النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١
سورة القمر : الآيات ٢٦ - ٢٨
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندى ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماع الحُجَّةِ مِن
القرأةِ عليه .
وقولُه: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اُلْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ
لهم : ستَعْلَمون غدًا فى القيامةِ مَن الكذابُ الأُشِرُ؛ منكم معشرَ ثَمودَ ومِن رسولِنا
صالحٍ، حينَ تَرِدون على ربِّكم . وهذا التأويلُ على قراءةٍ من قرَأ قولَه : ( ستَعْلَمون )
بالتاءِ ، وهى قراءةُ عامةِ أهلِ الكوفةِ سوى عاصم والكِسائىِّ (١) . وأما تأويلُ ذلك على
قراءةٍ مَن قرَأَه بالياءِ - وهى قراءةُ عامةٍ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وعاصم والكِسائیِّ
- فإنه: قال اللهُ: سَيَعْلَمون غدًا من الكذَّابُ الأشِرُ. وتُرِك مِن الكلامِ ذكرُ: ((قال
اللهُ))؛ استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان ، قد قرَأ بكلٌ
واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لتقارُبِ [١٤٥/٤٧]
معنييهما ، وصحتِهما فى الإعرابِ والتأويلِ .
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ
٢٧
وَاصْطِرْ
٢٨
وَنَبِّثْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بََّهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره : إنا باعِثو الناقةِ التى سأَلَتها ثمودُ
صالحاً، من الهَضْبةِ التى سألوه بَعْثتَها لهم منها ، آيةً لهم، وحُجَّةً لصالح على حقيقةٍ
نبوته وصدقٍ قولِه .
وقولُه: ﴿فِئْنَةً لَّهُمْ﴾. يقولُ: ابتلاءً لهم واختبارًا ، هل يُؤْمنون باللهِ ويَتَّبِعون
(١) وبها قرأ ابن عامر وحمزة . النشر ٢٨٤/٢.
(٢) وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو الكسائى وأبو جعفر ويعقوب وخلف. المصدر السابق.
١٤٢
سورة القمر: الآيتان ٢٧، ٢٨
صالحًا، ويُصَدِّقونه بما دعاهم إليه (١)، مِن توحيدِ اللهِ ( إذا أرْسَل الناقةً، أم٢) يُكَذِّبونه
ويَكْفِرُون باللهِ ؟!
وقولُه: ﴿فَرْتَقِبْهُمْ﴾. يقولُ: قال اللهُ لصالح: إنا مُرْسِلو الناقةِ فتنةٌ لهم،
فانْتَظِرْهم، وتبَصَّرْ ما هم صانعوه بها، ﴿ وَأَصْطَيِرْ ﴾. يقولُ له: فاصبِرْ على
ارتقابِهم، فاصبِرْ على ارتِقائِهِم"، ولا تعجّلْ، وانتظِرْ ما يصنَعون بناقةِ اللهِ عز
وجل .
وقيل: ﴿ وَأَصْطَيْ﴾. وأصلُ الطاءِ تاءٌ، فجُعِلَت طاءً، وإنما هو (( افْتَعِلْ)) مِن
الصبرِ .
وقولُه: ﴿ وَنَبَِّهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بََّهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأخْبِرُهم
[٤٥/٤٧ ظ] أن الماءَ قسمةٌ بينَهم يومَ غِبِّ الناقةِ(٤). وذلك أنها كانت تَرِدُ الماءَ يومًا
وتَغِبُّ يومًا ، فقال جلَّ وعز لصالح: أخْبِرْ قومَك مِن ثمودَ أن الماءَ يومَ غِبِّ الناقةِ
قسمةٌ بينَهم. فكانوا يَقْتَسِمون ذلك يومَ غِيِّها، فَيَشْرَبون منه ذلك اليومَ،
ويَتَزَوَّدون فيه منه ليومٍ وُرودِها .
وقد وجَّه تأويلَ ذلك قومٌ إلى أن الماءَ قسمةٌ بينَهم وبينَ الناقةِ ؛ يومًا لهم ويومًا
لها، وأنه إنما قيل: ﴿بََّهُمْ﴾. والمعنى ما ذكَرْتُه عندَهم؛ لأن العربَ إذا أرادت الخبرَ
عن فعلِ جماعةٍ بنى آدمَ مُخْتَلِطًا بهم البهائمُ، جعَلوا الفعلَ خارجًا مخرجَ فعلِ
(١) فى الأصل: (( إلى الله)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((إذا أرسل الناقة آية)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) يوم غبها : اليوم الذى لا تشرب فيه . وينظر التاج (غ ب ب) .
١٤٣
سورة القمر : الآيات ٢٨ - ٣١
جماعةٍ (١) بنى آدمَ ، لتَغْليِهِم فعلَ بنى آدمَ على فعلِ البهائمِ.
١٠٢/٢٧
/وقولُه: ﴿كُلُّ شِرْبٍ تُخَضَرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: كلُّ شِرْبٍ (" مِن ماءِ يومَ )
غِبِّ الناقةِ، ومِن لبنٍ يومَ وُرودِها ، مُحْتَضَرٌ يَحْتَضِرُونه .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ تُخَضَرٌ﴾. قال: يَخْضُرونهم(٢) الماءَ إذا
غابت ، وإذا جاءت حضَروا اللبنَ .
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿ كُلُّ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ﴾. قال: يَحْضُرون هم (١) الماءَ إذا غبَّتْ، وإذا
جاءت حضَروا اللبنَ(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه عز وجل: ﴿[٤٦/٤٧ و] فَدَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَنَعَالطَى فَعَقَرَ
4
٢٩
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ ﴿٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَحِدَةُ فَكَانُواْ كَهَشِيِ الْمُحْتَظِرِ
۔
٣١
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: فنادَت ثمودُ صاحبَهم عاقِرَ الناقةِ
قُدارَ بنَ سالفَ ، لِعِقْرِ الناقةِ ؛ حضّا منهم له على ذلك .
وقولُه: ﴿فَتَعَالطَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فتَنَاوَل الناقةَ بيدِه، فعقَرها .
وقولُه: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابٍ وَنُذُرٍ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لقريش: فكيفَ كان
عذابى إياهم معشر قريشٍ حينَ عذَّبْتُهم ، ألم أُهْلِكْهم بالرّجْفةِ؟ ﴿ وَنُذُرٍ ﴾. يقولُ
(١) فى الأصل: ((كالخبر عن)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((يوما بيوم)).
(٣) فى م: ((يحضرون بهم)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٦٣٥، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣٢٧/٤ -، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٣٥/٦ إلى عبد بن حميد .
١٤٤
سورة القمر : الآيات ٢٩ - ٣١
تعالى ذكره: وكيف كان إنذارى مَن أَنْذَرْتُ مِن الأمم بعدَهم، بما فَعَلْتُ بهم
وأُخْلَلْتُ بهم مِن العقويةِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَنَعَاطَى فَعَقَرَ ﴾. قال: تَناوَلها بيدِه، ﴿فَكَيْفَ كَانَّ
عَذَابِى وَنُذُرٍ ﴾. قال: يقال: إنه ولدُ زِنْيةٍ. فهو مِن التسعةِ الذين كانوا يُفْسِدون فى
الأرضِ ولا يُصْلِحون، وهم الذين قالوا لصالح: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]
فَتَقْتُلُهم(١) .
وقولُه: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَجِدَةً﴾.١ يقول تعالى ذكرُه: إنا [٤٦/٤٧ظ]
بعَثنا على ثمودَ صيحةٌ واحدةٌ . وقد بيَّنا فيما مضَى أَمرَ الصيحةِ، وكيف أتَتْهم ،
(٣)
وذكَّرنا ما رُوِى فى ذلك مِن الآثارِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِهِ فى هذا الموضعِ .
وقولُه: ﴿ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ الْمُحْنَظِرِ ﴾ . يقول تعالى ذكره : فکانوا بهلا کِھم
بالصيحةِ بعدَ غضارتِهِمْ() أحياءً، وحُسْنِهم قبلَ بَوارِهم، كيَبِيسٍ (٥) الشجرِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم مقتصرًا على شطره الأول
بلفظ: فتعاطى قال : تناول . وينظر ما تقدم فى ٩٠/١٨ .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٠٢/١٠، ٣٠٣ ٠
(٤) فى م: ((نضارتهم))، وفى ت١، ت٢، ت٣: ((عصارتهم)). والغضارة: النعمة والخير والشّعة فى
العيش والخصب والبهجة . وغضارة العيش : طِيئُه ونَضرته . التاج (غ ض ر) .
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((كيبس)).
١٤٥
سورة القمر : الآية ٣١
الذى « حَظَرَه مُحْظِرُ حَظِيرِه(٢)، بعدَ حسنٍ نباتِهِ، وخضْرةِ ورقِه قبلَ يُبْسِه .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِرِ﴾؛ فقال
بعضُهم : عُنِى بذلك العظامُ المحترقةُ . وكأنهم وتجهوا معناه إلى أنه مثَّل هؤلاء القومَ
بعدَ هلاكِهم وبِلَاهُم بالشىءِ الذى أحْرَقه مُخْرِقٌ فى حَظیرتِه .
/ذكرُ مَن قال ذلك
١٠٣/٢٧
حدَّثنى سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ ، قال: ثنا أبو
كُدَيْنَةَ، قال: ثنا قابوسُ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِرِ﴾. قال:
كالعظامِ المحترقة (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿فَكَانُواْ كَهَشِيْمِ الْمُخْتَظِرِ﴾. قال: المُخْتَرِقِ.
ولا بيانَ عندَنا فى هذا الخبرِ عن ابنِ عباسٍ كيف كانت قراءتُه ذلك، إلا أنا
وجَّهْنا معنى قولِه هذا على النحوِ الذى جاءنا مِن تأويله قولَه: ﴿كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِرِ﴾
إلى (٣) أنه كان يَقْرَأُ ذلك كنحوٍ قراءةِ الأمصارِ، وقد يَحْتَمِلُ تأويلُه ذلك كذلك، أن
يكونَ قراءتُه كانت بفتح الظاءِ من (المحتظَرِ) على أن المُحْتَظَرَ نعتٌّ [٤٧/٤٧ ١]
لـ((الهشِيم))، ثم أَضِيف إلى نعتِه، كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ أَلْقِيْنِ﴾ [ الواقعة: ٩٥]،
(٤) كما قيل: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]. والمعنى: وللدارُ الآخرةُ، ولهو
الحقُّ اليقينُ).
(١ - ١) فى ص، ت١: ((حصرته محصر حصيرته))، وفى م: ((حظرته بحظير حظرته))، وفى ت٢، ت ٣:
(( حظرته فحظير حظيرته )).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٦ إلى المصنف وابن المنذر .
(٣) فى الأصل، ت٣: ((إلا)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
( تفسير الطبرى ١٠/٢٢ )
١٤٦
سورة القمر : الآية ٣١
وقد ذُكِر عن الحسن وقتادةَ أنهما كانا يَقْرآن ذلك كذلك (١)، ويَتَأَؤَّلَانه هذا
التأويل الذی ذکرناه عن ابنِ عباسٍ .
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، قال: ثنى أبى(٢)،
" قال: ثنى أبى٣)، عن الحسين(٤)، قال: كان قتادةُ يَقْرَأَ: (كهشيم المُخْتظَرِ).
يقولُ : المُخْتَرقِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (فكانوا(٥)
كهشيم المُحتظَرِ). يقولُ: كهشیمٍ مُخْتَرقٍ .
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك الترابُ الذى يَتَنَاثَرُ مِن الحائطِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا مِهْرانُ، عن يعقوبَ ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ: ﴿كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِرِ﴾. قال: الترابُ الذى يَتَناثَرُ مِن الحائطِ (٦).
وقال آخرون : بل هو حَظيرةُ الراعى للغنمِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ ، عن سفيانَ ، عن أبى إسحاقَ وأُسْنَده،
(١) وبها قرأ أبو العالية وأبو حيوة وأبو السمال وأبورجاء. ينظر تفسير القرطبى ١٤٢/١٧، والبحر المحيط ١٨١/٨.
(٢) بعده فى الأصل: ((بن عبد الوارث)). وينظر ما تقدم فى ٥٤٦/٩ .
(٣ - ٣) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الحسن)).
(٥) ليس فى الأصل، وفى م: (( فكأنه )) .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد، وقال ابن كثير فى تفسيره ٤٥٥/٧:
هذا قول غريب .
١٤٧
سورة القمر : الآية ٣١
قال: ﴿الْمُخْتَظِرِ ﴾ : حظيرةُ الراعى للغنمِ .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ قولَه: ﴿كَهَشِيرِ الْمُحْتَظِرِ ﴾: المُحْتَظِرُ ، الحظيرةُ تُتَّخَذُ للغنم
فَتَيْبَسُ، فَتَصِيرُ (١ هشيمًا(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال : : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه" :
كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِرِ﴾. قال: هذا [٤٧/٤٧ ظ] الشوكُ الذى تَحْظُرُ به العربُ حولَ
مَواشِيها مِن السّباعِ، والهشيمُ: يابسُ الشجرِ الذى فيه شوكٌ، ذلك الهشيمُ(١).
وقال آخرون : بل عُنِى به هَشيمُ الخَيْمةِ ، وهو ما تَكَسَّر مِن خشبِها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابن
أبى نجيح٢، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿كَهَشِيرِ الْمُحْتَظِرِ﴾. قال: الرجلُ يَهْشِمُ
الخَيْمةَ .
/حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، ١٠٤/٢٧
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِرِ﴾. " قال: كهشيم" الخَيْمةِ .
وقال آخرون : بل هو الورقُ الذى يَتَنَاثَرُ مِن خشبِ الحطبِ .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٤٥٣/٩.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٤٢/١٧، وابن كثير فى تفسيره ٤٥٥/٧ .
(٤ - ٤) فى م: (( الهشيم)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٦ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد.
١٤٨
سورة القمر : الآيات ٣١ - ٣٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿ كَهَشِيمِ﴾. قال:
الهَشيمُ، إذا ضرَبْتَ الحَظيرةَ بالعصا تهَشَّم ذاك الورقُ فِيَشْقُطُ (١).
والعربُ تُسَمِّى كلَّ شيءٍ كان رطبًا فيِس هشيمًا .
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُوْءَانَ لِلِذِكْرِ [٤٨/٤٧ و] فَهَلْ مِن
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِلَتُّذُرِ ﴿٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَّهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ نَتَهُمْ بِسَخَرٍ
٣٢
مُتَّکِرِ
٣٤
٣٥
نِعْمَةُ مِنْ عِندِنَاْ كَذَلِكَ تَجْزِى مَن شَكَرَ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَقَدْ يَتَّرْنَا الْقُرْءَانَ﴾: هوَّنَّا
القرآنَ بتبيينِناه، ﴿ لِلذَّكْرِ﴾. يقولُ: لمن أراد أن يَتَذَكَّرَ به فيَتَّعِظَ، ﴿فَهَلْ مِن
تُذَّكِرٍ﴾. يقولُ: فهل مِن مُتَّعِظٍ به ومُعْتَرٍ يَعْتَبِرُ به، فیَرْتَدِعَ عما يَكْرَهُه اللهُ منه .
وقولُه: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ﴾. يقولُ تعالى ذكره: كذَّبَت قومُ لوطٍ
بآياتِ اللهِ التى أَنْذَرَهم وذكّرهم بها .
وقولُه : ﴿ إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أرْسَلْنا عليهم حجارةً .
وقولُه: ﴿ إِلََّ ءَالَ لُوطٍ ◌ََّيْتَهُم بِسَخَرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكره: غيرَ آلٍ لوطٍ
الذين صدَّقوه واتَّبَعوه على دينِه، فإنا نجيْناهم مِن العذابِ الذى عذَّبْنا به قومَه الذين
كذَّبوه، والحاصبِ الذى حصَتْناهم به - بسَحَرٍ، ﴿ نِعْمَةُ مِّنْ عِندِنَاً﴾. يقولُ :
نعمةٌ أَنْعَمْناها على لوطٍ وآلِهِ ، وكرامةٌ أَكْرَمْناهم بها مِن عندِنا .
وقولُه: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾. يقولُ: كما أثَبْنا لوطًا وَآلَه، وَأَنْعَمْنا
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٤٢/١٧.
١٤٩
سورة القمر : الآيات ٣٥ - ٣٧
عليه، فأنجيْناهم مِن عذابِنا بطاعتِهِم إيانا ، كذلك نُثِبُ مَن شكَرَنا على نعمتِنا
عليه، فأطاعَنا وانْتَهَى إلى أمرِنا ونهيِنا، مِن جميعٍ خلقِنا .
وأُجْرِىَ قولُه ﴿بِسَحَرٍ﴾؛ لأنه نكرةٌ(١) . وإذا قالوا: فعَلْتُ هذا سحَرَ. بغيرِ
باءٍ، لم يُجْرُوه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿ [٤٨/٤٧ظ] وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْأ
يِالنُّذُرِ
(٣٧
وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَآ أَعَيُّنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ
٣٦
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره: ولقد أَنْذَر لوطٌّ قومَه بطشتنا بهم
التى بطَشْناها قبلَ ذلك، ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ﴾. يقولُ: فكذَّبوا بإنذارِه ما أَنْذَرهم
مِن ذلك؛ شكًا منهم فيه .
وقولُه: ﴿فَتَمَارَوْ﴾ . تَفاعَلوا، مِن المِزْيَةِ.
/وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
١٠٥/٢٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَتَمَارَوْأ
بِالنُّدُرِ ﴾: لم يُصَدِّقوه (٢) .
وقولُه: ﴿ وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ،﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولقد راوَد لوطًا (٣)
قومُه عن ضيفِه الذين نزَلوا به، حينَ أراد اللَّهُ إهلاكَهم؛ ليُخَلِّيَهم وفعلَ ما كانوا
يفعلون بَمَن دخَل قريتهم مِن الذُّكرانِ)، ﴿فَطَمَسْنَا أَيُّبَهُمْ﴾. يقولُ: فطمَشْنا
(١) الإجراء : الصرف . وينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ٩٨ .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٥٩/٢ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٦
إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) فى الأصل: ((لوط)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
١٥٠
سورة القمر : الآية ٣٧
على أعينهم، حتى صيَّرْناها كسائرِ الوجهِ، لا تَرَى لها شَقًّا شُقَّ، فلم يُنْصِروا
ضيفَه . والعربُ تقولُ: قد طمَسَت الريحُ الأعلامَ. إذا دفئَتْها بما تُشْفِى عليها مِن
الترابِ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيْرٍ() :
[٤٩/٤٧ و] مِن كلِّ نَضَّاخِ الذِّفْرَى إِذا عِرِقَتْ()
عُرْضَتُها طامسُ الأعلام مجهولُ
يعنى بقولِه: طامِسُ الأَعْلامِ: مُنْدَفِنُ الأعلامِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾. قال:
عمَّى اللَّهُ عليهم الملائكةَ حينَ دخَلوا على لوطٍ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن
ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ : وذُكِر لنا أن جبريل عليه السلام استأذن ربّه عز وجل فى
عقوبتِهم ليلةَ أَتَوْا لوطًا، وأنهم عالَجَوا البابَ ليَدْخُلوا عليه، فصفَقهم بجناحِه،
وترَكَهم عُمْيًا يَتَرَدَّدون(٤) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ عز وجل :
وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾. قال: هؤلاء قوم لوطٍ حينَ راوَدُوهُ(١)
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) تقدم فى ٤/ ١١.
(٣) فى م: ((اعترقت)).
(٤) تمام الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة، وينظر ما تقدم فى ٥١٧/١٢ - ٥١٩ .
(٥) فى الأصل، ت٣: ((أرادوه )).
١٥١
سورة القمر : الآية ٣٧
عن ضيفِه، طمَس اللَّهُ أَعينَهم، فكان يَنْهاهم عن عملِهِم الخبيثِ الذى كانوا يَعْمَلون ،
فقالوا له : إنا لا نَتْرُكُ عملَنا، فإياك أن تُنْزِلَ أحدًا أو تُضِيفَه، أو تَدَعَه يَنْزِلُ عليك ، فإنا
لا " تَدَعُه بَّة١ً)، ولا نَتْوِكُ عملَنا. قال: فلما جاءه المُرْسَلون، خَرَجَت امرأتُه الشقيَّةُ مِن
الشَّقٌّ ، فأتَتَّهم فدعَتْهم ، وقالت لهم: تعالَوْا، فإنه قد جاء قومٌ لم أَرَ قومًا [٤٧ /٤٩ ظ] قطُّ
أحسنَ وجوهًا ، ولا أحسنَ ثيابًا، ولا أطيبَ أرواحًا منهم. قال: فجاءوه يُهْرَعون إليه،
فقال: إن هؤلاء ضيفى ، فاتَّقوا اللَّهَ ولا تُخْزونى فى ضيفى. قالوا: أوَ لم نَنْهَكَ عن
العالمين؟ أليس قد تقدَّمْنا إليك وأعْذَرْنا فيما بيننا وبينَك؟ قال: هؤلاء بناتى هنَّ أطهرُ
لكم . فقال له جبريلُ عليه السلامُ: ما يَهُولُك مِن هؤلاء؟ قال: أَمَا تَرَى ما يُرِيدون؟
فقال: إنا رُسُلُ ربِّك، لن يَصِلُوا إليك، لا تَخفْ ولا تَحْزَنْ، إنا مُتَجُوك وأهلَك إلا
امرأتك، لتَصْنَعَنَّ هذا / الأمرَ سرًا (٢)، وليكونَنَّ فيه بلاءٌ. قال: فنشَر جبريلُ عليه ١٠٦/٢٧
السلامُ جناحًا مِن أجنحتِه، فاخْتَلَس به أبصارَهم، فطمَس أعينَهم ، فجعَلوا يَجولُ(٣)
بعضُهم فى بعضٍ ، فذلك قولُ اللهِ عز وجل: ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيَُّهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرٍ﴾ .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَلَقَدْ رَوَدُوُهُ عَن ضَيْفِهِ،﴾: جاءت الملائكةُ فى صُوَرِ
الرجالِ ، وكذلك كانت تَجِىءُ، فرآهم قومُ لوطِ حينَ دخَلوا القريةَ. وقيل لهم ):
نزَلوا بلوطٍ . فَأَقْبَلوا يُرِيدُونهم، فتلَقَّاهم لوطٌ يُناشِدُهم اللَّهَ أَلَّا يُخْزُوه فى ضيفِه،
(١ - ١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((نتركه)).
(٢) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((شرا)).
(٣) فى الأصل، ص: ((يحول))، وفى ت ٢: ((يجور)). قال ابن الأثير: يقال: جال واجتال: إذا ذهب
وجاء، ومنه الجولان فى الحرب، واجتال الشىءَ إذا ذهب به وساقه . والجائل: الزائل عن مكانه . ورُويَ بالحاء
المهملة ، والمشهور بالجيم. النهاية ٣١٧/١، ٤٦٣.
(٤) فى م: ((إنهم)).
(٥) فى الأصل، ص، ت١: ((أن)).
:
١٥٢
سورة القمر : الآيات ٣٧ - ٤٠
فأبَوْا عليه، وجاءوا إليه (١) لِيَدْخُلوا عليهم(٢) ، فقالت الرسلُ للوطِ: خَلِّ بينَهم وبينَ
الدخولِ ، فإنا رسلُ ربِّك، لن يَصِلُوا إليك. فدخَلوا البيتَ، وطمَس اللَّهُ على
أبصارِهم، فلم يَرَوْهم. وقالوا: قد رأيناهم حينَ دخَلوا [٥٠/٤٧و] البيتَ، فأين
ذهبوا؟ فلم يَرَؤهم ورجَعوا(٣) .
وقولُه: ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرٍ ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فَذُوقوا معشرَ قوم لوطٍ
مِن سَدُومَ (٤) عذابى الذى حَلَّ بكم ، وإنذارى الذى أَنْذَرْتُ به غيرَ كم مِن الأمم ، مِن
الثَّكالِ والمَثُلاتِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بَّكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ
وَلَقَدْ يَتَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ
٣٩
فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ
٣٨
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد صُبِّح قومُ(٥) لوطِ بُكْرةً.
ذُكِر أن ذلك كان عندَ طلوعِ الفجرِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿بَّكْرَةً﴾. قال: عندَ طلوع
الفجرِ .
وقولُه: ﴿عَذَابٌ﴾. وذلك قلبُ الأرضِ بهم، وتصييرُ أعلاها أسفلَها بهم،
ثم إتباعُهم بحجارةٍ مِن سِجِيلٍ مَنْضودٍ .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بَكْرَةً
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((عليه).
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٤٥٥/٩ بنحوه مختصرا .
(٤) فى م: (( سذوم ))،
(٥) فى الأصل: (( قرية)).
٠
١٥٣
سورة القمر : الآيات ٣٨ - ٤٠
عَذَابٌ﴾. قال : حجارةٌ رُمُوا بها .
وقولُه: ﴿ مُسْتَقِرٌ﴾. يقولُ : اسْتَقَرَّ ذلك العذابُ فيهم إلى يومِ القيامةِ،
حتى يُوافُوا عذابَ اللَّهِ الأليمَ (١) الأكبرَ فى جهنمَ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
[٠/٤٧ ٥ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بَكْرَةً
عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ﴾. يقولُ: صبَّحهم عذابٌ مستقرّ، اسْتَقَرَّ بهم إلى نارٍ جهنمَ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ
صَبَّحَهُم بَكْرَةً ﴾ الآية. قال: ثم صبَّحَهم بعدَ هذا. يعنى: بعدَ أن طمَس اللَّهُ
أعينَهم، فهم فى ذلك العذابِ إلى يومٍ / القيامةِ. قال: وكلُّ قومِه كانوا كذلك، ألا ١٠٧/٢٧
تَسْمَعُ قولَه حينَ يقولُ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]؟.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿ مُسْتَقِرٌ﴾: اسْتَقَرَّ.
وقولُه: ﴿فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُذُرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهم: فَذُوقوا معشرَ قومٍ
لوطٍ عذابى الذى أخْلَلْتُه بكم؛ بكفرٍ كم باللّهِ وتكذيبِكم رسولَه، وإنذارى بكم الأممَ
سِواكم، بما أنْزَلْتُه بكم مِن العقابِ .
وقولُه: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذَّكْرِ فَهَلّ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد
سهَّلْنا القرآنَ للذكرِ ، لمن أراد التذكرَ به ، فهل من مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ به ، فيَتْزَجِرَ به عما
نهاه اللَّهُ عنه، إلى ما أمَرَه به واَذِن له فيه .
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) تمام الأثر المتقدم فى ص ١٤٩.
١٥٤
سورة القمر : الآيات ٤١ - ٤٥
كَذَّبُواْ بِثَايَقِنَا
٤١
(١ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَّءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
٤٢
كُلِهَا فَخَذْنَهُ أَخْذَ عَزٍ مُّقْنَدِرٍ
يقولُ تعالى ذكرُه : ولقد جاء تباعَ فرعونَ وقومَه إنذارُنا بالعقوبةِ ، بكفرهم بنا
وبرسولِنا موسى عَ لَّهِ، ﴿ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا كُلِّهَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: كذَّب آلُ فرعونَ
بأدلتِنا التى جاءَتهم مِن عندِنا ، وحُجَجِنا التى أتَتَّهم بأنه لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه، كلِّها،
﴿ فَأَخَذْنَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْنَدِرٍ ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : فعاقَبناهم بكفرِهم باللّهِ عقوبةً
شديدٍ لا يُغْلَبُ، مقتدرٍ على ما يَشاءُ، غيرِ عاجزٍ ولا ضعيفٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَخَذْنَهُ أَخْذَ
عَزِيزٍ مُّقْنَدِرٍ﴾. يقولُ: عزيزٍ فى نقمتِه إذا انْتَقَم ((١).
القولُ فى تأويل قوله عزَّ وجلّ: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَبِكُمْ أَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُلُونَ
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ [٥١/٤٧و] مُنْتَصِرٌ
٤٤
٤٥
٤٣
الدُّبُرَ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكره: أكفّارُ(٢) قريشِ الذين أخْبَر اللَّهُ
عنهم أنهم ﴿ إِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمٌِّ﴾ [القمر: ٢]: أكفارُكم
معشرَ قريشٍ خيرٌ مِن أولئكم الذين أحْلَلْتُ بهم نِقْمتى من قومِ نوح وعاد وثمودَ وقومٍ
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢) تقدم أوله فى ص١٤٩ .
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((لكفار)).
١٥٥
سورة القمر : الآية ٤٣
لوطٍ "وآلٍ فرعون١َ)، فهم بذلك يَأْمُلون أن يَنْجُوا من " عِقابى ونِقْمتى" على
كفرِهم بى وتكذييهم رسولى. يقولُ: إنما أنتم فى كفرٍكم باللّهِ وتكذيِكم
رسولى(٢)، كبعضٍ هذه الأمم التى وصَفْتُ لكم أمرّهم، وعقوبةُ اللَّهِ (" بكم نازلةٌ"
على كفرٍكم به، كالذى نزَل بهم إن لم "تَتُوبوا وتُنِيبوا).
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَكُفَّارُ كُمْ
خَّرٌ مِّنْ أُوْلَيْكُمْ﴾. أى: ممن مضَى(٢).
/حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ ١٠٨/٢٧
النحوىِّ، عن عكرمةَ: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَّرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾. يقولُ: أكفارُكم يا معشرَ
قريشٍ خيرٌ مِن أولئكم الذين مضَوْا().
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَكُفَّارُكُمْ
خَّرٌ مِّنْ أُوْلَّكُمْ﴾. قال: أكفارُكم خيرٌ مِن الكفارِ الذين عذَّبْناهم على مَعاصى اللَّهِ ؛
أهؤلاء الكفارُ خيرٌ مِن أولئك؟! وقال: ﴿أَكُفَّارُ كُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾: أَسْتَبْقَاهَا(١)؟
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عذابى ونقمى)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((رسوله)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((لكم فأنزله )).
(٥ - ٥) فى الأصل: (( يتوبوا وينيبوا)).
(٦) تقدم أوله فى ص ١٤٩.
(٧) فى النسخ: ((الحسن)). وهو الحسين بن واقد. تقدم فى ٢٩٦/٢، ٤٦٣.
(٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٦ إلى المصنف .
(٩) فى ص: ((استنقاها))، وفى م: ((استنفاها))، وفى ت ٢، ت ٣: ((استفهاما)). واستبقاها: صَفَح عن
زَلَلِها . ينظر الوسيط (ب ق ی).
١٥٦
سورة القمر : الآيتان ٤٣، ٤٤
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَكُفَّارُكُمْ [٥١/٤٧ظ] خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ
الزّيرِ﴾. يقولُ: ليس كفارُكم خيرًا مِن قومٍ نوحٍ وقوم لوطٍ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا مِهْرانُ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ :
أَكُفَّارُ كُمْ خَبِرٌ مِّنْ أُوْلَبِّكُمْ﴾. قال: أكفارُ هذه الأمةِ(١).
وقولُه: ﴿أَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم لكم براءةٌ مِن
عقابِ اللَّهِ معشرَ قريشٍ، أن يُصِيبَكم بكفرٍكم بما جاءكم من ١ الوَخْىِ مِن اللَّهِ،
﴿ في الزُبرِ ﴾ وهی الکتبُ .
كما حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ("حدَّثنا عبيد٣ٌ)،
قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿فِ الزُّبْرِ﴾. يقولُ: فى الكتبِ().
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ أَ لَكُ
بَرَاءَةٌ فِ الزُّبْرِ﴾ ( يقولُ: فى الكُتُبِْ)، فى كتابِ اللَّهِ براءةٌ مما تَخافُون(٩).
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا یحیی بنُ واضح، قال : ثنا الحسینُ ، عن یزیدَ ، عن
عكرمةَ: ﴿أَّ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ ﴾. يعنى: فى الكتبِ(٦).
وقولُه : ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنَصِرٌ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيقولُ هؤلاء
الكفارُ مِن قريش : نحن جميعٌ منتصرٌ ممن قصَدَنا ( بسوء ومكروه ، وأراد حربنا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((به).
(٣ - ٣) فى م: ((أخبرنا أبو عبيد)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٦ إلى المصنف .
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت ٣.
(٦) ينظر البحر المحيط ٨/ ١٨٢.
(٧ - ٧) فى الأصل: ((بشر ومكر)).
١٥٧
سورة القمر : الآية ٤٥
وتفريقَ جمعِنا. فقال اللَّهُ عز وجل: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ﴾. يعنى: جمعُ كفارٍ قريشٍ،
وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ﴾. يقولُ: وَيُؤَلُّون أدبارَهم المؤمنين باللّهِ، عندَ انهزامِهم عنهم.
وقيل: ﴿الذُّبُرَ﴾ فوَد، والمرادُ به الجمعُ، كما يقالُ: ضرَبْنا منهم
الرءوسَ. و: ضرَبْنا منهم الرأسَ). إذا كان الواحدُ يُؤَدِّى عن معنى [٥٢/٤٧ ]
جميعِه(١) . ثم إن اللَّهَ عز وجل صدَق وعدَه المؤمنين به، فهزَم جمعَ المشركين به مِن
قريشٍ يومَ بدرٍ ، وولَّوهم الدبرَ .
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ، قال :
لا أَعْلَمُه إلا عن عكرمةَ، (أن عمرَ" قال: لما نزَلَت: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ جعَلْتُ
أقولُ) : أىُّ جمعِ يُهْزَمُ؟ فلما كان يومُ بدرٍ رَأَيْتُ النبىَّ عَِّ بَيْبُ فى الدِّرعِ وهو
يقولُ: ((﴿سَيُهْزَمُ اْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ﴾))(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ واضح، قال: حدَّثنا الحسينُ، عن
يزيدَ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾. يعنى: جمعُ بدرٍ، ﴿وَبُوَلُونَ الْذُّبْرَ﴾.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الذُّبُرَ﴾. قال : يومَ بدرٍ .
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ سَيُهْزَمُ ١٠٩/٢٧
١
(١ - ١) فى م: ((شربنا منهم الرأس: أى ضربنا منهم الرءوس)).
(٢) فى م: ((جمعه)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((رحمه الله)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((قلت أين)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٥٩/٢ - ومن طريقه ابن راهويه - كما فى المطالب العالية (٤١٢٧)،
وابن مردويه - كما فى تخريجه الكشاف للزيلعى ٣/ ٣٩١ - عن معمر به وأخرجه ابن سعد ٢٤/٤، ٢٥، وابن
أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٤٥٧/٧ - من طريق أيوب به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٧/٦ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
١٥٨
سورة القمر : الآيات ٤٥ - ٤٩
الْجَمْعُ﴾ الآية: ذُكِر لنا أن نبَّ اللّهِ عَ ظِّهِ قال يومَ بدرٍ: ((هُزِموا ووَلَّوْا الدبرَ))(١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿سَيُهْزَمُ
الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الذُّبْرَ﴾. قال : هذا يومُ بدٍ .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، [٥٢/٤٧ظ] قال: ثنا ابنُ عليةً ، قال: ثنا أيوبُ ، عن
عكرمةَ، أن رسولَ اللَّهِ وَلَهِ كان يَتِبُ فى الدِّرْعِ ( يومَ بدرٍ) ويقولُ: ((هُزِمِ الجمعُ،
وولَّؤا الدُّبُرَ))(٣).
حدَّثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود ، (٢عن علىّ
ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُولُونَ الدُّبُرَ﴾:
قد مضى ، کان یوم بدٍ .
حدَّثنا محمدُ بنُّ المثنى ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حذَّثنا داودُ" ، عن علىّ
ابنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى هذه الآية: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ﴾ .
قال : كان ذلك يومَ بدرٍ. قال: قالوا: نحن جميعً منتصرٌ. قال: فنزَلَت هذه الآيةُ(٥).
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرٌ
٤٦
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَ
٤٧
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ
٤٩
سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكره: ما الأمر كما يَزْعُمُ هؤلاء
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٧/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٥٧/١٤ عن ابن علية به .
(٤) تقدم تخريجه فى ٩٤/١٧ .
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٣٥٧/١٤ من طريق داود به، وينظر ما تقدم فى ٩٤/١٧ .
١٥٩
سورة القمر : الآيات ٤٦ - ٤٨
المشركون مِن أنهم لا يُتْعَثون بعدَ مَماتِهم، بل الساعةُ نعِدُهم للبعثِ والعقابِ ،
والساعةُ أُدْهَى وأمَرُّ عليهم مِن الهزيمةِ [٥٣/٤٧و] التى يُهْزَمونها عندَ التقائِهم مع
المؤمنين ببدر .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن عمرٍو بنٍ مرةً ، عن شهرِ بنِ
حَوْشَبٍ ، قال: إِنْ هذه الأمةُ بهلاك٢ٍ)، إَّمَا مَوْعِدُهُمُ السَّاعَةُ. ثم قرأ: ﴿أَكُفَّارُكُمْ
خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَّكُمْ ﴾ إلى قولِهِ: ﴿ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ .
وقولُه: ﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾ . يقول تعالى ذكرُه : إن المجرمين
فى ذهابٍ عن الحقِّ، وأخْذٍ على غيرِ هُدًى، ﴿وَسُعُرٍ ﴾ . يقولُ: فى اخْتراقٍ مِن
شدةِ العَناءِ والنَّصَبِ فى الباطلِ .
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمر ، عن قتادةَ فی قولِه :
﴿فِ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. قال: فى عَناءٍ() .
وقولُه: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ
يُسْحَبُ هؤلاء المجرمون فى النارِ على وجوهِهم .
وقد تأَوَّل بعضُهم قولَه: ﴿فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: إلى النارِ. وذُكِر أن ذلك
فى قراءةِ عبدِ اللهِ : ( يومَ يُشْحَبون إلى النارِ على وجوههم).
(٤)
/وقولُه: ﴿ ذُوقُواْ مَسََّ سَقَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يُشْحَبون فى النارِ على ١١٠/٢٧
وجوهِهم، يقالُ لهم: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. وترَك ذكرَ ((يقالُ لهم)) استغناءً بدَلالةٍ
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((موعدهم)).
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١: ((إن هذه الآية نزلت بهلاك))، وفى ت ٢، ت ٣: ((إن هذا الآية نزلت لهلاك))،
و(الباء) فى ((بهلاك)) بمعنى (إلى) أى: ليست هذه الأمة إلى هلاك. وينظر مغني اللبيب ص ٩٨.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٢٦٠، ٢٦١ عن معمر به .
(٤) ينظر معانى القرآن للفراء ٣/ ١١٠، والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .
١٦٠
سورة القمر : الآيتان ٤٨، ٤٩
الكلامِ عليه مِن ذکرِه .
فإن قال قائلٌ: وكيف (١ يُذاقُ مَشُ سَقَرَ، أَوَ لَه طعمٌ فيُذاقَ(١)؟ فإن ذلك
مختلَفٌ فيه ؛ فقال بعضُهم : قيل ذلك كذلك على مجازِ الكلامِ، كما يقالُ : كيف
وجَدْتَ طعمَ الضربِ؟ وهو مجازٌ. وقال آخرون: ذلك كما يقالُ: وجَدْتُ مسَّ الحُفَّى.
[٥٣/٤٧ظ] يُرادُ به أولُ ما نالنى منها، وكذلك يقالُ: وجَدْتُ طعمَ عفوك(١) ..
وأما (سَقَرُ)) فإنها اسمُ بابٍ مِن أبوابٍ جهنمَ ، وتُّرِك إجراؤها لأنها اسمٌ لمؤنثٍ
معرفةٍ .
وقولُه: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَفْتَهُ بِقَدَرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكره : إنا خلَقْنا كلَّ شىءٍ
بمقدارٍ قدَّرْناه وقضَيْناه . وفى هذا بيانٌ أن اللَّهَ عزّ وجل توعّد هؤلاء المجرمين على
تكذيِهم بالقَدَرِ(٣) مع كفرِهم به (٤) .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : ثنا هشامُ بنُ سعدٍ ، عن أبى
ثابتٍ ، عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ ، عن أبيه، عن ابنِ عباس أنه كان يقولُ : إنى أَجِدُ فى
كتابِ اللهِ جل وعز قومًا يُشْحَبون فى النارِ على وجوهِهم، يقالُ لهم: ﴿ ذُوقُواْ مَسََّ
سَقَرَ﴾. لأنهم كانوا يُكَذِّبون بالقَدَرِ ، وإنى لا أراهم، فلا أدْرِى أشىءٌ كان قبلَنا ،
أم شىءٌ فيما بقِى (٥) ؟
(١ - ١) فى الأصل: ((يذاقوا مس سقر ولا طعم فيذاقوا)).
(٢) بعده فى الأصل: ((اسرارها)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((فى القدر)).
(٤) سقط من : الأصل .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٨/٦ إلى المصنف .