النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة محمد : الآيتان ٢،١
إسرائيلُ، عن أبى يحيى القتَّاتِ ، عن مجاهدٍ ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ فى قوله :
﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. قال: نزَلت فى أهلِ مكةً، ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُوا
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾. قال: الأنصارُ(١).
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قوله: ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى إسحاقُ بنُ وهبِ الواسطىُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال: ثنا
إسرائيلُ، عن أبى يحيى القَّاتِ، عن مجاهدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ: ﴿وَأَصْلَحَ
بَلَمْ ﴾. قال: أمْرَهم(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ . قال: شأنَهم(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَمْ﴾.
قال : أصلح حالَهم .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ وَأَصْلَحَ بَلَمْ﴾. قال: حالَهم(٣) .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَصْلَحَ
. (١) أخرجه الحاكم ٤٥٧/٢ من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/٦ إلى
الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٢) تفسير مجاهد ٦٠٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٠/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/٦ إلى عبد بن حميد.

١٨٢
سورة محمد : الآيات ٢ - ٤
بَهُمْ﴾. قال: حالَهم(١).
والبالُ كالمصدرِ مثلُ الشأنِ ، لا يُعرفُ منه فعلٌ، ولا تكادُ العربُ تجمعُه إلا فی
ضرورةٍ شعرٍ، فإذا جمَعُوه قالوا : بالاتّ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَبَعُوا الْتَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن ◌َِّهَّمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ
يقولُ تعالى ذكره: هذا الذى فعَلنا بهذين الفريقين من إضلالِنا أعمالَ
الكافِرِين، وتكفيرِنا عن الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ - جزاءٌ منا لكلِّ فريقٍ منهم
على فعلِه؛ أما الكافرون فأضلَلْنا أعمالَهم، وجعلناها على غيرِ استقامةٍ وهدّى؛
بأنهم اتَّبعوا الشيطانَ فأطاعوه ، وهو الباطلُ.
/ كما حدَّثنى زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةً وعباسُ بنُ محمدٍ ، قالا: ثنا
حجائجُ بنُ محمدٍ ، قال : قال ابنُ جُرَيج : أخبرنى خالدٌ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ :
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَطِلَ﴾. قال: الباطلُ الشيطانُ(٢) .
٤٠/٢٦
وأما المؤمنون فكفَّرنا عنهم سيئاتهم، وأصلَحنا لهم حالَهم ؛ بأنهم اتَّبعوا الحقَّ
الذى جاءَهم من ربِّهم، وهو محمدٌ عَِّ، وما جاءَهم به من عندِ ربِّه من النورِ
والبرهانِ (٢)، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ﴾. يقولُ عزَّ وجلَّ: كما بيَنتُ لكم
أيُّها الناسُ فِعلى بفريقِ الكفرِ والإيمانِ، كذلك نمثِّلُ للناسِ الأمثالَ، ونشبَّهُ لهم
الأشباه، فتُلحِقُ بكلِّ قومٍ من الأمثالِ أشكالًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ أَلْرِقَابٍ خَّقَ إِذَا
(١) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٢٨٩/٧.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٣: ((وهو)).

١٨٣
سورة محمد : الآية ٤
أَنْتَتُوُهُمْ فَشُدُّواْ أَلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِذَآءَ حَتَّى تَضَعَ الْرّبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ
لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضِنُّ وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَ
أَعْمَلَهُمْ
يقولُ تعالى ذكرُه لفريقِ الإيمانِ به وبرسولِه : فإذا لقيتم الذين كَفَروا باللّهِ
ورسوله من أهلِ الحربِ ، فاضرِبوا رقابهم .
وقولُه: ﴿ حََّ إِذَا أَنْخَتُمُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ﴾ . يقولُ: حتى إذا غلَبتموهم
وقهَر تم من لم تضرِبوا رقبتَه منهم، فصاروا فى أيديكم أسرَى، ﴿فَشُدُواْ الْوَثَاقَ﴾ .
يقولُ : فشُدُوهم فى الوثاق ؛ کیلا يقتُلو کم ، فیھرُبوا منكم .
وقولُه: ﴿ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ ﴾. يقولُ: فإذا أسَرتموهم بعدَ الإِثخانِ ؛ فإما أن
تُنُّوا عليهم بعدَ ذلك بإطلاقِكم إياهم من الأسرِ، وتحرّروهم بغيرِ عوضٍ ولا فِذْبةٍ،
وإما أن يُفادوكم ) فداءً؛ بأن يُعطوكم من أنفسِهم عوضًا حتى تطلِقوهم وتخلّوا
لهم السبيلَ .
واختلف أهلُ العلم فى قولِه: ﴿ حََّ إِذَا أَنْخَتُمُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا
فِدَآءَ ﴾؛ فقال بعضُهم: هو منسوخٌ نسخه قولُه: ﴿فَأَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقوله: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِدْ بِهِمِ مَّنْ
خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ عيسى الدَّامَغانىُّ، قالا: ثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُرَيجِ أنه
كان يقولُ فى قوله: ﴿ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾: نسَخها قولُه: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ
(١) فى ت ١: ((تفاوهم)).

١٨٤
سورة محمد : الآية ٤
حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدىِّ: ﴿فَإِمَّا
مَنَّا بَعْدُ وَإِمَا فِدَآءَ﴾. قال: نسَخها: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَإِمَّا
مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾: نسخها قولُه: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنَ
خَلْفَهُمْ﴾ (١).
٤١/٢٦
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾: كان المسلمون إذا لقُوا المشركين قاتلوهم، فإذا
أُسَروا منهم أسيرًا، فليس لهم إلا أن يُفادُوه ، أو يَمُنُّوا عليه ثم يرسلوه، فتَسَخ ذلك
بعدُ قولُه: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَّهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمِ مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾. أى: عِظْ بهم مَن
سواهم من الناسٍ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرىِّ،
قال: كُتِب إلى أبى بكرِ رضِى اللهُ عنه فى أسيرٍ أَسِر، فذُكِر أنهم التمَسوه [٨٢٣/٢ظ]
بفداءٍ كذا وكذا، فقال أبو بكرٍ : اقتلوه، لَقَتْلُ رجلٍ من المشركين أحبُّ إلىَّ من كذا
(٥)
وكذا (٥).
(١) أخرجه النحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٦٦٨ من طريق ابن المبارك به .
(٢) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٣٠٠، وفى الأموال (٣٤٣) عن عبد الرحمن به . وأخرجه ابن الجوزى فى نواسخ
القرآن ص ٤٦٧، ٤٦٨ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢١/٢ - ومن طريقه النحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٦٧١ - عن معمر به.
(٤) أخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٤٦٧ من طريق سعيد به ، وأخرجه أبو داود فى ناسخه - كما فى الدر
المنثور ٤٦/٦ ومن طريقه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٤٦٧ - من طريق الحجاج، عن قتادة ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٤٦/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٩٣٩١)، وفى تفسيره ٢/ ٢٢٠، وأبو عبيد فى الأموال (٣٥٢) من
طريق معمر به .

١٨٥
سورة محمد : الآية ٤
حذَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: الفداءُ منسوٌ، نسختها: ﴿فَإِذَا أَسَلَخَ اُلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ إلى: ﴿كُلَّ
مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]. قال: فلم يبقَ لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا حرمةٌ بعدَ
(براءة ))، وانسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ(١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾: هذا منسوخٌ، نسَخه قولُه:
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ آلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فلم يبقَ لأحدٍ من
المشركين عهدٌ ولا ذمَّةٌ بعدَ ((براءة))(٢).
وقال آخرون : هى محكمةٌ ، وليست بمنسوخةٍ . وقالوا : لا يجوزُ قتلُ الأسيرِ،
وإنما يجوزُ المنُّ عليه والفداءُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال: ثنا أبو عتّابٍ سهلُ بنُ حمادٍ ، ("قال: ثنا شعبةُ" ، قال :
تَنا خُلَيْدُ(٤) بنُ جعفرٍ، عن الحسنِ، قال: أُتِىَ الحجاجُ بُسارَى، فدفَع إلى ابنِ عمرَ
رجلًا يقتُلُه، فقال ابنُ عمرَ: ليس بهذا أُمِرنا، قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿ حََّ إِذَا أَنَْتُوهُمْ
فَشُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَا فِدَآءَ ﴾. قال : البكاءُ بينَ يديه . فقال الحسنُ: لو كان
(١) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص٤٦٧ عن محمد بن سعد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٤٦/٦ إلى ابن مردويه، كلاهما إلى قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ الآية .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٩٤٠٥) من طريق جويبر عن الضحاك، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٤٦/٦ إلى عبد بن حميد .
(٣ - ٣) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ١٢ / ٤٧٩.
(٤) فى النسخ: ((خالد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٤/٨.
(٥) كذا فى النسخ ، ولعله سقط : فكثر . أو كلمة نحوها .

١٨٦
سورة محمد : الآية ٤
هذا وأصحابُه لابتدَروا إليهم .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ عيسى الدامغانىُ ، قالا: ثنا ابنُ المباركِ ، عن ابنِ جُرَيجٍ،
عن عطاءٍ أنه كان يكرّهُ قتلَ المشركِ صَبْرًا. قال ويتلو هذه الآيةَ: ﴿ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا
(٢)
فِدَآءَ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ، قال : لا
تُقْتَلُ الأُسارى إلا فى الحربِ؛ يُهِيَّبُ بهم العدوّ(٣) .
قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَفديهم الرجلَ
بالرجلِ) ، وكان الحسنُ يكرّهُ أن يُفادَى بالمالِ(٥) .
قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن رجلٍ من أهلِ الشامِ ممن كان يحرُّسُ عمرَ بنَ
عبدِ العزيزِ، وهو من بنى أسدٍ ، قال: ما رأَيتُ عمرَ رحِمه اللَّهُ قتَل أسيرًا إلا واحدًا من
التُركِ؛ كان جِىء بأَسارى من التركِ، فأمَر / بهم أن يُسترَقُّوا ، فقال رجلٌ ممن جاء
بهم: يا أميرَ المؤمنين، لو كنتَ رأيتَ هذا - لأحدِهم - وهو يقتُلُ المسلمين لكثُر
بكاؤُك عليهم. فقال عمرُ: فدونَك فاقتُلْه. فقام إليه فقتله(٦).
٤٢/٢٦
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٢/١٢ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/٦ إلى ابن مردويه .
(٢) أخرجه النحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٦٧٢ من طريق ابن المبارك به ، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه
(٩٣٨٩)، وأبو عبيد فى ناسخه ص ٣٠٢، وفى الأموال (٣٢٣)، وابن أبى شيبة ٤٢١/١٢ من طريق ابن
جریج به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٠/٢ عن معمر به وأخرجه فى مصنفه (٩٣٩٣) عن معمر، عمن سمع
الحسن .
(٤) كذا فى النسخ. وفى مصدر التخريج: ((بالرجلين)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢١/٢ عن معمر به .
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٩٣٩٢)، وفى تفسيره ٢٢٠/٢ عن معمر به .

١٨٧
سورة محمد : الآية ٤
والصوابُ مِن القولِ عندَنا فى ذلك أن هذه الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ ، وذلك
أن صفةَ الناسخِ والمنسوخِ ما قد بيَّنا فى غيرِ موضعٍ (مِن كُتُبِنا؟) أنه ما لم يَجُزِ اجتماعُ
حكمَيْهما فى حالٍ واحدةٍ ، أو ما قامت الحجةُ بأنَّ أحدَهما ناسخٌ الآخرَ، وغيرُ
مستنكَرِ أن يكونَ جَعْلُ الخيارِ فى المنِّ والفداءِ والقتلِ إلى رسولِ اللهِ عَ لَه، وإلى
القائمين بعدَه بأمرِ الأُمةِ ، وإن لم يكنِ القتلُ مذكورًا فى هذه الآية ؛ لأنه قد أُذِن
بقتلهم فى آيةٍ أخرى، وذلك قوله: ﴿ فَأَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية .
بل ذلك كذلك ؛ لأن رسولَ اللَّهِ صَ لَّغِ كذلك كان يفعَلُ فى من صار أسيرًا فى يدِه
من أهلِ الحربٍ ، فيقتُلُ بعضًا ، ويُفادِى ببعضٍ ، ويمُنُّ على بعضٍ ، مثلَ يومٍ بدرٍ ؛
قتَل عقبةَ بنَ أبى مُعَيطٍ وقد أَتَّى به أسيرًا ، وقتَل بنى قُرَيظةً وقد نزلوا على حكمٍ
سعدٍ، وصاروا فى يدِهِ سِلمًا، وهو على فدائِهم والمنِّ عليهم قادرٌ، وفادَى بجماعةٍ
أُسارى المشركين الذين أُسِروا بيدرٍ ، ومنَّ على تُمامةَ بنِ أُثَالٍ الحنفيّ وهو أسيرٌ فى
يدِه ، ولم يزَلْ ذلك ثابتًا من سِيرِهِ فى أهلِ الحربِ، من لَدُنْ أذِن اللَّهُ له بحر بهم إلى أن
قَبَضه إليه ◌َّهِ ، دائمًا ذلك فيهم . وإنما ذكَر جلَّ ثناؤُه فى هذه الآيةِ المنَّ والفداءَ فى
الأسارى ، فخصَّ ذكرهما فيها ؛ لأن الأمرَ بقتلِهما والإذنَ منه بذلك قد كان تقدَّم
فى سائرٍ آي تنزيلِه مكرَّرًا، فأعلَم نبيَّه عَ لِّ بما ذكَر فى هذه الآيةِ من المنِّ والفداءِ ما له
فيهم ، مع القتلِ .
وقولُه: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا لقيتم الذين
كَفَروا فاضرِبوا رقابهم ، وافعَلوا بأَسراهم ما بيَّنتُ لكم ، حتى تضعَ الحربُ آثامَها (١)
وأثقالَ أهلِها المشركين باللّهِ ، بأن يتوبوا إلى اللَّهِ من شركِهم فيؤمنوا به وبرسولِه،
(١ - ١) فى م: ((فى كتابنا))، وفى ت١: ((من كتابنا هذا)). وينظر ما تقدم فى ٤٥٨/٢.
(٢) فى ت ١: ((أثقالها)). وفى ت ٢، ت ٣: ((أثاثها)).

١٨٨
سورة محمد : الآية ٤
ويطيعوه فى أمره ونهيه، فذلك وضعُ الحرب أوزارَها. وقيل: ﴿حَّى تَضَعَ الْحَرَّبُ
أَوْزَارَهَا﴾ . والمعنى : حتى تُلْقِىَ الحرب أوزارَ أهلِها. وقيل: معنى ذلك : حتى يضعَ
- المحاربُ أوزارَه.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى [٨٢٤/٢و]
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿حَّى تَضَعَ الْحَرَّبُ أَوْزَارَهَا﴾ . قال: حتى يخرُجَ عيسى ابنُ مريمَ، فيُسلمَ كلّ
يهودىٌّ ونصرانىٌ وصاحبٍ ملةٍ، وتأمَنَ الشاةُ من الذئبِ ، ولا تَقرِضَ فأرةٌ جرابًا،
وتذهبَ العداوةُ من الأشياءِ كلِّها؛ ذلك ظهورُ الإسلام على الدينِ كلّه، وينعَمَ
الرجلُ المسلمُ، حتى تقطُرَ(١) رجلُه دمًا إذا وضَعها(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرَّبُ
أَوْزَارَهَا﴾ : حتى لا يكونَ شركٌ .
/ حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَضَعَ
اٌلْرَّبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال: حتى لا يكونَ شرٌ(٣).
٤٣/٢٦
ذكرُ مَن قال: عُنِى بالحربِ فى هذا الموضعِ المحاربون
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ حَتَّى تَضَعَ
(١) فى ص: ((ينفطر))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تتقطر)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٤، ومن طريقه البيهقى ٩/ ١٨٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٦ إلى
الفریابى وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢١/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٦ إلى عبد بن حميد.
1

١٨٩
سورة محمد : الآية ٤
اُلْرَّبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال: الحربُ: مَن كان يقاتِلُهم، سمَّاهم حربًا(١).
وقوله: ﴿ذَلِكٌ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : هذا الذى
أمَرتُكم به أيُّها المؤمنون من قتلِ المشركين إذا لقيتموهم فى حربٍ، وشدِّهم وثاقًا
بعدَ (١) قهرِهم، وأسرِهم، والمنِّ والفداءِ حتى تَضَعَ الحربُ أوزارَها - هو الحقُّ
الذى ألزَمكم ربّكم، ولو يشاءُ ربُّكم ويريدُ لانتَصَر من هؤلاء المشركين الذين بينَّ
هذا الحكم فيهم بعقوبةٍ منه لهم عاجلةٍ ، و کفا کم ذلك كلّه، ولكنه تعالى ذكره
كرِه (٢) الانتصارَ منهم وعقوبتَهم عاجلًا، إلا بأيديكم أيُّها المؤمنون؛ ﴿لِيَبْلُوا
بَعْضَكُمْ بِبَعْضُِ﴾. يقولُ: ليختبرَكم بهم فيعلمَ المجاهدين منكم والصابرين،
ويبلوَهم بكم فيعاقبَ بأيديكم مَن شاء منهم ، ويَعِظَ مَن شاء منهم بمَن أهلَك
بأيديكم (١) مَن شاء منهم حتى يُنِيبَ إلى الحقِّ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَأَ نَصَرَ
مِنْهُمْ﴾: إى واللَّهِ، بجنودِه الكثيرة، كلُّ خلقِه له جندٌ ، ولو سلَّط أضعفَ خلقِه
لكان جندًا (٨).
(٨)
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢١/٢ عن معمر به .
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((و)).
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ذكر)).
(٥ - ٥) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٦) فى م: ((يتعظ)).
(٧) فى ت ٢، ت ٣: (( بأيديهم)) .
(٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.

١٩٠
سورة محمد : الآية ٤
وقولُه: ( والذين قاتلوا فى سبيلِ اللَّهِ). اختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته
عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ: (والذين قاتلوا) ). بمعنى: حاربوا المشركين
وجاهَدوهم . بالألفِ . وكان الحسنُ البصرىُّ فيما ذُكِر عنه يقرؤُه: (قُتِلوا) بضمٌ
القافِ وتشديدِ التاءِ ) . بمعنى أنه قتَلَهم المشركون بعضَهم بعدَ بعضٍ، غير أنه لم
يُسمَّ الفاعلون. وذُكِر عن الجحدرىِّ عاصم أنه كان يقرَأَ : (قَتَلُوا) بفتح القافِ
وتخفيفِ التاءٍ (١) . بمعنى: والذين قتلوا المشركين باللّهِ. وكان أبو عمرٍو يقرؤُه:
( وَالَّذِينَ قُئِلُواْ﴾ بضمِ القافِ وتخفيفِ التاءِ () . بمعنى: والذين قتلهم المشركون . ثم
أسقَط الفاعلين، فجعَلهم لم يسمَّ فاعلُ ذلك بهم .
وأولى القراءاتِ بالصوابِ قراءةُ من قرَأَه: ( وَالَّذِينَ قاتَلُوا) ؛ لاتفاقِ الحجةِ من
القرأةِ ، وإن كان لجميعِها وجوةٌ مفهومةٌ .
وإذ كان ذلك أولى القراءاتِ عندَنا بالصوابِ ، فتأويلُ الكلامِ: والذين قاتلوا
منكم أيُّها المؤمنون أعداءَ اللَّهِ من الكفارِ فى دينِ اللَّهِ ، وفى نُصرةٍ ما بُعِث به رسولُه
محمدٌ عَظٍِّ من الهُدى، فجاهَدوهم فى ذلك، ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُ﴾ فلن يجعَلَ اللَّهُ
أعمالَهم التى عمِلوها فى الدنيا ضلالاً عليهم، كما أضلَّ أعمالَ الكافرين .
وذُكِر أن هذه الآيةَ عُنِى بها أهلُ أُحدٍ .
٤٤/٢٦
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِ سَبِيلِ
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم فى رواية أبى بكر وحمزة والكسائى. التيسير ص ١٦٢.
(٢) وهى قراءة شاذة ، ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢٤٣.
(٣) وهى قراءة شاذة. ينظر تفسير القرطبى ٢٣٠/١٦.
(٤) وبها قرأ عاصم فى رواية حفص. التيسير ص ١٦٢.

١٩١
سورة محمد : الآيات ٤ - ٧
اللّهِ فَنَ يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾: ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ أُنزِلت يومَ أُحدٍ ورسولُ اللَّهِ عَلِ فِى
الشِّعبِ، وقد فَشَت فيهم الجراحاتُ والقتلُ، وقد نادَى المشركون يومَئذٍ: اعْلُ
هُبَلُ . فنادَى المسلمون: اللَّهُ أعلى وأجلُّ. فنادَى المشركون : يوم بيومٍ ، إن الحربَ
سِجالٌ، إن لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم. قال رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((اللَّهُ مَوْلَانا ولَا مَوْلَى
لكم، إن القَتْلَى مختلِفَةٌ؛ أمَّا قتلانا فأحياءٌ يُرزَقون، وأما قتلاكم ففى النارِ
يُعَذَّبون))(١) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاُلَّذِينَ
قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾. قال: الذين قُتِلوا يومَ أُحدٍ (٢).
٥
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَيَهْدِهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَتْ
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا
٧
يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ
٦
[٨٢٤/٢ظ] يقولُ تعالى ذكره: سيوفِّقُ(٣) اللَّهُ تعالى ذكرُه للعملِ بما يرضَى
ويحبُّ - هؤلاء الذين قاتلوا فى سبيلِه، ﴿ وَيُصْلِحُ بَالَمْ﴾: ويُصلِحُ أمرَهم (٤) وحالَهم
فى الدنيا والآخرةِ، ﴿ وَيُدْسِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَمْ﴾. يقولُ: ويُدخِلُهم اللَّهُ جنتَه،
عَرَّفَهَا (°﴾. يقولُ: عرّفها لهم وبيَّنها، حتى إن الرجلَ لَيأتى منزلَه منها إذا دخَلها
كما كان يأتى منزلَه فى الدنيا ، لا يُشكِّلُ عليه ذلك .
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً ، عن أبی
سعيدِ الخُدْرِىِّ، قال: إذا نَجَّى اللَّهُ المؤمنين من النارِ محُبِسوا على قنطرةٍ بينَ الجنةِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢١/٢ عن معمر به .
(٣) فى ت ٢، ت ٣: (( سيوفقهم).
(٤) فى ت ٣: (( بالهم)) .
(٥) بعده فى ت ٣: ((لهم)).

١٩٢
سورة محمد : الآية ٦
والنارٍ ، فاقتصَّ بعضُهم من بعض مظالم کثیرةً کانت بينهم فى الدنيا ، ثم يُؤْذَنُ لهم
بالدخولِ فى الجنةِ . قال : فما كان المؤمنُ بأُدلِّ بمنزله فى الدنيا منه بمنزلِه فى الجنةِ
حينَ يدخُلُها (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ
عَرَّفَهَا لَمْ﴾. قال : أى منازلَهم فيها(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ وَيُدْسِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَزَّفَهَا لَمْ﴾. قال: يهتدِى أهلُها إلى بيوتهم ومساكنِهم
وحيثُ قسم اللَّهُ لهم، لا يُخطِئون، كأنهم(٣) سكانُها(٤) منذُ حُلِقوا، لا يستدِلُون
عليها أحدًا(٥) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَيُدْسِلُهُمُ الْجَنَّةَ / عَزَّفَهَا لَهُمْ﴾. قال: بلَغنا عن غيرٍ واحدٍ، قال: يدخُلُ أهلُ الجنةِ
الجنةَ ، ولهم أَعْرَفُ بمنازلهم فيها من منازلهم فى الدنيا التى يختلفون إليها فى عُمُرٍ
الدنيا. قال: فتلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَمْ﴾(١).
٤٥/٢٦
(١) أخرجه أحمد ١٠٦/١٨ (١١٥٤٨) من طريق معمر عن قتادة فى قوله: ﴿ونزعنا ما فى صدورهم من
غل﴾. قال حدثنا أبو المتوكل الناجى عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله عَ ئه. وتقدم تخريجه
مرفوعا فى ١٤/ ٧٩.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) فى ت ١: (( كأنها)) .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( سكانهم)) .
(٥) تفسير مجاهد ص ٦٠٤، ٦٠٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٦ إلى عبد بن حميد.
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٢٩٢.
-

١٩٣
سورة محمد : الآيات ٧ - ٩
وقولُه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره :
يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، إن تنصُروا اللَّهَ؛ بنصرِكم(١) رسولَه محمدًا عَ لَه
على أعدائِه من أهلِ الكفرِ به، وجهادِ كم إياهم معه لتكونَ كلمتُه العُليا - ينصُرْ كم
عليهم، ويُظفِرْكم بهم ، فإنه ناصرٌ دينَه وأولياءَه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِن نَنْصُرُواْ
اللَّهَ يَصُرْكُمْ﴾: إنه(٢) حقٌّ على اللَّهِ أن يعطىَ مَن سأَلَه، وينصُرَ مَن نصَره (٣).
وقولُه: ﴿ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. يقولُ: ويُقوِّكم(٤) عليهم ويُجرِّثْكم؛ حتى لا
تَوَلَّوْا عنهم ، وإن كثُر عددُهم وقلّ عددُ كم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ
ذَلِكَ
٨
٩
بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأَخْبَطَ أَعْمَلَهُمْ
يقولُ تعالى ذكره: والذين كَفَروا باللّهِ، فجحَدوا توحيدَه، ﴿فَتَعْسَالَهُمْ﴾.
يقولُ : فخِزيًا لهم وشقاءً وبلاءً.
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَهُمْ﴾. قال: شقاءً لهم(٢).
وقولُه: ﴿ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾. "يقولُ: وجعَل أعمالَهم٢) معمولةً على غيرِ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ينصركم))، وفى م: ((ينصركم بنصركم)).
(٢) فى م: ((لأنه)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) فى ص، ت ٢، ت ٣: (( یقویکم)) .
(٥) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٢٨١.
(٦ - ٦) سقط من: ت ٢، ت ٣.
( تفسير الطبرى ١٣/٢١ )

١٩٤
سورة محمد : الآيتان ٨، ٩
هدّى ولا استقامةٍ ؛ لأنها عُمِلتْ فى طاعةِ الشيطانِ لا فى طاعةِ الرحمنِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَضَلَ
أَعْمَلَهُمْ﴾. قال: الضلالةُ التى أضلَّهم اللَّهُ؛ لم يهدِهم كما هدَى الآخرين، فإن
الضلالةَ التى أخبَرك اللَّهُ: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [النحل: ٩٣،
ج
فاطر: ٨]. قال: وهؤلاء ممن جعَل اللَّهُ(١) عملَه ضلالًا.
ورُدَّ قولُه: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾. على قوله: ﴿فَتَعْمَّالَّمْ﴾ . وهو فعلٌ ماضٍ،
و((التعْسُ)) اسم؛ لأن ((التعْسَ)) وإن كان اسمًا ففى معنى الفعلِ؛ لما فيه من معنى
الدعاءِ، فهو بمعنى: أَتَعَسَهم اللَّهُ. فلذلك صلَح ردُّ ﴿وَأَضَلَّ﴾ عليه؛ لأن الدعاءَ
يَجرِى مَجرَّى الأمرِ والنهي، وكذلك قوله: ﴿حَّةَ إِذَا أَنْتَتُهُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ ﴾.
مردودةٌ على أمرٍ مضمَرٍ ناصبٍ لـ ((ضَرْبَ)).
٤٦/٢٦
/ وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ اللّهُ﴾ . يقول تعالى ذكره : هذا الذى
فعَلنا بهم من الإتعاسِ وإضلالِ الأعمالِ ؛ من أجلٍ أنهم كرِهوا كتابَنا الذى أنزلناه
إلى نبيّنا محمدٍ عَ لَه وسخِطوه، فكذَّبوا به وقالوا: هو (١) سحرٌ مبينٌ.
وقولُه: ﴿فَأَخْبَطَ أَعْمَلَهُمْ﴾. يقولُ: فأبطَل أعمالَهم التى عمِلوها فى الدنيا،
وذلك عبادتُهم الآلهةَ، لم ينفَعهم اللَّهُ بها فى الدنيا ولا فى الآخرةِ ، بل أوبَقَهم بها
فأضْلاهم سعيرًا، وهذا [٨٢٥/٢ر] حكَمُ اللَّهِ جلّ جلالُه فى جميع مَن كفَر به من
(١) سقط من: م، ت ١.
(٢) فى ت١، ت ٢: (( هذا)).

١٩٥
سورة محمد : الآيات ٨ - ١٠
أجناس الأمم، كما قال قتادةٌ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه :
﴿ فَتَعْسَّا لَهُمْ﴾. قال: هى عامةٌ للكفارِ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى : ﴿
أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِينَ أَمْثَلُهَا
يقولُ تعالى ذكرُه: أفلم يَسِرْ هؤلاء المكذِّبون محمدًا عَ لَّهِ، المنكِرو ما أنزَلْنا
عليه من الكتاب، فى الأرضِ سَفْرًا؟ وإنما هذا توبيخٌ من اللَّهِ لهم ؛ لأنهم قد كانوا
يسافرون إلى الشامِ غيرَون نقمةَ اللَّهِ التى أحلَّها بأهلِ حِجْرٍ مِن(١٢) ثمودَ، ويرَون فى
سَفَرِهم إلى اليمنِ ما أحلَّ اللَّهُ بسَبَأْ ، فقال لنبيّه عليه الصلاةُ والسلامُ وللمؤمنين به :
أفلم يَسِرْ هؤلاء المشركون سَفْرًا فى البلادٍ ، فينظُرُوا كيف كان عاقبةُ تكذيب(٢)
الذين من قبلهم من الأمم المكذِّبةِ رسلَها ، الرادَّةِ نصائحَها ، ألم نُهلِكها فندمِّزْ عليها
منازلَها ونخرِّبْها، فيتعِظوا بذلك، ويحذَروا أن يفعَلَ اللَّهُ ذلك بهم فى تكذيبهم
إياه ، فيُنيبوا إلى طاعةِ اللهِ فى تصديقِك؟ ثم توَّدَهم جلَّ ثناؤُه، وأخبرهم "إن
هم" أقاموا على تكذيبِهم رسولَه، أنه مُحِلِّ بهم من العذابِ ما أحلَّ بالذين كانوا من
قبلِهم من الأمم ، فقال: ﴿ وَلِلْكَفِينَ أَمْثَلُهَا ﴾. يقولُ: وللكافرين من قريشِ المكذِّبى
رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ من العذابِ العاجلِ، أمثالُ عاقبةٍ تكذيبٍ الأمم الذين كانوا من قبلهم
رسلهم، علی تکذییهم رسوله محمدًا بهِ .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٢/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) سقط من: م، ت ١.
(٣) سقط من: ت ١.
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((أنهم)).

١٩٦
سورة محمد : الآيات ١٠ - ١٢
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
فى قوله: ﴿وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا﴾. قال: مِثلُ ما دُمِّرَت به القرونُ الأولى . وعيدٌ من اللَّهِ
(١)
لهم
٤٧/٢٦
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهُ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى
لَهُمْ (١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهَرُّ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَ بَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَى لََّمْ
يقولُ تعالى ذكرُه : هذا الفعلُ الذى فعَلنا بهذين الفريقين ؛ فريقِ الإِيمانِ وفريقٍ
الكفرِ ؛ من نُصرتِنا فريقَ الإِيمانِ باللَّهِ وتثبيتِنا أقدامهم ، وتدمیرِنا على فريقِ الكفرِ ،
◌ْ بِأَنَّ اللَّهُ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. يقولُ: من أجلٍ أن اللَّهَ ولىُّ مَن آمَن به وأطاع رسولَه.
كما حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى
قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. قال: وَلِيُّهم" .
وقد ذُكِر لنا أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ : (ذلكَ بأنَّ اللَّهَ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا)(٣).
(١) تفسير مجاهد ص ٦٠٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣١٢/٤ - من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٤٨/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٣٤/١٦، والقراءة شاذة .

١٩٧
سورة محمد : الآيات ١١ - ١٣
وأنَّ التى فى ((المائدةِ))، التى هى فى مصاحفِنا: ﴿ إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُمُ﴾
[المائدة: ٥٥]: (أَّمَا مَوْلاكُمُ اللَّهُ) فى قراءتِه .
وقولُه: ﴿ وَأَنَّ اُلْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ . يقولُ : وبأن الكافرین باللّهِ لا ولَّ لهم
ولا ناصرَ .
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَخِهَا
اَلْأَنْهَزِّ ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن اللَّهَ له الألوهةُ التى لا تنبغِى لغيرِهِ، يُدخِلُ الذين
آمَنوا بِاللَّهِ وبرسولِه بساتينَ تجرِى من تحتٍ أشجارِها الأنهارُ، يفعَلُ ذلك بهم تكرِمةً
علی إيمانهم به وبرسوله .
وقولُه: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَنَّعُونَ وَيَأْكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ﴾. يقولُ جلَّ
ثناؤُه: والذين جحَدوا توحيدَ اللَّهِ وكذَّبوا رسولَه عَّهِ، يتمتَّعون فى هذه الدنيا
بحُطامِها ورِياشِها وزينتِها الغانيةِ الدارسةِ ، ويأكُلون فيها غيرَ مفكّرين فى المعادِ ، ولا
معتبِرين بما وضَع اللَّهُ لخلقِه من الحجج المؤذِّيةِ لهم إلى علم توحيدِ اللَّهِ ، ومعرفةِ صدْقٍ
رسلِه ، فمَثَلُهم فى أكلِهم ما يأكلون فيها من غيرِ علمٍ منهم بذلك وغيرِ معرفةٍ ، مَثَلُ
الأنعامِ من البهائم المسخّرةِ التى لا همَّةً لها إلا فى الاعتلافِ دونَ غيرِهِ، ﴿ وَالنَّارُ
مَثْوَّى لَهُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: والنارُ نار جهنمَ مسكنٌ لهم ومأوَى ، إليها يصيرون
من بعدٍ مماتهم .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ وَكَيْنِ مِّن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرِيَئِكَ الَّتِّ أَخْرَجَنْكَ
١٣
أَهْلَكْتَهُمْ فَلَ نَاصِرَ لَهُمْ
[٨٢٥/٢ظ] يقولُ تعالى ذكرُه: وكُمْ يا محمدُ من قريةٍ ﴿هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن
قَرْبَئِكَ﴾ . يقولُ: أهلُها أشدُّ بأسًا وأكثرُ جمعًا وأعدُّ عديدًا من أهل قريتك، وهى

١٩٨
سورة محمد : الآية ١٣
مكةُ . وأُخرِج الخبرُ عن القريةِ والمرادُ به أهلُها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٤٨/٢٦
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَأَيِنِ مِّن قَرْيَةٍ
هِىَ أَشَدُ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِيّ أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ﴾. قال: هى مكةُ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قولِه :
وَكَأَتْنِ مِّن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ﴾. قال: قريَتُه مكةُ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا المعتمرُ بنُّ سليمانَ، عن أبيه ، عن حَنَشِ (١)،
عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، أن نبىَّ اللَّهِ حَ لِّ لما خرَج من مكةَ إلى الغارِ، أَراه قال:
التَفَت إلى مكةً، فقال: ((أنتِ أحبُّ بلادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ ، وأنتِ أحبُّ بلادِ اللَّهِ إلىّ،
فلو أنَّ المشركين لم يُخرِجونى لم أخْرُجْ منكِ، فأعتى الأعداءِ مَن عتا على اللَّهِ فى
حرَّمِه، أو قتَل غيرَ قاتِلِه، أو قتَل بذُحولٍ(٢) الجاهليةِ)). فأنزل اللَّهُ تبارك وتعالى:
﴿ وَكَأَيْنِ مِّن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِىّ أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾(١).
وقال جلَّ ثناؤه: ﴿أَخْرَجَنْكَ﴾ . فأُخرِج الخبرُ عن القرية؛ فلذلك أنّث ، ثم
قال: ﴿أَهْلَكْنَهُمْ﴾؛ لأن المعنى فى قوله: ﴿ أَخْرَجَنْكَ﴾. ما وصَفتُ من أنه أُرِيدَ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٢/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٤٨، ٤٩ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) فى م، ت ١: ((حبيش)). ينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٦٥.
(٣) الذحول : جمع ذخْل ؛ وهو الحقد ، والثأر. الوسيط (ذ ح ل) .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٢٩٤/٧ - من طريق ابن عبد الأعلى به ، وأخرجه أبو
يعلى - كما فى المطالب العالية (٤١٠٣) - عن المعتمر بن سليمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٦
إلی عبد بن حميد وابن مردويه .

١٩٩
سورة محمد : الآيتان ١٣ - ١٥
به أهلُ القريةِ ، فأخرج الخبرُ مرةً على اللفظِ ومرةً على المعنى .
وقولُه: ﴿فَلَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾. فيه وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يكونَ
معناه ، وإن كان قد نُصِب ((الناصرُ)) بالتبرئة: فلم يكنْ لهم ناصرٌ. وذلك أن العرب
قد تُضمِرُ ((كان)) أحيانًا فى مثل هذا . والآخرُ: أن يكونَ معناه : فلا ناصرَ لهم الآنَ
من عذاب اللهِ ینصُرُهم .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ أَفَن كَانَ عَلَى بَيَِّةٍ مِنْ زَيِّهِ، كَمَن زُيِّنَ لَهُسُوَهُ عَمَلِهِ،
وَبَّهُوْ أَهْوَهُمْ
١٤
يقولُ تعالى ذكرُه : أفمَن كان على برهانٍ وحجةٍ وبيانٍ مِن أمرِ ربِّه والعلمِ
بوحدانيتِه، فهو يعبُدُه على بصيرةٍ منه، بأن له ربًّا يُجازيه على طاعتِه إياه الجنةَ ،
وعلى إِساءتِه ومعصيتِه إياه النارَ، ﴿ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوَّهُ عَمَلِهِ﴾. يقولُ: كمَن حسَّن
له الشيطانُ قبيحَ عملِه وسيئَه، فأراه جميلًا، فهو على العملِ به مقيمٌ، ﴿ وَأَبّعُوّا
أَهْوَهُ﴾. يقولُ: واتَّبَعوا ما دعَتْهم (١) إليه أنفسهم من معصيةِ اللَّهِ وعبادة الأوثانِ ،
من غيرِ أن يكونَ عندَهم بما يعملون من ذلك برهانٌ وحجةٌ . وقيل : إن الذى عُنِى
بقولِه: ﴿ أَفَتَنْ كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّيِّهِ﴾. نبينا عليه الصلاةُ والسلامُ ، وإن الذى ◌ُنِى
بقولِه: ﴿ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ﴾. هم المشركون.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ فِيهَا أَنْهَرٌ مِنِ مٍَّ غَيْرِ
ءَسِنٍ وَهَرٌ مِّنِ لََّنٍ لَمْ يَنْغَيَّرَ / طَعْمُ وَأَنْهُ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَِّمِنَ وَأَنْهُ مِنْ عَسَلٍ مُّصَفِىّ
وَثْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنِ زَّبِّهِمْ كُمَنْ هُوَ خَلٌِ فِ النَّارِ وَسُقُوا مَآءُ حَمِيعًا فَقَطَّعَ
أَمْعَآءُهُمْ
١٥
٤٩/٢٦
(١) فى ت ١: ((دعوته)).

٢٠٠
سورة محمد : الآية ١٥
يقولُ تعالى ذكره : صفةُ الجنةِ التى وُعِدَها المتقون ، وهم الذين اتَّقَوا فى الدنيا
عقابه؛ بأداءٍ فرائضِه واجتنابٍ معاصيه، ﴿فِيَهَا أَنْهَرٌ مِّن مٍَّ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه : فى هذه الجنةِ التى ذكرها أنهارٌ مِن ماءٍ غيرِ متغيِّرِ الريح . يقالُ منه : قد
أسِن ماءُ هذه البئرِ، إذا تغيَّرت ريحُ مائِها فأنتَنت، فهو يَأْسَنُ أُسَنًا . وكذلك يُقالُ
للرجلِ إذا أصابَته ريحٌ منتنةٌ: قد أَسِنَ، فهو يأْسَنُ. وأما إذا أَجَن الماءُ وتغيَّر، فإنه
يقالُ له : أسَن، فهو يأْسِنُ، ويأسُنُ أَسونًا، وماءٌ آسنٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قولِه: ﴿مِّن مَّاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿فِيَهَا أَنْهَرٌ مِّن مٍَّ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾. يقولُ: غيرٍ متغيٍّ(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قوله :
﴿أَنْهَرٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾. قال: من ماءٍ غيرِ مُنْتَنٍ (١).
حدَّثنى عيسى بنُ عمرٍو ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا مصعبُ بنُ
سلَّامٍ، عن سعدِ بنِ طَرِيفٍ ، قال: سألتُ أبا إسحاقَ عن: ﴿مَّاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾،
قال : سألتُ عنها الحارثَ، فحدَّثنى أن الماءَ الذى غيرُ آسنٍ ((تسنيمٌ))، قال: بلَغنى
أنه لا تمشه يدٌ ، وأنه يجىءُ الماءُ هكذا حتى يدخُلَ فى فيه (١) .
وقولُه: ﴿ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَنَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفيها أنهارٌ من
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى التغليق ٣١٢/٤ والإتقان ٤٣/٢ - من طريق أبى صالح به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٢/٢ عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٦ إلى عبد بن
حمید .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٦ إلى المصنف.