النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة الدخان : الآيات ٤٧ - ٤٩
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، [٨٠٣/٢ظ] عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ
صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابٍ اُلْحَمِيمِ﴾: نزَلت فى عدوِّ اللَّهِ أبى جهلٍ، لِقِى
النبيَّ مَالله، فأخذه فهزَّه، ثم قال: ((أولى لك يا أبا جهلٍ فأولى، ثم أولى لك
فأولى، ذُقْ إنك أنت العزيزُ الكريمُ)). وذلك أنه قال: أَيُوعِدُنى محمدٌ ؟!
واللَّهِ لأنا أعزُّ مَن مشَى بينَ جبلَيْها. وفيه نزَلت: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ
كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. وفيه نزَلت: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾ [ العلق: ١٩].
وقال قتادةُ : نزَلت فى أبى جهلِ وأصحابِهِ الذين قتَل اللَّهُ تبارك وتعالى يومَ بدرٍ: ﴿أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ [إبراهيم: ٢٨].
(١)
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً ، قال: نزَلت
فى أبى جهلٍ: ﴿ خُذُوهُ فَأَعْتِلُوهُ﴾. قال قتادةُ : قال أبو جهلِ: ما بينَ جبلَيِها رجلٌ
أعزَّ ولا أكرمَ منى. فقال اللَّهُ عز وجل: ﴿ذُقّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
اٌلْكَرِيمُ ﴾().
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿خُذُوهُ
فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: هذا لأبى جهل .
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل وهو يُهانُ بالعذابِ الذى ذكرَه اللَّهُ، ويُذَلُّ بالعَثْل
إلى سواءِ الجحيم: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾؟ قيل: إنَّ قولَه: ﴿إِنَّكَ
أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ غيرُ وصفٍ مِن قائلٍ ذلك له بالعزّةِ والكرم، ولكنه تقریٹ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد مختصرًا .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٠٩/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر.

٦٢
سورة الدخان : الآية ٤٩
منه له بما كان يَصِفُ به نفسَه فى الدنيا ، وتوبيخٌ له بذلك على وجهِ الحكاية ؛ لأنه
كان فى الدنيا يقولُ : إنك أنت العزيزُ الكريمُ. فقيل له فى الآخرة ، إذ عُذِّب بما ◌ُذِّب
به فى النارِ : ذُقْ هذا الهوانَ اليومَ ، فإِنَّك كنتَ تَزْعُمُ أنك أنت العزيزُ الكريمُ ، وإنَّك
أنت الذليلُ المَهِينُ، فأينَ الذى كنتَ تقولُ وتدَّعى من العزِّ والكرم، هلَّا تَمْتَنِعُ من
العذابِ بعزَّتِك !!
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ ، قال : ثنا صفوانُ بنُ عيسى ، قال : ثنا ابنُ عَجْلانَ، عن سعيد
المُقْبُرِىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال كعبٌ : للَّهِ ثلاثةُ أثوابٍ؛ أَّزر بالعزِّ، وتسَرْبَل
١٣٥/٢٥ الرحمةَ، وازْتَدَى الكبرياءَ، تعالَى ذكرُه، فمَن / تعزّز بغيرِ ما أعزَّ اللَّهُ، فذاك الذى
يُقالُ له (١) : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، ومن رحِم الناسَ فذاك الذى
سرْبَل اللَّهَ سربالَه الذى يَتْبَغِى له، ومن تكبّر فذاك الذى نازَع اللَّهَ رداءَه ، إن اللّه تعالى
ذكرُه يقولُ: لا يَنْتَغِى لمن نازَعنى ردائِى أن أُدْخِلَه الجنةَ(٢).
وأُجمَعت قرأةُ الأمصارِ جميعًا على كسرِ الألفِ مِن قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ﴾.
على وجهِ الابتداءِ ، وحكاية قولٍ هذا القائلِ: إنى أنا العزيزُ الكريمُ. وقرأ ذلك
بعضُ المتأخِّرين: (ذُقْ أَنَّكَ ) بفتح الألفِ على إعمالٍ قوله: ﴿ذُقْ﴾ فى قولِه :
( أَنَّكَ )(٤). كأن معنى الكلامِ عندَه: ذُقْ هذا القولَ الذى قُلتَه فى الدنيا .
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا(٥) كشرُ الألفِ من: ﴿إِنَّكَ﴾ على
(١) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣.
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢: (( جل وعز)).
والأثر أخرجه الحاكم ٤٥١/٢- ومن طريقه البيهقى فى الشعب (٨١٥٩) - من طريق صفوان ، عن ابن
عجلان ، عن سعيد ، عن أبى هريرة رفعه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٥ إلى ابن مردويه .
(٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى عمرو وعاصم وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٣.
(٤) وهى قراءة الكسائى . السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٣.
(٥) القراءتان كلتاهما صواب، فهما متواترتان، فلا شذوذ فى إحداهما .

٦٣
سورة الدخان : الآيات ٤٩ - ٥٣
المعنى الذى ذكّرتُ لقارئه ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليه وشذوذِ ما خالَفه، و کفی
دليلاً على خطأً قراةٍ خِلافُها ما مضَت عليه الأئمةُ من المتقدِّمين والمتأخِّرين، مع
بُعْدِها من الصحةِ فى المعنى وفراقِها (١) تأويلَ أهلِ التأويلِ.
وقولُه: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : يُقالُ له : إن
هذا العذابَ الذى يُعذّبُ به اليومَ هو العذابُ الذى كنتم فى الدنيا تَشُكّون ،
فَتَخْتَصِمون فيه ولا تُوقِنون به، فقد لقِيتُموه فذوقوه .
فِ جَنَتٍ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ مَقَامٍ أَمِينٍ
(٥٣
يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ تُتَّقَِلِينَ
٥٢
وعيونِ®
يقولُ تعالى ذكره : إن الذين اتَّقَوا اللَّهَ بأداءِ طاعتِه واجتنابٍ معاصِیه، فی
موضعٍ إقامةٍ ، آمِنين فى ذلك الموضع مما كان يُخافُ منه فى مقاماتِ الدنيا ؛ من
الأوصابِ والعللِ ، والأنصابِ والأحزانِ .
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿فِىِ مَقَامٍ أَمِينٍ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ :
(فى مُقامٍ أمينٍ) بضمّ الميم(١) ، بمعنى: فى إقامةٍ أمينٍ من الظَّعْنِ. وقرَأتْه عامةُ قرأةٍ
المِصْرَين؛ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿فِى مَقَامٍ﴾ بفتح الميم ١ ، على المعنى الذى وصَفْنا،
وتوجيهًا إلى أنهم فى مكانٍ وموضعٍ أمينٍ .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان فى قرأةِ الأمصارِ ،
صحيحتا المعنى، فبأيتِهما [٨٠٤/٢و] قرَأ القارئُّ فمصيبٌ.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى ت ٢: ((قربها))، وفى ت ٣: ((قرابها)).
(٢) وبها قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر. النشر ٢٧٧/٢ .
(٣) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف . المصدر السابق.

٦٤
سورة الدخان : الآيات ٥١ - ٥٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِی
مَقَامٍ أَمِينٍ﴾: إنى واللَّهِ، أمينٍ من الشيطانِ والأنصابِ والأحزانِ(١).
وقولُه: ﴿فِ جَنَتٍ وَعُيُونٍ﴾. فـ ((الجناتُ والعيونُ)) ترجمةٌ عن ((المَقَام
الأمين )) ، والمقامُ الأمينُ هو الجناتُ والعيونُ، والجناتُ البساتينُ ، والعيونُ عيونُ الماءِ
المطردِ فى أصولٍ أشجارِ الجناتِ .
وقولُه: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ﴾. يقولُ: يَلْبَسُ هؤلاء المتقون فى هذه
الجناتِ من سندسٍ، وهو ما رقّ من الديباجِ، ﴿ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. وهو ما غلُظ من
الديباج .
١٣٦/٢٥
/ كما حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادة، عن عكرمةً فى
قوله: ﴿مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. قال: الإستبرقُ الديباجُ الغليظُ(٢).
وقيل: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. ولم يقل: لباسًا. استغناءً بدلالةٍ
الكلام على معناه .
وقولُه: ﴿مُتَقَِلِينَ﴾. يعنى أنهم فى الجنةِ يُقابِلُ بعضُهم بعضًا بالوجوهِ،
ولا يَنْظُرُ بعضُهم فى(١) قفا بعضٍ. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك فيما مضى ، فأغنى ذلك
(٤)
عن إعادته (٤) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ١٣٧، والحسين المروزى فى زوائده على زهد ابن المبارك (١٥٣٤) من طريق قتادة به.
(٣) فى ت ١: ((من))، وفى ت ٢: ((إلى)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ١٤/ ٨٠.

٦٥
سورة الدخان : الآيات ٥٤ - ٥٧
يَدْعُونَ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ
فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ ﴿٥٥َ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ
فَضْلًا مِّن رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ
٥٧
٥٦
وَوَقَنْهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ
يقولُ تعالى ذكره: كما أعطَيْنا هؤلاء المتقين فى الآخرةِ من الكرامةِ ؛
بإدخالِناهم الجناتِ ، وإلباسِناهم فيها السندسَ والإستبرقَ ، كذلك أكرَمْناهم بأن
زوَّجناهم أيضًا فيها حُورًا من النساءِ. وهن النقيّاتُ الْبَياضِ، واحدتُهنَّ(١) خَوْراءُ.
وكان مجاهدٌ يقولُ فى معنى الحُورِ ما حدَّثنی به محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو
عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ،
جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴾. قال
أَنكَخْناهم حُورًا . قال: والحُورُ اللاتى يَحارُ فيهنَّ الطرفُ، بادٍ مُخُّ سُوقِهنَّ من وراءِ
ثيابِهن، ويرى الناظرُ وجهَه فى كبدِ إحداهنَّ كالمرآةِ من رقةِ الجلدِ وصفاءِ اللونِ(١).
وهذا الذى قاله مجاهدٌ من أن الحورَ إنما معناها أنه يَحارُ فيها الطرفُ ، قولٌ لا
معنى له فى كلام العربِ ؛ لأن الحُورَ إِنما هو جمعُ حَوْراءَ، كما الحُمْرُ جمعُ حمراءَ،
والسُودُ جمعُ سوداءَ ، والحَوْراءُ إنما هى فَعْلاءُ من الحَوَرِ، وهو نَقاءُ البياضِ، كما قيل
للنقيّ البياضِ من الطعام: الحُوَّارَى. وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهدِه فيما مضَى
و (٣)
(٢) .
قبل
(١) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((واحدهن)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٨، ومن طريقه الفريابى - كما فى التغليق ٣١٠/٤ - والبيهقى فى البعث (٣٩٦)،
وأخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة الجنة (٣٠٥) من طريق آخر عن مجاهد مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٤٤٣/٥ وما بعدها .
( تفسير الطبرى ٥/٢١ )

٦٦
سورة الدخان : الآيتان ٥٤، ٥٥
وبنحوِ الذى قلْنا فى معنى ذلك قال سائرُ أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَلِكَ
وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾. قال: بيضاءُ عيناءُ. قال : وفى قراءةِ ابنِ مسعودٍ : ( بعِيسٍٍ
عِین) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه :
﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾. قال: بِيضِ عِينٍ. قال: وفى حرفٍ ابن مسعودٍ: (بعِيسٍ
(٢)
عین)
.
وقراءةٌ ( ١ ابنِ مسعودٍ هذه «تُنِىُّ عن" أنَّ معنى الحورِ غیرُ الذى ذهب إليه
مجاهدٌ؛ لأن العِيسَ عندَ العربِ جمعُ عَیْساءَ، وهی البيضاءُ من الإبلِ، كما قال
(٥)
الأعشى(٥) :
كَلَّفْتُ أَعْيَسَ تحتَ الرَّحْلِ نَقَّابا
ومَھْمَهِ نازِحٍ تَغْوِی الذئابُ به
١٣٧/٢٥
/ يعنى بالأعْيَسِ جملاً أبيضَ. فأمَّ العِينُ؛ فإنها جمعُ عيناءَ، وهى العظيمةُ
العينَيْن من النساءِ .
وقولُه: ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا﴾ الآية. يقولُ: يَدْعو هؤلاءِ المتقون فى الجنةِ بكلِّ
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٠/٢ عن معمر به، وهو فى تفسير سفيان ص ٢٨٣ قال: فى قراءة
عبد الله. فذكره ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) فى النسخ: ((قرأ)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٤ - ٤) فى م: ((يعنى))، وفى ت ١: ((تنبئ على)).
(٥) ديوانه ص ٣٦١.
۔۔

٦٧
سورة الدخان : الآيتان ٥٥ ، ٥٦
نوعٍ من فواكهِ الجنةِ اشْتَهَؤْه، ﴿ ءَامِنِينَ﴾ فيها من انقطاع ذلك عنهم ونفادِه
وفنائِه، ومن غائلةِ أذاه ومكروهِه . يقولُ: ليست تلك الفاكهةُ هنالك كفاكهةٍ
الدنيا التى نَأْكُلُها ، وهم يَخافون مكروه عاقبتِها وغِبَّ أذاها، مع نفادِها من عندِهم
وعدمِها فى بعضِ الأزمنةِ والأوقاتِ .
وكان قتادةُ يوجّهُ تأويلَ قوله: ﴿ ءَامِنِينَ﴾. إلى ما حدَّثنا به بِشرٌّ، قال: ثنا
يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ﴾ :
أمِنوا(١) من الموتِ والأوصابِ والشيطانٍ(٢).
وقولُه: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْنَةَ الْأُولَى﴾. يقولُ تعالى
ذكره : لا يَذُوقُ هؤلاءِ المتقون فى الجنةِ الموتَ بعدَ الموتة الأولى التى ذاقوها فى الدنيا .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ(١) يُوَجّهُ ﴿ إِلَّا﴾ فى هذا الموضعِ إلى أنها فى معنى
((سِوَى))، ويقولُ: معنى الكلام: لا يَذُوقون [٨٠٤/٢ظ] فيها الموتَ سِوَى الموتةِ
الأولى. ويُمثِّلُه بقولِه تعالى ذكره: ﴿وَلَا نَكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ
إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. بمعنى: سِوَى ما قد فَعَل آبَاؤُ كم .
وليس للذى قال من(٤) ذلك عندِى وجةٌ مفهومٌ؛ لأن الأغلبَ من قولِ القائلِ:
لا أَذوقُ اليومَ الطعامَ إلا الطعامَ الذى ذُقْتُه قبلَ اليوم. أنه يُريدُ الخبرَ عن قائلِه أن عندَه
طعامًا فى ذلك اليوم، ذائقُه وطاعمُه، دونَ سائرِ الأطعمةِ غيرِه. وإذا كان ذلك
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((آمنون)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) هو الفراء فى معانى القرآن ٢/ ٤٤.
(٤) فى ت١، ت٢، ت ٣: ((فى)).

٦٨
سورة الدخان : الآية ٥٦
الأغلبَ من معناه، وجَب أن يكونَ قد أثبت بقولِه: ﴿إِلَّ اٌلْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ موتَةً
من نوعٍ الأولى هم ذائقوها ، ومعلومٌ أن ذلك ليس كذلك؛ لأن اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد آمَن
أهلَ الجنةِ فى الجنةِ إذا هم دخَلوها من الموتِ ، ولكن ذلك كما وصَفتُ من معناه .
وإنما جاز أن تُوضَعَ ((إلّا)) فى موضع ((بعد))؛ لتقارُبِ معنَبِيهما فى مثل هذا
الموضع، وذلك أن القائلَ إذا قال: لا أُكلِّمُ اليومَ رجلًا إلَّا رجلًا عندَ عمرٍو. قد
أوجَب على نفسِهِ ألَّا يُكَلِّمَ ذلك اليومَ رجلًا بعدَ كلامِ الرجلِ الذى عندَ عمرو.
وكذلك إذا قال: لا أَكَلِّمُ اليومَ رجلًا بعدَ رجلٍ عندَ عمرٍو. قد أوجب على نفسِه ألَّ
يُكَلِّمَ ذلك اليومَ رجلاً إلا رجلًا عندَ عمرٍو، فـ((بعد)) و((إلّا)) مُتَقارِبتا المعنى فى
هذا الموضعِ. ومن شأنِ العربِ أن تَضَعَ الكلمةَ مكانَ غيرِها إذا تقارَب معنياهما ،
وذلك كوَضْعِهم الرجاءَ مكانَ الخوفِ ، لما فى معنى الرجاءِ من الخوفِ؛ لأن الرجاءَ
ليس بيقينٍ وإنما هو طمع، وقد يَصْدُقُ ويَكْذِبُ، كما الخوفُ يَصْدُقُ أحيانًا
ويَكْذِبُ ، فقال فى ذلك أبو ذُؤَيْبٍ(٢) :
وخالَفَها فى بيتِ نُوبٍ عَوَامِلٍ
إذا لَسَعَتُهُ الدَّبْرُ لم يَرْجُ لَسْعَها .
/ فقال: لم يَرْجُ لَشْعَها. ومعناه فى ذلك: لم يَخَفْ لَسْعَها . وكوضعِهم الظنّ
موضعَ العلمِ الذى لم يُدْرَكْ من قِبَلِ العِيانِ وإنما أُدرِك استدلالاً أو(٣) خبرًا، كما قال
(٤)
الشاعر(٤):
١٣٨/٢٥
سَرَّاتُهُمُ فى الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
فقلتُ لهم ظُنُوا بِأَلْفَىْ مُدَجَّجٍ
بمعنى : أَيْقِنوا بألفَىْ مُدَّج واعلموا . فوضع الظّ موضِعَ الیقین، إذ لم يَكُنٍ
(١) سقط من: م.
(٢) تقدم تخريجه فى ٤٥٦/٧.
(٣) فى ت ٢، ت٣: ((و)).
(٤) هو دريد بن الصمة، وتقدم البيت فى ١/ ٦٢٣، ٦٢٤.

٦٩
سورة الدخان : الآ يتان ٥٦ ، ٥٧
المَقَولُ لهم ذلك عايَوا ألفَى(١) مُدَجَّجٍ ولا رأَؤهم، وإنَّ ما أخبرهم به هذا المخبرُ -
فقال لهم: ظُنُّوا - العلمُ بما لم يُعايَنْ، من فعلِ القلبِ، فوضَع أحدَهما موضعَ
الآخرِ ؛ لتقارُبِ معنَيْهِما، فى نظائرَ لما ذَكَرْتُ يَكْثُرُ إِحصاؤُها ، كما يَتَقَارَبُ معنى
الكلمتين فى بعضٍ المعانى، وهما مختلفتا المعنى فى أشياءَ أَخَرَ، فَتَضَعُ العربُ
إحداهما مكانَ صاحبتِها فى الموضع الذى يَتَقاربُ(١٢) معنياهُما(٢) فيه، فكذلك
قولُه: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾. وُضِعت ((إِلَّا)) فى
موضعٍ ((بعد))؛ لما وُصِفَ من تقارُبٍ معنى ((إلَّا)) و((بعد)) فى هذا الموضعِ،
وكذلك: ﴿ وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ◌َابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾
[ النساء: ٢٢]. إنما معناه: بعدَ الذى سلَف منكم فى الجاهليةِ، فأما إذا وُجهتْ ((إِلَّا))
فى هذا الموضعِ إلى معنى (( سِوَى))، فإنما هو ترجمةٌ عن المكانِ ، وبيانٌ عنها بما هو
أشدُّ التباسًا على من أراد علمَ معناها منها .
فَضْلاً مِّن زَيِّكَ﴾. يقولُ تعالى
وقولُه: ﴿وَوَقَنْهُمْ عَذَابَ الْمَحِيمِ (@)
ذكرُه: ووقَى هؤلاء المتقين ربُّهم يومَئذٍ عذابَ النارِ؛ تفضّلًا يا محمدُ من ربِّك
علیھم وإحسانًا منہ إلیھم بذلك ولم يُعاقتهم بجزم سلف منهم فى الدنيا ، ولولا
تفضُّلُه عليهم بصفحِه لهم عن العقوبةِ لهم على ما سلَف منهم من ذلك ، لم يَقِهم
عذابَ الجحيمِ، ولكن كان ينالُهم ويُصيبُهم ألُه ومكروهُه .
وقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اٌلْعَظِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: هذا الذى أعطَيْنا
هؤلاء المتقين فى الآخرة، من الكرامةِ التى وصَفتُ فى هذه الآياتِ، ﴿هُوَ اُلْفَوْزُ
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((تتفاوت)).
(٣) فى ت ١: ((معناهما))، وفى ت ٢: ((معنييهما)).
٠

٧٠
سورة الدخان : الآيات ٥٧ - ٥٩
اَلْعَظِيمُ ﴾. يقولُ: هو الظَّفَرُ العظيم (٢) [٦٥/٤٤م] بما كانوا يَطْلُبون إدراكه فى الدنيا
بأعمالهم وطاعتهم ربَّهم واتقائِهم إياه، فيما امتحَنَهم به من الطاعاتِ والفرائضِ،
واجتنابِ المحارمِ .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿فَإِنَّمَا يَشَرْنَهُ بِسَائِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
إِنَّهُم مُرْتَقِبُونَ
٥٩
فَارْتَقِبْ
CA)
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ الهِ: فإنما سهَّلْنا قراءةَ هذا القرآنِ الذى أُنزَلْناه
إليك يا محمدُ بلسانِك؛ ليتذكَّرَ هؤلاء المشرِكون الذين أرْسَلْتُك إليهم بعِبَرِه
ومحجَجِه، ويتَّعظوا بعظاتِه، ويتفكّروا فى آياتِه، إذا أنت تَلَوْتَه عليهم، فيُنِيبوا إلى
[٨٠٥/٢و] طاعةِ ربِّهم، ويُذْعِنوا للحقِّ عندَ تبينهموه .
/ كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّمَا
يَرْنَهُ بِسَائِكَ﴾. أى: هذا القرآنَ؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾(١).
١٣٩/٢٥
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَإِنَّمَا
يَرْنَهُ بِلِسَانِكَ﴾. قال: القرآنَ، و﴿ يَتَرْنَهُ﴾: أطلَق به لسانَه.
وقولُه: ﴿ فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَّ :
فانتَظِرْ أنت يا محمدُ الفتحَ من ربِّك، والنصرَ على هؤلاء المشركين باللّهِ من قومِك
من قريشٍ ، إنهم مُنتَظِرون عندَ أنفسِهم قهرَك وغلبتَك ، بصدِّهم عما أنّئْتَهم به من
الحقِّ، مَن أراد قبولَه منك واتباعَك عليه .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(*) إلى هنا ينتهى الخرم الموجود فى نسخة خزانة القرويين، والمشار إليه فى ص ١٥ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٧١
سورة الدخان : الآية ٥٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُم
تُرْتَقِبُونَ﴾. أى: فانتظِرْ إنهم مُنتَظِرون(١).
آخرُ تفسيرِ سورةٍ (( الدخانِ ))
(١) أخرجه عبد بن حميد فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٤/ ٣١٠، ٣١١ - من طريق شيبان ، عن
قتادة .
وبعده فى الأصل: ((تم السفر والحمد لله حق حمده، يتلوه إن شاء الله تفسير سورة الجاثية)). وبه ينتهى الجزء
الرابع والأربعون ، وسيجد القارئ أرقام النسخة ت١ بين معكوفین .

٧٢
سورة الجاثية : الآيات ١ - ٤
تفسير سورةٍ ((الجاثيةِ))
بسمِ اللهِ الرحمن الرحيمِ
تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿حمّ لـ
٣
إِنَّ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
قد تقدَّم بياتُنا معنى قوله: ﴿حمّ
وأما قولُه: ﴿تَنِيلُ الْكِتَبِ مِنَ الَِّ﴾. فإن معناه: هذا تنزيلُ القرآنِ من عندِ
اللَّهِ ، ﴿اٌلْعَزِيزِ﴾ فى انتقامِه من أعدائِه، ﴿الَْكِيمِ﴾ فى تدبيرِهِ أمرَ خلقِه .
وقولُه: ﴿ إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ . يقول تعالى ذكرُه : إن فى
السماواتِ السبع اللاتى منهنَّ نزولُ الغيثِ ، والأرضِ التى منها خروجُ الخلقِ أيُّها
الناسُ، ﴿لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لأدلةً وحُجَجًا للمُصَدِّقين بالحجج، إذا
تبيَّنُوها ورأَوْها .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَفِي خَلْفِكُمْ وَمَا يَبُثُ مِن دَابَّةٍ مَايَتٌ لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ
١٤٠/٢٥
يقولُ تعالى ذكرُه : وفى خلقٍ (٢) اللَّهِ إِيَّاكم أيّها الناسُ، وخلقِه ما تفرّق فى
الأرضِ من دابةٍ تَدِبُّ عليها، من / غيرِ جنسِكم، ﴿مَايَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾. يعنى:
حُجَجًا وأدلةً لقومٍ يُوقِنون بحقائقِ الأشياءِ، فيُقِرُّون بها ويَعْلَمون صحتَها .
واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿مَايَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . وفى التى بعدَ ذلك؛
فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿مَايَتٌ﴾ رفعًا() على
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٠٥/١ - ٢١٠، ٢٧٤/٢٠ - ٢٧٦.
(٢) فى ص، ت ١: ((حبر))، وفى ت ٢، ت ٣: ( خبر)).
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو وأبى جعفر وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٧٨.

٧٣
سورة الجاثية : الآيتان ٤، ٥
الابتداءِ، وتَرْكَ ردِّها على قولِه: ﴿لَأَيَتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقرَأَتُه عامةُ قرأةِ الكوفةِ : (آياتٍ ) خفضًا بتأويلِ النصبِ، ردًّا على قولِه:
لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(١). وزعَم قارِئو ذلك كذلك من المتأخّرِين، أنهم اختاروا قراءته
كذلك؛ لأنه فى قراءةٍ أَتَىٌّ فى الآياتِ الثلاثِ (لَآيَاتٍ) باللامِ(٢) ، فجعَلوا دخولَ
اللامٍ فى ذلك فى قراءته دليلاً لهم على صِحةٍ قراءةٍ جميعِه بالخفضِ ، وليس الذى
اعتمَدوا عليه من الحجةِ فى ذلك بحجةٍ ؛ لأنه لا روايةَ بذلك عن أُتيِّ صحيحةٌ ، وأُبُٹ
لو صحّت به عنه روایةٌ ، ثم لم يُغْلَم کیف کانت قراءته بالخفض أو بالرفع، لم یکنِ
الحكمُ عليه بأنه كان يَقْرَؤُه خفضًا بأَوْلَى من الحكم عليه بأنه كان يَقْرَؤُه رفعًا ، إذ
كانت العربُ قد تُدْخِلُ اللام فى خبر المعطوفِ على جملةٍ کلام تام ، قد عملت فی
ابتدائِها ((إنّ))، مع ابتدائهم إياه، کما قال حُمَیدُ بنُ ثور الهلالئُ() :
إِنَّ الخلافةَ بعدَهم لذميمةٌ وخلائفٌ طُرِفٌ لَمَّا أَحْقِرُ
فأدخَل اللامَ فى خبرٍ مبتدأً بعدَ جملةٍ خبرٍ قد عمِلت فيه ((إنَّ))، إذ كان الكلامُ
وإن ابتُدِئ، منويًّا فيه ((إنَّ)».
والصوابُ من القولٍ فى ذلك إن كان الأمرُ على ما وصَفْنا، أن يُقالَ : إِن
الخفضَ فى هذه الأحرفِ والرفعَ قراءتان مُسْتفيضتان فى قرأةِ الأمصارِ قد قرَأ بهما
علماءُ من القرأةِ، صحيحتا المعنى ، فبأيتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَخْلَفِ اَلَِّلِ وَاَلنََّارِ [٨٠٥/٢ظ] وَمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ
السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ ءَايَتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
(١) وهى قراءة حمزة والكسائى ويعقوب. النشر ٢٧٨/٢.
(٢) معانى القرآن للفراء ٣/ ٤٥، والبحر المحيط ٤٢/٨.
(٣) البيت فى معانى القرآن للفراء ٤٥/٢ غير منسوب .

٧٤
سورة الجاثية : الآية ٥
يقولُ تبارك وتعالى: وفى اختلافِ الليلِ والنهارِ أيُّها الناسُ، وتعاقُّبِهما
١٤١/٢٥ عليكم؛ هذا بظلمتِه وسوادِه، / وهذا بنورِه وضيائِه، ﴿ وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن
رِزْقٍ﴾ وهو الغيثُ الذى به تُخْرِجُ الأرضُ أرزاقَ العبادِ وأقواتَهم، ﴿فَلَْيَا ◌ِهِ
اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا﴾. ( يقولُ: فأنبت ما أنزل من السماءِ من الغيثِ ميتَ(٣) الأرضِ،
حتى اهتزَّت بالنباتِ والزرع من بعدٍ موتِها . يعنى: من بعدٍ جُدوبِها وقُحوِها
ومصيرِها دائرَةً لا نبْتَ فيها ولا زرعَ.
وقولُه: ﴿وَتَصْرِيفِ الْرِيَجِ﴾. يقول١ُ): وفى تصريفه الرياح لكم؛ شمالًا
مرّةً، وجنوبًا أُخرى(٤)، وصَبًّا أحيانًا، ودَبُورًا أُخرى(٥)، لمنافِكم.
وقد قيل : عُنِى بتصريفِها : بالرحمةِ مرةً ، وبالعذابِ أخرى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قوله : ﴿ وَتَصْرِيفِ
الرَِّجِ﴾. قال: تصريفُها؛ إن شاء جعَلها رحمةً، وإن شاء جعَلها عذابًا(١).
وقولُه: ﴿ءَايَتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فى ذلك أدلةٌ وحججٌ للَّهِ
على خلقِه ، لقومٍ يَعْقِلون عن اللَّهِ حُججَه، ويَفْهَمون عنه ما وعظَهم به من الآياتِ
والعِبرِ.
(١ - ١) فى ص، م، ت ١: ((وإحيائه)).
(٢ - ٢) سقط من: ت ١.
(٣) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((من)).
(٤) فى ت ٢، ت ٣: ((مرة)).
(٥) الصبا: ريح مهبُّها من مشرق الشمس إذا استوى الليل والنهار. والدبور: ريح تهب من المغرب، وتقابل
القبول وهی ریح الصبا. الوسيط (ص ب ی ، د ب ر).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٢/٢ عن معمر به .

٧٥
سورة الجاثية : الآيات ٦ - ٨
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ مَايَتُ الَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَأَتِ حَدِيثٍ بَعْدَ
اللَّهِ وَءَايَتِهِ، يُؤْمِنُونَ
٦
يقولُ تعالى ذكره : هذه الآياتُ والحججُ يا محمدُ (من ربِّك" على خلقِه،
﴿ فَلُوهَا عَلَّكَ بِالْعَنِّ﴾. يقولُ: نُخْبِرُكُ عنها بالحقِّ ، لا بالباطلِ كما يُخْبِرُ مشرٍكو
قومِك عن آلهتهم بالباطلِ أنها تُقَرَّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفَى، (فبأىٌّ حديثٍ بعدَ اللَّهِ وآياتِهِ
تُؤْمِنون(٢) )؟ يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به : فبأىِّ حديثٍ أيُّها القومُ بعدَ حديثٍ
اللَّهِ هذا الذى يتلوه عليكم، وبعدَ حُجَجِه عليكم، وأدلته التى دلُكم بها على
وحدانيته، من أنه لا ربَّ لكم سِواه - تُصَدِّقون ، إن أنتم كذَّبتم بحديثِهِ وآياتِهِ ؟
وهذا التأويلُ على مذهبٍ قراءَةٍ من قرَأْ : ( تُؤْمِنُونَ) على وجهِ الخطابِ مِن اللَّهِ
بهذا الكلامِ للمشركين، وذلك قراءةُ عامةٍ قرأةٍ الكوفيين(١) . وأمّا على قراءةٍ من
قرَأه: ﴿ يُؤْمِنُونَ﴾ بالياءِ ، فإن معناه : فبأىِّ حديثٍ يا محمدُ بعدَ حديثِ اللَّهِ الذى
يَتْلوه عليك ، وآياتِه هذه التى نَّه هؤلاء المشركين عليها وذكّرهم بها ، يُؤْمِنُ هؤلاء
المشركون؟ وهى قراءةُ عامةٍ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ () . ولكلتا القراءتين وجة
صحيحٌ وتأويلٌ مفهومٌ، فبأيةِ القراءتين قرَأ ذلك القارئُّ فمصيبٌ عندَنا، وإن كنتُ
أَمِيلُ إلى قراءته بالياءِ ، إذ كانت فى سياقٍ آياتٍ قد مَضَين قبلَها على وجهِ الخبرِ ،
وذلك قولُه: ﴿لَقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، و: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
يَسْمَعُ ءَايَتِ اللَّهِ تُثْلَى عَلَيْهِ
٧
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَنَّاكٍ أَنِيمٍ
ثُمَّ يُصِرُ مُسْتَكْرًا كَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيم
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ربك))، وفى ت ١: ((لله)).
(٢) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((يؤمنون))، وهما قراءتان كما سيأتى.
(٣) هى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى وأبى بكر ورويس وخلف، النشر ٢٧٨/٢.
(٤) هى قراءة ابن كثير ونافع وحفص وأبى عمرو وأبى جعفر وروح. المصدر السابق.

٧٦
سورة الجاثية : الآيات ٧ - ٩
١٤٢/٢٥
/ یقولُ تعالی ذ کژه(١) : الوادی السائلُ من صدیدِ أهل جهنمَ لکل کذاپ ذی
إثم بربِّه، مفتٍ عليه، ﴿ يَسْمَعُ ءَايَتِ اللَّهِ تُنْلَى عَلَيْهِ ﴾. يقولُ: يَسْمَعُ آياتٍ كتابِ اللَّهِ
تُقْرَأَ عليه، ﴿ثُمَّيُصِرُ﴾ على كفرِه وإثمِه، فَيُقيمُ عليه غيرَ تائبٍ منه، ولا راجعٍ عنه،
مُسْتَكْبِرًا﴾ على ربِّه أن يُذْعِنَ لأُمرِهِ ونهِهِ، ﴿كَن لَّمْ يَسْمَمْهَا﴾. يقولُ: كأن لم
يَسْمَعْ ما تُلِىَ عليه من آياتِ اللَّهِ بإصرارِه على كفرِه، ﴿فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ:
فَبَشِّرْ يا محمدُ هذا الأَفَّكَ الأثيمَ الذى هذه صفتُه ، بعذابٍ من اللَّهِ له،
يعنى : مُوجِعٍ فى نارِ جهنمَ يومَ القيامةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَئِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُرُوًا أُوْلَئِكَ لَْ
عَذَابٌ مُّهِينٌ
يقولُ تعالى ذكره: وإذا عَلِمَ هذا الأفاكُ الأثيمُ مِن آياتِ اللَّهِ شيئًا، ﴿ أَخَذَهَا
هُزُواْ﴾. ٢ يقولُ: اتخَذَ(٣) تلك الآياتِ التى علِمها هُزُوًا٢)، يَسْخَرُ منها، وذلك
طَعَامُ الْأَثِيْمِ﴾
(٤٣
كفعلٍ أبى جهلٍ حينَ نزَلت: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
[ الدخان: ٤٣، ٤٤]. إذ دعا بتمرٍ وزُبْدٍ، فقال: تَزَقَّموا من هذا، ما يَعِدُكم محمدٌ إلا
شُهْدًا(٤) . وما أشبه ذلك من أفعالهم.
وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين يَفْعَلون
هذا الفعلَ، وهم الذين يَسْمَعون آياتِ اللَّهِ تُتْلَى عليهم، ثم يُصِرُّون على كفرِهم
استكبارًا ، ويَتَّخِذون آياتِ اللَّهِ التى علِموها هزوًا - لهم يومَ القيامةِ من اللَّهِ عذابٌ
(١) بعده فى ت ١: ((ويل)).
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م: ((اتخذنا)).
(٤) فى ت ١: ((بهذا)). وينظر ما تقدم فى ٦٤٨/١٤ .

٧٧
سورة الجاثية : الآيات ٩ - ١١
مُهِينٌ ثُهِينُهم ويُذِلَّهم فى نارٍ جهنمَ ، بما كانوا فى الدنيا يَسْتَكْبِرون عن (١) طاعةِ اللَّهِ
واتِباع آياتِه .
وإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ فجمَع، وقد جرَى الكلامُ قبلَ ذلك(١)،
ردًّا للكلام إلى معنى ((الكلِّ)) فى قوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفٍَّ أَنِبِرٍ﴾.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِ عَنْهُمْ [٨٠٦/٢و] مَّا
كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَا مَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءٍ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمُ
يقولُ تعالى ذكرُه : ومن وراءِ هؤلاء المستهزئين بآياتِ اللّهِ. يعنى: من بينِ
أيديهم . وقد بيَّنا العلةَ التى من أجلها قيل لما أمامَك: هو وراءَك. فيما مضى، بما
أغنى عن إِعادتِهُ(١). يقولُ: من بين أيديهم نارُ جهنمَ هم وارِدوها، ﴿ وَلَا يُغْنِى
عَنْهُم ٢) مَا كَسَبُواْ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولا يُغْنى عنهم من عذابٍ جهنمَ إذا هم عُذِّبوا به
ما کسبوا فى الدنيا من مالٍ وولدٍ - شيئًا .
وقولُه: ﴿ وَلَ مَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَةٍ﴾. يقولُ: ولا آلهتُهم التى عبَدوها
من دونِ اللَّهِ ، ورؤساؤهم، وهم الذين أطاعوهم فى (١) الكفرِ بِاللَّهِ واتخذوهم نُصراءَ
فى الدنيا - تُغْنى عنهم يومَئذٍ من عذابٍ جهنمَ شيئًا، ﴿ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
يقولُ : ولهم من اللَّهِ يومَئذٍ عذابٌ فى جهنمَ عظيمٌ .
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿هَذَا هُدَى وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن ١٤٣/٢٥
رِجْزٍ أَلِيمُ
(١) فى ت ٣: ((على)).
(٢) أى : على الإفراد .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٥٤/١٥، ٣٥٥.
(٤ - ٤) فى م: (( يغنيهم)).
(٥) فى ت ٣: ((إلى)).

٧٨
سورة الجاثية : الآيات ١١ - ١٣
يقولُ تعالى ذكره: هذا القرآنُ الذى أَنزَلْناه إلى (١) محمدٍ ﴿هُدَىٌ﴾. يقولُ:
بيانٌ ودليلٌ على الحقِّ، يَهْدى إلى صراطٍ مستقيمٍ مَن اتَبعه، وعمِل بما(٢) فيه،
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: والذين جحَدوا ما فى القرآنِ من الآياتِ
الدالاتِ على الحقِّ، ولم يُصدِّقوا بها ويَعْمَلوا بها، لهم عذابٌ يومَ القيامةِ من
عذابٍ مُوچِعٍ ) .
اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُرُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ اٌلْفُلْكُ فِيهِ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿٥
١٣
بِأَمْرِهِ، وَلِبَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
يقولُ تعالى ذكره : اللَّهُ أيُّها القومُ الذى لا تَنَّبَغِى الأُلوهةُ إِلَّ له، الذى أنعم
عليكم هذه النعمَ التى (١) بيَّنها لكم فى هذه الآياتِ، وهو أنه سَخَّرَ لكم البَحْرَ لِتَجْرِىَ
السفنُ فِيه بِأمْرِه لمعايشِكم وتصرُّفِكم فى البلادِ ، لطلبٍ فضلِه فيها ، ولتَشْكُروا ربَّكم
على تسخيرِه ذلك لكم ، فتَعْبُدوه وتُطِيعوه فيما يَأْمُؤُكم به ويَنْها كم عنه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
١٣
يقولُ تعالى ذكرُه: وسَخَّرَ لكم ما فى السماواتِ من شمسٍ وقمرٍ ونجومٍ، وما
فى الأرْضِ من دابةٍ وشجرٍ وجبلٍ وجمادٍ وسُفُنٍ لمنافعِكم ومصالحِكم، ﴿ ◌َيعًا
مِنْهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: جميعُ ما ذكرتُ لكم أيُّها الناسُ من هذه النعمِ ؛ نِعم
(١) فى م: (( على)).
(٢) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.
(٣ - ٣) فى م: ((عذاب أليم يوم القيامة موجع)).
(٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٥) بياض فى: ص، وسقط من: ت ٢، ت ٣، وفى ت ١: ((غير ذلك)).

٧٩
سورة الجاثية : الآية ١٣
عليكم من اللَّهِ أَنْعَم بها عليكم، وفضلٌ منه تفضَّل به عليكم، فإياه فاحمَدوا لا
غيرَه؛ لأنه لم يَشْرَكْه فى إنعامِ هذه النعم عليكم شريكٌ ، بل تفرّد بإنعامِها عليكم ،
وجميعُها منه ومن نعمِه ، فلا تَجْعُلوا له فى (١ شكركم له١) شريكًا، بل أَقْرِدوه بالشكرِ
والعبادةِ، وأَخْلِصوا له الألوهةَ، فإنه لا إلهَ لكم سِوَاه .
1
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَسَخََّ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ .
يقولُ : كلُّ شيءٍ هو من اللَّهِ ، وذلك الاسمُ فيه اسمٌ من أسمائِه، فذلك جميعًاً()
منه، ولا يُنازِعُهُ(١) فيه المنازِعون، واسْتَيقِنْ أنه كذلك(4).
وقولُه: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه : إن فى
تسخيرِ اللَّهِ لكم ما أنبأَكم أيُّها الناسُ أنه سخّره(٥) لكم فى هاتين الآيتين،
﴿ لَيَتٍ﴾. يقولُ: لعلاماتٍ ودلالاتٍ على أنه لا إلهَ لكم غيرُه، / الذى أنعم ١٤٤/٢٥
عليكم هذه النعمَ، وسخّر لكم هذه الأشياء التى لا يَقْدِرُ على تسخيرِها (٦) غيرُه،
لِقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ﴾ فى آياتِ اللَّهِ ومحُجْجِه وأدلتِه، فيَعْتَبِرون بها، ويَتَّعِظون إذا
تَدَبَّروها وفكّروا(٧) فيها .
(١ - ١) فى ت٢، ت٣: ((شكره)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((جميع)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ينازعنك)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٥١/٧ عن العوفى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤/٦ إلى المصنف.
(٥) فى ت ٣: ((سخرها)).
(٦) بعده فى ت٣: ((أحد )).
(٧) فى ت ٣: ((تفكروا)).

٨٠
سورة الجاثية : الآية ١٤
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ
١٤
لِيَجْزِىَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ مَّهِ: قُلْ يا محمدُ للذين صدَّقوا اللَّهَ واتَّبعوك،
يَغْفِروا للذين لا يخافون بأسَ اللَّهِ ووقائعَه ونِقمه، إذا هم نالوهم بالأذى والمكروهِ،
﴿ لِيَجْزِىَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ : ليجزِىَ اللَّهُ هؤلاء الذين يُؤْذونهم من
المشرِ کین فی الآخرة ، فیثیتهم(١) عذابه بما كانوا فى الدنيا يَكْسِبون من الإثم ، ثم
بأذاهم أهلَ الإيمانِ باللَّهِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: [٨٠٦/٢ظ]
ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ
أَيََّمَ اللَّهِ لِيَجْزِئَ قَوْمَا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: كان نبىُّ اللّهِ وَهِ يُغْرِضُ عن
المشرِكين إذا آذَوه، وكانوا يَسْتَهْزِئُون به ويُكَذِّبونه، فأمَره اللَّهُ عز وجل أن يُقاتِلَ
المشركين كافَّةً، فكان هذا من المنسوخِ().
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى() ، عن ابنِ أبی
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال: لا يُيالون(٤)
(١) فى م: ((فيصبهم))، وفى ت ١: (( فيتبعهم)) .
(٢) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ والمنسوخ ص ٢٧٢ من طريق على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس بمعناه، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٤/٦ إلى المصنف وابن مردويه.
(٣) بعده فى ت ١: ((وحدثنى الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعًا)).
(٤) غير منقوطة فى: ص، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ينالون)).