النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة الجاثية : الآية ٢٨
٢٨
تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وترَى يا محمدُ يومَ تقومُ الساعةُ أهلَ كلِّ ملةٍ ودينٍ
جَائِيَةٌ﴾ . يقولُ : مجتمعةٌ مستوفِرَةً على رُكبِها من هولِ ذلك اليومِ .
کما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، وحدّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿وَتَرَ كُلّ أُمَِّ جَانِيَةٌ﴾ . قال: على الركبِ مستوفٍين(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَتَرَى
ج
كُلَّ أُمَّتِ جَائِيَةٌ﴾. قال: هذا يومَ القيامةِ ﴿جَائِيَةٌ ﴾ على ركبهم (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعت
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَِّ جَائِيَّةٌ﴾. يقولُ: على الركبِ عندَ
(٣)
الحساب(٣).
وقولُه: ﴿كُلُّ أُمٍَّ تُدْعَ إِلَى كِنَبِهَا﴾. يقولُ: كلُّ أهلٍ ملةٍ ودينٍ تُدعَى إلى
كتابِها الذى أَمْلَت على حَفَظَتِها .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلُّ أُمَّتٍ
تُدْعَىَ إِلَى كِتَبِهَا﴾: تعلمون أنه ستُدعَى أُمةٌ قبلَ أُمةٍ، وقومٌ(٤) قبلَ قومٍ ، ورجلٌ قبلَ
رجلٍ؟ ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ مْ لِهِ كان يقولُ: ((يُمثَّلُ لكلِّ أَمَّةٍ يومَ القيامةِ ما كانت تعبدُ
(١) تفسير مجاهد ص ٦٠٠، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٤/ ٣١١، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٦/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ينظر التبيان ٢٥٩/٩.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٦ إلى المصنف.
(٤) فى ت ٢: (( قيل)).

١٠٢
سورة الجاثية : الآية ٢٨
من حجَرٍ، أو وثنٍ ، أو خشبةٍ، أو دابةٍ ، ثم يقالُ: من كان يعبدُ شيئًا فَلْيَتْبَعْه .
فتكونُ - أو تُجعلُ - تلك الأوثانُ قادةً إلى النارِ حتى تقذِفَهم فيها، فتبقَى أَمَّةُ
١٥٥/٢٥ محمدٍ عَّهِ / وأهلُ الكتابِ ، فيقولُ لليهودِ: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبدُ
اللَّهَ وعُزَيْرًا. إلا قليلًا منهم، فيقالُ لها: أَمَّا عُزَيْرٌ فليس منكم ولَستُم منه . فيؤخذُ بهم
ذاتَ الشِّمالِ ، فينطَلِقون ولا يستطيعون مكوثًا ، ثم يُدعَى بالنصارى، فيقالُ لهم:
ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنّا نعبدُ اللَّهَ والمسيح. إلا قليلًا منهم، فيقالُ: أمَّا
عيسى فليس منكم ولَستُم منه. فيؤخَذُ بهم ذاتَ الشِّمالٍ ، فينطَلِقون ولا يستطيعون
مكوثًا، وتبقَى أمَّةُ محمدٍ مِّ له، فيقال لهم: ما كنتُم تعبدون؟ فيقولون: كنَّا نعبدُ
اللَّهَ وحدَه، وإنما فارَقْنا هؤلاء فى الدنيا مخافةً يومِنا هذا. فيؤذنُ للمؤمنين(١) فى
السجودِ ، فيسجدُ المؤمنون، وبينَ كلِّ مؤمنٍ منافقٌ، فيقشو ظهرُ المنافقِ عن
السجودِ ، ويجعلُ اللَّهُ سجودَ المؤمنين عليه(١) توبيخًا وصَغَارًا وحسرةٌ وندامةً))(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن
عطاءِ بنِ يزيدَ الليثىّ، عن أبى هريرةَ ، قال: قال الناسُ: يا رسولَ اللَّهِ ، هل نرَى ربّنا يومَ
القيامةِ؟ فقال: ((هل تُضامُّون فى الشمس ليس دونها سحابٌ؟)). قالوا: لا يا
رسولَ اللهِ. قال: ((هل تُضارُون فى القمرِ ليلة البدرِ ليس دونه سحابٌ؟)) قالوا: لا
يا رسولَ اللَّهِ. قال: «فإنكم ترَوْنه يومَ القيامةِ كذلك، يَجمعُ اللَّهُ الناسَ، فيقولُ:
مَن كان يعبدُ شيئًا فَلْيَتْبَعْه . فيَتْبعُ مَن كان يعبدُ القمرَ القمرَ، ومَن كان يعبدُ الشمسَ
الشمسَ، [٨١٠/٢و] ويَتْبَعُ مَن كان يعبدُ الطواغيتَ الطواغيتَ، وتبقَى هذه الأمةُ
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((للمؤمن)).
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((عليها)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٦ إلى المصنف.
(٤) بعده فى النسخ: ((عن قتادة))، وينظر مصادر التخريج .

١٠٣
سورة الجاثية : الآيات ٢٨ - ٣٠
فيها منافِقوها، فيأتيهم ربُّهم فى صورةٍ، ويُضرَبُ جسرٌ على جهنمَ)). قال
النبيُّ عَّةٍ: ((فأكونُ أولَ من يُجِيز١ُ ، ودعوةُ الرسلِ يومَئذٍ: اللهمَّ سَلِّمْ، اللهمَّ
سَلِّمْ. وبها كلاليبُ كشوكِ السَّغدانٍ(٢) ، هل رأَيتم شوكَ السَّغْدانِ؟)). قالوا : نعم يا
رسولَ اللَّهِ . قال: ((فإنها مثلُ شوكِ السَّغدانِ، غيرَ أنه لا يَعلمُ (٢) قدرَ عِظَمِها إلا اللَّهُ،
ويُخْطَفُ (٤) الناسُ بأعمالهم؛ فمنهم المُوبَقُ بعملِه، ومنهم المُخَردَلُ ثم يَنْجُو)). ثم
ذكَر الحديثَ بطولِه(١) .
وقولُه: ﴿ اَلْيَوْمَ تُجْزَنَ مَا كُ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى
کِتابها ، يقال لها (١): ﴿ آلْيَوْمَ تُجْزُونَ﴾ . أی: تُثابُون وتُعطون أجور ما کنتم فى الدنيا
من جزاءِ الأعمالِ تعمَلون؛ بالإحسانِ الإحسانَ ، وبالإساءةِ جزاءَها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ هَذَا كِنَبُنَا يَطِقُ عَلَيْكُم ◌ِلْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا
(٢٩
كُمْ تَعْمَلُونَ
فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْمَتِهِ، ذَلِكَ
٣٠
هُوَ اُلْفَوْزُ الْمُبِينُ
يقولُ تعالى ذكره: يقالُ(٨) لكلِّ أمةٍ دُعِيت فى القيامةِ إلى كتابِها الذى أمْلَت
(١) فى ت ٢: (( يخير)).
(٢) السعدان: نبت ذو شوك، وهو من جيّد مراعى الإبل تسمن عليه. النهاية ٣٦٧/٢.
(٣) بعده فى م: ((أحد)).
(٤) فى ت ٢، ت ٣: ((يحفظ)).
(٥) المخردل: المصروع المرمىّ، وقيل: المقطع تقطّعه كلاليب الصراط حتى يهوِى فى النار. اللسان (خردل).
(٦) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٦٣٧) عن محمد بن عبد الأعلى به، وابن منده فى الإيمان (٨٠٦)،
والآجرى فى الشريعة (٥٩٨) من طريق ابن ثور به مختصرًا، وأخرجه معمر فى جامعه (٢٠٨٥٦) ومن طريقه
أحمد ١٤٣/١٣-١٤٦ (٧٧١٧)، والبخارى (٦٥٧٣)، وابن أبى عاصم (٤٥٥)، وابن حبان
(٧٤٢٩) .
(٧) فى ت ١، ت ٣: ((لهم)).
(٨) سقط من : م.

١٠٤
سورة الجاثية : الآية ٢٩
١٥٦/٢٥ على حَفَظتِها فى الدنيا: ﴿اَلْيَوْمَ / تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فلا تَجَزَعوا من ثوابِناكم(١)
على ذلك ، فإنكم ينطقُ عليكم إن أنكَرْتموه بالحقِّ فاقرَءوه، ﴿ إِنَّا كُنَا نَسْتَنْسِخُ مَا
كُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إنا كنا نستكتِبُ حَفَظَتَنَا أعمالكم، فتثبتُها فى الكتبِ
وتکتئها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا طلقُ بنُ غنّامٍ، عن زائدةَ، عن عطاءٍ، عن(١)
مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿ هَذَا كِتَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ﴾. قال: هو أمُّ الكتاب ، فيه
أعمالُ بنى آدمَ، ﴿إِنَّا كُنَا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: نَعم، الملائكةُ
يستنسِخون أعمالَ بنى آدمَ(٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ القُمِّىُ، قال : ثنى أخى عيسى بنُ عبدِ اللَّهِ ،
عن(٤) ثابتِ الثّمالىِّ(٥)، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللَّهَ خلَق النونَ وهى الدواةُ ، وخلَق
القلمَ ، فقال: اكتبْ . قال : ما أكتبُ ؟ قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامةِ مِن
عملٍ معمولٍ؛ ب١ِّ) أو فجورٍ، أو (١) رزقٍ مقسومٍ؛ حلالٍ أو حرامٍ. ثم ألزَم(٨) كلَّ شيءٍ
(١) فى ت ٢: (( ثوابنا لكم)).
(٢) فى م: (( بن)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٠٠، ٦٠١ من طريق عطاء به .
(٤) فى م: (( بن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٧/٤.
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت٣: ((اليمانى)).
(٦) سقط من : ت ٢.
(٧) فى ت ٣: ((من)).
(٨) فى ت ١: ((أكرم))، وفى ت ٢: ((إلزام)).

=
١٠٥
سورة الجاثية : الآيتان ٢٩، ٣٠
من ذلك شأنَه ◌ُ(١) : دخولَه فى الدنيا ، ومُقامَه فيها كم؟ وخروجَه منها كيف ؟ ثم جعَل
على العبادِ حَفَظَةٌ ، وعلى الكتابِ خُزَّانًا ، فالحفظةُ ينسَخون كلَّ يومٍ من الخُرَّانِ عملَ
ذلك اليوم ، فإذا فَنِى الرزقُ وانقطَع الأثرُ، وانقَضى الأجلُ ، أَتَتِ الحفظةُ الخزنةَ يطلبون
عملَ ذلك اليومٍ ، فتقولُ لهم الخزنةُ : ما نجدُ لصاحبِكم عندَنا شيئًا . فترجعُ الحفظةُ ،
" فيجِدونهم قد ماتوا . قال : فقال ابنُ عباسٍ: ألستم قومًا عربًا؟ تسمعون الحَفَظةً
يقولون: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنِسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وهل يكونُ الاستِنساُ إلا من
أصلٍ(٣)؟
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكام، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن الحكم، عن
مِقسمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هَذَا كِتَبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. قال: الكتابُ الذكرُ،
﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنِخُ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: نستنسخُ الأعمالَ.
وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال : ثنا النضرُ بنُ إسماعيلَ،
عن أبى سنانٍ () الشيبانيّ، عن عطاءِ بنِ أبى رباح، عن أبى عبدِ الرحمنِ السلمىّ ، عن
علىّ بن أبى طالبٍ رضى اللَّهُ عنه أنه قال : إن للَّهِ ملائكةٌ ينزِلون فى كلِّ يومٍ بشىءٍ؛
يكتُبون فيه أعمالَ بنى آدمَ(٢) .
وقولُه: ﴿ فَمَّا الّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَعِلُواْ الصَِّحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْتِهِّ﴾
يقولُ تعالى ذكرُه : فأما الذين آمنوا باللّهِ فى الدنيا فوخَّدوه، ولم يشرِ كوا به شيئًا ،
﴿ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بما أمَرهم اللَّهُ به، وانتهَوا عما نهاهم اللَّهُ
عنه ، ﴿ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْمَتِهِ،﴾ . يعنى : فی جنِه برحمتِه .
(١) فى ص: ((شامه))، وفى ت ٢: ((سامة))، وفى ت ٣: ((سامه).
(٢ - ٢) فى ت ١: ((فيجدونه قد مات)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٦ إلى المصنف .
(٤) فى ت ١، ت ٢: ( شيبان)).

١٠٦
سورة الجاثية : الآيتان ٣٠ ، ٣١
وقولُه: ﴿ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: دخولُهم فى رحمةِ اللَّهِ يومئذٍ هو
الظفرُ بما كانوا يطلبونه، وإدراك ما كانوا يسعَون فى الدنيا له، المبينُ غايتهم فيها أنه
هو الفوزُ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ
فَأَسْتَكْبَرْتُمْ وَكُمْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ
/ يقولُ تعالى ذكره: وأما الذين جحَدوا وحدانيةَ اللهِ ، وأبوا إفراده فى الدنيا
بالألوهةِ ، فیقال لهم : ألم تگنْ آیاتِی فی الدنيا تُتلی علیکم ؟
١٥٧/٢٥
فإن قال قائلٌ: أوَ لَيست ((أمَّا)) تجابُ بالفاءِ، فأينَ هى؟ فإن الجوابَ أن يقالَ:
هى الفاءُ التى فى قوله: ﴿أَفَلَمْ ﴾ . وإنما وجْهُ الكلام فى العربية لو نُطِق به على بيانِه
وأصلِه أن يقالَ: وأما الذين كفروا، فألم(١) تكُنْ آيَاتى تُتْلَى عليكم. لأن معنى
الكلام: وأما الذين كفروا فيقالُ لهم: ألم. فموضعُ الفاءِ فى ابتداءٍ [٨١٠/٢ ظ]
المحذوفِ الذى هو مطلوبٌ فى الكلام، فلما حُذِفت ((يقالُ))، وجاءت ألِفُ
استفهام حكمُها أن تكونَ مبتدَأةً بها ، ابتُدِئ بها وجُعِلت الفاءُ بعدَها ، وقد تُسقِطُ
العربُ الفاءَ التى هى جوابُ ((أما)) فى مثلِ هذا الموضع أحيانًا إذا أسقَطوا الفعلَ الذى
هو فى محلٌّ جوابٍ ((أما))، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. فخُذِفتِ الفاءُ(١) ، إذ كان الفعلُ الذى هو
فى جوابٍ ((أمَّا)) محذوفًا وهو ((فيقال))، وذلك أن معنى الكلام: فأما الذين
اسودَّت وجوهُهم فيقالُ لهم: أكفَرتم؟ فلما أُسقِطت «يقالُ» الذى به تتصلُ الفاءُ
(١) فى ت ٢: ((فإن لم))، وفى ت ٣: ((فلم)).
(٢) بعده فى ت ٢: ((جواب)).

١٠٧
سورة الجاثية : الآيتان ٣١، ٣٢
سقَطت الفاءُ التى هى جوابُ ((أما))
وقولُه: ﴿فَأُسْتَكْبَرَيُمْ﴾. يقولُ: فاستكبَرتم عن استماعِها والإيمانِ بها،
وَكُمْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: وكنتم قومًا تكسِبون (١) الآثامَ والكفرَ باللَّهِ، لا
تصدِّقون بمعادٍ ، ولا تؤمِنون بثوابٍ ولا عقابٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُ مَّا
٣٢
نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْفِنِينَ
يقولُ تعالى ذكره : ويقالُ لهم حينئذٍ : وإذا قيل لكم: إنَّ وَعْدَ اللَّهِ الذى وعَد
عبادَه أنه مُحييهم من بعدِ مماتِهم ، وباعثُهم من قبورِهم ، حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ التى أخبرهم
أنه يقيمُها لحشرِهم، وجمعِهم للحسابِ والثوابِ على الطاعةِ، والعقابِ على
المعصيةِ، آتيةٌ(٢) ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. يقولُ: لا شكَّ فيها. يعنى: فى الساعةِ. والهاءُ
فى قوله: ﴿ فِيهَا﴾ . من ذكرِ الساعةِ . ومعنى الكلام: والساعةُ لا ريبَ فى قيامِها ،
فاتَّقوا اللَّهَ وَآمِنوا باللّهِ ورسولِه، واعمَلوا لما يُنجِيكم من عقابِ اللَّهِ فيها، ﴿قُلْتُ مَّا
نَدْرِى مَا السَّاعَةُ ﴾. تكذيبًا منكم بوعدِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه، وردًّا لخبرِهِ، وإنكارًا لقُدرتِه
على إحيائِكم من بعدٍ مماتِكم .
وقولُه: ﴿إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا﴾. (" يقولُ: وقلتم: ما نظرُّ أن الساعةَ آتيةٌ إلا
ظنًّا٢)، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائيةٌ ، ولا أنها كائنةٌ .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ ؛ فقرَأت ذلك عامةٌ
(١) فى ت ٣: (( تلبسون)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لآتية)).
(٣ - ٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.

١٠٨
سورة الجاثية : الآيات ٣٢ - ٣٤
قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ، ﴿ وَالسَّاعَةُ﴾ رفعًا على الابتداءِ (١). وقرأته
عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (والسَّاعَةَ) نصبًا(١)، عطفًا بها على قوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ .
/ والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قراءتان مستفيضتان فى قَرَأةٍ
الأمصارِ ، صحيحتا المخرج فى العربية ، متقارِبتا المعنى ، فبأيتهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ .
١٥٨/٢٥
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَبَدَا لَمْ سَيَِّاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِه
٣٣
يَسْتَهْزِءُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: وبدَا لهؤلاء الذين كانوا فى الدنيا يكفُرون بآياتِ اللَّهِ -
سيئاتُ ما عمِلوا فى الدنيا من الأعمالِ . يقولُ : ظهَر لهم هنالك قبائحُها وشرائها ،
لَّا قرَءوا كتبَ أعمالِهِم التى كانت الحفظةُ تنسخُها فى الدنيا، ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ
بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾. يقولُ: وحاق بهم من عذابِ اللَّهِ حينَئذٍ ما كانوا به يستهزِئون ، إذا
قيل لهم: إن اللَّهَ مُحِلُّه بمَن(١) كذَّب به، على سيئاتٍ ما فى الدنيا عمِلوا من الأعمالِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقِيلَ الْيَّوْمَ نَنَسَنَكُمْ كَّا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا
وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُ مِّن نَّصِرِينَ
٣٤
يقولُ تعالى ذكره : وقيل لهؤلاء الكفرةِ الذين وصَف صفتَهم : اليومَ نتركُكم
فى عذابٍ جهنمَ، كما ترَكتم العملَ للقاءِ ربِّكم يومكم هذا .
كما حدَّثنى علىّ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه : ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَسَنَّكُمْ﴾: نتركُكم(٤) .
(١) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٥.
(٢) هى قراءة حمزة . المصدر السابق .
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((ممن)).
(٤) بعده فى ت ٢: ((فى عقاب الله)).

١٠٩
سورة الجاثية : الآيات ٣٤ - ٣٧
-
وقولُه: ﴿وَمَأْوَنَّكُ النَّارُ﴾. يقولُ: ومأْواكم (التى تأوون إليها؟) نار جهنمَ،
وَمَا لَكُ مِّن نَصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لكم من مستنقِذٍ يستنقذُ كم(٢) اليومَ من عذابٍ
اللَّهِ ، ولا منتصِرٍ ينتصرُ لكم ممن يعذِّبُكم، (فَيَستنقِذَ لكم٢) منه.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَّكُ أَخَذْتُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتَّكُ الْحَيَزَةُ
٣٥
الدُّنْيَّ فَالْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُنَ
يقولُ تعالى ذكره: يقالُ لهم: هذا الذى حلَّ بكم من عذابِ اللَّهِ اليومَ
بأنكم فى الدنيا اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا. وهى حججُه وأدلتُه وآُ كتابِه التى
أنزلها على رسولِهِ مَ له، ﴿هُزُوًا﴾. يعنى: سخريةً تسخَرون منها، ﴿وَغَرَّتَكُ
اَلْيَةُ الدُّنْيَ﴾. يقولُ: وخدَعتكم زينةُ الحياةِ الدنيا، فآثرتموها على العملِ بما(3)
يُنجِيكم اليومَ من عذابِ اللَّهِ . يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾: من
النارِ، ﴿وَلَ هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾. يقولُ: ولا هم يُردُّون إلى الدنيا ليتوبوا ويراجِعوا
الإنابةَ مما عوقِبوا عليه .
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَلَّهِ الْخَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ ١٥٩/٢٥
وَلَهُ الْكِبِيَآءُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيُ الْحَكِيمُ
اُلْعَلَمِينَ
٣٧
[٨١١/٢و] يقولُ تعالى ذكرُه: فللهِ الحمدُ على نعَمِه وأیادیه عندَ خلقِه ، فإِیاه
فاحمَدوا أيُّها الناسُ ، فإن كلّ ما بكم من نعمةٍ فمنه دونَ ما تعبدون من دونِه من آلهةٍ
= والأثر عزاه الحافظ فى الفتح ٥٧٤/٨ إلى ابن المنذر، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٦ إلى المصنف
وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(١ - ١) فى ت ١: ((الذى تأوون إليه)).
(٢) فى م: ((ينقذ كم)).
(٣ - ٣) فى ت ٣: ((فيستنقذكم)).
(٤) فى ص، م: (( لما)).

١١٠
سورة الجاثية : الآيتان ٣٦ ، ٣٧
ووثنٍ، ودونَ ما تتخِذونه (١) من دونِه ربًّا، وتشرِكون به معه (١)، ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ
اُلْأَرْضِ﴾. يقولُ: مالكِ السماواتِ السبع، ومالكِ الأُرَضينَ السبع(١)، ﴿رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: مالكِ جميع ما فيهن من أصنافِ الخلقِ، ﴿ وَلَهُ الْكِبِيَآءُ فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. يقولُ: وله العظمةُ والسلطانُ فى السماواتِ والأرضِ دونَ ما
سواه من الآلهةِ والأندادِ، ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فى نقمتِه من أعدائِه ، القاهرُ كلَّ ما
دونَه ، ولا يقهرُه شىءٌ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فى تدبيرِه خلقَه ، وتصريفِه إياهم فيما شاء
كيفَ شاء واللهُ أعلمُ .
آخرُ تفسير سورةِ ((الجاثيةِ))
(١) فى ت ٣: ((تتخذون)).
(٢) فى ت ٢: ((بعد)).
(٣) بعده فى ص، م: (( و)).

١١١
سورة الأحقاف : الآيات ١ - ٤
١/٢٦
/ تفسير سورة الأحقافِ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ حمّ
الْحَكِيمِ الثَّـ
مَا خَلَقْنَا اُلسَمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَقَّىّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ
تَنزِيلُ الْكِنَبِ﴾ بما أغنَى عن إعادته فى
قد تقدَّم بيانُنا معنى قوله: ﴿حمّ
هذا الموضعِ().
وقولُه: ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: ما أحدَثْنا السماواتِ والأرضَ، فأوجدناها(٢) خلقًا مصنوعًا، ﴿ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾
من أصنافِ العالم، ﴿إِلَّا بِالْحَقِ﴾. يعنى: إلا لإقامةِ الحقِّ والعدلِ فى الخلقِ.
وقولُه: ﴿ وَأَجَلٍ مُسَنَّى﴾ . يقولُ: وإلا بأجلٍ لكلِّ ذلك معلومٍ عندَه ، يُغنِيه إذا
هو بلَغه ، ويُعدِمُه بعدَ أن كان موجودًا بإيجادِه إياه .
وقولُه: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: والذين
جحَّدوا وحدانيةَ اللهِ عن إنذارِ اللهِ إياهم - مُعرِضون، لا يتَّعِظون به، ولا يتفكّرون
فيعتبرون .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّا نَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ
مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرُ فِ السَّمَوَتِّ أَنْنُونِ يِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن
كُ صَدِقِينَ
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٧٤/٢٠ - ٢٧٦.
(٢) فى م: ((فأوجدناهما )) .

١١٢
سورة الأحقاف : الآية ٤
/ يقولُ تعالى ذكره : قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللهِ من قومِك: أرأيتم أيُّها
القومُ الآلهةَ والأوثانَ التى تعبدون من دونِ اللهِ ، أَرُونى أىَّ شىءٍ خلَقوا من الأرضِ؟
فإِنَّ ربى خلَق الأرضَ كلَّها، فدعَوتموها من أجلٍ خلقِها ما خلَقَتْ من ذلك آلهةً
وأربابًا ، فيكونَ لكم بذلك فى عبادتكم إياها حجةٌ ! فإن من حُجّتى على عبادتى
إلهى وإفرادى له الألوهةَ، أنه خلق الأرضَ فابتدَعها من غيرِ أصلٍ .
وقولُه: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِ السَّمَوَتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم لآلهتِكم التى
تعبُدونها أيُّها الناسُ ، شرك مع اللهِ فى السماواتِ السبع، فيكونَ لكم أيضًا بذلك
حجةٌ فی عبادتكموها ، فإن من حتی علی إفرادی العبادة لرِّی ، أنه لا شريك له فى
خلقِها، وأنه المنفرِدُ بخلقِها دونَ كلِّ ما سواه .
وقولُه: ﴿ أَثْنُونِ بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا ﴾ . يقول تعالى ذكره : بکتابٍ جاء
من عندِ اللهِ من قبلِ هذا القرآنِ الذى أُنزِل علىَّ، بأن ما تعبدون من الآلهةِ والأوثانِ
خلَقوا من الأرضِ شيئًا ، أو أنَّ لهم مع اللـهِ شِركًا فى السماواتِ ، فيكونَ ذلك حجةً
لكم على عبادتكم إياها ؛ لأنها إذا صحَّ لها ذلك صحّت لها الشركةُ فى النِّعم التى
أنتم فيها ، ووجَب لها عليكم الشكرُ، واستحقَّت منكم الخدمةَ؛ لأن ذلك لا يقدِرُ
أن يخلُقَه إلا إلهٌ .
وقولُه: ﴿أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلٍَّ ﴾. اختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته عامةُ
قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ بالألفِ، بمعنى : أو اثتونى ببقيةٍ من
علمٍ . ورُوِى عن أبى عبد الرحمنِ السُّلميِّ أنه كان يقرؤُه: (أَوْ أثَّرَةٍ من علمٍ)(١).
بمعنى : أو خاصَّةٍ من علم أوتِيتُموه، وأوثِرْتم به علىٌّ غيرِكم .
(١) وبها قرأ علىّ وابن عباس - بخلاف عنه - والحسن وعكرمة وقتادة وعمرو بن ميمون، ورويت عن
الأعمش. وهى قراءة شاذة. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٣٨، والمحتسب ٢/ ٢٦٤.
٢/٢٦

١١٣
سورة الأحقاف : الآية ٤
والقراءةُ التى لا أستجيزُ غيرَها: ﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ بالألفِ؛ لإجماع
قرأةِ الأمصارِ عليها .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلها ؛ فقال بعضُهم: معناه : أو ائتونى بعلم بأن
آلهتكم خَلَقَتْ من الأرضِ شيئًا ، وأن لها شركًا فى السماواتِ ، من قبل الخطِّ الذى
تخطُّونه فى الأرضِ(١) ، فإنكم معشرَ العربِ أهلُ عِيافةٍ(٧) وزجرٍ وكهانةٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ آدمَ ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن سفيانَ ، عن صفوانَ بنِ سُليم ، عن
أبى سلمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ ﴾. قال: خطّ كان يخطُّه العربُ
فى الأرضِ() .
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: قال أبو بكرٍ، يعنى ابنَ عياشِ: الخطَّ هو
ء (٤)
العِيافةُ(٤) .
(١) قال ابن الأثير: قال ابن عباس: الخط هو الذى يخطه الحازى، وهو علم قد تركه الناس ، يأتى صاحب
الحاجة إلى الحازى فيعطيه محُلْوانًا - أجرة - فيقول له : اقعد حتى أخطّ لك ، وبين يدى الحازى غلام له معه مِيل
ثم يأتى إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد ، ثم يرجع فيمحو منها على مَهَل
خَطَّين خطين، وغلامُه يقول للتفاؤل: ابْنَى عيان أسْرِعا البيان. فإن بقى خطان فهما علامة النُّجْح، وإن بقى
خط واحد فهو علامة الخيبة . قال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف. النهاية ٢ / ٤٧.
(٢) العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها. وهو من عادة العرب كثيرًا. النهاية ٣٣٠/٣.
(٣) أخرجه ابن المقرئ فى معجمه (٢٤٦)، والحاكم ٢/ ٤٥٤، والخطيب فى تاريخه ٣٥٥/٤ من طريق
سفيان به ، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٥/٢ من طريق صفوان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/
٣٧ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن مردويه، وأخرجه أحمد ٤٤٩/٣ (١٩٩٢) عن سفيان به مرفوعًا،
وأخرجه الطبرانى (١٠٧٢٥) من طريق صفوان به مرفوعًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٦ إلى ابن
المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٢٥٩.
( تفسير الطبرى ٨/٢١ )

١١٤
سورة الأحقاف : الآية ٤
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أو خاصَّةٍ من علم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿أَوْ أَثَرَقِ
مِّنْ عِلْمٍ﴾. قال: أو خاصةٍ من علم".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿أَوْ أَثَرَةِ مِّنْ
عِلْمٍ﴾ . قال : أى : خاصةٍ من علمٍ .
/حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ ، قال: ثنى أبى، عن
٣/٢٦
الحسين، عن قتادةَ: ﴿ أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ﴾. قال: خاصةٍ من علم .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أو علم تُثِيرونه فتستخرِ جونه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ فى قوله :
﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾. قال: ﴿أَثَرَقْ﴾: شىءٍ يستخرِجونه فِطْرةً(٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو تأثرون ذلك علمًا عن أحدٍ ممن قبلَكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٥/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٦ إلى عبد بن
حمید .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٥/٢ عن معمر، عن من سمع الحسن.

١١٥
سورة الأحقاف : الآية ٤
﴿ أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ ﴾. قال: أحدٌ يَأْثِرُ علمًا (١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أو بيّنةٍ من الأمرٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ : ﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾. يقولُ: بينةٍ من الأمرِ(٢) .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ببقيةٍ من علمٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: سُئِل أبو بكرٍ، يعنى ابنَ عياشٍ، عن: ﴿أَوْ أَثَرَقِ
مِّنْ عِلْمٍ﴾. قال: بقيةٍ من علمٍ ().
وأولَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : الأثارةُ البقيةُ من علم ؛ لأنَّ
ذلك هو المعروفُ من كلامِ العربِ، وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: أثر الشىءُ أثارةً ،
مثلَ : سمُج سماجةٌ ، وقبح قباحةً ، كما قال راعى الإبل(٤) :
· وذَاتِ أثارةٍ أَكَلَت عَلَيْها *
*
يعنى : وذاتِ بقيةٍ من شحم .
فأما من قرَأه: ( أَوْ أَثَرَةٍ ) فإنه جعَله أثرةٌ من الأثَرِ، كما قيل: قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ .
(١) تفسير مجاهد ص ٦٠٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٦ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٢٥٩.
(٤) ديوان الراعى النميرى (مجموع) ص ١٤٩، ومجاز القرآن ٢/ ٢١٢، ونسبه فى اللسان والتاج (أث ر)
إلى الشماخ ، وينظر ديوان الشماخ ص ٤٤٥ والتعليق عليه فيه .

١١٦
سورة الأحقاف : الآيتان ٤، ٥
٤/٢٦
/ وقد ذُكر عن بعضِهم أنه قرَأه: (أَوْ أَثْرَةٍ ) بسكونِ الثاءِ(١) ، مثلَ الرَّحْفَةِ
والخَطْفةِ ، وإذا وُجّه ذلك إلى ما قلنا فيه مِن أنه بقيةٌ مِن علم ، جاز أن تكونَ تلك البقيةُ
مِن علمِ الخطِّ، ومِن علمٍ اسْتُثِير مِن كُتُبِ الأوَّلين، ومِن خاصةٍ علم كانوا أُوثِروا به.
وقد ژوی عن رسول الله ێ فى ذلك خبرٌ بأنَّه تأؤله أنه بمعنی الخطِّ ، سنذكُرُه
إن شاء اللهُ تعالى. فتأويلُ الكلام إذن : اقْتُونى أيُّها القومُ بكتابٍ مِن قبلِ هذا
الكتابِ ، بتحقيقِ ما سألتكم تحقيقَه مِن الحُتَّةِ على دَعْواكم ما تَدَّعون لآلهتِكم ، أو
ببقيةٍ مِن علمٍ يُوصَلُ بها إلى علم صحةٍ ما تقولون مِن ذلك، ﴿إِن كُمُ
صَكَدِقِينَ﴾ فى دَعْواكم لها ما تَدَّعون، فإن الدَّعْوى إذا لم يَكُنْ معها حُجّةٌ لم تُغْنِ
عن المُدَّعِى شيئًا .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ
٥
لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَبِهِمْ غَفِلُونَ
يقولُ تعالى ذكره: وأُّ عبدٍ أضلُّ مِن عبدٍ يَدْعو مِن دونِ اللهِ آلهةً، ﴿ لَّا
يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: لا يُجِيبُ دعاءَه أبدًا؛ لأنها حَجَرٌ أو خَشَبٌ
أو نحو ذلك .
وقولُه: ﴿ وَهُمْ عَن دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وآلهتُهم التى
يَدْعونهم عن دُعائِهم إياهم فى غفلةٍ؛ لأنها لا تسمعُ ولا تنطقُ ، ولا تعقلُ . وإنما عنَى
بوصفِها بالغفلةِ، تمثيلَها بالإنسانِ السَّاهِى عما يقالُ له، إذ كانت لا تفهمُ مما يقالُ لها
شيئًا، كما لا يفهمُ الغافلُ عن الشىءِ ما غفَل عنه . وإنما هذا توبيخٌ مِن اللهِ لهؤلاء
المشركين لسُوءِ رأيهم، وقُبْح اختيارِهم فى عبادتِهم مَن لا يعقلُ شيئًا ولا يفهمُ،
(١) وبها قرأ علىّ وأبو عبد الرحمن السلمىّ وقتادة. وهى قراءة شاذة. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٠،
والمحتسب ٢٦٤/٢.

١١٧
سورة الأحقاف : الآيات ٥ - ٧
وتَرْكِهم عبادةَ مَن جميعُ ما بهم مِن نعمتِهِ ، ومَن به استغاثتُهم عندَ ما ينزلُ بهم مِن
الحوائجِ والمصائبِ .
وقيل: ﴿مَنْ لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾. فأخرَج ذكرَ الآلهةِ وهى جمادٌ مُخرجَ ذِكْرِ
بنى آدمَ ومَن له الاختيارُ والتمييزُ، إذ كانت قد مَثَّلَتها عبدَتُها بالملوكِ والأمراءِ التى
تخذُمُ فى خدمتِهِم إِيَّاها ، فأجرَى الكلامَ فى ذلك على نحوٍ ما كان جاريًا فيه
عندهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ
وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَثُنَا بِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِخْرٌ
٦
كَفرینَ
مُبِينُ
٧
يقولُ تعالى ذكره : وإذا جُمع الناسُ يومَ القيامةِ لموقفِ الحسابِ ، كانت هذه
الآلهةُ التى يَدْعونها فى الدنيا لهم أعداءً؛ لأنهم يتَبرَّءُون منهم، ﴿وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ
كَفِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكانت آلهتُهم التى يعبدونها فى الدنيا بعبادتِهم
جاحِدِين؛ لأنهم يقولون يومَ القيامةِ : ما أمَرناهم بعبادتِنا ، ولا شَعَرنا بعبادتِهم إِيَّنا ،
تَبَّأَنا إليك منهم يا ربَّنا .
/ وقولُه: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَُنَا بَيْنَتٍ ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وإذا تُقرأُ على ٥/٢٦
هؤلاء المشركين باللهِ مِن قومِك ﴿ ءَايَثُنَا﴾. يعنى : حُجَجُنا التى احْتَجَجْناها عليهم ،
فيما أنزلناه مِن كتابِنا على محمدٍ عَّهِ، ﴿مِنَتٍ﴾. يعنى: واضحاتٍ نَيِّراتٍ ،
﴿ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : قال الذين جَحَدوا وحدانيةً
اللهِ وكذَّبوا رسولَه للحقِّ لُمَّا جاءَهم مِن عندِ اللهِ، فأنزله على رسولِه عَلَّهِ: ﴿هَذَا سِحْرٌ
مُبِينٌ﴾ . يعنون: هذا القرآنُ خداعٌ يخدَعُنا، ويأخذُ بقلوبٍ مَن سمِعه، فعلَ السحرِ ،
﴿ُّبِينٌ﴾ . يقولُ: يَبِينُ لَن تأمَّله ممن سمِعه أنه سحرٌ مبينٌ .

١١٨
سورة الأحقاف : الآية ٨
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ إِنِ اُفْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِ مِنَ
اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ اُلْغَفُورُ
الرَّحِيمُ
٨
يقولُ تعالى ذكرُه: أم يقولُ هؤلاء المشركون باللهِ مِن قريش : افتَرى محمدٌ
هذا القرآنَ، فاختَلَقه وتَخَرَّصه كذِبًا . قُلْ لهم يا محمدُ : إِنِ افْتَرِيتُه وتخرَّصْتُه على
اللهِ() ، ﴿فَلَ تَمْلِكُونَ لِ﴾. يقولُ: فلا تُغْنون عنى مِن اللهِ إن عاقَبَنى على افْتِرائى
إياه وتَخَرُّصِى عليه شيئًا، ولا تقدِرون أن تَدْفَعوا عنى سُوءًا إن أصابتنى به .
وقولُه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيِضُونَ فِيْهِ﴾. يقولُ: ربِّى أعلمُ مِن كلِّ شىءٍ سِواه،
بما تقولون بينَكم فى هذا القرآنِ .
والهاءُ مِن قوله: ﴿نُفِيِضُونَ فِيَّهِ﴾ مِن ذكرِ القرآنِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قوله: ﴿ نُفِيضُونَ فِيَّهِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ﴾ [ يونس: ٦١]. قال: تقولون(٢) .
وقولُه: ﴿كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: كفَى باللهِ شاهدًا علىَّ
وعليكم بما تقولون مِن تَكْذيبِكم لى فيما جئتُكم به مِن عندِ اللهِ ، الغفورِ الرحیمِ
لهم، بألا يُعَذِّبَهم عليها بعدَ توبتهم منها .
(١) بعده فى م: ((كذبا)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٢، ومن طريقه الفريابى - كما فى التغليق ٤/ ٣١١ - وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٨/٦ إلی عبد بن حميد وابن المنذر .

١١٩
سورة الأحقاف : الآية ٩
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ
وَلَا بِكِّ إِنْ أَنَّعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَّ وَمَآ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلَه: قُلْ يا محمدُ لمُشْركى قومِك مِن
قريشٍ: ﴿مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ . يعنى: ما كنتُ أَوَّلَ رسلِ اللهِ التى أرسَلها
إلى خَلْقِهِ، قد كان مِن قَبْلى له رسلٌ كثيرةٌ أُرسلت إلى أمم قبلكم.
يقالُ منه: هو بِدْعُ فى هذا الأمرِ ، وبديعٌ فيه . إذا كان فيه أوَّلَ. ومِن البِدْع
قولُ عَدِیٍّ بنِ زيدٍ(١) :
رِجالا عَرَتْ مِن بَعْدٍ بُؤْسَى وَأَسْعُدٍ ٦/٢٦
/ فَلا أنا بِدْعٌ مِن حَوادثَ تَغْتَرِى
ومن البديعِ قولُ الأحوصِ(٣):
ليس جَهْلٌ أَتَيتِه ببَديعٍ
فَخَرَتْ فَانْتَمَتْ فقلتُ انظُرِينى
يعنى بأوَّلَ . يقالُ: هو بِدْعٌ مِن قَومٍ أَبداع .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿مَا كُتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾. يقولُ: لستُ بأوَّلِ الرسلِ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يزيد)). والبيت فى تفسير القرطبى ١٦/ ١٨٥.
(٢) شعر الأحوص الأنصارى ص ١٥٧.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٣١١/٤ - من طريق أبى صالح به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه.

١٢٠
سورة الأحقاف : الآية ٩
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا كُنُتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾. قال: يقولُ: ما كنتُ
أولَ رسولٍ أُرسِل .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿مَا كُتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: ما كنتُ أَّلَهم(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ بنُ معاويةً، عن أبى هُبِيرةَ ، قال :
سألتُ قتادةَ: ﴿قُلْ مَا كُنُتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ ﴾. قال : أى : قد كانت قبلى رسلٌ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ
بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾. يقولُ: أى: إن الرسلَ قد كانت قبلى .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً فى قوله :
﴿ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: قد كانت قبلَه رُسُلٌ(٢).
وقولُه: ﴿ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى
تأويله؛ فقال بعضُهم: عَنَى به رسولَ اللَّهِ مَ له. وقيل له: قُلْ للمؤمنين بك: ما
أدْرِى ما يُفْعَلُ بى ولا بكم يومَ القيامةِ، وإلى ما نصيرُ هنالك. قالوا: ثم
بَيَنَّ اللَّهُ لنبيّه محمدٍ عَ لَّه وللمؤمنين به حالَهم فى الآخرةِ، فقيل له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١، ٢].
فَتْحًا مُبِينًا
وقال: ﴿لِيِّدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَاُلْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَالِدِينَ فِيهَا
وَيُكَفِرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: ٥].
٧/٢٦
(١) تفسير مجاهد ص ٦٠٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٥/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٦ إلى عبد بن حميد.