها مُخْصٍ؛ ليُجازِىَ المحسنَ منكم
بإحسانِهِ، والمسىءَ بإساءتِه يومَ تُجزَى كلَّ نفسٍ بما كسبت، وهم لا يُظلَمون.
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ تُرتَجَعُ
٢١٧/٢٧
يُولِجُ الَّيْلَ فِىِ النَّهَارِ وَيُولِجُ اٌلَّهَارَ فِ الَِّلِّ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الأُورُ ◌ّ
٦
الصُّدُورِ
يقولُ تعالى ذكره : له سلطانُ السماواتِ والأرضِ، نافذٌ فى جميعِهنَّ وفى
جميعِ ما فيهنَّ أَمرُه، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُجَعُ الْأُمُورُ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه : وإلى اللَّهِ مصيرُ
أمورٍ جميعٍ خلقِه، فَقْضِى بينهم بحُكْمِه .
وقولُه: ﴿يُولِجُ الَِّلَ فِ النَّهَارِ﴾. يعنى بقولِه: ﴿ يُولِجُ اَلَيْلَ فِ اَلنََّارِ ﴾ .
يُدْخِلُ ما نقَص من ساعاتِ الليلِ فى النهارِ، فيَجْعَلُه زيادةٌ فى ساعاتِه. ﴿وَيُولِيُ
(١) سقط من : م.
٣٨٨
سورة الحديد : الآية ٦
النَّهَارَ فِى الَّلَّ﴾. يقولُ: ويُدْخِلُ ما نقَص من ساعاتِ النهارِ فى الليلِ، فَيَجْعَلُه
زيادةً فی ساعاتِه(١).
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
وقد ذكَّرنا الروايةَ بما قالوا فيما مضى من كتابِنا هذا (١) ، غيرَ أنَّا نَذْكُرُ فى هذا
الموضعِ بعضَ ما لم نَذْكُرْ هنالك إن شاءَ اللَّهُ تعالى .
حدَّثنا هنادُ بنُ السرىِّ ، قال : ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكِ، عن عكرِمةَ فى
قولِه: ﴿ يُولِجُ الَّتْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِىِ الَّلِ ﴾ . قال : قِصَرُ هذا فى طولٍ هذا،
وطولُ هذا فى قِصَرِ هذا .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيم
فى قولِه: ﴿يُولِجُ الَِّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النََّارَ فِ الَّلَّ﴾. قال : دخولُ الليلِ فى
النهارِ، ودخول النهارِ فى الليلِ .
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ فى قوله :
﴿ يُولِجُ الَِّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَلِ ﴾ . قال: قِصَرُ أيام الشتاءِ فى طولٍ ليله،
وقِصَرُ ليالى (١) الصيفِ فى طولٍ نهارِه .
وقولُه: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. يقولُ: وهو ذو علم بضمائرِ صدورٍ
عبادِه، وما عزَمَت عليه نفوسُهم من خيرٍ أو شرٍّ، أو حدَّثتْ بهما (*) أنفسُهم، لا
يَخْفى عليه من ذلك خافيةٌ .
(١) فى م: ((ساعات الليل)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٠٥/٥ - ٣٠٧ .
(٣) فى ص: ((ليال))، وفى م: ((ليل)).
. (٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بها)).
٣٨٩
سورة الحديد : الآيتان ٧ ، ٨
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمُ
مُسْتَخْلَفِينَ فِيهٍ فَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَنَفَقُواْ لَهُمْ أَجْرُ كَبِيرٌ
﴾ .
يقولُ تعالى ذكره : آمِنوا باللَّهِ أَيُّها الناسُ، فَأَقِرُّوا بوحدانيته وبرسولِه
محمدٍ عَظ ◌ِلّهِ، فصَدِّقوه فيما جاءَ كم به من عندِ اللَّهِ واتَّبِعوه، ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمُ
◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيَةٌ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وأَنْفِقوا مما خوَّلكم اللَّهُ من المالِ الذى أورَثكم
عمَّن كان قبلكم، فجعَلكم خُلفاءَهم فيه - فى سبيلِ اللَّهِ .
/وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٢١٨/٢٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللّهِ: ﴿ُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾. قال : المعَمَّرِين فيه بالرزقِ(١) .
وقولُه: ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَأَنْفَقُواْ﴾. يقولُ: فالذين آمنوا باللّهِ ورسولِه
منكم أيُّها الناسُ وأنفقوا - مما خوَّلهم اللَّهُ عَّن كان قبلَهم، ورزَقهم من المالِ - فى
سبيلِ اللهِ، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. يقولُ: لهم ثوابٌ عظيمٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِلّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِنُؤْمِنُواْ
بِرَبِّكُمْ [٩٢٥/٢ ظ] وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾: وما شأنُكُم أيُّها الناسُ لا
تُقِرُّون بوحدانيةِ اللَّهِ، ورسولُه محمدٌ مِِّ يَدْعُوكم إلى الإقرارِ بوحدانيتِهِ، وقد
(١) تفسير مجاهد ص ٦٤٧، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣٣٦/٤ - وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٧١/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
٣٩٠
سورة الحديد : الآية ٨
أتاكم من الحجج على حقيقةِ ذلك ما قطَع ◌ُذرَكم ، وأزال الشكُّ من قلوبِكم ،
﴿ وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ﴾. قيل: عُنِى بذلك: وقد أخَذ منكم ربُّكم ميثاقكم فى
صُلْبٍ آدمَ ، بأن اللَّهَ ربُّكم ، لا إلهَ لكم سِواه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِثَفَكُمْ﴾. قال: فى ظهرِ آدمَ (١).
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ غيرَ أبى
عمرٍو : ﴿ وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ﴾، بفتحِ الألفِ من ﴿أَخَذَ﴾ ونصبٍ ((الميثاقِ))،
بمعنى : وقد أخَذ ربكم ميثاقكم. وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (وقد أَخِذ ميثاقُكم) بضمٌ
الألفِ ورفعِ الميثاقِ، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ(١) .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتان مُتقارٍبتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُّ
فمصيبٌ ، وإن كان فتحُ الأَلفِ من ﴿ أَخَذَ﴾ُ ونصبُ ((الميثاقِ)) أعجبَ القراءتين
إلىّ فى ذلك؛ لكثرةِ القَرَأَةِ بذلك ، وقلةِ القرَأَةِ بالقراءةِ الأخرى .
وقولُه: ﴿إِن كُ مُؤْمِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم تُرِيدون أن تُؤْمِنوا باللَّهِ يومًا من
الأيام ، فالآن أحرَى الأوقاتِ أن تُؤْمِنوا؛ لتتابعِ الحُجَجِ عليكم بالرسولِ وأعلامِه ،
ودعائِهِ إِيَّكم إلى ما قد تقرَّرت صحتُه عندَكم بالأعلام والأدلةِ والميثاقِ المأخوذِ
عليكم .
(١) تفسير مجاهد ص ٦٤٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧١/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ينظر حجة القراءات ص ٦٩٧، ٦٩٨ .
٣٩١
سورة الحديد : الآيتان ٩ ، ١٠
٢١٩/٢٧
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ
٩
لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ
يقولُ تعالى ذكره: اللَّهُ الذى يُنَزِّلُ على عبدِه محمدٍ ﴿ءَايَتٍ يَلْنَتٍ﴾ .
يعنى: مُفصَّلاتٍ، ﴿لِيُخْرِحَكُم مِّنَ اُلُظْلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه:
ليُخْرِجَكم أيُّها الناسُ من ظُلمةِ الكفرِ إلى نورِ الإِيمانِ ، ومن الضلالةِ إلى الهُدَى .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُورِ﴾. قال: من الضلالةِ إلى الهدى (١).
وقولُه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُونٌ رَّحِيمٌ ﴾ . يقولُ تعالى ذكره : وإن اللَّهَ بإنزالِه
على عبدِه ما أنزل عليه من الآياتِ البيّناتِ لهدايتِكم وتبصيرٍ كم الرشادَ - لذو رأفةٍ
بكم ورحمةٍ ، فمن رأفته ورحمتِه بكم لكم ) فعل ذلك .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا نُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِبَثُ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِّ لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ
أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اَللَّهُ الْمُسْنَىَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرٌ
يقولُ تعالى ذكره : وما لكم أيُّها الناسُ ألا تُنْفِقوا مما رزقكم اللَّهُ فى سبيل اللَّهِ ،
(١) تفسير مجاهد ص ٦٤٨، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٤ / ٣٣٦ - وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٧١/٦، ١٧٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) سقط من : م .
٣٩٢
سورة الحديد : الآية ١٠
وإلى اللَّهِ صائرٌ أموالكم إن لم تُنْفِقوها فى حياتِكم فى سبيلِ اللَّهِ؛ لأن له ميراثَ
السماواتِ والأرضِ . وإنما حثَّهم جلَّ ثناؤه بذلك على حظّهم ، فقال لهم: أَنْفِقوا
أموالَكم فى سبيلِ اللَّهِ؛ ليكونَ ذلك لكم ذُخْرًا عندَ اللَّهِ من قبل أن تُمُوتوا ، فلا تَقْدِروا
على ذلك ، وتَصِيرَ الأموالُ ميراثًا لمن له السماواتُ والأرضُ.
وقولُه: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ﴾. اختلف أهلُ
التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه : لا يَسْتَوِى منكم أيُّها الناسُ مَن آمَن
قبلَ فتح مكةً وهاجَر .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
٢٢٠/٢٧ الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ،/ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ ﴾. قال: آمَن فَأَنفَق ،
١)(٢)
يقولُ : ( هاجر، لیس من هاجر کمن لم يُهاجِرْ ".
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا مهرانُ ، عن سفيانَ ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا
يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ﴾. يقولُ: مَن آمَن.
قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، قال: يقولُ(١) : غيرُ ذلك.
وقال آخرون : عنَى بالفتح فتحَ مكةً، وبالنفقةِ النفقةَ فى جهادِ المشركين .
(١ - ١) فى م: (( من هاجر ليس كمن لم يهاجر)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد
وابن المنذر .
(٣) بعده فى ص، ت ١: ((غيره)).
٣٩٣
سورة الحديد : الآية ١٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ
مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ اٌلْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ [٩٢٦/٢ و] ◌َمِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنْ بَعْدُ
وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾. قال: كان قتالان أحدُهما أفضلُ من الآخرِ،
وكانت نفقتان إحداهما أفضلُ من الأخرى ، كانت النفقةُ والقتالُ من قبلِ الفتحِ؛
فتح مكةَ، أفضلَ من النفقةِ والقتالِ بعدَ ذلك(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قوله : ﴿ مِن
قَبْلِ الْفَتْحِ﴾. قال: فتح مكةً(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ عياشٍ،
قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ فى هذه الآيةِ: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ
الْفَتْحِ ﴾. قال: فتحٍ مكةً (٣) .
وقال آخرون : عَنَى بالفتحِ فى هذا الموضعِ صلح الحديبيةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ ، قال : ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ ، عن عامٍ ،
قال : فصلُ ما بينَ الهجرتينِ فتحُ الحديبيةِ، يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا يَسْتَوِى
مِنْكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ ﴾ الآية (٤) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٥/٢ عن معمر به .
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٥٢١/٩.
(٤) ذكره الطوسى فى التبيان ٥٢١/٩، وابن كثير فى تفسيره ٣٧/٨.
٣٩٤
سورة الحديد : الآية ١٠
حدَّثنى حُميد بنُ مسعدةً، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ ، عن
عامٍ، فى هذه الآيةِ قولَه: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ﴾ .
قال: فتحِ الحديبيةِ. قال: ((وكان فصل١َ) ما بينَ الهجرتين(١) فتح الحديبية.
حدَّثنى ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ ، قال :
فصلُ ما بينَ الهِجْرتَين فتحُ الحديبيةِ ، وأُنزِلت: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ
اَلْفَتْحِ﴾ إلى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. فقالوا: يا رسولَ اللهِ، فتح هو ؟ قال :
((نَعَمْ، عظِيمٌ)).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ ، قال : فصلُ
ما بينَ الهِجْرَتين فتحُ الحديبيةِ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ﴾ الآية .
٢٢١/٢٧
احدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى هشامُ بنُ سعدٍ ، عن
زيدٍ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن أبى سعيدِ الخُدْرِىِّ، قال: قال لنا رسولُ اللَّهِ
عَ ظِلّهِ عامَ الحديبيةِ: ((يُوشِكُ أن يَأْتِىَ قومٌ تَحَقِرُون أعمالكم مع أعمالِهِم)). قلنا: مَن
هم يا رسولَ اللَّهِ، أقريشٌ هم؟ قال: ((لا، ولكنْ أهلُ اليمنِ؛ أرَقُّ أفئدةٌ، وألينُ
قلوبًا)). فقلنا: هم خيرٌ منا يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: ((لو كان لأحدِهم جبلٌ من ذهبٍ
فَأَنفَقه، ما أدرك مُدَّ أحدِكم ولا نصيفه، ألا إن هذا فصلُ ما بيننا وبينَ الناسِ، ﴿لَا
يَسْتَوِى مِنكُ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ﴾))).
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وكان فضل))، وفى م: ((فصل)).
(٢) فى النسخ: ((العمرتين)). وهو تحريف.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٣٨/٨- من طريق ابن وهب به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٦ إلى ابن مردويه وأبى نعيم فى دلائل النبوة .
٣٩٥
سورة الحديد : الآية ١٠
حدَّثنى ابنُ البرقيِّ ، قال: ثنا ابنُ أبى مريمَ ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال :
أخبرنى زيدُ بنُ أسلمَ، عن أبى سعيدِ التمارِ، عن أبى سعيد الخدرىِّ(١) أن رسولَ
اللَّهِ مَِّلٍ قال: ((يُوشِكُ أن يَأْتِىَ قومُ(٢) تَحْقِرُون أعمالَكم مع أعمالِهم)). فقلنا: مَن
هم يا رسولَ اللَّهِ، قريشٌ؟ قال: ((لا ، هم أرقُّ أفئدةً وألينُ قلوبًا)). وأشار بيده إلى
اليَمَنِ، فقال: ((هم أهلُ اليَمَنِ، ألا إن الإيمانَ يمانٍ، والحكمةَ يمانيةٌ)). فقلنا : يا
رسولَ اللَّهِ ، هم خيرٌ منا؟ قال: (( والذي نفسي بيده لو كان لأحدِهم جبلُ ذهبٍ
ينفقُه ما أدرَك مُدَّ أُحدِ كم ولا نصيفَه)). ثم جمَع أصابعَه ومَدَّ خِنْصَرَه وقال: ((أَلَا إن
هذا فصلُ ما بيننا وبينَ الناسِ: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ
أُوْلَّكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَدْتَلُواْ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾ (١)
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ عندى أن يُقالَ: معنى ذلك : لا يَسْتَوى
منكم أيُّها الناسُ مَن أَنفَق فى سبيلِ اللَّهِ من قبلٍ فتح الحديبيةِ - للذى ذكَرْنا من الخبرِ
عن رسولِ اللَّهِ مَّهِ، الذى رويناه عن أبى سعيد الخُدْرِىِّ عنه - وقاتَل المشركين بمن
أَنفَق بعدَ ذلك وقاتَل. وترَك ذكرَ مَن أَنفَق بعدَ ذلك وقاتَل ؛ استغناءً بدلالةِ الكلام
الذی ذُکِر علیه مِن ذِكْرِه .
﴿ أُوْلَّكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
هؤلاء الذين أنفَقوا فى سبيلِ اللّهِ من قبلٍ فتحِ الحديبيةِ، وقاتلوا المشرِكين - أعظمُ
درجةً فى الجنةِ عندَ اللَّهِ من الذين أنفَقوا من بعدِ ذلك وقاتلوا .
وقولُه: ﴿وَكُلَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وكلَّ هؤلاء الذين
(١ - ١) سقط من النسخ. والمثبت من تفسير ابن كثير. وينظر التاريخ الكبير ٣٤/٩، والجرح والتعديل
٣٧٦/٩.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أقوام)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩/٨ عن المصنف .
٣٩٦
سورة الحديد : الآيتان ١٠، ١١
أَنفَقوا من قبلِ الفتح وقاتلوا ، والذين أنفقوا من بعدُ وقاتَلوا، وعَد اللَّهُ الجنةَ ، بإنفاقِهم
فى سبيله ، وقتالهم أعداءَه .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ (١): ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ﴾. قال: الجنةَ(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ
اَلْحُسْنَى﴾. قال: الجنةَ(٣).
٢٢٢/٢٧
/وقولُه: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بما تعملون من
النفقةِ فى سبيلِ اللهِ، وقتالِ أعدائِه، [٩٢٦/٢ ظ] وغيرِ ذلك من أعمالِكم التى تعملون -
خبيرٌ لا يَحْفَى عليه منها شىءٌ، وهو مُجازِيكم على جميع ذلك يومَ القيامةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ وَلَهُ:
أَجْرٌ كَرِیٌ
يقولُ تعالى ذكرُه : مَن هذا الذى يُنْفِقُ فى سبيلِ اللّهِ فى الدنيا مُخْتَسِبًا فى
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من الذين أنفقوا آمنوا))، وبعده فى م: ((من الذين أنفقوا وآمنوا)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٦ إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد
وابن المنذر .
(٣) أخرجه ابن خزيمة فى التوحيد ص ١٢١ من طريق سعيد به ، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٤/١،
وابن خزيمة فى التوحيد ص ١٢١ من طريق معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢١/٦ إلى عبد
ابن حميد وابن المنذر .
٣٩٧
سورة الحديد : الآيتان ١٢،١١
نفقتِهِ، مُجْتَغِيًّا ما عندَ اللَّهِ، وذلك هو القرضُ الحسنُ.
وقولُه: ﴿فَيُضَعِفَهُ لَهُ﴾). يقولُ: فيُضاعِفَ له ربُّه قرضَه ذلك الذى
أقرَضه، بإنفاقِه فى سبيلِه، فيَجْعَلَ له بالواحدةِ سبعَمائةٍ .
وكان بعضُ نحوثِّى البصرةِ يقولُ فى قوله: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا﴾. فهو كقولِ العربِ: لى عندَك قرضُ صدقٍ، وقرضُ سوءٍ. إذا فعَل به
خيرًا، وأنشَد فى ذلك بيتًا للشنْفَرَى (٢):
سَنَجْزِى سَلَامانَ بنَ مُفْرِجَ قَرْضَها بما قَدَّمت أيدِيهِمُ فأزْلَّتِ
﴿ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: وله ثوابٌ وجزاءٌ كريمٌ. يعنى بذلك الأجرِ
الجنةَ . وقد ذكَرنا الروايةَ عن أهلِ التأويلِ فى ذلك فيما مضى بما أغنَى عن إعادتِه(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ
أَيْدِيِهِمْ وَبِأَيْفَتِهِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن ◌َّحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
١٢
اُلْعَظِيمُ
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم
بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك : يومَ ترى المؤمنين والمؤمناتِ
يُضِىءُ نورُهم بين أيديهم وبأيمانهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ تَرَى
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ مَّ الِ كان يقولُ: ((من المؤمنين مَن
(١ - ١) سقط من : م .
(٢) البيت فى المفضليات ص ١١٢ .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٥١١/١٤، ٦٠٠/١٦، ٢٣٩/١٧، ٢١٢/١٩.
٣٩٨
سورة الحديد : الآية ١٢
يُضىءُ نورُه من المدينةِ إلى عدنٍ أَبْيَن، فصنعاءَ، فدونَ ذلك ، حتى إن من المؤمنين
مَن لا يُضىءُ نورُه إِلا مَوضِعَ قدميهِ)) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِهُ(١).
٢٢٣/٢٧
/حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ أبى يَذْكُرُ عن المنهالِ
ابنِ عمرٍو، عن قيسٍ بنٍ سكنٍ، عن عبدِ اللهِ ، قال: يُؤْتَون نورَهم على قدرٍ
أعمالِهم؛ فمنهم مَن يُؤْتَى نورَه كالنخلةِ، ومنهم مَن يُؤْتَى نورَه كالرجلِ القائمِ،
وأدناهم نورًا "مَن نورُه٢) على إبهامِه يُطْفَأُ مرةً ويَقِدُ مرةً (٤).
وقال آخرون : بل معنى ذلك: يوم ترَى المؤمنين والمؤمناتِ يَسْعَى إِيمانُهم
وهداهم بین أیدیھم، وبأمانِھم کتبُهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَبْدِيِهِمْ وَبِأَفَتِهِ﴾: كتبُهم. يقولُ اللَّهُ:
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَكُ بَِمِينِ﴾ [الانشقاق: ٧]. وأما نورُهم فهُداهم(٢).
وأولَى القولين فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى ذكرناه عن الضحاكِ ، وذلك أنه
لو عُنِى بذلك النورِ الضوءُ المعروفُ، لم يُخَصَّ عنه الخبرُ بالسعي بينَ الأيدى والأيمانِ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٥/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٢) فى النسخ: ((عن)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣ - ٣) سقط من النسخ . والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٩/١٣، والحاكم ٤٧٨/٢ من طريق ابن إدريس به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٧٢/٦ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٥) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٥/٨، والقرطبى فى تفسيره ٢٤٣/١٧، وابن كثير فى تفسيره ٤٢/٨.
٣٩٩
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٤
دونَ الشمائل؛ لأن ضياءَ المؤمنين الذى يُؤْتَونه فى الآخرةِ يُضِىءُ لهم جميعَ ما
حولَهم، وفى خصوصِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه الخبرَ عن سعيِهِ بينَ أيديهم وبأيمانِهم دونَ
الشمائلِ، ما يَدُلِّ على أنه معنىٌّ به غيرُ الضياءِ، وإن كانوا لا يَخْلُون من الضياءِ.
فتأويلُ الكلام إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: وكلَّ وعَد اللّهُ الحسنى يومَ تَرَون
المؤمنين والمؤمناتِ يَشْعى ثوابُ إيمانِهم وعملِهِم الصالح بينَ أيديهم ، وفى أيمانِهم
کتبُ أعمالِھم تطايرُ .
ويَعْنى بقولِه: ﴿ يَسْعَى﴾: يَمْضِى. والباءُ فى قولِه: ﴿وَبِأَنْفَتِهِ﴾. بمعنى
((فى)) (١) . وكان بعضُ نحوِّى البصرةِ يقولُ: الباءُ فى قوله: ﴿وَبِأَتْفَتِهِمْ﴾: بمعنى
على أيمانِهم. وقولُه: ﴿يَوْمَ تَرَى﴾. من صلةِ ﴿وَعَدَ﴾.
وقولُه: ﴿بُشْرَئِكُمْ أَلْيَوْمَ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
يقالُ لهم: بِشارتُكم اليومَ أيُّها المؤمنون التى تُبَشَّرون بها جناتٌ تَجْرِى من تحتِها
الأنهارُ، فأَبْشِروا بها .
وقولُه: ﴿ خَلِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكِثين فى الجناتِ ، لا يَنْتَقِلون عنها ولا
يَتَحَوَّلون .
وقولُه: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: خلودُهم فى الجناتِ التى وصَفها
هو النُّجْعُ العظيمُ الذى كانوا يَطْلُبونه بعدَ النجاةِ من عقابِ اللَّهِ ودخول الجنة خالدين
فيها .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا
نَقْنَيِسْ مِن نُّوِكُمْ قِيلَ آَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاِنْهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ
(١) ينظر معانى القرآن ١٣٢/٣.
٤٠٠
سورة الحديد : الآيتان ١٣، ١٤
يُنَادُونَهُمْ أَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُواْ بَى وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ
وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ
وَرَّتُمْ وَأَرْبَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَزَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ
١٤
٢٢٤/٢٧
/ [١٩٢٧/٢] يقولُ تعالى ذكرُه: هو الفوزُ العظيمُ فى يومٍ يقولُ المنافقون
والمنافقاتُ - و((اليومُ)) من صلةِ ((الفوزِ)) - للذين آمنوا باللّهِ ورسلِه : انظُرُونا.
واختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ أَنْظُرُونَا﴾؛ فقرَأْت ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ
والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿أَنْظُرُونَ﴾. موصولةً، بمعنى: انْتَظِرونا(١). وقرأته
عامةُ قرأةِ الكوفةِ : (أَنْظِرُونا). مقطوعةَ الألفِ من ((أَنظَرتُ))، بمعنى: أَخِرُونا(٢).
وذكَر الفراءُ أن العربَ تقولُ: أَنْظِرْنى. وهم يُرِيدون: انتظِرْنى قليلًا. وأنشَد فى
ذلك بيتَ عمرو بنٍ كُلثومٍ (٣) :
وأَنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا
أبا مِنْدٍ فلا تَعْجَلْ علينا
قال: فمعنى هذا: انتَظِرْنا قليلًا نُخْبِرْك؛ لأنه ليس هلهنا تأخيرٌ، إنما هو
استماعٌ كقولك للرجلِ: اسمَعُ(٤) منى حتى أُخْبِرَكَ(٥).
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندِى الوصلُ ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من كلامٍ
العرب، إذا أُريد به : انتظِرْنا . وليس للتأخيرِ فى هذا الموضع معنًى فيقالَ: أَنْظِرُونا .
يفتحِ الألفِ وهمزِها .
وقولُه: ﴿نَقْنِسْ مِن نُوْرِكُمْ﴾. يقولُ: نَسْتَصْبِخ من نورِكم. والقبَسُ:
الشُّعْلةُ .
(١) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم والكسائى. حجة القراءات ص ٦٩٩، ٧٠٠.
(٢) هى قراءة حمزة . المصدر السابق .
(٣) البيت فى شرح القصائد السبع الطوال ص ٣٨٧ .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((استمع)).
(٥) معانى القرآن للفراء ١٣٣/٣.