النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
سورة الحجرات : الآية ٢
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن
عكرمةَ، قال: لمَّ نزَلت: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾
الآية . قال ثابتُ بنُ قيسٍ: فأنا كُنتُ أَرفَعُ صَوتى فوقَ صوتِ النبيِّ عّلّه وأجْهَرُ له
بالقولِ ، فأنا من أهلِ النارِ. فقعَد فى بيتِه، فتفقَّده رسولُ اللَّهِ يَّامٍ، ( وسأل عنه١)،
فقال رجلٌ: إنه لجَارِى، ولئن شِئتَ لأَعْلَمَنَّ لك عِلْمَه. فقال: ((نعم)). فأتاه فقال:
إن رسولَ اللَّهِ مْ لَهِ قد تفقَّدك وسأل عنك. فقال: نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿ بَّأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ الآية. وأنا كُنتُ أُرفَعُ صَوْتِى فوقَ
صوتِ رسولِ اللهِ وَّهِ وَأَجْهَرُ له بالقولِ، فأنا من أهلِ النارِ. فرجع إلى رسولِ
اللَّهِ مَلِ فَأَخْبَرِه، فقال: ((بلْ هوَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ)). فلما كان يومُ اليمامةِ انهزَم
الناسُ، فقال: أفٌّ لهؤلاء وما يعبدون، وأفِّ لهؤلاء وما يصنَعون، يا معشرَ
الأنصارِ ، خَلُّوا لى [٥/٤٦و] بشىءٍ لِعَلِّى أصْلَى بحرِّها ساعةٌ . قال : ورجلٌ قائمٌ على
ثُلْمَةٍ ، فقَتَله(٢) وَقُتِل(٣) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن مَعمرٍ ، عن الزُّهرىِّ، أن ثابتَ ابنَ
قيسٍ بِنِ شَمَّاشٍ، قال: لما نزَلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتٍ
النَّبِ﴾. قال: يا نبيَّ اللَّهِ ، لقد خَشِيتُ أن أكونَ قد هَلَكتُ، نهانا اللَّهُ أن نرفَعَ
أصواتَنا فوقَ صوتِك، وإِنِّى امرؤٌ جَهِيرَ الصوتِ، ونهَى اللَّهُ المرءَ أن يحبَّ أن يُحمَدَ
بما لم يفعَلْ فأجِدُنى أُحِبُّ الحمدَ(٤)، ونَهَى اللَّهُ عن الخُلاءِ وأَجِدُنى أُحبُ الجمالَ.
قال: فقال النبىُّ عَ لَه: ((يا ثابتٌ، أما تَرْضَى أَنْ تعيشَ حميدًا، وتُقتَلَ شَهِيدًا،
(١ - ١) سقط من: الأصل، وفى ص: ((وسأل عنده)) .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((فقتل)).
(٣) ذكره الحافظ فى الفتح ٦٢١/٦ وعزاه إلى ابن سعد وصحح إسناده .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أحمد))، وفى م: ((أن أحمد)).

٣٤٢
سورة الحجرات : الآية ٢
وتَدخُلَ الجَنَّةَ؟)). فعاش حميدًا، وقُتِل شهيدًا يومَ مُسَيلِمةَ(١).
حدَّثنى علىٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال : ثنا نافعُ بنُ عمرَ بنٍ جميلٍ
الجُمَحِىُّ، قال: ثنى ابنُ أَبِى مُلَيْكَةً، عن ابنٍ (١) الزبيرِ، قال: قَدِم وفدُ - أَرَاه قال:
تميمٍ - على النبيِّ عَله، مِنهم الأقرُ بنُ حابسٍ، فَكَلَّم أبو بكرِ النبىَّ عَّهِ أن يَسْتَعمِلَه
على قومِه ، قال: فقال عمرُ: لا تفعَلْ يا رسولَ اللَّهِ. قال: فتَكلَّما حتى ارْتفَعتْ
أصواتُهما عندَ النبيِّ عَلَه. قال: فقال أبو بكرٍ لعمرَ: ما أردتَ إلَّا خِلافى. قال: ما
أردتُ خلافَك. قال: فنزَل القرآنُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ
صَوْتِ النَّبِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمُ﴾. قال: فما حدَّث عمرُ النبيَّ عَ لَه بعدَ
ذلك [٥/٤٦ظ] فسمِعُ النبيُّ كلامَه حتى يستفهمَه؛ مما يَخْفِضُ صوتَه
للنبىٌّ عَلِ". قال: وما ذكّر ابنُ الزُّبِيرِ جَدَّه. يعنى أبا بكرٍ(٥) ..
وقولُه: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ﴾. يقولُ: ألَّ تحبَطَ أعمالُكم فتذهَبَ
باطلةً ، لا ثوابَ لكم عليها ولا جزاءً؛ برفعِكم أصواتكم فوقَ صوتٍ نبيّكم،
وجھْرٍ کم له بالقولِ کجھْرٍ بعضكم لبعضٍ .
٠
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٢٣٠، وفى المصنف (٢٠٤٢٥)، ومن طريقه البيهقى فى الدلائل
٣٥٥/٦ عن معمر به، وأخرجه الطبرانى (١٣١٤، ١٣١٥)، وفى الأوسط (٢٢٤٣)، وابن حبان
(٧١٦٧)، وأبو نعيم فى الدلائل (٥٢٠) وفى المعرفة (١٣٠١) من طريق الزهرى عن إسماعيل بن محمد به
مرسلًا، وأخرجه الطبرانى (١٣١٢)، وابن عبد البر فى الاستيعاب ٢٠١/١ من طريق إسماعيل بن محمد عن
ثابت بن قيس، وأخرجه الطبرانى (١٣١٣)، وابن مردويه فى تفسيره - كما فى الفتح ٦٢١/٦ - من طريق
الزهرى عن محمد بن ثابت به مرسلاً، وأخرجه ابن قانع ١٢٦/١، والطبرانى (١٣١٠، ١٣١١) من طريق
الزهری عن محمد بن ثابت بن قيس عن ثابت بن قيس .
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فيسمع)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) أخرجه الترمذى (٣٢٦٦) من طريق مؤمل به، وأخرجه البخارى (٤٣٦٧، ٤٨٤٧)، والنسائى
(١١٥١٤ - كبرى)، وأبو يعلى (٦٨١٦)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٨٧ من طريق ابن أبى مليكة
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه .

٣٤٣
سورة الحجرات : الآيتان ٢، ٣
وقد اختَلَف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ (١) : معناه:
لا تحبَطُ أعمالُكم. قال/: وفيه الجزمُ والرفعُ إذا وُضِعت ((لا)) مكانَ ((أنْ)). قال: ١٢٠/٢٦
وهى فى قراءةٍ عبدِ اللهِ: (فتَحْبَطَ أعمالُكم). ("وهو دليلٌ على جوازِ الجزمِ.
وقال بعضُ نحوِّى البصرةِ(٣): قال: ﴿أَنْ تَخْبَطَ أَعْمَلُكُم٢ْ)﴾. أى مخافَةَ
أن تحبَطَ أعمالُكم. وقد يقالُ: أُسْنَدَ الحائطَ أن يميلَ .
وقولُه: ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وأنتم لا تعلمون ولا تَدْرُون.
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آَمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىَّ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمُ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكره: إن الذين يكُفُّون رفْعَ أصواتِهم
عنْدَ رسولِ اللهِ . وأصلُ الغَضِّ: الكَفُّ فى لين. ومنه [٦/٤٦و] غَضُّ البصرِ، وهو
كُقُّه عن النَّظَرِ، كما قال جريٌ(6) :
فلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا کِلابا
فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّك من تُمَيْرٍ
وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبُهُمْ لِلنَّقْوَىَّ﴾. يقولُ تعالى ذكره:
هؤلاء الذين يغضُّون أصواتَهم عندَ رسولِ اللهِ ، هم الذين اخْتَبرِ اللَّهُ قلوبَهم بامتحانِه
إِيَّاها، فاصْطَفاها وأَخْلَصها، ﴿لِلنَّقْوَىَّ﴾ . يعنى لاتِّقائِه بأداءٍ طاعتِه واجتنابٍ
معاصيه، كما يُمُتَحنُ الذهبُ بالنارِ ، فِيَخْلُصُ جِيِّدُها، ويبطُلُ خَبَثُها .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) الفراء فى معانى القرآن ٣/ ٧٠.
(٢ - ٢) سقط من: الأصل.
(٣) ينظر الكتاب ٥٣/٣، ١٥٤.
(٤) ديوانه ٢ / ٨٢١.

٣٤٤
سورة الحجرات : الآيات ٣ - ٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿أَمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىَ﴾. قال: أخْلَص(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قوله :
أُمْتَحَنَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. قال: أَخْلَص اللَّهُ قلوبَهم فيما أحبُّ(٢) .
وقولُه: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: لهم من اللَّهِ عفوّ عن ذنوبِهم السَّالفةِ،
وصَفْحٌ منه عنها لهم، ﴿ وَأَجْرٌ عَظِيمُ﴾. يقولُ: وثوابٌ جزيلٌ. وهو الجنَّةُ.
القولُ فى تأويل قوله عزَّ وجلَّ: [٦/٤٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَّخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ
اَلْمُجُرَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
١٢١/٢٦
/ قال أبو جعفرِ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَزاله: إن الذين
ينادُونك يا محمدُ من وراءٍ حُجُرَاتِكُ(١) . والحُجُراتُ جمعُ حُجْرةٍ، والثلاثُ :
حُجٌَّ، ثم تُجمَعُ الحُجَرُ فيقالُ : حُجُراتٌ وحُجْراتٌ . وقد تَجْمَعُ بعضُ العربِ الحُجْرَ
مُحُجَّراتٍ؛ بفتحِ الجيمِ، وكذلك كلُّ جمعٍ كان من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ على فُعَلٍ،
يَجْمَعونه على فُعَلاتٍ بفتح ثانيه، والرفعُ أفصَحُ وأجودُ(٤)، ومنه قولُ الشاعرِ(٥) :
(١) تفسير مجاهد ص ٦١٠، ومن طريقه الفريابى - كما فى التغليق ٣١٥/٤ -، والمروزى فى تعظيم قدر
الصلاة (٧٢٥)، والبيهقى فى الشعب (١٥١٦)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣١/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) فى الأصل: (( حجرتك)).
(٤) ينظر معانى القرآن للفراء ٧٠/٣.
(٥) البيت فى الكامل للمبرد ٦٤/١، ٦٨/٢، وفى مجاز القرآن ٢١٩/٢ غير منسوب فيهما.

٣٤٥
سورة الحجرات : الآية ٤، ٥
بلى ولأبياتٍ بها الحُجرَاتُ
أما كان عَبَّادٌ كَفِيئًا لِدَارِمِ
يقولُ : بلى ، ولبنى هاشمٍ .
وقولُه: ﴿أَكْثُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أكثرُهم مجُهَّالٌ بدينِ اللَّهِ،
واللازمٍ لهم مِن حقِّك وتعظِيمِك .
وذُكِر أن هذه الآيةَ والتى بعدَها نزَلت فى قومٍ مِن الأعرابِ جاءوا يُنادُون
رسولَ اللَّهِ مَّهِ من وراءِ حجرتِه(١): يا محمدُ، اخْرُجْ إلينا .
[٧/٤٦,] ذِكرُ الرواية بذلك
حدَّثْنا (" أبو عَمَّارِ الحسينُ بنُّ الُريثِ المروزِىُّ(٢) ، قال(٣) : ثنا الفضلُ بنُ موسى،
عن الحسين بن واقدٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ فى قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن
وَرَآءِ الْمُجُزَتِ﴾. قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ عَ لِّ، فقال: يا محمدُ ، إن حَمدِى
زَيْنٌ، وإِن ذَمِّى شَيْنٌ. فقال: ((ذاكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعالى))(٤) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا الحسينُ، عن أبى
إسحاقَ، عن البَراءِ بمثلِه، إلا أنَّه قال: ((ذاكُم اللَّهُ عزَّ وجلَّ)).
حدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفَةَ ، قال : ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ التيمىُّ ، قال : سمِعتُ داودَ
الطُّفاوىَّ يقولُ: سمِعتُ أبا مسلم البَجَلىَّ يحدِّثُ عن زيدِ بنِ أرْقَمَ ، قال: جاءٍ ()
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حجراته)).
(٢ - ٢) فى م: ((أبو عمار المروزى والحسن بن الحارث)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٨/٦.
(٣) فى م: ((قالا)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٩/٧ عن المصنف، وأخرجه الترمذى (٣٢٦٧) عن أبى عمار به، والنسائى
فى الكبرى (١١٥١٥) من طريق الحسين بن واقد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٦ إلى ابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((حدثنا)).

٣٤٦.
سورة الحجرات : الآية ٤
أُناسٌ مِن العربِ إلى النبيِّ عَِّ، فقال بعضُهم لبعضٍ: انْطَلِقوا بنا إلى هذا الرجلِ؛
فإن يَكُنْ نبيًّا فنحن أسعدُ الناسِ به، وإِن يَكُنْ مَلِكًا نَعِشْ فى جَناحِه . قال: فأتيتُ
النبی په فأخبرتُه بذلك . قال : ثم جاءوا إلی مُجَرِ النبى ێلم ، فجعلوا یُنادُونه : یا
محمدُ ، يا محمدُ. فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ على نبيّه عَ له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن
وَرَآءِ الْحُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: فَأَخَذ النبيُّ ◌َِّ بِأُذُنِى فمدَّها ،
فجَعَل يقولُ: ((قد صدَّق اللَّهُ قولَك يا زَيدُ، قد صدَّق اللَّهُ قولَك يا زِيدُ))(١).
/١٢٢
/ حدَّثنا الحسنُ(١) بنُ أبي يحيى المُقَدَّميُ(٢)، قال: ثناعفانُ، قال: ثنا [٧/٤٦ظ]
وُهَيبٌ (٤) ، قال: ثنا موسى بنُ عقبةَ، عن أبى سَلَمَةَ، قال: ثنى الأقرعُ بنُ حابسٍ
التميمىُ، أنه أَتَّى النبىَّ عَّهِ، فناداه فقال: يا محمدُ، ( اخرُجْ إلينا)، ( إن مَذْحِى
زَيْنٌ، وإن شَتْمِى شَيْنٌ. فخرَج إليه النبيُّ مَّهِ فقال: ((وَيْلَكَ، ذلكَ اللَّهُ))).
فَتَزلتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَّتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٩/٧ عن المصنف، وأخرجه إسحاق بن راهويه ومسدد - كما فى المطالب
(٤١٠٩)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٣٤٩/٧ - والطبرانى (٥١٢٣)، والواحدى فى أسباب
النزول ص ٢٨٨، ٢٨٩ من طريق المعتمر بن سليمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٦ إلى أبى يعلى.
(٢) فى الأصل: ((الحسين)).
(٣) فى الأصل: ((المقدسى)).
(٤) فى الأصل: ((وهب))، وينظر مصادر التخريج الآتية .
(٥ - ٥) سقط من: م.
(٦ - ٦) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧) أخرجه أحمد ٣٦٩/٢٥ (١٥٩٩١)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (١١٧٨)، والطبرانى
(٨٧٨)، وابن الأثير فى أسد الغابة ١٣٠/١ من طريق عفان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى أبى القاسم
البغوى وابن مردويه .

٣٤٧
سورة الحجرات : الآية ٤
قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَتِ﴾. قال: أعرابُ بنى تميمٍ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ، أن رجلًا جاء
إلى النبىِّ عَلَّهِ، فناداه من وراءِ الحُجَرِ فقال: يا محمدُ، إن مَدْحِى زَينٌ، وإن شتمِی
شَيْنٌ. فخرَج إليه النبىُّ عَلَهِ، فقال: ((ويلَك، ذلك اللَّهُ)). فأنزل اللَّهُ: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ اٌلْحُجُرَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: ذُكِر لنا أن رجلًا جعَل
يُنادِى: يا نبيَّ اللَّهِ، يا محمدُ. فخرج إليه نبىُ اللَّهِ، فقال: (( ما شأنُكَ؟)). فقال:
واللَّهِ إِن حَمْدَه لزَيْنٌ، وإن ذَمَّه لِشَيْنٌّ. فقال نبىُ اللَّهِ مَّهِ: ((ذَاكُمُ اللَّهُ، ذاكُمُ
اللَّهُ)). فأدبَر الرجلُ، وذُكِر لنا أن الرجلَ كان شاعرًا .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهرانُ ، عن سفيانَ ، عن حبيبٍ بنِ أبِى عَمْرةَ ،
قال: كان بشؤُ بنُ غالبٍ، وَبِيدُ بنُ عُطاردٍ، أو بشرُ بنُ عُطاردٍ، [٨/٤١و] ولَبِيدُ بنُ
غالبٍ، وهما عندَ الحجّاج جالسان ، يقولُ بشرُ بنُ غالبٍ لَلَبيدِ بنِ عُطاردٍ : نزَلتْ فى
قومِك بنى تميم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَّتِ﴾. فذُكِرِ ذلك لسعيدِ بنِ
◌ُجُبَيْرٍ ، فقال: أَمَا إِنَّه لو عَلِم بآخرِ الآيةِ أجابَه ﴿ يَمُنُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ . قالوا :
أسْلَمنا ولم نُقاتِلْك. بنو أسدٍ(٢) .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال : ثنا مِهِرانُ ، عن المباركِ بنِ فَضالةَ ، عن الحسنِ، قال :
(١) تفسير مجاهد ص ٦١٠، ومن طريقه البيهقى فى الشعب (١٥١٦)، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٨٧/٦ إلى عبد بن حميد .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣١/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٩/٧ عن سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٦ إلى المصنف
وابن المنذر .

٣٤٨
سورة الحجرات : الآيتان ٤ - ٦
أَتَّى أَعرابىٌّ إلى النبيِّ عَلَّمِ من وراءٍ حُجراتِه. فقال: يا محمدُ، يا محمدُ. فخرَج إليه
النبىُّ مَّهِ، فقال: ((ما لك مالك))؟ فقال: تعلَّمْ، إِن مَدْحِى لِزَيْنٌ، وإن ذَمِّی
الشَيْنٌ. فقال النبيُّ عَّهِ: ((ذَاكُمُ اللَّهُ)). فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ
أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾(١).
واختَلَفتِ القَرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مِن وَرَآءِ الْحُجُزَتِ﴾؛ فقرَأْتُه قرَأَةُ الأمصارِ
بضمّ الحاءِ والجيم من ﴿اٌلْمُجُزَتِ﴾، سوى أبى جعفرِ القارئ، فإنه قرَأُ بضمٌ الحاءِ
وفتحِ الجيمِ(١)، على ما وصَفتُ من جمعِ الحُجْرةِ حجرٍ ثم جمعِ الحُتْرِ محجّراتٍ .
والصوابُ من القراءةِ عندَنا الضمّ فى الحرفين كليهما؛ لما وصَفتُ قبلُ(٣).
وقولُه: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَّى تَّخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرً لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
١٢٣/٢٦ رَّحِيمٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولو / أن هؤلاء الذين يُنادُونك يا محمدُ من وراءٍ
الحجراتِ صبّروا، فلم يُنادُوك حتى تخرُجَ إليهم إذا خرَجْت، لكان خيرًا لهم
عندَ اللَّهِ؛ لأن اللّه قد أمرهم بتوقیرك وتعظيمك، فهم بترکھم نداءك تارِ كُون لما
[٨/٤٦ظ] قد نَهاهُم اللَّهُ عنه، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ ذو عَفْوٍ
عمَّن ناداك من وراءِ الحجابِ ، إن هو تاب من معصيةِ اللَّهِ بندائِك كذلك، ورَاجَعَ
أمْرَ اللَّهِ فى ذلك وفى غيرِهِ، رحيمٌ به أن يعاقبه على ذنبِه ذلك ، من بعدٍ تَويتِه منه .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّبَإٍ فَتَبَيَنُواْ
٦
أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ
قال أبو جعفرِ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكره: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٤٩/٧.
(٢) ينظر النشر ٢/ ٢٨١.
(٣) القراءتان كلتاهما صواب .

٣٤٩
سورة الحجرات : الآية ٦
إِنْ جاءكم فاسِقٌ بخبرٍ(١) عن قومٍ، ﴿ فَتَيَّنُواْ﴾.
واختَلَفتِ القرّأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾؛ فقرَأْ ذلك عامَّةُ قَرأةِ الكوفةِ(٢):
(فتثبتوا) بالثاءِ)، وذُكِر أنها فى مصحفِ عبدِ اللَّهِ منقوطةٌ بالثاءِ(٤) . وقرأ
ذلك "القرأةُ بعدُْ): ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾. بالياءِ(١) ، بمعنى: أمْهِلُوا حتى تَعرِفوا صحَّتَه،
لا تَعَجَّلوا بقبوله. وكذلك معنى: (فَتَشَبَُّوا).
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتانِ معروفتانٍ ، متقارِبَتا المعنى ، فبأيَّتِهما
قرَأ القارئُّ فمصيبٌ .
[٩/٤٦ و] وذُكِر لنا أن هذه الآيةَ نزَلت فى الوليدِ بنِ عُقْبَةَ بنِ أبى مُعَيطٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك وذكرُ السببِ الذى من أجْلِه قيل ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا جعفرُ بنُّ عونٍ ، عن موسى بنٍ عبيدةً، عن ثابتٍ
مولى أمِّ سَلَمةَ، عن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: بعَث رسولُ اللَّهِ مَّهِ رجلًا فى صَدَقاتِ بنى
الْمُصْطَلِقِ بعدَ الوقيعةِ(٨)، فسَمِع بذلك القومُ فتَلَقَّوه يُعظّمون أمْرَ رسولِ اللهِ عَهِ،
قال: فحدَّثه الشيطانُ أنهم يُريدُون قتلَه. قالت: فرجَع إلى رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ ، فقال:
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: (( بنبأ)) .
(٢) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((أهل المدينة))، وفى ت١: ((المدينة)).
(٣) هى قراءة حمزة والكسائى. ينظر التيسير ص ٨٠، والسبعة لابن مجاهد ص ٢٣٦.
(٤) ينظر معانى القرآن للفراء ٣/ ٧١.
(٥ - ٥) فى م: (( بعض القرأة)).
(٦) فى م: ((بالباء)). وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم. ينظر السبعة لابن مجاهد
ص ٢٣٦.
(٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٨) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الوقعة)).

٣٥٠
سورة الحجرات : الآية ٦
إن بنى المُصْطلِقِ قد منَعوا صَدَقاتِهم. فَغَضِب رسولُ اللَّهِ مََّهِ والمسلمون ، قال:
فبلَغ القومَ رجوعُه، قال: فَأَتَوا رسولَ اللَّهِ مَِّ فصفُوا له حينَ صلَّى الظّهرَ، فقالوا:
نعوذُ باللَّهِ مِن سَخَطِ اللَّهِ وسَخَطِ رسولِه، بعَثتَ إلينا رجلاً مُصَدِّقًا (١) ، فشرِرنا بذلك
وقرَّت به أعينُنا ، ثم إنه رجَع من بعضِ الطريقِ، فخَشِينا أن يكونَ ذلك غضَبًا من اللَّهِ
ومِن رسولِه، فلم يزالوا يُكلِّمونه حتى جاء بلالٌ وأذَّن بصلاةِ العصرِ. قال: ونزلت :
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًّا بِجَهَلَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾(٢).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
١٢٤/٢٦ أبيه، عن ابنِ عباسٍ / قولَه: [٩/٤٦ظ] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ
فَتَبَيَّنُواْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: وكان رسولُ اللَّهِ مَ ظَه بعَث الوليدَ بنَ عُقْبةَ بنِ أبى
مُعَيطٍ ، ثم أحدَ بنى عمرو بن أميةَ ، ثم أحدَ بنى أبى مُعَيطٍ إلى بنى المُصْطَلِقِ، ليأخُذَ
منهمُ الصَّدقاتِ، وإنهم (١) لما أتاهم الخبرُ فَرِحوا، وخَرَجوا لِيَتَقَّوا رسولَ رسولِ اللَّهِ صَلّهِ،
وإنه لمّا حُدِّث الوليدُ أنهم خرجوا يتلَقَّونه رجَع إلى رسولِ اللهِ عَمِ، فقال: يا رسولَ
اللَّهِ، إن بنى المُصطَلِ قد منَعوا الصَّدقةَ. فَغَضِب رسولُ اللَّهِ عَمِ (٤ من ذلك" غضَبًا
شديدًا، فبينا هو يُحدِّثُ نفسَه أن يغزُوَهم، إذ أتاه الوفدُ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ،
إنا حُدِّثنا أن رسولَك رجَع مِن نصفِ الطريقِ، وإنَّا خَشِينا أن يكونَ إنما رَدَّه
كتابٌ جاء منك. لِغَضَبِ غَضِبتَه عَلَيْنا، وإنا نعوذُ باللَّهِ من غضبِهِ وغضَبٍ
(١) المُصَدِّق: هو عامل الزكاة الذى يستوفيها من أربابها. النهاية ١٨/٣.
(٢) أخرجه إسحاق بن راهويه - كما فى المطالب (٤١١١) - والطبرانى ٤٠١/٢٣ (٩٦٠) من طريق
موسى بن عبيدة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٨/٦ إلى ابن مردويه.
(٣) فى م، ت ٢، ت٣: ((وإنه)).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.

٣٥١
سورة الحجرات : الآية ٦
رسوله. ( وإن رسولَ اللَّهِ {لَلِ استغَشَّهم وهَمّ بهم) ، فأنزل اللّهُ عُذرَهم فى الكتابِ
فقال: ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنْبَأٍ فَتَبَيَُّوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِن جَآءَكُمُ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ﴾ . قال: الوليدُ بنُ عُقبةَ بنِ أبى مُعَيطٍ ،
("أرسَله رسولُ اللَّهِ عَهِ إلى بنى [١٠/٤٦و] المُصطَلِقِ لُصَدِّقَهم، فتَلَقَّوه بالهَدِيَّةِ ،
فرجع إلى محمدٍ عَّه فقال: إن بنى المُصطَلِقِ قد(٤) جمَعَت لك(٤) لتُقاتِلَك(٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَتٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
نَدِمِينَ﴾: هو ابنُ أبى مُعَيطِ الوليدُ بنُ عُقْبةَ، بعَثه نبىُ اللَّهِ صَلِ مُصَدِّقًا إلى بنى
المصطَلِقِ، فلمَّا أبصَروه أقْبَلوا نحوَه، فهَابَهم، فرجع إلى رسولِ اللَّهِ مَاتَّهِ ، فأخْبَره
أنَّهم قد ارتَدُّوا عن الإسلام، فبعَث نبىُّ اللَّهِ مََّلَّهِ خالدَ بنَ الوليدِ، وأمَره أن يَتَثَتَ
ولا يعجَلَ، فانطلَق حتى أتاهم ليلاً ، فبعَث عيونَه، فلمَّا جاءوا أخبروا خالدًا أنهم
مُستَمسِكون بالإِسلام، وسمِعوا أذانَهم وصلاتَهم، فلمَّا أصبحوا أتاهم خالدٌ ،
فرأى الذى يُعْجِبُه، فرجع إلى رسولِ اللَّهِ وَهِ، فأخبره الخبرَ، فأنزَّلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ما
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه البيهقى ٩ / ٥٤، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٢٢٩/٦٣، ٢٣٠ من طريق محمد بن سعد به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٨/٦ إلى ابن مردويه .
(٣ - ٣) فى م: (( بعثه نبی)).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) تفسير مجاهد ص ٦١٠، ومن طريقه الطبرانى ١٥٠/٢٢ (٤٠٤)، والبيهقى ٩/ ٥٥، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٨٨/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٣٥٢
سورة الحجرات : الآية ٦
تسمعون، فكان نبىُ اللَّهِ يقولُ: ((الثَّبَيُّنُ من اللَّهِ، والعَجَلةُ من الشَّيطانِ))(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ﴾، فذكر نحوه (١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ، عن هلالٍ
الوزَّانِ، عن ابنٍ أبى ليلى فى قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُواْ﴾. قال: نزَلت فى الوليدِ بنِ عُقْبةَ بنِ أبِى مُعَيطٍ .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال : ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن محمَيدٍ، عن هلالٍ
الأنصارىِّ، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ أبى ليلى: ﴿إِن [١٠/٤٦ ظ] جَآءَ كُمْ فَاسِقٌ بِبَلٍ﴾ .
ء
قال: نزلت فى الوليدِ بنِ عُقْبةَ. قال: حينَ أُرسِل إلى بنى المُصطَلِقِ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال : ثنا محمدُ بنُّ إسحاقَ ، عن يزيدَ بنِ
١٢٥/٢٦ رُومانَ، أن رسولَ اللَّهِ تَهِ / بعَث إلى بنى المُصطَلِ بعدَ إِسلامِهم الوليدَ بنَ عقبةَ بنِ
أبى مُعَيطٍ ، فلمَّا سمِعوا به ركِبوا إليه، فلمَّا سمِع بهم خافَهم، فرجَع إلى رسولِ
اللَّهِ مََّّهِ، فأخبره أن القومَ قد همُّوا بقتلِه، ومنَعوا ما قِبَلَهم من صَدَقاتِهم، فأكثرَ
المسلمون فى ذكرٍ غَزْوتِهم(٤)، حتى همَّ رسولُ اللَّهِ عَّهِ أَن (١) يَغْزُوَهم، فبينا هم فِى
ذلك قَدِم وفْدُهم على رسولِ اللهِ عَهِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، سَمِعنا برسولِك حين
بعَثْتَه إلينا ، فخرَجنا إليه لِتُكْرِمَه ولِنؤدِّىَ إليه ما قِبَلَنا من الصَّدقةِ، فانشمَر (١) راجعًا،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٩/٦ إلى المصنف وعبدبن حميد، وذكره القرطبى فى تفسيره ١٦/ ٣١١،
وابن کثیر فی تفسيره ٧/ ٣٥٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣١/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٩/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٣٥٢.
(٤) فى م: ((غزوهم)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بأن )).
(٦) انشمر: مو جادًّا. اللسان (ش م ر).
:

٣٥٣
سورة الحجرات : الآية ٦
فبلَغَنا أنَّه يزعمُ لرسولِ اللَّهِ مِ أَنَّا خرَجنا إليه لثُقاتِلَه، واللَّهِ ما جئنا(١) لذلك. فأنزَل
اللَّهُ فى الوليدِ بنِ عقبةً وفيهم: ﴿ يَكَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَّنُواْ﴾ إِلى
آخرِ الآيةِ(٣).
"حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ، أُخبرنا عبيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاٍ﴾ إِلى
آخرِ الآية٢ِ)، قال: بعَث رسولُ اللَّهِ عَه رجلًاً من أصحابِه إلى قومٍ يُصَدِّقُهم ، فأتاهم
الرجلُ، وكان بينهم وبينَه [١١/٤٦و] حِنَةٌ فى الجاهليةِ؛ فلمَّا أتاهم رحبوا به ،
وأقرُّوا بالزكاةِ وأعْطَوْا ما عليهم من الحقِّ، فرجَع الرجلُ إلى رسولِ اللَّهِ صَلّه ، فقال:
يا رسولَ اللَّهِ، منَع بنو فلانِ الزَّكَاةَ( ورجَعوا عن الإسلام. فغَضِب رسولُ اللَّهِ زلتِ ،
وبعث إليهم ، فَأَتَوْه، فقال: ((أمَتَعْتُم الزَّكَاةَ، وَطَرَدْتُم رَسُولى؟)) . فقالوا: واللَّهِ ما فعَلْنا ،
وإنا لنَعْلَمُ إِنك لرسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليك، ولا بَدَّلْنا ، ولا مَنَعْنا حقَّ اللَّهِ فى أموالِنا. فلم
يُصَدِّقْهم رسولُ اللَّهِ عَمِ، فَأَنزَل اللَّهُ هذه الآيَةَ، فَعَذَرَهم(٦).
وقولُه: ﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فتبيَّنوا كيلا تُصيبوا
قومًا برآءَ مما قُرِفوا (١) به، بخيانةٍ(٨)، بجهالةٍ منكم بحالِهم(١)، ﴿فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا
-
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((خرجنا)).
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٦، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٥٢/٧.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) بياض فى الأصل، وفى م: ((إحنة))، والحنة: العداوة، وهى لغة فى الإحنة. ينظر النهاية ٤٥٣/١.
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((الصدقة)).
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٣٥٢.
(٧) فی م: ((قذفوا))، وقرفتُ الرجلَ، أی عبته، ويقال: هو يُقرف بکذا. أُی: يُرمی به ويُتهم. اللسان (ق ر ف).
(٨) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((بجناية)).
(٩) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى ص: (( بجهالة)).
( تفسير الطبرى ٢٣/٢١ )

٣٥٤
سورة الحجرات : الآيات ٦ - ٨
فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾. يقولُ: فَتَندموا على إصابتِكم إِيَّاهم، بالخيانةِ ( ) التى تُصيبونَهم
بها .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِكُمْ رَسُولَ الهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرِ
مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنْتُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ
[١/٤٦ ١] فَضْلاً مِّنَ اُللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ
ج
وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَّ أُوْلَكَ هُمُ الَّشِدُونَ(
٨
عَلِيمٌ حَكِيمٌ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابٍ نبيِّ اللَّهِ عَ لَّهِ:
وَأَعْلَمُواْ﴾ أيُّها المؤمنون باللّهِ ورسوله، ﴿أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، فاتَّقُوا اللَّهَ أن
تقولوا الباطلَ ، وتفتَروا الكذِبَ، فإن اللَّهَ يخبِرُه أخبارَ كم، ويعرّفُه أنباءَ كم ، ويقوِّمُه
على الصوابٍ فى أمورِه .
وقولُه: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَمَهُمْ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: لو كان
رسولُ اللَّهِ مَّمِ يعملُ فى الأمورِ بآرائِكم، ويَقْبَلُ منكم ما تقولون له فيطيعُكم،
لَعَنُِّمْ﴾. يقولُ: لنالَكم عنَتٌ. يعنى: الشدّةَ والمشقةَ فى كثيرٍ من الأمورِ،
١٢٦/٢٦ بطاعته إياكم لو أطاعَكم؛ لأنه كان يخطئُّ فى أفعالِه، كما لو قَبِل من الوليدِ بنِ /عقبةً
قولَه فى بنى المُصطَلِقِ: إنهم قد ارتَدُّوا، ومنَعوا الصَّدَقَةَ، وجمَعوا الجموعَ لغَزوٍ
المسلمين . فغزاهم فقتل منهم ، وأصاب من دمائهم وأموالهم - كان قد قَتَلَ وقتَلْتُم
من لا يحلُّ له ولكم(٢) قَتْلُه، وأخَذَ وأخَذْتُم من المالِ ما لا يحلُّ له ولكم أخْذُه من
أموالِ قومٍ مسلمين، فنالَكم بذلك مِن اللَّهِ عَنَتْ، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بالجناية)).
(٢) فى م: ((ولا لكم)).
٣٠

٣٥٥
سورة الحجرات : الآية ٧
اُلْإِيمَنَ﴾ باللّهِ ورسولِه، فأنتم تُطيعُون (١ اللَّهَ ورسولَه(١)، وتأتمون به، فيَقيكُم اللَّهُ
بذلك من العَنَتِ ما لو لم تُطِيعوه وتتَبِعوه و(١) كان يُطيعُكم لَنَالَكَم [١٢/٤٦ و]
٦
وأصابكُم .
وقولُه: ﴿وَزَيَّنَهُمْ فِ قُلُوبِكُمْ﴾. يقولُ: وحسَّن الإيمانَ فى قلوبِكم فَآمَنتم،
◌ْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ باللَّهِ، ﴿ وَالْفُسُوقَ﴾. يعنى الكذبَ، ﴿ وَاَلْعِصْيَانَ﴾.
يعنى: ركوبَ ما نهَى ) اللَّهُ عنه فى خلافٍ أمرِ رسولِ اللَّهِ مَ له، وتضييع ما أمَر اللَّهُ
به، ﴿أُوْلِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين حبَّب اللَّهُ إليهم الإِيمانَ، وزيَّنه
فى قلوبِهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوقَ والعصيانَ(٤)، هم الرَّاشِدون، السَّالِكون
طريقَ الحقِّ .
وقولُه: ﴿ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَنِعْمَةٌ﴾. يقولُ: ولكِنَّ اللَّهَ حبَّب إليكم الإيمانَ،
وأنعَم عليكم هذه النعمَ(٥) التى عدَّها؛ فضلاً منه وإحسانًا، ونعمةً منه أنعَمَها
عليكم، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو علمٍ بالمحُسنِ مِنكم من المسىءِ،
ومَنْ هو لنِعَم اللَّهِ وفَضْلِه أهلٌ، ومَن هو لذلك غيرُ أهلِ، وحكمةٍ فى تدبيرِهِ خَلْقَه ،
وصَرْفِهِ إِيَّاهم فيما شاءَ مِن قضائِه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى تأويل قوله: ﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيَكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى
كَثِيرٍ مِّنَ الْأَّ لَعَنْتُمْ﴾ قال قتادةٌ(٦).
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((رسول الله)).
(٢) فى الأصل: ((ولكنه)).
(٣) فى الأصل: ((نهانا)).
(٤) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: ((أولئك)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((النعمة)).
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أهل التأويل))، وبعده: ((ذكر من قال ذلك)).

٣٥٦
سورة الحجرات : الآية ٧
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ
فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ﴾. حتى بلَغ: ﴿لَعَنْتُمْ﴾: " هؤلاء أصحابُ نبِىٌّ اللَّهِ يَِّ ، لو
أطاعهم نبىُ اللَّهِ فى كثيرٍ من الأمرِ لعنتوا(١٢)، فأنتم واللَّهِ أسخفُ رأيًا، وأطيشُ
عقولًا، فأنَّهم(٢) رجلٌ رأيه، وانْتَصح كتابَ اللَّهِ، فإن كتابَ اللَّهِ ثقةٌ لمن أخَذ به،
وانتهَى إليه ، وإن ما سوى كتابِ اللَّهِ تغريدٌ(٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال [١٢/٤٦ظ] معمرٌ: تلا
قتادةُ: ﴿لَوْ يُطِعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْيِ لَنْتُمْ﴾. قال: فأنتم أسخفُ رأيًا، وأُطيشُ
أحلامًا، فأنَّهم رجلٌ رأيه، وانتصَح كتابَ اللَّهِ(٥).
(٢ وكالذى؟ قُلنا أيضًا فى تأويل قوله: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ
" وَزَيََُّ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ . قال ابنُ زيدٍ) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ ﴾ . قال : حبَّبه إليهم ، وزَيَّنه : وحسّنه فى
١٢٧/٢٦ قلوبهم، /﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ﴾. قال: الكذبَ والعصيانَ؛ قال:
عصيانُ النبيِّ عَ لَّهِ، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ﴾. مِن أين كان هذا؟ قال: فضلٌ مِن
اللَّهِ ونعمةٌ. قال: والمنافقون سمَّاهم اللَّهُ أجمعين فى القرآنِ الكَاذِبين. والفاسقُ:
الكاذبُ فی کتابِ اللَّهِ كلِّه.
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢) فى النسخ: ((لعنتم)). والمثبت من الدر المنثور ٨٩/٦.
(٣) فى الأصل: ((ما اتهم))، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((اتهم)) .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٩/٦ إلى عبد بن حميد .
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٢/٢ عن معمر به، وذكره الجصاص فى أحكام القرآن ٥/ ٢٧٨.
(٦ - ٦) فى ص، م، ت ١: ((وكذلك كما))، وفى ت ٢، ت٣: ((وكذلك)).
(٧ - ٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قالوا))، وبعده: ((ذكر من قال ذلك)).

٣٥٧
سورة الحجرات : الآية ٩
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَّأَ فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَمَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى نَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
٩
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان [١٣/٤٦ و] من أهلٍ
الإِيمانِ اقْتَلوا، فأصْلِحوا أيُّها المؤمنون بينَهما، بالدعاءِ إلى حكم كتابِ اللَّهِ،
والرّضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلامح بينَهما بالعدلِ. ﴿فَإِنَّ بَغَتْ
إِحْدَدهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾. يقول: فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابةَ إلى حكم
كتابِ اللهِ " لها وعليها١)، وتعدَّت ما جعَل اللَّهُ عدلًا بينَ خَلْقِه، وأجابت الأُخْرِىَ
منهما، ﴿فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى﴾. يقولُ: فقاتِلوا التى تَتَعَدَّى(٢)، وتأتى الإجابةَ إلى
حكم كتابٍ (٢) اللَّهِ، ٢ ﴿حَّى تَفِىََّ إِلَ أَمْرِ اللهِ﴾. يقولُ: حتى ترجِعَ إلى حكم
اللَّهُِ) الذى حكم فى كتابِهِ بينَ خلقِه، ﴿ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ﴾ .
يقولُ: فإن رجَعت الباغيةُ بعدَ قتالِكم إيَّهم إلى الرِّضا بحكمِ اللَّهِ فى كتابِهِ،
فأصْلِحوا بينها وبينَ الطائفةِ الأخرى التى قاتَلَتْها ﴿ بِالْعَدْلِ﴾: يعنى بالإنصافِ
بينَهما ، وذلك حكمُ اللَّهِ فى كتابِهِ الذى جعَله عدلًا بينَ خَلْقِه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((له وعليه)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٣: ((تعدى))، وفى م: ((تعتدى))، وفى ت ٢: (( تفدى)).
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤ - ٤) سقط من: الأصل، ت ١.

٣٥٨
سورة الحجرات : الآية ٩
قولَه: ﴿وَإِن ◌َآَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَاْ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثَهُمَا عَلَى
اَلْأُخْرَى فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَّفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: فإن اللَّهَ سبحانه أمَر النبىّ عَّه
والمؤمنين إذا اقْتَلَت طائفتانٍ من [١٣/٤٦ ظ] المؤمنين أن يَدْعُوَهم إلى حكم اللَّهِ،
ويُنصِفَ بعضَهم مِن بعضٍ، فإن أجابوا حكَم فيهم بكتابِ اللَّهِ، حتى يُنْصِفَ
المظلومَ من الظالم، فمَن أبى مِنهم أن يجيبَ فهو باغ، وحَقٌّ على إمامِ المؤمنين أن
يجاهدَهم ويقاتِلَهم حتى يَفيئوا إلى أمرِ اللَّهِ، ويُقرُّوا بحكمِ اللَّهِ(١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِن
طَابِفَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذا أمْرٌ أمَر اللَّهُ" به الولاةَ
١٢٨/٢٦ كهيئةٍ ما تكونُ العصبيةُ(١) بينَ الناسِ، / وأمرهم أن يُصْلِحوا بينَهما، فإن أبَوْا قاتَلَ الفئةً
الباغيةَ حتى ترجِعَ إلى أمرِ اللَّهِ ، فإذا رجَعوا (4) أضْلَحوا بينَهما، وأخبروهم أن المؤمنين
إخوةٌ؛ ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيِّنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾. قال: ولا يقاتلُ الفئة الباغيةَ إلَّ الولاةُ(٥).
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزلَت فى طائفتين من الأُوسِ والخزرج اقْتَتلا فى بعضٍ ما
تَنَازَعا(٧) فيه، مما سأذكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
ذکرُ مَن قال ذلك والرواية به
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا مُعتمرُ بنُ سليمانَ ، عن أبيه، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه.
(٢ - ٢) فى م: ((من الله أمر)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((العصبة)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رجعت).
(٥) فى ص، م، ت ١، ث ٢، ت ٣: ((الإمام)).
(٦) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((اقتتلتا).
(٧) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((تنازعتا)).

٣٥٩
سورة الحجرات : الآية ٩
أنسٍ ، قال: قيل للنبىِّ مَّهِ: لو أتَيتَ عبدَ اللَّهِ بنَ أَبيّ ابنَ سلولَ. قال: فانطلَق إليه
وركِب حمارًا، وانطلَق المسلمون، وهى أرضٌ سَبِخةٌ، فلما أتاه رسولُ اللَّهِ ◌ِّغِ
قال: إليك عنِّى، فواللَّهِ لقد آذانى [١٤/٤٦ و] نَثْنُ حِمارِكَ. فقال رجلٌ من الأنصارِ:
واللَّهِ لحمارُ(١) رسولِ اللَّهِ عَلِ أطيبُ ريحًا مِنك. قال: فَغَضِب لعبدِ اللَّهِ بنِ أُبيِّ رجلٌ
مِن قومِه . قال: فَغَضِب لكلِّ واحدٍ منهما أصحابُه، قال: فكان بينَهم ضَرْبٌ
بالجَريدِ والأيدى والنِّعالِ، فبلَغَنا أنه نزَلت فيهم: ﴿ وَإِن طَيِفَتَانٍ مِنَ الْمُؤْمِينَ
أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَاً ﴾(٢)
حدَّثنى أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يونسَ، قال: ثنا عَبْثرٌ، قال: ثنا
حُصَيْنٌ، عن أبى مالكِ فى قولِه: ﴿وَإِن طَآَيِفَنَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَأْ﴾. قال: رجلانِ اقْتَتلا، فَغَضِب لذا قومُه، ولذا قومُه، فاجْتَمَعوا حتى
اضَّرَبوا بالنِّعالِ، حتى كاد يكونُ بينَهم قتالٌ ، فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ(٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا هشيمٌ، عن محُصَينٍ، عن أبى مالكِ فى قولِه :
﴿وَإِن طَيِفَنَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾. قال: كان بينهم قتالٌ بغيرِ سلاحٍ .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن أبى مالكِ فى
قولِه: ﴿ وَإِن طَآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾. قال: كانا حيَّيْن
من أحياءِ الأنصارِ، كان بينَهما تنازعٌ بغيرِ سلاحٍ .
(١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((لنتن حمار)).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٩٩) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأحمد ٥٦/٢٠ (١٢٦٠٧)، والبخارى
(٢٦٩١)، وأبو يعلى (٤٠٨٣)، والبيهقى ١٧٢/٨، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٩٣، ٢٩٤ من
طريق معتمر بن سليمان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٦ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.
٠

٣٦٠
سورة الحجرات : الآية ٩
حدّثنا ابنُ حُمَیدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنٍ
عباسٍ فى قولِه: ﴿ وَإِن طَيِفَنَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. قال:
كان قتالُهم بالنِّعالِ والعِصِىِّ، فأمرَهم أن يُصْلِحوا بينَهم (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا مِهرانُ، قال: ثنا المباركُ [١٤/٤٦ ظ] بنُ فَضَالةً، عن
الحسنِ: ﴿وَإِن ◌َاِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَّلُواْ﴾. قال: كانت تكونُ الخصومةُ بينَ
الحَيَّين، فيَدعُونهم إلى الحُكم، فيأبَوْن أن يُجِيبوا، فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿ وَإِن طَيِفَانٍ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَأَ فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَِلُواْ أَلَّتِى تَّبْغِى
حَّ نَّفِىَّءَ إِلَى أَمْرِ اللّهِ﴾. يقولُ: ادْفَعوهم إلى الحُكم. فكان قتالُهم الدَّفعَ(٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن السدىِّ: ﴿ وَإِن طَآَيِفَتَانِ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. قال: كانت امرأةٌ من الأنصارِ يُقال لها:
أم زيدٍ. تحتَ رجلٍ، فكان بينها وبينَ زوجِها شىءٌ، فَقَّاها إلىْ عِلِّيَّةٍ(٢) ، فقال
لهم(٤) : اخْفَظوا. فبلَغ ذلك قومَها فجاءوا، وجاء قومُه، فاقْتَتلوا بالأيدى والنِّعال ،
فبلَغ ذلك النبىَّ ◌َّهِ، فجاء ليُصلِحَ بينَهم، فنزَل القرآنُ: ﴿وَإِن طَآَيِفَنَانٍ مِنَ
١٢٩/٢٦ أُلْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ / فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَّأَ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾. قال: تَبْغِى:
لا تَرْضَى بصلح رسولِ اللَّهِ مَ له، أو بقضاءِ رسولِ اللهِ(٥) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٦ إلى المصنف وابن مردويه.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٦ إلى المصنف.
(٣) العِلِّة والعُلَّة: الغرفة. اللسان (ع ل و).
(٤) أى لأهله : لا يدخل عليها أحد من أهلها . كما فى الدر المنثور .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٩٠. إلى المصنف وابن أبى حاتم.