النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سورة محمد : الآية ١٥
لبنٍ لم يتغيَّرْ طعمُه؛ لأنه لم يُخْلَبْ من حيوانٍ فيتغيَّرَ طعمُه بالخروج من الضّروعِ،
ولكنه خلقه اللَّهُ ابتداءً فى الأنهارِ ، فهو بهيئته لم يتغيَّرْ عما خلَقه عليه .
وقولُه: ﴿ وَأَنْهُ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّرِبِنَ﴾. يقولُ: [٨٢٦/٢و] وفيها أنهارٌ من
خمرٍ لذةٍ للشاربين يلتذُّون بشربها .
كما حدَّثنى عيسى ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا مصعبٌ ، عن سعدٍ .
ابنِ طريفٍ ، قال : سألت عنها الحارثَ، فقال: لم تَدُسْه المجوسُ، ولم ينفُخْ فيه
الشيطانُ ، ولم تؤذِها شمسٌ، ولكنها فَوْحَاءُ. قال: قلتُ لعكرمةً: ما الفوحاءُ؟
قال : الصفراء .
وكما حدَّثنى سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال : ثنا حفصُ بنُ عمرَ،
قال : ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿مِّنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَغَيِّرْ طَعْمُهُ﴾. قال:
(١)
لم يُحلَتْ(١).
وخُفِضت ((اللذةُ)) على النعتِ ((للخمرِ))، ولو جاءت رفعًا على النعتِ
((للأنهارِ)) جاز، أو نصبًا على: يتلذَّذُ بها لذَّةً. كما يقالُ: هذا لك هبةً. كان
جائزًا؛ فأما القراءةُ فلا أستجيزُها فيها إلا خفضًا؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليها .
وقولُه: ﴿وَأَنْهٌَ مِّنْ عَسَلٍ مُصَنَّىٌ﴾ . يقولُ: وفيها أنهارٌ من عسلٍ قد صُفِّى من
القَذَى وما يكونُ / فى عسلِ أهلِ الدنيا قبلَ التصفيةِ. وإنما أعلَم تعالى ذكرُه عبادَه بوصفِه ٥٠/٢٦
ذلك العسلَ بأنه مُصَفَّى ، أنه خُلِقٍ فى الأنهارِ ابتداءً سائلًا جاريًا سيلَ الماءِ واللبنِ المخلوقَينِ
فيها، فهو من أجل ذلك مُصفِّى ، قد صفَّاه اللَّهُ من الأقذاءِ التى تكونُ فى عسلٍ أهلٍ
الدنيا ، الذى لا يصفو من الأقذاءِ إلا بعدَ التصفيةِ ؛ لأنه كان فى شمع فصُفِّى منه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد عن عكرمة، عن ابن عباس.

٢٠٢
سورة محمد : الآية ١٥
وقولُه: ﴿وَلَهُمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولهؤلاء المتقين فى
هذه الجنةِ من هذه الأنهارِ التى ذكرنا ، من جميع الثمراتِ التى تكونُ على الأشجارِ ،
وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾. يقولُ: وعفوٌ مِن اللَّهِ لهم عن ذنوبهم التى أُذنبوها فى الدنيا
ثم تابوا منها ، وصَفْخ منه لهم عن العقوبةِ عليها .
وقولُه: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِ النَّارِ ﴾. يقولُ تعالى ذكره: أمَن هو فى هذه الجنةِ
التى صفتُها ما وصَفْنا، كمَن هو خالدٌ فى النارِ ؟ وابتدئ الكلامُ بصفةٍ الجنةِ ، فقيل :
﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. ولم يُقَلْ: أَمَن هو فى الجنةِ. ثم قيل بعدَ انقضاء
الخبرِ عن الجنةِ وصفتِها: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِ النَّارِ﴾. إنما قيل ذلك كذلك استغناءً
بمعرفةِ السامع معنى الكلام، ولدلالةِ قوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِ النَّارِ﴾. على معنى
قولِهِ: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ .
وقولُه: ﴿وَسُقُواْ مَآءَ حَمِيمًا﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: وسُقِىَ هؤلاء الذين هم
خلودٌ فى النارِ ماءً قد انتَهَى حُّه، فقطِّع ذلك الماءُ من شدَّةِ حرِّه أمعاءَهم .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ خلفِ العَسْقلانىُ ، قال: ثنا حَيْوةُ بنُ شُريح الحمصِىُّ،
قال: ثنا بقيّةُ، عن صفوانَ بنِ عمرٍو، قال: ثنى عبيدُ اللَّهِ بنُ بُسٍ(١)، عن أبى أمامةً
الباهليّ، عن رسول اللَّهِ عَ ◌ّهِ فى قولِه: ﴿وَيُسْقَى مِن ◌َّاءِ صَدِيدٍ
يَتَجَزَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦، ١٧]. قال: ((يُقَّبُ إليه فیتکژَّهُه(١) ، فإذا أَدْنىَ منه شَوَى
وجْهَه، ووقَعت فروةُ رأسِه، فإذا شَرِب قطّع أمعاءَه حتى يَخرُجَ من دُبُرِهِ. يقولُ اللَّهُ:
﴿ وَسُقُوا مَآءَ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمَّعَاءَ هُمْ﴾. يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بشر)). وقد تقدم على الصواب فى ١٣/ ٦٢٠.
(٢) فى ت ١: (( فیکرهه)) .

٢٠٣
سورة محمد : الآيتان ١٥، ١٦
الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾(١١)) [الكهف: ٢٩].
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىَ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندَِ
قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْوَ مَاذَا قَالَ ءَائِقًا أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّعُوْ
١٦
أَهْوَآءَهُمْ
يقولُ تعالى ذكره: ومِن هؤلاء الكفارِ يا محمدُ ﴿مَن يَسْتَمِعُ" إِلَكَ﴾، وهو
المنافِقُ، فيسمَعُ (٢) ما تقولُ فلا يعِيه ولا يفهمُه؛ تهاونًا منه بما تتلو عليه من كتابٍ
ربِّك، وتغافُلًا عما تقولُه وتدعو إليه من الإيمانِ ، حتى إذا خرَجوا مِن عندك ، قالوا
إعلامًا منهم لمن حضَر معهم مجلسَك مِن أهلِ العلم بكتابِ اللَّهِ ، وتلاوتِك عليهم ما
تَلَوتَ ، وقِيلِك لهم ما قلتَ أنهم لن يُصْغوا أسماعَهم لقولِك وتلاوتك: ماذا قال لنا
محمدٌ آنِفًا ؟
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٥١/٢٦
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ
إِلَيْكَ حَتَّىَ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندَِ ﴾: هؤلاء المنافقون ، دخَل رجلان؛ رجلٌ مَّن عقَل
عن اللَّهِ وانتفَع بما سمِع، ورجلٌ لم يعقِلْ عن اللَّهِ فلم ينتفِعْ بما سمِع. كان يقالُ:
الناسُ ثلاثةٌ؛ فسامعٌ عاملٌ ، وسامعٌ عاقلٌ (٤) ، وسامع تاركٌ (٥).
(١) تقدم تخريجه فى ١٣ / ٦٢٠، ٦٢١.
(٢) فى ص: ((يشفع)).
(٣) فى م، ت١: ((فيستمع).
(٤) فى م، ت ١: ((غافل)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٤٩، ٥٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢٠٤
سورة محمد : الآية ١٦
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ وَمِنْهُم مَّن
يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. قال: هم المنافقون. وكان يقالُ: الناسُ ثلاثةٌ؛ سامع فعاملٌ،
وسامعٌ فعاقلٌ (١)، وسامعٌ فتاركٌ(٢) .
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا شريكٌ، عن عثمانَ أبى
اليقظانِ ، عن يحيى بنِ الجزَّارِ ، أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابنٍ عباسٍ فى قوله : ﴿ حَتَّى
إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَائِقًا﴾ . قال ابنُ عباسٍ: أنا منهم،
وقد سُئلتُ فى من سُئل(٣) .
حدَّٹنی [ ۵٨٢٦/٢] یونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فی
قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندَِ ﴾ الآية. قال: هؤلاء
المنافقون، والذين أُوتُوا العلمَ الصحابةُ رضِى اللَّهُ عنهم().
وقولُه: ﴿أُوْلَّكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء
الذين هذه صفتُهم هم القومُ الذين ختَم اللَّهُ على قلوبِهم ، فهم لا يهتدون للحقِّ الذى
بعَث اللَّهُ به رسوله عليه الصلاةُ والسلامُ، ﴿وَأَتَّعُوْ أَهْوَاءَ هُمْ ﴾. يقولُ: ورفَضوا أمرَ
اللَّهِ ، واتَّبَعوا ما دعَتْهم إليه أنفسُهم، فهم لا يرجعون مما هم عليه إلى حقيقةٍ ولا
بُْهانٍ. وسوَى جلّ ثناؤه بينَ صفةِ هؤلاء المنافقين وبينَ المشركين ، فى أن جميعَهم
إنما يتَِّعون فيما هم عليه من فراقِهم دينَ اللَّهِ الذى ابتعَث به محمدًا عٍَّ -
أهواءَهم، فقال فى هؤلاء المنافقين: ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّعُواْ
(١) فى م، ت ١: ((فغافل)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٢/٢ عن معمر به .
(٣) أخرجه الحاكم ٤٥٧/٢ من طریق یحیی بن آدم به، ولم یذکر يحيى بن الجزار.
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٣٨/١٦.

٢٠٥
سورة محمد : الآيات ١٦ - ١٨
أَهْوَاءَ هُمْ﴾. وقال فى أهلِ الكفرِ به من أهلِ الشركِ: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوَهُ عَمَلِهِ،
وَبَّعُواْ أَهْوَءَهُمْ﴾ .
١٧
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَِّنَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَنُهُمْ تَقْوَنُهُمْ
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطِهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَ تَهُمْ
ذِكْرَهُمْ
يقولُ تعالى ذكره: وأما الذين وقَّقهم اللَّهُ لاتِّباع الحقِّ، وشرَح صدورَهم
للإيمانِ به وبرسوله، من الذين استمَعوا إليك يا محمدُ ، فإن ما تلَوتَه عليهم وسمِعوه
منك ، ﴿ زَادَهُمْ هُدَى﴾. يقولُ: زادهم اللَّهُ بذلك إيمانًا إلى إيمانِهم، وبيانًا لحقيقةٍ
ما جئتَهم به من عندِ اللَّهِ إلى البيانِ الذى كان عندهم. وقد ذُكِر أن الذى تلا عليهم
رسولُ اللَّهِ ◌ِّهِ من القرآنِ، فقال أهلُ النفاقِ منهم لأُهلِ الإيمانِ: ﴿مَاذَا قَالَ
ءَائِقًا﴾. وزاد اللَّهُ أهلَ الهدى منهم هدى - كان بعضَ ما أنزل اللَّهُ من القرآنِ،
ينسَخُ بعضَ ما قد كان الحكمُ مضَى به قبلُ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٥٢/٢٦
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَالَِّنَ اهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَائَنُهُمْ تَفْوَنَّهُمْ﴾. قال: لمَّ
أَنزَلَ اللَّهُ القرآنَ آمَنوا به، فكان هدّى، فلمَّا تبيَّن ١ الناسخُ والمنسوخُ زادهم هدّى(١).
وقولُه: ﴿ وَءَائَنُهُمْ تَفْوَنُهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وأعطَى اللَّهُ هؤلاء
المهتدين تقواهم ، وذلك استعمالُه إياهم تقواهم إياه .
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((بين)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٦ إلى المصنف وابن مردويه.

٢٠٦
سورة محمد : الآية ١٨
وقولُه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةٌ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَأُهَا﴾. يقولُ
تعالى ذكره : فهل ينظُرُ هؤلاء المكذِّبون بآياتِ اللَّهِ من أهلِ الكفرِ والنفاقِ ، إلا
الساعةَ التى وعَد اللَّهُ خلقَه بعثَهم فيها مِن قبورِهم أحياءً ، أن تجيئَهم فجأةً لا يشعرون
بمجيئِها . والمعنى: هل ينظرون إلا الساعةَ، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتةً .
و ((أنْ)) من قوله: ((إلّا أنْ)) فى موضع نصبٍ بالردِّ على ((الساعةِ)).
وعلى فتحِ الألفِ من ﴿أَنَ تَأِهُ﴾. ونصبٍ ﴿فَأْنَهُمْ﴾ بها قرأةُ أهلِ الكوفةِ .
وقد حُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، قال: حدَّثنى أبو جعفرِ الرُّؤاسىُّ، قال: قلتُ لأبى
عمرو بنِ العلاءِ: ما هذه الفاءُ التى فى قوله: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾؟ قال : جوابُ
الجزاءِ. قال : قلتُ : إنها : (إنْ تأتيهم)؟ قال: فقال: معاذَ اللَّهِ، إنما هى: (إِن
تَأْتِهِمْ). قال الغرّاءُ: فظتَنتُ أنه أخَذها عن أهل مكةً؛ لأنه عليهم(١) قرَأ. قال
الفرَّاءُ: وهى أيضًا فى بعضٍ مصاحفِ الكوفيّين(٢) بسِيئَةٍ(٣) واحدةٍ: (تَأْتِهِمْ).
ولم يقرأ بها أحدٌ منهم(٤).
وتأويلُ الكلام على قراءةٍ مَن قرَأْ ذلك بكسرٍ ألفٍ ((إن)) وجزمٍ ((تأتهم)): فهل
ينظرون إلا الساعةَ؟ فيُجعلُ الخبرُ عن انتظارٍ هؤلاء الكفارِ الساعةَ متناهيًا عندَ قولِه:
﴿ إِلَّا السَّاعَةَ﴾. ثم يُبْتدأُ الكلامُ فيقالُ : إِن تأتِهم الساعةُ بغتةً فقد جاء أشراطُها .
فتكونُ الفاءُ من قولِه: ﴿فَقَدْ جَآءَ ﴾ بجوابِ الجزاءِ .
وقولُه: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَالطَهَا﴾. يقولُ: فقد جاء هؤلاء الكافرين باللَّهِ الساعةُ
(١) سقط من: م.
(٢) ينظر المصاحف لابن أبى داود ص ص ٤٠، ٤١ .
(٣) فى م، ت١: ((بسنة)). وفى ت٢: ((نسبته))، وفى ت٣،: ((نسبة)). والمثبت موافق لما فى معانى القرآن.
(٤) معانى القرآن ٦١/٣.

٢٠٧
سورة محمد : الآية ١٨
وأدلتُها ومقدِّماتُها. وواحدُ الأشراطِ شَرَطٌ، كما قال جريرٌ(١):
تَرَى شَرَط المِعْزَى مُهُورَ نسائهم وفى شَرَطِ (٢) المِعِزَى لهن مُهورُ
ويُروى : ترى قَزَمَ المِعِزَى . يقالُ منه: أشرَط فلانٌ نفسَه . إذا علَّمها بعلامةٍ ،
كما قال أوسُ بنُ محجرٍ() :
وألْقَى بأسبابٍ له وتَوَكَّلا
فَأَشْرَط فيها نفسَه وهو مُعْصِمٌ
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٥٣/٢٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، [٨٢٧/٢ و] قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطِهَا﴾: يعنى: أشراطُ الساعةِ(٤).
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةٌ ﴾: قد دنَتِ الساعةُ ، ودنا من اللَّهِ فراٌ للعبادِ(٥).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَقَدْ جَآءَ
أَشْرَاطُهَا﴾ . قال : أشراطُها آياتُها .
وقولُه: ﴿فَى لَهُمْ إِذَا جَاءَ تَهُمْ ذِكْرَنِهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمن أىِّ وجهٍ
لهؤلاء المكذِّبين بآياتِ اللَّهِ ذكرَى ما قد ضيَّعوا وفرَّطوا فيه من طاعةِ اللَّهِ إذا جاءَتهم
الساعةُ . يقولُ : ليس ذلك بوقتٍ ينفعُهم التذكُهُ(١) والندمُ؛ لأنه وقتُ مُجازاةٍ ، لا
(١) ديوانه ٢ / ٨٧٦، بالرواية التى سيذكرها المصنف بعد .
(٢) فى الديوان: ((قزم)).
(٣) ديوانه ص ٨٧.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٦ إلى ابن المنذر، بلفظ: ((أول الساعات)).
(٥) فى ص، م، ت١: ((العباد))، عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه.
(٦) فى ت ٢، ت ٣: ((التذكير)).

٢٠٨
سورة محمد : الآيتان ١٨، ١٩
وقتُ استعتابٍ ولا استعمالٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَنَّ لَهُمْ إِذَا
جَتْهُمْ ذِكْرَنُهُمْ﴾. يقولُ: إذا جاءتهم الساعةُ أَنَّى لهم أن يتذكَّروا ويعرِفوا
ويعقِلوا ؟
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَّى
لَهُمْ إِذَا جَآءَتُهُمْ ذِكْرَنِهُمْ﴾. قال: أَنَّى لهم أن يتذكّروا أو يتوبوا إذا جاءتهم
هـ (١)
الساعةُ(١)؟
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَأَنَّى ◌َُمْ
إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَنِهُمْ﴾. قال: الساعةُ ، لا ينفعُهم عندَ الساعةِ ذكراهم.
و((الذِّكْرى)) فى موضع رفع بقولِه: ﴿فَأَّ لَهُمْ﴾. لأن تأويلَ الكلام: فَأَنَّى
لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعةُ ؟
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
١٩
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَفَلَّبَّكُمْ وَمَتْوَلِكُمْ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلَّه: فاعلَمْ يا محمدُ أنه لا معبودَ تنبغى أو
تصلُحُ له الألوهةُ ، ويجوزُ لك وللخلقِ عبادتُّه، إلا اللَّهُ الذى هو خالقُ الخلقِ، ومالكُ
كلِّ شيءٍ ، يَدينُ له بالربوبيةِ كلِّ / ما دونَه، ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنِكَ﴾. وسلْ ربَّكَ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٢/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٢/٦ إلى عبد بن حميد.
٥٤/٢٦

٢٠٩
سورة محمد : الآيات ١٩ - ٢١
غفرانَ سالفٍ ذنوبِك وحادثِها، وذنوبٍ أهلِ الإيمانِ بك من الرجالِ والنساءِ،
﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَّكُمْ وَمَنْوَلِكُمْ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ يعلَمُ متصرّفَكم فيما تتصرَّفون
فيه فى يقظتِكم من الأعمالِ ، ومثواكم إذا تَوَيتم فى مضاجعِكم للنومِ ليلاً ، لا يخفَى
عليه شىءٌ من ذلك، وهو مجازِیکم على جميع ذلك .
وقد حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ
سليمانَ، عن عاصم الأحولِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سَرْجِسَ، قال: أكَلتُ(١) مع
رسولِ اللَّهِ عَه، فقلت: غفَر اللَّهُ لك يا رسولَ اللَّهِ(٢). فقال رجلٌ من القومِ:
أَسْتَغْفَر لك(٢) رسولُ اللَّهِ؟ قال: نعم ولك. ثم قرأ: ﴿ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَاُلْمُؤْمِنَثِ﴾(٤).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوَّلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ
سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم قَرَضُ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ
طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ
٢٠
اَلْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ اُلْمَوْتِّ فَأَوْلَى لَهُمْ
صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ
يقولُ تعالى ذكره : ويقولُ الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: هلَّا نُزِّلت سورةٌ من
اللَّهِ(٥) تَأْمُرُنا بجهادٍ أعداءِ اللَّهِ من الكفارِ، ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ﴾. يعنى: أنها
(١) فى ص، ت ١، ت ٣: ((دخلت)).
(٢) بعده فى مصادر التخريج: ((قال: ولك)).
(٣) بعده فى النسخ والدر المنثور: ((يا)). والمثبت من بقية مصادر التخريج.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة - كما فى الإتحاف بذيل المطالب (٥٤٠٠) -، وأحمد ٨٢/٥ (الميمنية)، ومسلم
(٢٣٤٦)، والترمذى فى الشمائل (٢٢)، والنسائى فى الكبرى (١٠١٢٧، ١٠٢٥٤، ١٠٢٥٥،
١١٤٩٦) من طريق عاصم الأحول به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٣/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٥) فى ت ١: ((القرآن)).
( تفسير الطبرى ١٤/٢١ )

٢١٠
سورة محمد : الآية ٢٠
محكّمةٌ بالبيانِ والفرائض. وذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فَإِذَا أَنْزِلَتْ سُورَةٌ
مُخْدَثَةٌ)(١).
وقولُه: ﴿وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ﴾. يقولُ: وذُكِر فيها الأمْرُ بقتالِ المشركين .
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ،
عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوَلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ
وَذُكِرَ فِهَا اُلْقِتَالُ﴾(٢). قال: كلُّ سورةٍ ذُكِر فيها الجهادُ فهى محكمةٌ، وهى أشدُّ
القرآن على المنافقين() .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿ وَذُكِرَ فِهَا
اَلْقِتَالٌ﴾. قال: كلُّ سورةٍ ذُكِر فيها القتالُ فهى محكمةٌ(٤).
وقولُه : ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ [٨٢٧/٢ ظ] فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ﴾. يقولُ: رأيتَ الذين فى
قلوبِهم شكٌّ فى دينِ اللَّهِ وضعفٌ، ﴿ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿نَظَرَ الْمَغْشِبِّ
عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ؛ خوفًا أن تُغْزِيَهم وتَأْمُرَهم بالجهادِ مع المسلمين، فهم خوفًا من
ذلك، وتجثُنّاً) عن لقاءِ العدوِ، يَنْظُرون إليك نظرَ المغشىّ عليه الذى قد صُرِع .
وإنما عَنَى بقولِه: ﴿مِنَ الْمَوْتِّ﴾: من خوفِ الموتِ . وكان هذا فعلَ أَهلِ النفاقِ .
کالذى حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ / نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ﴾. قال: هؤلاء المنافقون طبَع
٥٥/٢٦
(١) وهى قراءة شاذة .
(٢) بعده فى ت ١: ((يقول وذكر فيها الأمر بقتال المشركين)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٣/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٣/٢ عن معمر به .
(٥) فى ص، ت١، ت٣: ((تجنبا)).

٢١١
سورة محمد : الآيات ٢٠ ، ٢١
اللَّهُ على قلوبِهِم، فلا يَفْقَهون ما يقولُ النبىُّ عَلَهِ.
وقولُه: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأولى لهؤلاء الذين فى قلوبهم
مرضّ .
وقولُه: ﴿ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾. وعيدٌ توعَّد اللَّهُ به هؤلاء المنافقين.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
فَأَوْلَى لَهُمْ﴾. قال: هذه وعيدٌ، فأولى لهم، ثم انقطَع الكلامُ، فقال: ﴿طَاعَةٌ
وَقَوْلُ مَّعْرُوفٌ ﴾(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾.
قال : وعيدٌ كما تَسْمَعون .
وقولُه: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾. وهذا خبرٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه عن قيلٍ
هؤلاء المنافقين من قبل أن تَنْزِلَ سورةٌ محكمةٌ ويُذْكَرَ فيها القتالُ ، وأنهم إذا قيل لهم :
إن اللَّهَ مفترِضٌ عليكم الجهادَ . قالوا: سمعٌ وطاعةٌ . فقال اللهُ عزَّ وجلَّ لهم: فإذا
أنزلت سورةٌ ، وفُرِض القتالُ فيها عليهم ، فشقَّ ذلك عليهم وكرِهوه - ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ
مَّعْرُوفٌ﴾ . قبلَ وجوبِ الفرضِ عليكم، فإذا عزَم الأمرُ كرِهتموه وشقَّ عليكم .
وقولُه: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾. مرفوعٌ بمضمَرٍ، وهو: قولُكم - قبلَ
ج
نزولِ فرضِ القتالِ - طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ .
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ غيرِ مُؤْتَضَى(١) أنه قال: قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَوْلَى
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٣/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٩/ ٢٩٨، والقرطبى فى تفسيره ٢٤٤/١٦.

٢١٢
سورة محمد : الآية ٢١
لَهُمْ﴾. ثم قال للذين آمنوا منهم: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾
فعلى هذا القولِ تمامُ الوعيدِ ﴿فَأَوْلَى﴾، ثم يَسْتَأْيِفُ بعدُ، فيُقالُ: ﴿لَهُمْ
طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾. فتكونُ ((الطاعةُ)) مرفوعةً بقولِهِ ﴿لَهُمْ﴾.
وكان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو
عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ،
جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾. قال: أمَرِ اللَّهُ
بذلك المنافقين .
وقولُه: ﴿فَإِذَا عَزَمَ اٌلْأَمَرُ﴾. يقولُ: فإذا وجَب القتالُ وجاء أمرُ اللَّهِ بفرضٍ
ذلك كرهتموه .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿فَإِذَا عَزَمَ اُلْأَمْرُ﴾. قال : إذا جاء(٢) الأمرُ. هكذا قال محمدُ بنُّ عمرٍو فى حديثِه
عن أبى عاصم. وقال الحارثُ فى حديثه عن الحسنٍ: يقولُ: جدَّ الأمرُ(٣).
وقولُه: ﴿فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلو صدَقوا
اللَّهَ ما وعَدوه ، قبلَ نزولِ السورةِ، بالقتالِ ، بقولِهم، إذ قيل لهم: إن اللَّهَ سَيَأْمُرُكم
(١) تفسير مجاهد ص ٦٠٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٣: (( جد)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٠٥ ومن طريقه الفريابى - كما فى التغليق ٣١٢/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٦٤/٦ إلی عبد بن حميد .

٢١٣
سورة محمد : الآيات ٢١ - ٢٣
بالقتالِ . طاعةٌ ، فَوَفَّوا له بذلك - لكان خيرًا لهم فى عاجلِ دنياهم وآجلِ معادِهم.
/ كما حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ ٥٦/٢٦
اَلْأَمْرُ﴾. يقولُ : طواعيةُ اللَّهِ ورسولِه وقولٌ معروفٌ عندَ حقائقِ الأمورِ، خيرٌ لهم.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ: يقولُ: طاعةٌ
اللَّهِ وقولٌ بالمعروفِ عندَ حقائقِ الأمورِ ، خيرٌ لهم().
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ اُلْأَرْضِ
٢٣
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ
وَتُقَطِّعُواْ أَزْحَامَكُمْ خَيَّ
يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء الذين وصَف أنهم إذا أَنزِلت سورةٌ محكَمةٌ وذُكِر
فيها القتالُ نظَروا إلى رسولِ اللَّهِ عَمِ نظرَ المغشىّ عليه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أيُّها
القومُ . يقولُ: فلعلَّكم إن تولَّيْتُم عن تنزيلِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه، وفارَقْتُم أحكامَ كتابِهِ،
وأدبرتم عن محمدٍ عَّهِ وعما جاءكم به، ﴿أَنْ تُفْسِدُواْ فِ اُلْأَرْضِ﴾. يقولُ : أن
تَعْصُوا اللَّهَ فى الأرضِ فَتَكْفُروا به وتَسْفِكوا فيها الدماءَ، ﴿ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾،
وتَعودوا لما كنتُم عليه فى جاهليتكم من التشتُتِ والتفرّقِ، بعدَما قد جمَعكم اللَّهُ
بالإِسلامِ وألَّف به بينَ قلوبِكم .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال " جماعةٌ مِن٢) أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ
إِن تَوَلَيْتُمْ﴾ الآية . يقولُ: فهل عسَيْتُم كيفَ رأَيتم القومَ حينَ تولَّوا عن كتابِ اللَّهِ،
(١) تتمة الأثر المتقدم تخريجه فى ص ٢١١ .
(٢ - ٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.

٢١٤
سورة محمد : الآية ٢٢
ألم يَشْفِكوا الدمَ الحرامَ، وقطّعوا [٨٢٨/٢ر] الأرحامَ، وعَصَوا الرحمنَ؟(١)
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَهَلْ
عَسَيْثُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ اُلْأَرْضِ وَتُقَطِّمُوْ أَرْحَامَكُمْ﴾. ("قال: فعلوا٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال : أخبرنا
محمدُ بنُ جعفرٍ وسليمانُ(٢) بنُ بلالٍ، قالا: ثنا معاويةُ بنُ أبى المُزَرِّدِ المدينى، عن
سعيدِ بنِ يسارٍ، عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ مَّهِ أنه قال: ((خلَق اللَّهُ الخلقَ، فلمَّا
فرَغْ منهم تعلّقت الرحمُ بحَقْوِ الرحمنِ، فقال: مَهْ. فقالت : هذا مُقَامُ العائذِ بك
مِن القطيعةِ. قال: فما تَرْضَيْنَ أن أَقْطَعَ مَن قطَعكِ، وأَصِلَ مَن وصَلكِ؟ قالت :
نعم. قال: فذلك لك))(٤).
قال سليمانُ فى حديثِه: قال أبو هريرةَ: اقرَءُوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن
تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِىِ اُلْأَرْضِ وَتُقَطِعَوْ أَرْحَامَكُمْ﴾ .
وقد تأوّله بعضُهم : فهل عسيتم إن تولَّتم أمورَ الناسِ أن تُفْسِدوا فى الأرضِ ؟
بمعنى الولاية .
وأجمَعت القرأةُ غيرَ نافعٍ على فتحِ السينِ من: ﴿عَسَيْتُمْ﴾. وكان نافع
يَكْسِرُها: (عَسِيتم)(٥).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.
والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٤/٢ عن معمر به .
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((سليم)).
(٤) أخرجه البخارى (٤٨٣٠)، وفى الأدب المفرد (٥٠)، والبغوى فى السنة (٣٤٣١) من طريق سليمان بن
بلال به ، وأخرجه أحمد ١٠٣/١٤ (٨٣٦٧)، ومسلم (٢٥٥٤)، والنسائى فى الكبرى (١١٤٩٧)، وابن
حبان (٤٤١)، والحاكم ٤ / ١٦٢، والبيهقى ٢٦/٧، وفى الشعب (٧٩٣٤) من طريق معاوية به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٦ إلى عبد بن حميد والحكيم الترمذى وابن مردويه .
(٥) النشر ١٧٣/٢، والقراءتان متواترتان .

٢١٥
سورة محمد : الآيات ٢٢ - ٢٥
/ والصوابُ عندَنا قراءةُ ذلك بفتح السين ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليها، ٥٧/٢٦
وأنه لم يُشْمَعْ فى الكلامِ : عَسِىَ أخوك يَقُومُ . بكسرِ السينِ وفتحِ الياءِ، ولو كان
صوابًا كسرُها إذا اتَّصل بها مكنىٌّ، جاءت بالكسرِ مع غيرِ المكنىّ ، وفى إجماعِهم
على فتحِها مع الاسم الظاهرِ، الدليلُ الواضح على أنها كذلك مع المكنِىِّ .
و﴿إِنَّ﴾ التى تلِى ﴿عَسَيْتُمْ﴾ مكسورةٌ، وهى حرفُ جزاءٍ، و﴿ أَنْ﴾
التى مع ﴿ تُفْسِدُوا﴾ فى موضعٍ (١) نصبٍ بـ ﴿عَسَيْتُمْ﴾ .
وقولُه: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: هؤلاء الذين
يَفْعَلون(١) هذا، يَعْنى الذين يُفْسِدون ويَقْطَعون الأرحامَ، الذين لعنهم اللَّهُ فأبعَدهم
من رحمتِه، ﴿ فَأَصَمَّهُمْ﴾. يقولُ: فسلَبهم فهْمَ ما يَسْمَعون بآذانِهم من مواعظِ
اللَّهِ فى تنزيلِه، ﴿ وَأَعْمَىٌ أَبَصَرَهُمْ﴾. يقولُ: وسلَبهم عقولَهم، فلا يَبِيّنون(٣)
محججَ اللَّهِ ، ولا يَتَذَكَّرون ما يَرَون من عِبَرِهِ وأدلتِهِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ
إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَّ أَدْبَرِهِ مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ
أَقْفَالُهَ يَّ
٢٥
الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ
يقولُ تعالى ذكرُه: أفلا يَتَدَبَُّ هؤلاء المنافقون مواعظَ اللَّهِ التى يَعِظُهم بها فى آي
القرآن الذى أنزله على نبيّه عليه الصلاةُ والسلامُ ، ویتَفَگّرون فی حججِه التى بينها لهم فى
تنزيلِه، فَيَعْلَموا بها خطأ ما هم عليه مُقيمون؟ ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. يقولُ: أم
أَعْفَل اللَّهُ على قلوبِهم، فلا يَعْقِلون ما أَنزَل اللَّهُ فى كتابِهِ من المواعظِ والعِيرِ.
(١) فى ت ٣: (( الأرض)).
(٢) فى ت ٣: ((يعقلون)).
(٣) فى ت ٣: ((يتثبتون)).

٢١٦
سورة محمد : الآية ٢٤
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ
اُلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآَ﴾. إذنْ واللَّهِ يَجِدُون فى القرآنِ زاجرًا عن معصيةٍ
اللَّهِ، لو تدبّره القومُ فعقَلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابهِ فهلَكوا عندَ ذلك(١).
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ حفصِ الأَيلىُّ ، قال : ثنا الوليدُ بنُّ مسلمٍ ، عن ثورِ بنِ یزیدَ ،
عن خالد بن معدان ، قال : ما من آدمى إلا وله أربعُ أعین ؛ عينان فى رأسِه لدنياه وما
يُصْلِحُه من معيشتِه، وعينان فى قلبِه لدينِه وما وعَد اللَّهُ من الغيبِ، فإذا أراد اللَّهُ بعبدٍ
خيرًا أبصَرت عيناه اللتان فى قلبِه، وإذا أراد اللَّهُ به غيرَ ذلك طمَس عليهما ، فذلك
قولُه: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَاَ ﴾(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا ثورُ بنُ يزيدَ ، قال : ثنا
خالدُ بنُّ معدانَ ، قال: ما من الناسِ أحدٌ إلا وله أربع أعينٍ ؛ عينان فى وجهِه لمعيشتِهِ ،
وعينان فى قلبِه . وما من أحدٍ إلا وله شيطانٌ متبطِّنٌ فَقَارَ ظهرِهِ، عاطفٌ عنقَه على
عنقِه، فاغرّ فاه إلى ثمرةٍ قلبِهِ ، فإذا أراد اللَّهُ بعبدٍ خيرًا أبصرت عيناه اللتان فى قلبِهِ ما
وعَد اللَّهُ من الغيبِ فعمِل به، وهما غيبٌ، فعمِل بالغيبِ ، وإذا أراد اللَّهُ بعبدٍ شًا
ترَكه. ثم قرأ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَاَ﴾(٢).
٥٨/٢٦
/حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا الحكمُ ، قال : ثنا عمرو، عن ثورٍ ، عن خالدِ بنِ
مَعْدَانَ بنحوِه ، إلا أنه قال : ترَك القلبَ على ما فيه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٦ إلى المصنف وابن المنذر.

٢١٧
سورة محمد : الآيتان ٢٤ ، ٢٥
حدَّثنا بشرٌ(١) ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ ، عن أبيه ، قال:
تلا رسولُ اللَّهِ عَ ظله يومًا: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. فقال
شابٌّ من أهلِ اليمنِ: بل عليها أقفالُها ، حتى يكونَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ يَفْتَحُها أو يُفَرُّها .
فمازال الشابُّ فى نفسٍ عمرَ رضى اللَّهُ عنه حتى ولِى فاستعان به (١) .
وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَرِهِ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ اُلْهُدَىٌ﴾
يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ : إن الذين رجَعوا القَهْقَرَى على أعقابِهم كفارًا باللّهِ من بعدٍ ما
تَبَيَّن لهم الحقُّ وقصْدُ السبيلِ، فعرَفوا واضحَ الحجةٍ ، ثم آثَروا الضلالَ على
الهدَى، عنادًا لأمرِ اللَّهِ تعالى ذكرُه من [٨٢٨/٢ظ] بعدِ العلمِ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ آَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَرِهِمِ مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ﴾: هم أعداءُ اللَّهِ أهلُ
الكتابِ ، يَعْرِفون "نعتَ النبيِّ) ◌َّهِ وأصحابِهِ عندَهم، ثم يَكْفُرون به(٤) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا
نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ﴾: إنهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم(٢).
وقال آخرون : عُنِى بذلك أهلُ النفاقِ .
(١) بعده فى ص، م: ((قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد))، وبعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال ثنا يزيد ، قال:
ثنا سعيد، قال: ثنا قتادة)). وهذه الزيادة أثبتها محققو تفسير ابن كثير بين معكوفين من تفسير الطبرى .
والمثبت كما فى تفسير البغوى، وينظر تهذيب الكمال ٢٣٩/٧.
(٢) أخرجه البغوى فى تفسيره ٢٨٧/٧ من طريق المصنف به. وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٠٣/٧ عن
المصنف به. وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما فى المطالب العالية (٤١٠٥) من طريق هشام به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٣ - ٣) فى ص، ت١: ((بعث نبى الله محمد))، وفى م: ((بعث محمد نبى الله)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٤/٢، وفى مصنفه (١٠٢١٢) عن معمر به .
۔

٢١٨
سورة محمد : الآية ٢٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَىَ أَدْبَرِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَأَحْبَطَ
أَعْمَلَهُمْ﴾: هم أهلُ النفاقِ(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَّ أَدْبَرِهِ﴾ إلى:
﴿ إِسْرَارَهُمْ﴾: هم أهلُ النفاقِ(٢).
وهذه الصفةُ بصفةٍ(٢) أهلِ النفاقِ عندَنا ، أشبهُ منها بصفةٍ أهلِ الكتابِ ، وذلك
أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أخبر أن ردَّتَهم كانت بقيلهم للذين كرِهوا ما نزَّل اللَّهُ:
﴿سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ اُلْأَمْرِّ ﴾. ولو كانت من صفةِ أهلِ الكتابِ لكان فى
وصفِهم بالتكذيبِ " محمدٍ عَّمِ الكفايةُ من الخبرِ عنهم بأنهم إنما ارتدُّوا من أجلِ
قیلهم ما قالوا .
وقولُه: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الشيطانُ زيَّن لهم
ارتدادهم على أدبارِهم من بعدِ ما تَبَيَّن لهم الهدَی .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الشَّيْطَانُ
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٢٨٨، والقرطبى فى تفسيره ٢٤٩/١٦.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٦ إلى المصنف.
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((صفة)).
(٤) فى م: (( بتكذيب)).

٢١٩
سورة محمد : الآيتان ٢٥، ٢٦
سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾. يقولُ: زيَّن لهم(١).
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ ﴾. ٥٩/٢٦
يقولُ : زيَّن لهم .
وقولُه: ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾. يقولُ: ومدَّ اللَّهُ لهم فى آجالِهِم مُلاوةً(١) من الدهرِ.
ومعنى الكلام: الشيطانُ سوَّل لهم ، واللَّهُ أَمْلَى لهم.
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ: ﴿ وَأَمْلَى
لَهُمْ﴾ بفتحِ الألفِ منها(٢) ، بمعنى: وأَمْلَى اللَّهُ لهم. وقرَأَ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ
والبصرةِ : (وأُملِىَ لهم) على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ(٤) . وقرَأ مجاهدٌ فيما ذُكِر عنه:
(وَأُمْلِى ). بضمِّ الألفِ وإرسالِ الياءِ ) ، على وجهِ الخبرِ من اللَّهِ جلَّ ثناؤه عن نفسِه
أنه يَفْعَلُ ذلك بهم .
وأولى هذه القراءاتٍ (١) بالصوابِ التى عليها عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ ، من
فتح الألفِ فى ذلك ؛ لأنها القراءةُ المستفيضةُ فى قرأةِ الأمصارِ ، وإن كان يَجْمَعُها
مَذْهَبٌ تَتَقارَبُ معانيها فيه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ
٢٦
اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٤/٢ عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر.
(٢) الملاوة والمُلاوة والملاوة والملا والَلِى كله: مدة العيش. اللسان (م ل و).
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى وأبى جعفر وخلف. النشر ٢/ ٢٨٠.
(٤) وهى قراءة أبى عمرو. المصدر السابق .
(٥) هى قراءة يعقوب ، وهو من العشرة . المصدر السابق .
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((القراءة))، والقراءات المذكورة كلها صواب.

٢٢٠
سورة محمد : الآيات ٢٦ - ٢٨
يقولُ تعالى ذكره : أَمْلَى اللَّهُ لهؤلاء المنافقين وترَكهم ، والشيطانُ سوَّل لهم،
فلم يُوفِّقْهم للهدَى من أجلِ أنهم قالوا للذين كرِهوا ما نزّل اللَّهُ مِن الأمرِ بقتالٍ أهلٍ
الشركِ به من المنافقين: سنُطِيعُكم فى بعضِ الأمرِ الذى هو خلافٌ لأمرِ اللَّهِ تبارَك
وتعالى وأمرٍ رسولِه عَّاتِ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ اُلْأَمْرِّ﴾: فهؤلاء
(١)
المنافقون(١).
﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ يعلَمُ إِسرارَ هذين الحزيين
المتظاهِرَين من أهلِ النفاقِ على خلافٍ أمرِ اللَّهِ وأمرِ رسولِه، إذ يَتَسَارُون فيما بينهم
بالكفرِ باللّهِ ومعصيةِ الرسولِ ، ولا يَخْفَى عليه ذلك ولا غيرُه من الأمورِ كلِّها .
واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ : (أَسْرَارَهُمْ)
يفتح الألفِ من : (أشرارَهم)(٢) على وجهِ جماع ((سرّ)). وقرأ ذلك عامةُ قرَأَةٍ
الكوفةِ: ﴿ إِسْرَارَهُمْ﴾ بكسرِ الألفِ(٣)، على أنه مصدرٌ من: أَسرَرتُ إِسرارًا .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى،
فبأيتِهِما قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ
٢٧
وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٤/٢ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٦ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) وهى قراءة عاصم فى رواية حفص وحمزة والكسائى. التيسير ص ١٦٣.
(٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية أبى بكر. المصدر السابق.