النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
سورة الفتح : الآيتان ١، ٢
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً، عن أنسٍ بنحوِه، غيرَ
أنه قال فى حديثه: / فقال رجلٌ مِن القوم: هَنيئًا لك مريئًا يا رسولَ اللهِ. وقال أيضًا: ٧٠/٢٦
فبينَّ اللهُ ماذا يَفْعَلُ بنبيّه عليه الصلاةُ والسلامُ، وماذا يَفْعَلُ بهم(١).
حدَّثنا [٨٣٢/٢و] ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ، قال :
نزَلَت على النبيِّ ◌َّهِ: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. مَرْجِعَه مِن
الحديبيةِ، فقال النبيُّ عَّ له: ((لقد نزَلَتْ علىَّ آيَةٌ أحبُّ إلىَّ مما على الأرضِ)). ثم
قرَأَها عليهم ، فقالوا: هَنيئًا مَريئًا يا نبيَّ اللهِ، قد بيَّ اللهُ تعالى ذكرُه لك ماذا يَفْعَلُ
بك، فماذا يَفْعَلُ بنا؟ فنزَلَت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَخِهَا
اُلْأَنْهَرُ﴾. إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ،
عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا
تُبِينًا ويا
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُنِّمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾. قالوا: هَنيئًا مريئًا لك يا رسولَ اللهِ، فماذا لنا؟
فنزَلَت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَخِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا
ج ، (٣)
وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾(١).
(١) أخرجه أبو يعلى (٢٩٣٢، ٣٢٠٤)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٨٦، من طريق يزيد به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٥/٢ - ومن طريقه الترمذى (٣٢٦٣) - عن معمر، عن قتادة ، عن
أنس .
(٣) أخرجه أحمد ١٧٦/٢٠، ١٧٧ (١٢٧٧٩)، والبخارى (٤١٧٢)، وأبو يعلى (٣٢٥٢)، والبيهقى
٩/ ٢٢٢، وفى الدلائل ٤ / ١٥٧، ١٥٨ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٦ إلى سعيد
ابن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه .
( تفسير الطبرى ١٦/٢١ )

٢٤٢
سورة الفتح : الآيتان ١، ٢
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، قال:
سمِعْتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن أنسٍ فى هذه الآيةِ: ﴿ إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ، قال:
2(١)
الحديبيةَ(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن
الأعمش، عن أبى سفيانَ، عن جابرٍ ، قال: ما كنا نَعُدُّ فتحَ مكةَ إلا يومَ
.(٢)
الحديبية(٢).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ عُبيدٍ ، عن عبدِ العزيزِ بنِ سِياهٍ ، عن حَبيبٍ
ابنِ أبى ثابتٍ، عن أبى وائلٍ، قال: تكَلَّم سهلُ بنُ حُنَيْفٍ يومَ صِفِّينَ ، فقال: أيُّها
الناسُ اتَّهِموا أنفسكم ، لقد رَأيْتُنا يومَ الحديبيةِ - يَعْنى الصلحَ الذى كان بينَ رسولٍ
اللهِ عَلَه وبينَ المشركين - ولو نَرَى قتالًا لَقاتَلْنا، فجاء عمرُ إلى رسولِ اللهِ عَّهِ ،
فقال: يا رسولَ اللهِ ، ألسنا على حقِّ وهم على باطلٍ؟ أليس قَتْلانا فى الجنةِ وقَتْلاهم
فى النارِ؟ قال: ((بلى)). قال: ففِيمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فى ديننا، ونَرْجِعُ ولمّاً يَحْكُم اللهُ
بيننا وبينَهم؟ فقال: ((يابنَ الخطابِ، إنى رسولُ اللهِ، ولن يُضَيِّعَنى أبدًا)). قال:
فرجَع وهو مُتَغَيِّظٌ، فلم يَصْبِرْ حتى أتَى أبا بكرٍ ، فقال: يا أبا بكرٍ ، أَشْنا على حقٍّ
وهم على باطلٍ؟ أليس قَتلانا فى الجنةِ وقَتلاهم فى النارِ؟ قال: بلى. قال: ففيمَ
نُعْطِى الدنيةَ فى ديننا، وتَرْجِعُ ولَّ يَحْكُمِ اللهُ بينَنا وبينَهم؟ فقال: يابن
الخطابِ، إنه رسولُ اللهِ، لن يُضَيِّعَه اللهُ أبدًا. قال: فنزَلَت سورةُ ((الفتحِ))،
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٩/١٤، والبخارى (٤٨٣٤)، والبيهقى فى الدلائل ١٥٧/٤، من طريق
محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن سعد ٢ / ١٠٤، وأبو يعلى (٣٢٥٣) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٦٨/٦ إلى ابن مردويه .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٠٧/٧ عن الأعمش به .

٢٤٣
سورة الفتح : الآيتان ١، ٢
فأرسَل رسولُ اللهِ مِّهِ إلى عمرَ، فَأَقْرَأَه إياها، فقال: يا رسولَ اللهِ، أَوَ فتحّ هو؟
قال: ((نعم )) ().
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن
الأعمش، عن أبى سفيانَ ، عن جابرٍ، قال: ما كنا نَعُدُّ الفتحَ إلا يومَ الحديبيةِ .
/ حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ ٧١/٢٦
قال: تَعُدُّون أنتم الفتحّ فتْحَ مكةً، وقد كان فتحُ مكةَ فتحًا، ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةً
الرضوانِ يومَ الحديبيةِ، كنا مع رسولِ اللهِ صَلّمِ " خمسَ عشرةَ" مائةً. والحديبيةُ
6
حدَّثنى موسى بنُ سهلِ الرَّمْلىُّ، ثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: ثنا مُجَمِّعُ بنُ
يعقوب الأنصارىُّ ، قال: سمعتُ أبی ◌ُحَدِّثُ ، عن عمّه عبد الرحمنِ بنِ یزیدَ ، عن
عمِّه مُجَمِّعٍ بنِ جاريةَ الأنصارىِّ، وكان أحدَ القُرَّاء الذين قرَءوا القرآنَ ، قال :
شَهِدْنا الحديبيةَ مع رسولِ اللهِ مَ ◌ّهِ، فلمَّا انْصَرَفْنا عنها، إذا الناسُ يَهُزُّون الأباعِرَ،
فقال بعضُ الناسِ لبعضٍ: ما للناس؟ قالوا: أُوحِى إلى رسولِ اللهِ مَّ اله: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا
(١) أخرجه أحمد ٣٤٨/٢٥، ٣٤٩ (١٥٩٧٥)، والبخارى (٤٨٤٤)، والنسائى فى الكبرى
(١١٥٠٤)، والبيهقى ٩/ ٢٢٢، ٢٢٣ من طريق يعلى بن عبيد به. وأخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ٤٣٨،
٤٣٩، ٣١٧/١٥ - ٣١٩، ومسلم (١٧٨٥)، والطبرانى (٥٦٠٤) ١٠٩/٦ من طريق عبد العزيز بن سياه
به، وعزاه السیوطی فی الدر المنثور ٧٩/٦ إلى ابن مردويه .
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. وفى مصادر التخريج، عدا طبقات ابن سعد: ((أربع
عشرة )) .
(٣) أخرجه أحمد ٥٣٢/٣٠، ٥٣٣، ٦١٣ (١٨٥٦٣، ١٨٥٦٤، ١٨٦٧١) عن وكيع به ، وأخرجه
البخارى (٤١٥٠)، وابن حبان (٤٨٠١)، والبغوى فى شرح السنة (٣٨٠١)، والبيهقى ٢٢٣/٩ من طريق
إسرائيل به، وأخرجه ابن سعد فى الطبقات ١٠٥/٢ من طريق أبى إسحاق به مختصرًا، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٦٨/٦ إلى ابن مردويه .

٢٤٤
سورة الفتح: الآيتان ١، ٢
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾. فقال رجلٌ: (١ وفتح) هو يا رسولَ اللهِ؟ قال:
لَكَ فَتْحًا مُبِينًا
((نعم، والذى نفسى بيدِه، إنه لَفتحٌ)). قال: فقُسّمَت خيبرُ على أهلِ الحديبيةِ ، لم
يَدْخُلْ معهم فيها أحدٌ إلا مَن شَهِد الحديبيةَ، وكان الجيشُ ألفًا وخمسمائةٍ، فيهم
ثلاثمائةٍ فارسٍ، فقسّمها رسولُ اللهِ نَّمِ على ثمانيةَ عشَرَ سهمًا، فأعْطَى الفارسَ
سهمين، وأعْطَى الراجلَ سهمًا (١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مغيرةً، عن الشعبىِّ، قال: نزَلَت: ﴿إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. بالحديبيةِ، وأصاب فى تلك الغزوةِ ما لم يُصِبْ ) فى غزوةٍ؛
أصاب أن بويع بيعة الرضوانِ ، وغُفِر له ما تقَدَّم من ذنبه وما تأخّر، وظهَرَت الروم على
فارسَ، وبلَغ الهَدْىُ مَحِلَّه، وأَطْعِموا نخلَ خيبرَ، وفرِح المؤمنون بتصديقِ النبىِّ عَّهِ،
[٨٣٢/٢ظ] وبظهورِ الرومٍ على فارسَ(٤).
وقولُه تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُمْ عَلَيْكَ﴾. بإظهارِهِ إياك على عدوّك، ورفعِه
ذكرَك فى الدنيا، وغفرانِه ذنوبَك فى الآخرةِ، ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
(١ - ١) فى م: ((أو فتح)). وهو موافق لبعض مصادر التخريج. والمثبت من سائر النسخ موافق لما فى مسند
أحمد .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٣٦)، والحاكم ٢/ ١٣١، والبيهقى ٣٢٥/٦، وفى الدلائل ٢٣٩/٤ من
طريق محمد بن عيسى به، وأخرجه ابن سعد ١٠٥/٢، وابن أبى شيبة ٤٣٧/١٤، ٤٣٨، وأحمد
٢١٢/٢٤، ٢١٣ (١٥٤٧٠)، والدارقطنى ١٠٥/٤، ١٠٦ من طريق مجمع بن يعقوب به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/٦ إلى ابن مردويه .
(٣) فى م: (( يصبه)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٢٢٥، والبيهقى فى الدلائل ٤/ ١٦٢، ١٦٣ من طريق مغيرة به ،
وأخرجه سعيد بن منصور - كما فى الفتح ٤٤٢/٧ - من طريق الشعبى، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/٦
إلى ابن المنذر .

٢٤٥
سورة الفتح: الآيات ٢ - ٤
يقولُ: ويُوْشِدَك طريقًا مِن الدينِ لا اعْوِجاجَ فيه، يَسْتَقِيمُ بك إلى رضا ربِّك،
﴿ وَصُرَكَ اَللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾. يقولُ: ويَنْصُرَّكُ اللهُ على سائرِ أعدائِك ومَن ناوَأَك،
نصرًا لا يَغْلِبُه غالبٌ ولا يَدْفَعُه دافعٌ؛ للبأسِ الذى يُؤَيِّدُك اللهُ به، وبالظَّفَرِ الذى يَمُدُّك
به .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ اُلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوّا
إِيمَنَا مَعَ إِيَمَنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
٤
يعنى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿ هُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: اللهُ
الذى(١) أَنْزَل السكونَ والطَّمأنينةَ فى قلوبِ المؤمنين باللهِ ورسوله ، إلى الإيمانِ والحقِّ
الذى بعثَك اللهُ به يا محمدُ .
وقد مضَى ذكرُ اختلافِ أهلِ التأويلِ فى معنى السكينةِ قبلُ، والصحيحِ مِن
(٢)
القولِ فى ذلك، بالشواهدِ المُغْنِيَةِ عن إعادتِها فى هذا الموضعِ .
﴿ ◌ِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِهِمْ﴾. يقولُ: ليَزْدادوا بتصديقهم بما جدَّد(٢) اللهُ
مِن الفرائضِ التى أَلْزَمَهموها ، التى لم تَكُنْ لهم لازمةً، إيمانًا(١) ﴿مَعَ إِيمَنِهِمْ﴾.
يقولُ: لِيَزْدادوا إلى إيمانِهم بالفرائضِ التى كانت لهم لازمةً قبلَ ذلك .
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٧٢/٢٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی عليٌّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
(١) سقط من: م، ت ١.
(٢) ينظر تقدم فى ٤٦٧/٤ - ٤٧٢.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حدد)).
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٢٤٦
سورة الفتح : الآيتان ٤ ، ٥
فى قوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِنَةَ فِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: السكينةُ
الرحمةُ ، ﴿ لِيَزْدَادُواْ إِيَمَنَّا مَّعَ إِيَنِهِمْ﴾. قال: إن اللهَ جلُّ ثناؤُه بعَث نبيِّه ◌ِوَعِ
بشهادةٍ ألا إلهَ إلا اللهُ، فَلَمَّا صدَّقوا بها زادَهم الصلاةَ، فلمَّا صدَّقوا بها زادَهم
الصيامَ ، فلمَّا صدَّقوا به زادهم الزكاةَ ، فلما صدَّقوا بها زادهم الحجّ، ثم أكمَل لهم
دينَهم فقال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣]. قال
ابنُ عباسٍ : فأؤْثَقُ إيمانِ أهلِ الأرضِ وأهلِ السماواتِ، وأَصْدَقُه وأكملُه، شهادةٌ
ألا إله إلا اللهُ(١).
وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وللهِ جنودُ
السماواتِ والأرضِ أنصارٌ، يَنْتَقِمُ بهم ممن يَشاءُ مِن أعدائِه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
تَكِيمًا﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَزَلِ اللهُ ذا عِلمٍ بما هو كائنٌ قبلَ كونِه، وما خَلْقُه
عاملوه، حكيمًا فى تدبيره .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لِدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اَللَّهِ فَوْزًا
عَظِيمًا
يقولُ تعالى ذكرُه : إنا فتَحْنا لك فتحًا مبينًا؛ لتَشْكُرَ ربَّك وتَحْمَدَه على ذلك ،
فِيَغْفِرَ لك ما تقَدَّم مِن ذنبك وما تأخّر ، وليَحْمَدَ ربَّهم المؤمنون بالله ، ويَشْگروه على
إنعامِه عليهم بما أنعم به عليهم ، مِن الفتح الذى فتحه وقضاه بينهم وبينَ أعدائِھم مِن
المشركين، بإظهارِه إياهم عليهم - فيُدْخِلَهم بذلك جناتٍ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ
(١) أخرجه الطبرانى فى الكبير (١٣٠٢٨)، والبيهقى فى الدلائل ٤ /١٦٨، من طريق عبد الله بن صالح به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه .

٢٤٧
سورة الفتح : الآية ٥
ماكِثين فيها إلى غيرِ نهايةٍ ، ولِيُكَفِّرَ عنهم سيِّىَّ أعمالِهِم، بالحسناتِ التى يَعْمَلونها
شكرًا منهم لربِّهم على ما قضَى لهم، وأنْعَم عليهم به، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا
عَظِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان ما وعَدهم اللهُ مِن هذه العِدَةِ ؛ وذلك
إدخالُهم جناتٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ، وتكفيرُه سيئاتِهم بحسناتٍ أعمالهم التى
يَعْمَلونها - عندَ اللهِ لهم، ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: ظَفَرًا منهم بما كانوا تَأْمَّلوه
ويَسْعَوْن له، ونجاةً مما كانوا يَحْذَرونه(١) مِن عذابِ اللهِ، عظيمًا .
وقد تقَدَّم ذكرُ الروايةِ أن هذه الآيةَ نزَلَت لمّ قال المؤمنون لرسولِ اللهِ عَلَه -
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ
إذ(٣) تلا عليهم قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِيْنَا
مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ - : هذا لك يا رسولَ اللهِ ، فماذا لنا ؟ تَثْبِينًا مِن اللهِ لهم ما هو
فاعلٌ بهم .
حدّثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحِهَا الْأَنْهَرُ ﴾. إلى قولِه:
﴿ وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: فَأَعْلَم اللهُ سبحانَه نبيّه عليه الصلاةُ والسلامُ(٤).
/ قولُه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾. على اللامِ مِن قولِه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا ٧٣/٢٦
تَّقَّدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾. بتأويلِ تكريرِ الكلامِ: إِنَّا فَتَحْنا لك فتحًا مُبينًا لِيَغْفِرَ لك اللهُ، إنا
فتَحْنا لك ليُدْخِلَ المؤمنين والمؤمناتِ جناتٍ تَّجْرِى مِن تحتها الأنهارُ. ولذلك لم
تَدْخُلِ الواوُ التى تَدْخُلُ فى الكلامِ للعطفِ ، فلم يَقُلْ: ولِيُدْخِلَ المؤمنين .
(١) بعده فى م: (( به)) .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( يجدونه)).
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((أو)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه، بلفظ: (( ...
فأعلم الله سبحانه نبيه ما يفعل به وبالمؤمنين جميعًا )) .

٢٤٨
سورة الفتح: الآيتان ٦ ، ٧
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكَتِ الَّائِينَ بَللَّهِ ظَنَّ السَّوْءٍ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَّهُمْ
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا
٧
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه ◌َ له: إنا فتَحْنا لك فتحًا مبينًا لِيَغْفِرَ لك اللهُ، ولِيُدْخِلَ
المؤمنين والمؤمناتِ جناتٍ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ، ولِيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقاتِ،
بفتح ١) اللهِ لك يا محمدُ مافتَح لك، مِن نصرِك على مشركى قريش، فيُكْبَتوا(٢)
لذلك ويَحْزَنوا، ويُخَيِّبَ رجاءَهم الذى كانوا يَرْجُون مِن رؤيتِهم فى أهلِ الإيمانِ
بك مِن الضعفِ والوَهْنِ والتوَلَى عنك فى عاجلِ الدنيا ، وصِلِىِّ النارِ والخلودِ فيها فى
آجلِ الآخرةِ، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ﴾. يقولُ: ولِيُعَذِّبَ كذلك أيضًا المشركين
والمشركاتِ، الظَّائِّينَ باللهِ أنه لن يَنْصُرَك وأهلَ الإيمانِ بك على أعدائِك، ولن يُظْهِرَ
كلمتَه فيَجْعَلَها العليا على كلمةِ الكافرين به، وذلك كان السّوءَ مِن ظُنونِهم التى
ذكَرَها اللهُ تعالى ذكرُه فى هذا الموضع. يقولُ تعالى ذكرُه : على المنافقين والمنافقاتِ
والمشركين والمشركاتِ الذين ظنُّوا هذا الظنَّ، ﴿ دَابِرَةُ السَّوْءٍ﴾. يعنى: دائرةُ
العذابِ تَدُورُ عليهم به .
واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ دَآبِرَةُ السَّوْءٌ﴾
بفتحِ السينِ" . وقرأهُ بعضُ قرأةِ البصرةِ : (دائرةُ السُّوءِ ) بضمِّ السينِ .
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((يفتح)).
(٢) فى ص، ت ١: ((فيكتئبون)) .
(٣) فى م: ((رجاؤهم))، وفى ت ١: ((رجالهم)).
(٤) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر السبعة لأبى مجاهد ص ٦٠٣٪.
(٥) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو . المصدر السابق .

٢٤٩
سورة الفتح : الآيات ٦ - ٩
وكان الفَرَّاءُ يقولُ (١): الفتحُ أفْشَى فى السينِ. قال: وقلما تقولُ العربُ: دائرةُ
السُّوءِ. بضَمِّ السينِ، والفتح فى السينِ أعْجَبُ إلىَّ مِن الضَّمِّ؛ لأن العربَ تقولُ: هو
رجلُ سَوْءٍ. بفتحِ السين، ولا تقولُ : هو رجلُ سُوءٍ.
وقولُه: ﴿وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: ونالَهم اللهُ بغضبٍ منه،
﴿ وَلَعَنَّهُمْ﴾. يقولُ: وأبْعَدهم فأَقْصاهم مِن رحمتِهِ، ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمٌ﴾.
يقولُ: وأعَدَّ لهم جهنمَ يَصْلَوْنها يومَ القيامةِ، ﴿ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾. يقولُ:
وساءَت جهنمُ مَنْزِلًا يَصِيرُ إليه هؤلاء المنافقون والمنافقاتُ والمشركون والمشركاتُ .
وقولُه: ﴿وَلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه : وللهِ جنودُ
السماواتِ والأرضِ أنصارًا على أعدائِه، إنْ أمَرَهم بإهلاكِهم أهْلَكوهم، وسارَعوا
إلی ذلك بالطاعةِ منهم له ، ﴿ وَكَانَ اللّهُ عَزیزًا حَكِيمًا ﴾ . يقول تعالی ذکرُه : ولم يَزَلِ
اللهُ ذا عزةٍ ، لا يَغْلِبُه غالبٌ ، ولا يَمْتَنِعُ عليه مما أراده به مُمْتَنِعٌ ؛ لعِظَم سلطانِه وقدرتِه ،
حكيم فى تدبيرِه خلقه .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا
" لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَنُوَفِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
٩
٧٤/٢٦
<
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَّهِ : إِنَّ أرْسَلْناك يا محمدُ شاهدًا على أُمَتِك بما
أجابوك فيما دَعَوْتَهم إليه ، مما أرسَلْتُك به إليهم مِن الرسالةِ، ومُبشِّرًا لهم بالجنةِ إن
أجابوك إلى ما دَعَوْتَهم إليه من الدينِ القيِّم ، ونذيرًا لهم عذابَ اللهِ ، إن هم تَوَلَّوْا عما
(١) معانى القرآن ٦٥/٣.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروه ويوقروه ويسبحوه)). وهما قراءتان،
سيأتى تخريجهما فى الصفحة التالية .

٢٥٠
سورة الفتح : الآيتان ٨، ٩
جِئْتَهم به مِن عندِ ربِّك .
ثم اختَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
وَتُسَبِّحُوهُ﴾. فقرَأ جميعَ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا أبى جعفرِ المَدَنىِّ وأبى عمرٍو
ابنِ العلاءِ بالتاءِ: ﴿لِتُؤْمِنُواْ﴾، ﴿وَتُعَزِّرُهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾(١). بمعنى:
لتُؤمنوا باللهِ ورسولِه أنتم أيُّها الناسُ. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ وأبو عمرٍو كلِّه بالياءٍ:
( ليُؤْ منوا)، (ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه ويُسَبِّحُوه) (١) بمعنى: إنا أرْسَلْناك شاهدًا إلى الخلقِ
ليُؤْمِنوا باللهِ ورسولِه ويُعَزِّروه .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ : إنهما قراءتان معروفتان صحيحتا
المعنى ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْتَكَ
شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا﴾. يقولُ: شاهدًا على أمتِه على أنه قد بلَّغهم، ومُبَشِّرًا
بالجنةِ لمن أطاع الله، ونذيرًا مِن النارِ (١).
وقولُه: " (ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه )). اخْتَلَف أهلُ التأويل فى تأويله؛ فقال
(١) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف، وبالتاء أيضًا قرأ أبو جعفر خلافا لما
ذكر المصنف. ينظر النشر ٢/ ٢٨٠، وتقريب النشر ص ١٧٤.
(٢) وبها قرأ ابن كثير. النشر ٢٨٠/٢. وقراءة أبى جعفر بالياء، ذكرها عنه أبو حيان فى البحر المحيط ٩١/٨،
وليست متواترة عنه .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤ - ٤) فى م: ((وتعزروه وتوقروه)). وأثبتناه بالياء فى هذا الموضع والمواضع بعده، إذ جاءت كلها بالياء فى
جميع النسخ .

٢٥١
سورة الفتح : الآية ٩
بعضُهم: " يُحِلُّوه ويُعَظّموه) .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: (وَيُعَزِّرُوه ). يعنى: الإجلالَ. (ويُوَقِّرُوه ). يعنى:
(٢)
التعظيمَ ().
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ ، قال: سَمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله : (ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه ): كلُّ هذا تعظيمٌ وإجلالٌ (٣).
وقال آخرون: معنى قوله: ( وَيُعَزِّرُوه ): ويَنْصُروه، ومعنى: ( ويُوَقِّرُوه) :
ويُفَخَّموه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [٨٣٣/٢ظ] قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
( ويُعَزِّرُوه ): يَنْصُروه، (ويُوَقِّرُوه ): أمَر اللهُ بتَسْويدِه وتفخيمِه .
/ حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه: ٧٥/٢٦
( ويُعَزِّرُوه ). قال: يَنْصُروه، (وَيُؤَقِّروه ). أى: لِيُعَظِّموه(٤) .
(١ - ١) فى م: ((تجلوه وتعظموه)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٦٧/١٦ بنحوه .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٦/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٦ إلى عبد بن
حمید .

٢٥٢
سورة الفتح : الآية ٩
حدَّثنى أبو هريرةَ الضُّبَعُّ، قال: ثنا حَرَميٌّ ، عن شعبةً، عن أبى بشرٍ جعفرٍ بنٍ
أبى وَحْشِيَّةً، عن عكرمةَ: (ويُعَزِّزُوه ). قال: يُقاتِلون معه بالسيف (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنى هشيمٌ، عن أبى بشرٍ، عن عكرمةً،
مثله .
حدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، عن سعيدٍ ، عن أبى بشرٍ،
عن عكرمةً بنحوِه .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا يحيى ومحمدُ بنُ جعفرٍ، قالا : ثنا شعبةُ ، عن أبى
بشرٍ، عن عكرمةً مثلَه .
وقال آخرون : معنى ذلك : ويُعَظِّموه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: (ويُعَزِّرُوه
ويُوَقِّرُوه ). قال : الطاعةُ للهِ .
وهذه الأقوالُ متقارباتُ المعانى(٢) وإن اخْتَلَفت ألفاظُ أهلِها بها. ومعنى التَّعْزِيرِ
فى هذا الموضع التقويةُ بالتّصرةِ والمَعونةِ، ولا يكونُ ذلك إلا بالطاعةِ والتعظيمِ
والإجلالِ .
وقد بَيَّنَّا معنى ذلك بشواهدِه فيما مضى ٢٢، بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٨٥/٥ (٨٣٥٧) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٧١/٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى م: ((المعنى)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٢٤٤/٨ - ٢٤٦.

٢٥٣
سورة الفتح : الآية ٩
الموضعِ .
فأما التوقيرُ فهو التعظيمُ والإجلالُ والتفخِيمُ .
وقولُه: (ويُسَبِّحُوهُ(١) بُكرّةً وأَصِيلًا). يقولُ: ويُصَلُّوا(٢) له. يعنى: للهِ
بالغَدَواتِ والعَشِيَّاتِ .
والهاءُ فى قولِه : (ويُسَبِّحُوهُ(١) ) مِن ذِكْرِ اللهِ وحده دونَ الرسولِ. وقد ذُكِر
أن ذلك فى بعضِ القراءاتِ: ( ويُسَبِّحوا اللهَ بُكْرةً وأصِيلًا ).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ( ويُسَبِّحوه بُكْرةً
وأصِيلًا ): فى بعضٍ القراءةِ: ( ويُسَبِّحوا اللهَ بكرةً وأصيلًا)(٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ : فى بعضٍ
الحروفِ : ( ويُسَبِّحوا اللهَ بكرةً وأَصِيلًا )(٤) .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرِنا عُبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله : ( ويُسَبِّحوه بُكْرةً وأصيلا ): يقولُ : يُسَبِّحون الله . رجع
(٥)
إلى نفسِهُ" .
(١) فى م: (( تسبحوه)).
(٢) فى م: ((تصلوا))، وفى ت ٣: ((صلوا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٦/٢ عن معمر به، وعنده ((عشيا)) بدل ((أصيلا)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٦ إلى المصنف .

٢٥٤
سورة الفتح : الآية ١٠
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ
فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِبِهِ أَجْرًا
عَظِيمًا
٧٦/٢٦
/ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَّه: إنّ الذين يُبايِعونَك بالحديبيةِ مِن
أصحابِك، على ألا يَفِرُّوا عندَ لقاءِ العدوِ، ولا يُؤَلَّوهم الأدبارَ، ﴿ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
اَللَّهَ﴾. يقولُ: إنما يُيايعون ببيعتِهم إياك الله؛ لأن الله ضمِن لهم الجنةَ بوَفائِهم له
بذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهد
قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ﴾. قال: يومَ الحديبيةِ ).
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾:
وهم الذين بايعوا يومَ الحديبيةِ(٢) .
وفى قولِه: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيِّدِيِهِمْ﴾ وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: يدُ اللهِ
فوقَ أيديهم عندَ البَيْعةِ؛ لأنهم كانوا يُيابِعون اللهَ ببيعتِهم نبيَّه عَّهِ. والآخَرُ: قوةُ اللهِ
(١) أخرجه سُنيد - كما فى التمهيد ٣٥١/١٦ - من طريق ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٧٢/٦ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٦ إلى المصنف. وعبد بن حميد.

٢٥٥
سورة الفتح : الآية ١٠
فوقَ قوتهم فى نصرةِ رسولِه عَ ليهِ؛ لأنهم إنما بايَعوا رسولَ اللهِ عَ لّهِ على نُصْرَتِه على
.(١)
العدوّ(١).
وقولُه: ﴿فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمن
نكَث بيعتَه إياك يا محمدُ ونَقَضها ، فلم يَنْصُوْك على أعدائِك ، وخالَف ما وعَدربَّه،
﴿ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهٍ﴾. يقولُ: فإنما يَنْقُضُ بيعتَه؛ لأنه بفعلِه ذلك يَخْرُجُ ممن
وعَدَه اللهُ الجنةَ بوفائِه بالبيعةِ ، فلم يَضُرَّ بنَكْثِهِ غيرَ نفسِه ، ولم يَنْكِّثْ إلا عليها ، فأما
رسولُ اللهِ مَ له فإن اللهَ تبارك وتعالى ناصِرُه على أعدائِه، نكَث الناكثُ منهم أو
وَفى ببيعتِه .
وقولُه: ﴿ وَمَنْ أَوْنَى بِمَا عَهَدَ عَلَيَّهُ اللَّهَ﴾ الآية. يقولُ تعالى ذكرُه : ومَن أَوْفَى
بما عاهد اللهَ عليه من الصبرِ عندَ لقاءِ العدوِّ فى سبيل اللهِ، ونُصرةِ نبيّه عَلّم
[٨٣٤/٢و] على أعدائِه، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . يقولُ: فسُعْطِیہ اللهُ ثوابًا
عظيمًا ، وذلك أن يُدْخِلَه الجنةَ؛ جزاءً له على وفائِه بما عاهَد عليه اللهَ ، ووَتَّق لرسولِه
على الصبرِ معه عندَ البأسِ، بالمؤكّدةِ مِن الأيمانِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا
عَظِيمًا﴾ : وهى الجنةُ .
(١) قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره ٣١٢/٧ عند كلامه على هذه الآية: أى هو حاضر معهم يسمع أقوالهم
ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المُبَايَع بواسطة رسوله عَامِ، كقوله: ﴿إن الله
اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ... ﴾ .

٢٥٦
سورة الفتح : الآية ١١
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَلُنَا
وَأَهْلُوْنَا فَاسْتَغْفِّرْ لَنَاأَ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَّتِهِمِ مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اْللَّهِ
شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
٧٧/٢٦
/ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: سيقول لك يا محمدُ الذين خَلَّفَهم اللهُ
فى أهْلِيهم عن صُحْبَتِك، والخروجِ معك فى سفرِك الذى سافَرْتَ ، ومسيرِك الذى
سِرْتَ إلى مكةَ معتمرًا، زائرًا بيتَ اللهِ الحرامَ - إذا انْصَرَفْتَ إليهم، فعاتَبْتَهم على
التخلُّفِ عنك: شغَلَتْنا عن الخروج معك معالجةُ أموالِنا ، وإصلاحُ مَعايشِنا، وَأَهْلونا،
فاسْتَغْفِرْ لنا رَبَّك (١) لِتَخَلُّفِنا عنك. قال اللهُ جلَّ ثناؤُهُ مُكَذِّبَهم فى قيلِهم ذلك: يقولُ
هؤلاء الأعرابُ المخلَّفون عنك بألسنتِهم ما ليس فى قلوبهم. وذلك مسألتُهم رسولَ
اللهِ عَّمِ الاستغفارَ لهم. يقولُ: يَسْألونه بغيرِ توبةٍ منهم، ولا ندم على ما سلَف منهم
مِن معصيةِ اللهِ فى تخلّفِهم عن صحبةِ رسولِ اللهِ لَّمِ والمسيرِ معه .
﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه: قلْ لهؤلاء
الأعرابِ الذين يَسْألُونك أن تَسْتَغْفِرَ لهم لتخلَّفِهم عنك: إن أنا اسْتَغْفَرْتُ لكم أيُّها
القومُ ، ثم أراد اللهُ هلاكَكم أو هلاكَ أموالِكم وأهليكم، أو أراد بكم نفعًا ، بَثْميرِه
أموالَكم وإصلاحِه لكم أهْلِيكم ، فمَن ذا الذى يَقْدِرُ على دفع ما أراد اللهُ بكم مِن
خيرٍ أو شرِّ، واللهُ لا يُعازّه(٢) أحدٌ ، ولا يُغالُه غالبٌ؟ .
وقولُه: ﴿ بَلْ كَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: ما الأمر كما
يَظُنُّ هؤلاء المنافقون من الأعرابِ؛ أن اللهَ لا يَعْلَمُ ما هم عليه مُنْطَؤُون) مِن
(١) فى م: ((ربنا)).
(٢) يُعَازَّه: يُغالِيه. يقال: عازَّنى فعَزَزْتُه. أى غالَبَنِى فغلبتُه. ينظر التاج (ع ز ز).
(٣ - ٣) فى م: ((عليها منطوون))، وفى ت ٢: ((منظرون عليه))، وفى ت ٣: ((منطوون من غليه)).

٢٥٧
سورة الفتح : الآية ١١
النفاقِ ، بل لم يَزَلِ اللهُ بما يَعْمَلون مِن خيرٍ وشرٍّ خبيرًا، لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن أعمالٍ
خلقِه ؛ سرِّها وعلانِيَتِها، وهو مُخْصِيها عليهم حتى يُجازِيَهم بها. وكان رسولُ
اللهِ ◌ِِّ فيما ذُكِر عنه، حينَ أراد المسيرَ إلى مكةَ عامَ الحديبيةِ معتمرًا، اسْتَنْفَر
العربَ ومَن حولَ مدينِه مِن أَهلِ البوادى والأعرابِ ، لِيَخْرُجوا معه ؛ حذرًا مِن قومِه
مِنُ قريش أن يَغْرِضوا له الحربَ أو يَصُدُّوه عن البيتِ، وأَخْرَم هو عَ لَّه بالعمرةِ،
وساق معه الهَدْىَ ليَعْلَمَ الناسُ أنه لا يريدُ حربًا، فتناقَل عنه كثيرٌ مِن الأعرابِ
وتَخلَّفوا خِلافَه، فهم الذين عَنَى اللهُ تبارك وتعالى بقولِه: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ
مِنَ الْأَعْرَبِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالْنَا وَأَهْلُوْنَا ﴾ الآية .
وكالذى قلنا فى ذلك قال أهلُ العلم بسِيَرِ رسولِ اللهِ عَِّ ومَغازيه ، منهم ابنُ
إسحاقَ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ بذلك(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَبِ شَغَلَتْنَا أَمْوَلْنَا وَأَهْلُوْنَا﴾. قال:
أعرابِ المدينةِ؛ ◌ُهَينةَ ومُزَيْنَةَ ، اسْتَتْبَعَهم لخروجِه إلى مكةَ، قالوا: نَذْهَبُ معه إلى
قومٍ قد جاءوه، فقتلوا أصحابَه فتُقاتِلُهم(٢)؟ فاعْتَلُوا بالشُّغْلِ(٤).
(١) سقط من: م.
(٢) سيرة ابن هشام ٣٠٨/٢، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٢ / ٦٢٠.
(٣) فى ت ٢، ت ٣، والدلائل: ((فيقاتلهم)).
(٤) تفسير مجاهد ص٦٠٧ ، ومن طريقه البيهقى فى دلائل النبوة ١٦٤/٤، ١٦٥ وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٧٢/٦ إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر .
( تفسير الطبرى ١٧/٢١ )

٢٥٨
سورة الفتح : الآيتان ١٢،١١
واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَرًّا﴾. فقرأتْه قرأةُ المدينةِ
والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ضَرًّا﴾ بفتحِ الضادٍ(١)، بمعنى الضَّرِّ الذى هو خلافُ
النفع. وقرّأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (ضُرّا) بضمِّ الضادِ (١) ، بمعنى البُؤْسِ والسُّقْمِ.
وأغجَبُ القراءتين إلىَّ الفتحُ فى الضادِ فى هذا الموضعِ؛ لقولِه(٣): ﴿ أَوَ أَرَادَ
بِكُمْ نَفْعًا﴾ . فمعلومٌ أن خلافَ النفع الضَّرُّ، وإن كانت الأخرى صحيحًا معناها .
ج
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى
أَهْلِهِمْ أَبَدًّا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِ قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَرَةَ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا
٧٨/٢٦
يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء الأعرابِ المُعْتَذِرين إلى رسولِ اللَّهِ عَ لَّه [٨٣٤/٢ظ]
عندَ مُنْصَرَفِهِ مِن سفرِه إليهم بقولهم: ﴿ شَغَلَتْنَا أَمْوَالْنَا وَأَهْلُونَا﴾: ما تخَلَّقْتُم
خلافَ رسولِ اللَّهِ عَلِّ حينَ شخَص عنكم، وقعَدْتُم عن صحبته ، مِن أجلٍ شغلكم
بأموالِكم وأهليكم، بل تخَلَّقْتُم بعدَه فى منازلكم، ظنًّا منكم أن رسولَ اللَّهِ مَّعِ
ومَن معه مِن أصحابِهِ سيَهْلِكون فلا يَرْجِعون إليكم أبدًا ، باستئصالِ العدوِ إياهم،
﴿ وَزُيْنَ ذَلِكَ فِ قُلُوبِكُمْ﴾: وحسَن الشيطانُ ذلك فى قلوبِكم، وصحَّحه
عندَكم، حتى حسُن عندَ كم التخلفُ عنه، فقعَدْتُم عن صحيتِه، ﴿ وَظَنَنْتُمْ ظَرَّ
اُلسَّوْءِ﴾. يقولُ: وظنَنتُم أن اللَّهَ لن ينصرَ محمدًا وأصحابَه المؤمنين على أعدائِھم ،
وأن العدوَّ سيقْهَرونهم ويغلِيونهم فيقْتلونهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو وأبى جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢٨٠/٢.
(٢) وبها قرأ حمزة والكسائى وخلف . المصدر السابق .
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((بقوله)).

٢٥٩
سورة الفتح : الآية ١٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُ لَكَ
اُلْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال: ظنُّوا بنبيِّ
اللَّهِ مَهِ وأصحابِهِ أنهم لن يرجِعوا مِن وجهِهم ذلك، وأنهم سيَهْلِكون ، فذلك
الذى خلَّفهم عن نبيِّ اللَّهِ وَّهِ(١).
وقولُه: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. يقولُ: وكنتم قومًا هَلْكَى لا تَصْلُحون
الشىءٍ مِن الخيرِ .
وقيل: إن البُورَ فى لغةٍ ( ٢أَزْدِ عُمان٢َ): الفاسدُ. فأما عندَ العربِ فإنه: لا
شىءَ . ومنه قولُ أبى الدرداءِ: فَأَصْبَح ما جمَعوا بُورًا(٢) . أى: ذاهبًا قد صار باطلًا لا
شىءَ منه . ومنه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ (٤) :
لا يَنْفَعُ الطُّولُ مِن نُوكِ(٥) القُلوبِ وقدْ
يَهْدِى الإِلهُ سبيلَ المَعْشَرِ البُورِ
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا
بُورًا﴾. قال: فاسِدين(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢ - ٢) فى م: ((أذرعات))، وفى ت ٢، ت ٣: ((أردغان)). وينظر معانى القرآن للفراء ٦٦/٣.
(٣) جزء من أثر أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٨٤٧)، وابن أبى شيبة ٣٠٥/١٣، ٣٠٦، والخطيب فى تاريخ بغداد
٤ /٩٦، وأبو نعيم فى الحلية ٢١٣/١، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ١٣١/٤٧ يعظ فيه أبو الدرداء أهل دمشق.
(٤) ديوانه ص ١٧٩.
(٥) النُّوك: جمع الأَنْوَك، وهو الأحمق. ينظر اللسان (ن وك).
(٦) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٦/ ٢٦٩، وابن كثير فى تفسيره ٣١٩/٧.

٢٦٠
سورة الفتح : الآيات ١٢ - ١٤
٧٩/٢٦
/وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال: البُورُ الذى ليس فيه من الخيرِ شىءٌ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال: هالكين(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَدَةٍ وَكَانَ
١٤
اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المنافقين مِن الأعرابِ: ومَن لم يُؤْمِنْ أيُّها الأعرابُ
باللهِ ورسولِه منكم ومِن غيرٍ كم، فيُصَدِّقَه على ما أَخْبَر به ، ويُقِرَّ بما جاء به مِن الحقِّ
مِن عندِ ربِّه، فإنا أَعْدَدْنا ١ لهم جميعًا سعيرًا مِن النارِ، تَتَسَقَّرُ عليهم فى جهنمَ إذا
ورَدُوها يومَ القيامةِ .
يقالُ مِن ذلك: سعَرْتُ النارَ، إِذا أَوْقَدْتَها، فأنا أَسْعَرُها سَعْرًا. ويقال: سعَرْتُها
أيضًا إذا حرّكْتَها . وإنما قيل للمِشْعَرِ: مِسْعَرٌ؛ لأنه يُحَرَّكُ به النارُ، ومنه قولُهم : إنه
المِسْعَرُ حربٍ : يرادُ به مُوقِدُها ومُهَيِّجُها .
وقولُه: ﴿ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وللَّهِ سلطانُ
السماواتِ والأرضِ، فلا أحدَ يَقْدِرُ أيُّها المنافقون على دفعِه عما أراد بكم مِن
تعذيبٍ على نفاقِكم إن أصْرَرْتُم عليه، أو منعِه مِن عفوِه عنكم إن عفا، إن أنتم تُم
مِن نفاقِكم وكفرٍ كم .
(١) تفسير مجاهد ص ٦٠٨.
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أعتدنا)).
(٣) فى م: ((تستعر))، وفى ت ١، ت ٣: ((يتسعر))، وفى ت ٢: ((تسعر)).