النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة الفتح : الآيتان ١٤، ١٥
وهذا مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه حتٌّ لهؤلاء الأعرابِ المتخلِّفين عن رسولِ اللَّهِ عَ لِّ
على التوبةِ والمراجعةِ إلى أمرِ اللَّهِ، فى طاعةِ رسولِه عَّه . يقولُ لهم: بادِرُوا بالتوبةِ
مِن تخلُّفِكم عن رسولِ اللَّهِ يَهِ، فإن اللَّهَ يَغْفِرُ للتائبين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
زَّحِيمًا﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللَّهُ ذا عفو عن عقوبةِ التائبين إليه مِن ذنوبِهم ومَعاصِيهم
من عبادِه، وذا رحمةٍ بهم أن يُعاقِبَهم على ذنوبهم بعدَ توبتهم منها .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنَطَلَفْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ
لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ قُل لَّن تَشَّعُونًا كَذَلِكُمْ قَالَ
١٥
اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُ ونَا بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَزِلَّمِ: سيقولُ يا محمدُ المُخَلَّفون فى أهليهم
عن صحبتِك إذا سِرْتَ معتمرًا تُرِيدُ بيتَ اللَّهِ الحرامَ، إذا انْطَلَقْتَ [٨٣٥/٢و]
أنت ومَن صَحِبك فى سفرِك ذلك إلى ما أفاء اللَّهُ عليك وعليهم من الغَنيمةِ
لتَأْخُذوها ، وذلك ما كان اللَّهُ وعَد أهلَ الحديبيةِ مِن غنائمَ خيبرَ : ذرونا نَِّعْكم
/ إلى خيبرَ، فَنَشْهَدَ معكم قتالَ أهلِها، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اللّهِ﴾.
يقولُ: يُرِيدون أن يُغَيّروا وعدَ اللَّهِ الذى وعَد أهلَ الحديبيةِ، وذلك أن اللَّهَ جعَل
غنائمَ خيبرَ لهم، ووعَدَهم ذلك عوضًا من غنائم أهل مكةَ، إِذٍ ١ انْصَرفوا عنهم على
صلحٍ، ولم يُصِيبوا منهم شيئًا .
٨٠/٢٦
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إذا)).

٢٦٢
سورة الفتح : الآية ١٥
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ ، قال: رجَع - يعنى رسولَ اللَّهِ بَّهِ - عن مكةَ، فوعَدَه اللَّهُ مَغانمَ كثيرةً ،
فَعُجّلَت له خيبرُ، فقال المخلَّفون: ﴿ ذَرُونَا نَتَّعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ
اللَّهِ﴾. وهى المغانمُ ليَأْخُذُوها، التى قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿إِذَا أُنْطَلَفْتُمْ إِلَى
مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾. وُرِض عليهم قتالُ قومٍ أُولى بأسٍ شديدٍ(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن رجلٍ من أصحابِهِ،
عن مِقْسَم، قال: لما وعَدَهم اللَّهُ أَن يَفْتَعَ(١) عليهم خيبرَ، وكان اللَّهُ قد وعَدَها مَن
شهِد الحديبيةَ، لم يُعْطِ أحدًا غيرَهم منها شيئًا، فلما علِيم المنافقون أنها الغَنيمةُ قالوا :
﴿ذَرُونَا نَتَّعْكُمْ﴾ - ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُوْ كَ اللَّهِ ﴾. يقولُ: ما وعَدَهم(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ
إِذَا أَنَطَلَقْتُمْ﴾ الآية: وهم الذين تخَلَّفوا عن رسولِ اللَّهِ مْ لٍ مِن الحديبية. ذُكِر لنا
أن المشركين لما صدُّوا رسولَ اللَّهِ ع ◌َّهِ مِن الحديبيةِ عن المسجدِ الحرامِ
والهَدْىَ ، قال المِقْدادُ : يا نبيَّ اللَّهِ، إِنا واللَّهِ لا نَقولُ كالملاً مِن بنى إِسرائيلَ إِذ قالوا
لنبيِّهم: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤].
ولكن نقولُ: اذْهَبْ أنت وربك فقاتِلا، إنا معكما مُقاتِلون . فلما سمِع ذلك
أصحابُ نبيِّ اللَّهِ مَ الَمِ تابَعُوا (٤) على ما قال، فلمَّا رَأَى ذلك نبىُ اللَّهِ ع ◌َّ صالَح
قريشًا، ورجَع مِن عامِه ذلك(٥) .
(١) تتمة الأثر المتقدم فى ص ٢٥٧ .
(٢) فى ت ٢، ت ٣: (( تفتح)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٦/٢ عن معمر ، عن عثمان الجزرى، عن مقسم .
(٤) فى النسخ: ((تبايعوا)). والمثبت مما تقدم .
(٥) تقدم تخريجه فى ٣٠٤/٨.

٢٦٣
سورة الفتح : الآية ١٥
وقال آخرون: بل ◌ُنِى بقولِه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللّهِ﴾. إرادتُهم
الخروجَ مع نبيِّ اللَّهِ مَّهِ فى غزوه، وقد قال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُواْ
مَعِىَ أَبَدًا وَلَن نُقَلِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
◌ْسَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنَطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَّبِعْكُمْ﴾ الآية .
قال اللَّهُ له عزَّ وجلَّ حينَ رجَع من غزوِهِ: ﴿فَأُسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْ مَعِىَ
أَبَدًّا﴾ [التوبة: ٨٣] الآية. / ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهِ﴾. أرادوا أن يُغَيّروا ٨١/٢٦
كلامَ اللَّهِ الذى قال النبيِّه ◌ِ له ويَخرُجوا معه، وأتى اللَّهُ ذلك عليهم ونبيُّه عَلَه(١).
وهذا الذى قاله ابنُ زيدٍ قولٌ لا وجهَ له؛ لأن قولَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَسْتَنْذَنُوَكَ
لِلْخُرُوجِ فَقُل لَن تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا وَلَن نُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]. إنما أُنزِل على
رسولِ اللَّهِ وَ الِ مُنصَرَفَه مِن تَبَوكَ، وعُنِى به الذين تخَلَّفوا عنه حينَ توَجَّه إلى تبوكَ
لغزو الرومِ ، ولا اختلافَ بينَ أهلِ العلمِ بمغازِى رسولِ اللَّهِ بِّهِ أن تبوكَ كانت بعدَ
فتحٍ خيبرَ، وبعدَ فتح مكةَ أيضًا ، فكيف يَجوزُ أن يكونَ الأمرُ على ما وصَفْنا مَغْنِيًّا
بقولِ اللَّهِ: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهِ﴾. وهو خبرٌ عن المتخلِّفين عن
المسيرِ مع رسولِ اللهِ عَهِ - إذ شخَص معتمرًا يُرِيدُ البيتَ، فصدَّه المشركون عن
البيتِ - الذين تخلَّفوا عنه فى غزوةٍ تبوكَ، وغزوةُ تبوكَ لم تَكُنْ كانت يومَ نزَلَت
هذه الآيةُ، ولا كان أُوحِى إلى رسولِ اللهِ عَه قولُه: ﴿فَاسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن
تَخْرُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّاً﴾ .
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٣٠٢، والقرطبى فى تفسيره ١٦/ ٢٧١، وابن كثير فى تفسيره ٣٢٠/٧.

٢٦٤
سورة الفتح : الآية ١٥
فإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله مجاهدٌ وقتادةُ ،
على ما قد بَيْنًّا .
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ الَهُ ﴾؛ فقرأ
ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ كَلَمَ اللَّهِ﴾ على وجهِ
المصدرِ بإثباتِ الألفِ (١) . وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ : (كَلِمَ اللَّهِ) بغيرِ ألفٍ(٢)،
بمعنى جمع كلمةٍ. وهما عندَنا قراءتان مستفيضتان فى قرأةِ الأُمصارِ ، مُتقارِبتا
المعنى ، فبأيِتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ ، وإن كنتُ إلى قراءِتِه بالألفِ أَمْيَلَ .
وقولُه: ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه
النبيِّه محمدٍ عَ له: قلْ لهؤلاء المُخَلَّفين عن المسيرِ معك يا محمدُ : لن تَتَّبِعونا إلى
خيبرَ إِذا أرَدْنا السيرَ إليهم لقتالِهِم، ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلٌ﴾. يقولُ: هكذا
قال اللَّهُ لنا مِن قبلِ مَرْجِعِنا إليكم أن غنيمةً خيبرَ لمن شهِد الحديبيةَ معنا، ولستُم ممن
شهِدها ، فليس لكم أن تَتَّبِعونا إلى خيبرَ؛ لأن غنيمتَها لغيرِ كم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ
اَللَّهُ مِن قَبْلٌ﴾. أى: إنما جُعِلَت الغنيمةُ لأُهلِ الجهادِ ، وإنما كانت غنيمةُ خيبرَ لمن
شهِد الحديبيةَ، ليس لغيرِهم فيها نصيبٌ(٢).
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو وأبى جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢٨٠/٢.
(٢) وبها قرأ حمزة والكسائى وخلف . المصدر السابق .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢٦٥
سورة الفتح : الآيتان ١٥، ١٦
وقولُه: ﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْشُدُ ونَنَّا﴾. (١ يقولُ تعالى ذكره: فسيقولُ
[٨٣٥/٢ظ] لك ولأصحابِك يا محمدُ هؤلاء المخلَّفون من الأعرابِ - إذا قلتم لهم: لن
تَتَّبِعونا إلى الجهادِ وقتالِ العدوِّ بخيبرَ، كذلكم قال اللَّهُ من قبلُ -: بل تَحْشُدوننا١) أن
نُصيبَ معكم مغنمًا إن نحن شهدنا معكم ؛ فلذلك تمنعُوننا من الخروجِ معكم.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٨٢/٢٦
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْشُدُونَنَا﴾: أن نُصِيبَ معكم غَنائمَ .
وقولُه: ﴿بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه مَ له
وأصحابِه: ما الأمرُ كما يقولُ هؤلاء المنافقون مِن الأعرابِ؛ مِن أنكم إنما تَمْتُعونهم
مِن اتباعِكم حسدًا منكم لهم على أن يُصِيبوا(٢) معكم مِن العدوّ مَغْتَمًا ، بل كانوا لا
يَفْقَهون عن اللَّهِ ما لهم وعليهم مِن أمرِ الدينِ، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: يسيرًا، ولو عقَلوا
ذلك ما قالوا لرسولِ اللهِ والمؤمنين به وقد أخْبَروهم عن اللَّهِ تعالى ذكرُه أنه حرَّمَهم
غنائمَ خيبرَ: إنما تَمْتَعوننا مِن صحبتِكم إليها لأنكم تَحْشُدُوننا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَبِ سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ
بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرً حَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا
١٦
تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبَكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَّهِ: قلْ يا محمدُ للمُخَلَّفين من الأغرابِ عن
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نصرا)).

٢٦٦
سورة الفتح : الآية ١٦
المسير معك : ستُدْعون إلى قتالٍ قومٍ أُولى بأسٍ فى القتالِ شديدٍ .
واختَلَف أهلُ التأويلِ فى هؤلاء الذين أخْبَر اللَّهُ عزَّ وجلَّ عنهم أن هؤلاء
المخلَّفين مِن الأعرابِ يُدْعَوْن إلى قتالِهم ؛ فقال بعضُهم : هم أهلُ فارسَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبی
نجيحٍ، عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُوْلِ بَأْسِ شَدٍِ﴾: أهلِ فارسَ (١).
حدَّثْنا إسماعيلُ بنُّ موسى الفزارىُّ، قال: أخبرنا داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ ، عن ثابتٍ
الثُنانىٌّ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى ليلى فى قوله: ﴿سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسٍ
شَدِيدٍ﴾. قال: فارسَ والرومِ.
قال: أخبرنا داودُ، عن سعيدٍ ، عن الحسنِ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ، قال : قال
الحسنُ فى قولِهِ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْرٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾. قال: هم فارسُ
.(٣)
والرومُ(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٠، ٣٢١. وأخرجه البيهقى فى الدلائل ١٦٦/٤ من طريق على بن أبى طلحة ،
عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٦ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه ابن سعد ٢/ ١١٥، والبيهقى فى الدلائل ١٦٣/٤ من طريق الحكم عن ابن أبى ليلى .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٦/٢ عن معمر به، وهو فى تفسير مجاهد ص ٦٠٨ عن المبارك بن
فضالة، عن الحسن ، وأخرجه سعيد بن منصور - كما فى الدر المنثور ٧٣/٦ - ومن طريقه البيهقى فى الدلائل
١٦٥/٤ عن هشيم، عن منصور، عن الحسن، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٦ إلى ابن المنذر.

٢٦٧
سورة الفتح : الآية ١٦
قولَه: ﴿أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ﴾. قال: هم فارسُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ
أُوْلِىِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾. قال: قال الحسنُ: دُعُوا إلى فارسَ والرومِ .
/ حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ٨٣/٢٦
سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾. قال: فارسَ والرومِ .
وقال آخرون : هم ھَوازنُ بحُنَيْ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيمٌ ، قال : أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيد
ابنِ جبيرٍ وعكرمةَ فى قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هَوازنَ(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى بشرٍ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ وعكرمةَ فى هذه الآية: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِىِ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ . قال :
هوازنَ وثَقيفٍ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً : ﴿ أُوْلِ بَأْسِ
شَدِيٍ نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌ﴾. قال: ھی ھَوازنُ وغَطَفانُ يومَ حُنينٍ(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ
اُلْأَعْرَابِ سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾: فدُعُوا يومَ حُنينٍ إِلى هَوازنَ وثَقيفٍ ،
(١) تفسير مجاهد ص ٦٠٨، ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ٤ / ١٦٤، ١٦٥، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٧٢/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى الدر المنثور ٧٣/٦ - ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ١٦٧/٤ - عن
هشيم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٦ إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٦/٢ عن معمر به .

٢٦٨
سورة الفتح : الآية ١٦
فمنهم مَن أحْسَن الإجابةَ ورغِب فى الجهادٍ (١) .
وقال آخرون : بل هم بنو حنيفةً .
٠,
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزهرىِّ: ﴿ أُوْلِ بَأْسِ
شَدِيدٍ﴾. قال: بنو حنيفةً مع مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ(٢) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن هُشَيْم ، عن
أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ وعكرمةً، أنهما كانا يَزِيدان فيه هَوازنَ وبني حنيفةً(١٢) .
وقال آخرون : لم تَأْتِ هذه الآيةُ بعدُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن أبی
هريرةَ: ﴿ سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: لم تأتِ هذه الآيةُ(٤).
وقال آخرون : هم الروم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عوفٍ ، قال : ثنا أبو المغيرةِ ، قال: ثنا صَفْوانُ بنُ عمرو،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) سيرة ابن هشام ٣٢١/٣. وأخرجه أحمد فى فضائل الصحابة (١٥١٧) من طريق سلمة به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٦ إلى ابن المنذر والطبرانى.
(٣) أخرجه البيهقى فى الدلائل ١٦٧/٤ من طريق محمد بن بشار به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٦/٢ عن معمر به .

٢٦٩
سورة الفتح : الآية ١٦
قال : ثنا الفرجُ بنُ محمدِ الكَلاعُ، عن كعبٍ، قال: ﴿أُوْلِ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. قال :
(١)
الروم (١).
وأَولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقال : إن الله تعالی ذکژه أخبر عن هؤلاء
المخلَّفين مِن الأعرابِ أنهم سيُدْعَوْن إلى قتالِ قومٍ أُولى بأسٍ فى القتالِ ، ونجدةٍ فى
الحروبِ. ولم يُوضَعْ لنا الدليلُ مِن خبرٍ ولا عقلٍ / على أن المعنىَّ بذلك هَوازنُ ، ٨٤/٢٦
ولا بنو حنيفةَ، ولا فارسُ، ولا الرومُ، ولا أعيانٌ بأعيانِهم، وجائزٌ أن يكونَ عُنِى
بذلك بعضُ هذه الأجناسِ، وجائزٌ أن يكونَ عُنِى بهم غيرُهم ، ولا قولَ فيه أصُ من
أن يقالَ كما قال اللّهُ جلَّ ثناؤه: إنهم سيُدْعَوْن إلى قومٍ [٨٣٦/٢ و] أولى بأسٍ شديدٍ .
وقولُه: ﴿نُقَيِّلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمخلَّفين مِن
الأعرابِ : تُقاتِلون هؤلاء الذين تُدْعَوْن إلى قتالِهم ، أو يُسْلِمون مِن غيرِ حربٍ ولا
قتالٍ .
وقد ذُكِر أن ذلك فى بعضِ القراءاتِ: (تُقاتِلونهم أو يُسْلِموا)(٢). وعلى هذه
القراءةِ - وإن كانت على خلافٍ مصاحفٍ أهلِ الأمصارِ، وخلافًا لما عليه الحجةُ
من القرأةِ ، وغيرُ جائزةٍ عندى القراءةُ بها لذلك(٣) - تأويلُ ذلك: تُقاتِلونهم أبدًا إلا
أن يُسْلِموا، أو: حتى يُشْلِموا .
وقولُه: ﴿فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرَا حَسَنًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: فإن
تُطِيعوا اللَّهَ فى إجابتكم إياه إذا دعاكم إلى قتالِ هؤلاء القومِ الأَولى البأسِ الشديدِ،
فتُجِيبوا إلى قتالِهِم والجهادِ مع المؤمنين، ﴿يُؤْتِكُمُ اَللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾. يقولُ:
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٣٠٣، والقرطبى فى تفسيره ١٦/ ٢٧٢، وابن كثير فى تفسيره ٣٢٠/٧.
(٢) ينظر البحر المحيط ٧٤/٨.
(٣) فى ت١، ت٢، ت٣: ((كذلك)).

٢٧٠
سورة الفتح : الآيتان ١٦، ١٧
يُعطِكم اللَّهُ على إجابتكم إياه إلى حربهم الجنةَ، وهى الأجرُ الحسنُ، ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ
كُمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ﴾. يقولُ: وإن تَعْصُوا ربَّكم؛ فتُدْبروا عن طاعتِهِ، وتُخالِفوا
أمرَه، فتَتْرُكوا قتالَ الأولى الباسِ الشديدِ إذا دعيتم إلى قتالِهم، ﴿كَمَا تَوَلَيْتُم مِّنْ
قَبْلُ﴾. يقول: كما عصَيتموه فى أمرِه إياكم بالمسيرِ مع رسولِ اللهِ عْظَّه إلى مكةً،
مِن قبلٍ أن تُدْعَوْا إِلى قتالٍ أُولى البأسِ الشديدِ، ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ اللهُ ﴿عَذَابًا أَلِمَا﴾ .
یعنی : وَ جیعًا ، وذلك عذاب النارِ علی عضیانِکم إياه، وترککم جهادهم وقتالهم
مع المؤمنين .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا
عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجُ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُّ وَمَن يَنَوَلَّ
١٧
يُعَذِّيَهُ عَذَابًا أَلِيمًا
يقولُ تعالى ذكره : ليس على الأعمى منكم أيُّها الناس ضِيقٌ ، ولا على الأعرج
ضِيقٌ، ولا على المريضِ ضِيقٌ، أن يَتَخَلَّفوا عن الجهادِ مع المؤمنين، وشهودٍ
الحربِ معهم إذا هم لقُوا عدوَّهم، للعللِ التى بهم، والأسبابِ التى تَخْتَعُهم من
شهودها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ لَيْسَ عَلَى
اُلْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. قال: هذا كلُّه فى
(١)
الجهاد(١).
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٦/٢ عن معمر به .

٢٧١
سورة الفتح : الآيات ١٧ - ١٩
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، قال: ثم عذَر اللَّهُ أهلَ
العُذرِ مِن الناسِ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىَ
الْمَرِيضِ خَرٌَ﴾(١).
/ حدَّثنی يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَيْسَ ٨٥/٢٦
عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ خَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِضِ حَرَجٌ ﴾ . قال : فى الجهادِ فی
سبيل اللَّهِ .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ ، قال :
سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية. يعنى: فى
القتالِ .
وقولُه: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرٌ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورسولَه فيُجِيبَ إلى حربٍ أعداءِ اللَّهِ مِن أهلِ الشركِ ،
وإلى القتالِ مع المؤمنين ، ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ إذا دُعِى إلى ذلك، يُدْخِلْه اللَّهُ يومَ القيامةِ
جنَّاتٍ تَجرِى مِن تحتها الأنهارُ، ﴿ وَمَن يَتَوَّلَّ﴾. يقولُ: ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورسولَه،
فيَتَخَلَّفْ عن قتالِ أهلِ الشركِ باللَّهِ إذا دُعِى إليه ، ولم يَسْتَجِبْ لدعاءِ اللَّهِ ورسولِه،
يُعَذِّبْه(٢) عذابًا مُوجِعًا، وذلك عذابُ جهنمَ يومَ القيامةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿﴿ لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ
تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٣) وَمَغَانِمَ
١٩
كَثِيرَةٌ يَأْخُذُونَهَأْ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يدخله)).

٢٧٢
سورة الفتح : الآية ١٨
يقولُ تعالى ذكره : لقد رضِى اللهُ يا محمدُ عن المؤمنين بك ﴿ إِذْ يُبَايِعُونَكَ
تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. يعنى: بيعةً أصحابٍ رسولِ اللهِ عَه رسولَ اللَّهِ بالحديبيةِ حينَ
بايَعوه على مُناجَزةٍ قريشِ الحربَ، وعلى ألا يَفِرُّوا ولا يُؤَلَّوهم الدُّبُرَ ﴿ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ﴾. وكانت بيعتُهم إياه هنالك فيما ذُكِر تحتَ شجرةٍ.
وكان سببُ هذه البيعةِ ما قيل: إن رسولَ اللَّهِ مَّلِ كان أَرْسَل عثمانَ بنَ عفانَ
برسالةٍ إلى الملاَّ مِن قريشٍ ، فَأَبْطَأْ عثمانُ عليه بعضَ الإبطاءِ ، فظنَّ أنه قد قُتِل ، فدعا
أصحابَه إلى تجديدِ البيعةِ على حربهم على ما وصَفْتُ ، فبايعوه على ذلك، وهذه
البيعةُ التى تُسَمَّى بيعةَ الرِّضوانِ. وكان الذين بايعوه هذه البيعةً فيما ذُكِر فى قولٍ
بعضِهم ألفًا وأربعمائةٍ. وفى قولِ بعضِهم ألفًا وخمسمائةٍ. وفى قولِ بعضِهم ألفًا
وثلاثمائة .
ذكرُ الروايةِ بما وصَفْنا مِن سببٍ هذه البيعةِ
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال: ثنى بعضُ
أهلِ العلم، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله [٨٣٦/٢ظ] عليه وسلم دعا خِراشَ بنَ أميةً
الخُزَاعِىَّ، فبعثه إلى قريشِ بمكةً، وحمَله على جملٍ له يقالُ له: الثعلبُ. ليُتَلِّغَ أشرافَهم
عنه ما جاء له، وذلك حينَ نزَل الحديبيةَ، فعقَروا به جملَ رسولِ اللَّهِ عَهِ ، وأرادوا
قتلَه، فمنَعَتْه الأحابيشُ، فخلَّوا سبيله، حتى أَتَّى رسولَ اللَّهِ عَ﴾(١).
قال : ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فحدَّثنى مَن لا أَنَّهِمُ ، عن عكرمةً مولی
:
٨٦/٢٦ ابنِ عباس، أن / رسولَ اللَّهِ مَّ لَّهِ دعا عمرَ بنَ الخطابِ ليَبْعَثَه إلى مكةَ، فيُبَلِّغَ عنه
أُشرافَ قريشٍ ما جاء له ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ إِنى أخافُ قريشًا على نفسى ، وليس
(١) سيرة ابن هشام ٢ / ٣١٤، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٦٣١/٢.

٢٧٣
سورة الفتح : الآية ١٨
بمكةً مِن بنى عَدِىِّ بنِ كعبٍ أحدٌ يَمْنَعُنى، وقد عرَفَت قريشٌ عَداوتى إياها ، وغِلْظتى
عليهم، ولكنى أَدُلَّك على رجلٍ هو أعزُّ بها منى، عثمانُ بنُ عفانَ . فدعا رسولُ
اللّهِ عَِّ عثمانَ ، فبعثه إلى أبى سفيانَ وأشرافٍ قريشٍ يُخْبِرُهم أنه لم يَأْتِ لحربٍ،
وإنما جاء زائرًا لهذا البيتِ ، مُعَظِّمًا لحرمتِه، فخرَج عثمانُ إلى مكةَ ، فلقِيه أبانُ بنُ
سعيدِ بنِ العاصِ حينَ دخَل مكةً أو قبلَ أن يَدْخُلَها، فنزَل عن دايتِه، فحمَله بينَ
يديه، ثم ردَفه وأجاره، حتى بلَّغ رسالةَ رسولِ اللَّهِ سَمِ ، فانْطَلَق عثمانُ حتى أتَى أبا
سفيانَ وعظماءَ قريشٍ، فبلَّغهم عن رسولِ اللَّهِ نَّمِ ما أرْسَله به، فقالوا لعثمانَ حينَ
فرَغْ مِن رسالةِ رسولِ اللَّهِ عَ لَّه إليهم: إن شئتَ أن تَطوفَ بالبيتِ فطُفْ به . قال : ما
كنتُ لأفعلَ حتى يَطوفَ به رسولُ اللَّهِ عَِّ. فاخْتَبَسَته قريشٌ عندَها، فبلغ رسولَ
اللَّهِ عَهْلِ والمسلمين أن عثمانَ قد قُتِل(١).
قال: ثنا سلمةُ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: فحدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ أبى بكرٍ ، أن
رسولَ اللَّهِ مِ لْهِ حينَ بلَغه أن عثمانَ قد قُتِل، قال: ((لا نَبْرَحُ حتى نُنَاجِزَ القومَ)).
ودعا الناسَ إلى البيعةِ ، فكانت بيعةُ الرّضوانِ تحتَ الشجرةِ ، فكان الناسُ يقولون :
بايَعَهم رسولُ اللَّهِ عَ لَّمِ على الموتِ. فكان جابر بنُ عبدِ اللَّهِ يقولُ: إن رسولَ اللَّهِ عَ لـ
لم يُابِعْنا على الموتِ، ولكنه بايَعَنا على ألا نَفِّ، فبايَع رسولَ اللَّهِ صَ لِّ الناسُ، ولم
يَتَخَلَّفْ عنه أحدٌ من المسلمين حضَرها ، إلا الجَدُّ بنُ قيسٍ أخو بنى سَلِمةً، كان
جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ يقولُ: لَكأنى أَنْظُرُ إليه لاصقًا يابطِ ناقتِه ، قد اخْتَبأُ إليها ، يَسْتَتِرُ بها
مِن الناسِ، ثم أتَى رسولَ اللَّهِ مَ لَّهِ أن الذى ذُكِر مِن أمرٍ عثمانَ باطلٌ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسدىُّ ، قال : ثنا ◌ُبیدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال : أخبرنا
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٥. وأخرجه المصنف فى تاريخه ٢ / ٦٣١.
(٢) سيرة ابن هشام ٢ / ٣١٥، ٣١٦، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٦٣٢، وأخرجه البيهقى فى الدلائل
( تفسير الطبرى ١٨/٢١ )
١٣٥/٤ من طریق محمد بن إسحاق به .

٢٧٤
سورة الفتح : الآية ١٨
موسى بنُ عُبيدةَ، عن إياسٍ بنِ سلَمة ، قال : قال سلمةُ : بينما نحن قائلون زمن
الحديبية ؛ نادى منادى رسولِ اللهِ مَالنمل أيها الناسُ: البيعةَ البيعةً، نزَل رومحُ القدسِ
صلواتُ اللهِ عليه. قال: فُوْنا إلى رسولِ اللهِ عَّه وهو تحتَ شجرةٍ سمُرةٍ . قال:
فبايَعْناه، وذلك قولُ اللَّهِ: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَةَ﴾(١).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانِ اليَشْكُرِىُّ، قال: ثنا محمدُ بنُّ يزيدَ، عن إسماعيلَ ،
عن عامٍ، قال : كان أولَ مَن بايَع بيعة الرضوانِ رجلٌ مِن بنى أسدٍ يقالُ له : أبو سِنانٍ
(٢)
ابنُ وهب(٢) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا يحيى بنُّ حمادٍ ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةً، عن
سعيدِ بنِ المسيبٍ، قال: كان جَدِّى يقالُ له: حَزْنٌ. وكان ممن بايَع تحتَ
الشجرةِ(٣) . قال(٤) : فَأَتَّيْناها مِن قابلٍ، فَعُمِّيَت علينا(٥).
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٦٣٢، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ٤٤٢، وابن أبى حاتم - كما فى
تفسير ابن كثير ٣٢٢/٧ من طريق عبيد الله بن موسى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٦ إلى
ابن مردويه .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٦٣٢، وأخرجه ابن سعد فى الطبقات ١٠٠/٢ من طريق إسماعيل بن أبى
خالد به .
(٣) كذا روى المصنف فى هذا الأثر أن جد سعيد كان ممن بايع تحت الشجرة، وهو خطأ، فإن المصادر
مجمعة على أن أباه المسيب بن حزن هو الذى بايع تحت الشجرة . ولعل أحد رجال سند هذا الأثر خلط بينه
وبين الأثر المروى عن سعيد بن المسيب قال: كان اسم جدى حزنا، فقال له النبى معَّمِ: (( ما اسمك؟)) قال:
حزن. قال: ((لا، بل أنت سهل)). قال: لا أغير اسمى .... تنظر ترجمة حزن فى الاستيعاب ١/ ٤٠١،
وأسد الغابة ٢ / ٤، والإصابة ٢/ ٦١، ٦٢. وترجمة المسيب بن حزن فى الاستيعاب ٣/ ١٤٠٠، وأسد الغابة
١٧٧/٥، والإصابة ٦/ ١٢١.
(٤) سقط من النسخ، وأثبتناها ليستقيم السياق .
(٥) بعده فى النسخ: ((حدثنا ابن المثنى قال حدثنا يحيى بن حماد قال)).

٢٧٥
سورة الفتح : الآية ١٨
حدَّثنى يونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى عمرُو بنُ الحارثِ ، عن
◌ُكيرِ بنِ الأَشَجِّ أنه بلغه أن الناسَ بايَعوا رسولَ اللَّهِ مَِّ على الموتِ، فقال رسولُ
اللَّهِ مَهِ: ((على ما استَطَعتم)). والشجرةُ التى بُويع تحتَها بفَجِّ / نحوَ مكةً، وزعَموا ٨٧/٢٦
أن عمرَ بنَ الخطابِ رضِى اللَّهُ عنه مرَّ بذلك المكانِ بعدَ أن ذهَبَت الشجرةُ ، فقال:
أين كانت؟ فجعلَ بعضُهم يقولُ: هلهنا. وبعضُهم يقولُ: هلهنا. فلما كثُر
اختلافُهم قال: سِيروا، هذا التكلفُ. فذهَبَت الشجرةُ، وكانت سَمُرةٌ (١)، إما
ذهَب بها سَيْلٌ ، وإما شىءٍ سوى ذلك(٢).
ذكرُ عددِ الذين بايعوا هذه البيعةً
وقد ذكّرنا اختلافَ المختلفين فى عددِهم، ونَذْكُرُ الرواياتِ عن قائلى المقالاتِ
التى ذكَرْناها إن شاء اللَّهُ تعالى .
ذكرُ مَن قال: عددُهم ألفٌ وأربعمائةٍ
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن
الأعمش، عن أبى سفيانَ، [٨٣٧/٢و] عن جابرٍ، قال: كنا يومَ الحديبيةِ ألفًا
وأربعَمائةٍ ، فبايَغْنا رسولَ اللَّهِ يَِّمِ على ألَّ نَفِرُّ، ولم نُبايعه على الموتِ . قال : فبايَعْناه
كلُّنا إلا الجدَّ بنَ قيسٍ ، اخْتَبأ تحتَ إبطِ ناقتِه(٣) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال(٤) : أخبرنى القاسمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
= والأثر أخرجه البخارى (٤١٦٢)، ومسلم (١٨٥٩) من طريق قتادة به بنحوه. وأخرجه أحمد ٤٣٣/٥
(الميمنية)، والبخارى (٤١٦٣ - ٤١٦٥)، وابن سعد ٩٩/٢، والبيهقى فى الدلائل ٤/ ١٤٢، ١٤٣ من
طريق آخر عن سعيد بن المسيب بنحوه .
(١) فى م: ((سمراء)).
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٠٤/٧، ٣٠٥.
(٣) أخرجه أبو يعلى (١٩٠٨، ٢٣٠١) من طريق الأعمش به .
(٤) بعده فى النسخ: ((قال ابن زيد)). والمثبت من مصدر التخريج .

٢٧٦
سورة الفتح : الآية ١٨
عُمرَ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنهم كانوا يومَ الحديبيةِ أربعَ
عشْرةَ مائةً، فبايَعْنا رسولَ اللَّهِ عَظِهِ وعمرُ آخِذٌ بيدِه تحتَ الشجرةِ، وهى سَمُرَةٌ ،
فبايَغْناهُ(٢) غيرَ الجدِّ بنِ قيس الأنصارىِّ، اخْتَبأ تحتَ إبطٍ بعيرِهِ. قال جابرٌ: بايَعْنا
رسولَ اللَّهِ ◌ِّهِ على ألا نَفِرَّ، ولم نُبَايِعْه على الموتِ(٣).
حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى القَطَّنُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عبدِ الملكِ وسعيدُ بنُ
شُرَحْبِيلَ المصرىُّ ، قالا : ثنا ليثُ بنُ سعدِ المصرىُّ، قال : ثنا أبو الزبيرِ ، عن جابرٍ،
قال : كنا يومَ الحديبيةِ ألفًا وأربعمائةٍ ، فبايَعْناه وعمرُ آخذٌ بيدِه تحتَ الشجرةِ ، وهی
سَمُرةٌ، فبايَعْناه على ألا نَفِرَّ، ولم نُبَايِعْه على الموتِ (١). يعنى: النبىَّ عَلَه.
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ وابنُ المثنَّى ، قالا : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ،
عن سعيدِ بنِ المسيبِ أنه قيل له: إن جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ: إن أصحابَ الشجرةِ
كانوا ألفًا وخمسمائةٍ. قال سعيدٌ: نسِى جابرٌ، هو قال لى: كانوا ألفًا وأربعمائةٍ(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن الأعمشِ،
عن أبى سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كنا أصحابَ الحديبيةِ أربعَ عشْرةَ مائَةً (٥).
(١) فى النسخ: ((عمرو)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٧٥/٢٣، ٣٧٦.
(٢) فى م، ت ١: ((فبايعنا)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٦٣٢.
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٦٢١، وأخرجه البيهقى ١٤٦/٨ من طريق أبى الوليد هشام بن عبد الملك
به، وأخرجه أحمد ١٢٥/٢٣ (١٤٨٢٣)، والدارمى ٢٢٠/٢، ومسلم (١٨٥٦/ ٦٧)، والنسائى فى
الكبرى (١١٥٠٩)، وابن حبان (٤٨٧٥)، والبيهقى فى الدلائل ٤ /٩٨، ١٣٦ من طريق الليث به.
(٤) أخرجه البخارى (٤١٥٣) من طريق سعيد به بنحوه. وأخرجه الإسماعيلى - كما فى تغليق التعليق
١٢٤/٤ - والبيهقى فى الدلائل ٩٧/٤ من طريق قتادة به بنحوه. والذى فى المصادر أن قتادة ذكر لسعيد بن
المسيب أنه بلغه أن جابرًا كان يقول : كانوا أربع عشرة مائة . فقال سعيد : يرحمه الله ، وهم، هو حدثنى أنهم
كانوا خمس عشرة مائة .
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٦٢١.

٢٧٧
سورة الفتح : الآية ١٨
ذكرُ مَن قال: كانت عِدَّتُهم ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال : ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه،
عن ابنِ عباس: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. قال:
كان أهلُ البيعةِ تحتَ الشجرةِ ألفًا وخمسمائةٍ وخمسةً وعشرين(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الذين بايعوا
رسولَ اللَّهِ عَ لِ تحتَ الشجرةِ فجُعِلَت لهم مَغانمُ خيبرَ كانوا يومَئذٍ خمسَ عشرةَ
مائةً ، وبايَعوا على ألا يَفِرُّوا عنه (٢).
٨٨/٢٦
/ ذكرُ مَن قال: كانوا ألفًا وثلاثمائةٍ
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال : ثنا أبو داودَ ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرو بنٍ مرةً،
قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ أبى أوْفَى يقولُ: كنا (١) يومَ الشجرةِ ألفًا وثلاثمائةٍ ، وكانت
أسلمُ يومَئذٍ ثُمُنَ(٤) المهاجرين(٥) .
وقولُه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ . يقول تعالى ذكره: فعلِم ربُّك يا محمدُ ما فى
قلوب المؤمنين مِن أصحابِك ، إذ يُبابِعونك تحتَ الشجرةِ ، مِن صدقِ النيةِ ، والوفاءِ
بما يُيابِعِونك عليه، والصبرِ معك، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: فَأَنْزَل
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٦٢١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٦ إلى ابن مردويه.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد. وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٦/٢ عن
معمر عن قتادة ، وفيه أنهم كانوا أربع عشرة مائة .
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: (( كانوا)).
(٤) فى النسخ: ((من)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٥) أخرجه مسلم (١٨٥٧)، والمصنف فى تاريخه ٦٢١/٢ عن محمد بن المثنى به، وأخرجه الطيالسى (٨٥٨) -
ومن طريقه ابن سعد ٢ / ٩٨، والإسماعيلى - كما فى التغليق ١٢٥/٤ - والبيهقى فى الدلائل ٤/ ٩٥، وأخرجه
البخارى (٤١٥٥) من طريق شعبة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٦ إلى ابن مردويه.

٢٧٨
سورة الفتح : الآية ١٨
الطمأنينةَ والثباتَ على ما هم عليه مِن دينهم، وحسنٍ بَصيرتِهم بالحقِّ الذى هداهم
اللَّهُ له .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِى
قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾. أى: الصبرَ والوَقَارَ(١).
وقولُه: ﴿وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. يقولُ: وعوَّضهم فى العاجلِ مما رجَوًا
الظَّفَرَ به مِن غنائم أهل مكةً ، بقتالهم أهلَها فتحًا قريبًا ، وذلك فيما قيل : فتحُ خيبرَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن الحكم، عن
(٢)
ابنِ أبى ليلى: ﴿ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ . قال : خيبرُ"
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا
قَرِيبًا ﴾ : وهی خیبرُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه :
(وَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال: بلَغَنى أنها خيبرُ(١) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن سعد ٢/ ١١٥، والبيهقى فى الدلائل ١٦٣/٤ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٧٤/٦ إلى سعيد به منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٦/٢ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٦ إلى عبد بن حميد.

٢٧٩
سورة الفتح : الآيات ١٩ - ٢١
وقولُه: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَأُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأثاب اللَّهُ هؤلاء
الذين بايعوا رسولَ اللَّهِ مَ الهِ تحتَ الشجرةِ، مع ما أكْرَمَهم به مِن رضاه عنهم،
وإنزالِه السكينةَ عليهم، وإثابته إياهم فتحًا قريبًا - معه مغانمَ كثيرةً يَأْخُذونها مِن
٥
أموالٍ يهودٍ خيبرَ، فإن اللَّهَ جعَل ذلك خاصةً لأهلِ بيعة الرضوانِ دونَ غيرِهم .
وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. يقولُ: وكان اللَّهُ ذا عزةٍ فى انتقامِه
ممن انْتَقَم مِن أعدائِه، حكيمًا فى تدبيرِه خلقَه، وتصريفِه إياهم فيما شاء مِن
قضائه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٌ تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ
لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ ، وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا ٨٩/٢٦
وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اَللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
٢٠
مُسْتَقِيمًا(
٢١
قَدِیرًا
يقولُ تعالى ذكرُه لأُهلِ بيعة الرضوانِ : وَعَدكم اللهُ أيُّها القومُ مغانمَ كثيرةً
تأخذونها .
اختلف أهلُ التأويلِ فى هذه المغانم التى ذكَر اللَّهُ أنه وعَدَها هؤلاء القومَ أُّ
المغانم هى؛ فقال بعضُهم: هى كلُّ مَغْنَم غنَّمها اللَّهُ المؤمنين به مِن أموالِ أهلِ
الشركِ، [٨٣٧/٢ظ] مِن لَدُن أَنْزَل هذه الآيةَ على لسانٍ نبيّه عَلَه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ﴾. قال: المغانمُ الكثيرةُ التى

٢٨٠
سورة الفتح : الآية ٢٠
وُعِدوا، ما (يَأْخُذون حتى١) اليومِ(٣) .
وعلى هذا التأويلِ يَخْتَمِلُ الكلامُ أن يكونَ مُرادًا بالمغانم الثانيةِ المغانمُ الأولى،
ويكونَ معناه عندَ ذلك: فأثابهم فتحًا قريبًا، ومغانمَ كثيرةً يَأْخُذونها، وعَدَكم اللَّهُ
أيُّها القومُ هذه المغانمَ التى تَأْخُذونها، وأنتم إليها واصِلون عِدَةً، فجعَل لكم الفتح
القريبَ مِن فتح خيبرَ، ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الثانيةُ غيرَ الأولى، وتكونَ الأولى مِن
غنائم خيبرَ، والغنائمُ الثانيةُ التى وعَدَهموها مِن غنائمِ سائرِ أهلِ الشركِ سِواهم .
وقال آخرون: هذه المغائمُ التى وعَد اللَّهُ هؤلاء القومَ هی مغائمُ خيبرَ .
ذکژُ مَن قال ذلك
حدَّثنی یونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَعَدَكُمُ
اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٌ تَأْخُذُونَهَا ﴾. قال: يومَ خيبرَ. قال: كان أبى يقولُ ذلك(٣).
وقولُه: ﴿ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى التى عُجَّلَت لهم ؛
فقال جماعةٌ : غنائمُ خيبرَ، والمؤَّرةُ سائرُ فتوحِ المسلمين بعدَ ذلك الوقتِ إلى قيامِ
الساعةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾. قال: عجّل لكم خيبرَ" .
(١ - ١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((يأخذونها إلى)).
(٢) تفسیر مجاهد ص ٦٠٨.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٧٨/١٦.