النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة الدخان : الآيات ٢٩ - ٣١ مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ٣١ يقولُ تعالى ذكره: فما بكت على هؤلاء الذين غرَّقهم اللَّهُ فى البحرِ، وهم فرعونُ وقومُه ، السماءُ والأرضُ. وقيل: إن بكاءَ السماءِ حمرةُ أطرافِها . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُّ إسماعيلَ الأحمَسيُّ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبی حمادٍ ، عن الحكمِ بنِ ظُهيرٍ، عن السدىِّ، قال: لما قُتل الحسينُ بنُ علىِّ رضوانُ اللَّهِ عليهم بكَتِ السماءُ عليه، وبكاؤُها حمرتُها(١). حدَّثنى علىُ بنُ سهلٍ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ فى قوله : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: بكاؤها حمرةُ أطرافِها(٢) . وقيل : إِنما قيل: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾؛ لأن المؤمنَ إذا مات بكَت عليه السماء والأرضُ أربعين صباحًا ، ولم يبكيا على فرعونَ وقومِه؛ لأنه لم يكنْ لهم عملٌ يصعَدُ إلى اللَّهِ صالحٌ فتبكىَ عليهمُ السماءُ(١) ، ولا مسجِدٌ فى الأرضِ فتبكىَ عليهمُ الأرضُ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ(٤). (١) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٣٢/٧، وابن كثير في تفسيره ٧/ ٢٤٠. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/٦ إلى المصنف وابن المنذر. (٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٣: ((والأرض)). (٤) بعده فى ت ٣: ((السماء تبكى على المؤمن الصالح والأرض تبكى على المؤمن الساجد عليها لله قال أهل التأويل )). ٤٢ سورة الدخان : الآية ٢٩ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طلقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن المنهال ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: أتَى ابنَ عباسٍ رجلٌ، فقال: يا أبا عباس، أرأيتَ قولَ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاُلْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾. فهل تبکی السماء والأرضُ على أحدٍ ؟ قال : نعم ، إنه ليس أحدٌ مِن الخلائقِ إلا له بابٌ فى السماءِ، منه ينزلُ رزقُه، وفيه يصعَدُ عملُه، فإذا مات المؤمنُ فأُغْلِق بابُه مِن السماءِ الذى كان يصعدُ عملُه وينزلُ منه رزقُه، بكَى عليه، وإذا فقَده مُصلَّاهُ مِن ١٢٥/٢٥ الأرضِ التى كان / يُصلِّى فيها ويذكرُ اللَّهَ فيها، بكَت عليه، وإنّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم فى الأرضِ آثارٌ صالحةٌ ، ولم يكنْ يصعدُ إلى السماءِ منهم خيرٌ، قال: فلم تَبْكِ عليهم السماء والأرضُ(١) . حدَّثنا ابنُّ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى ، قالا : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: تَبْكى الأرضُ على المؤمن أربعين صباحًا(١). حدَّثنا ابنُّ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى يحيى القَتَّاتِ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه (١) . حدَّثنى يحيى بنُ طلحةً، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٤٠/٧ عن المصنف، وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٣٢٨٨) من طريق زائدة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) أخرجه البيهقى فى الشعب (٣٢٨٩) من طريق سفيان به ، وابن أبى شيبة ١٣/ ٥٧٠، ومن طريقه أبو نعيم فى الحلية ٢٩٧/٣ من طريق منصور به . (٣) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣٣٨)، وابن أبى شيبة ٣٧٣/١٣ من طريق سفيان به ، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١١٨٣) من طريق إسرائيل به، وأخرجه البيهقى فى الشعب (٣٢٩٠) من طريق مجاهد به . ٤٣ سورة الدخان : الآية ٢٩ مجاهدٍ ، قال: حدِّثتُ أنَّ المؤمنَ إذا مات بكَت عليه الأرضُ أربعينَ صباحًا . حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُّ إسحاقَ الحضرميُّ، قال: ثنا بُكَيْرُ بنُّ أَبِى السَّميطِ ، قال : ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه كان يقولُ: إن بقاع الأرضِ التى كان يصعَدُ عملُه منها إلى السماءِ، تَبكى عليه بعدَ موتِه، يعنى المؤمنَ(١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن المنهالِ ، عن سعيد ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: إنه ليس أحدٌ إلا له بابٌ فى السماءِ ينزلُ فيه رزقُه ، ويصعَدُ فيه عملُه ، فإذا فُقِد بَكَت عليه مواضعُه التى كان يسجُدُ عليها، وإنَّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم فى الأرضِ عملٌ صالحٌ يُقْبَلُ منهم فيصعَدَ إِلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ. فقال مجاهدٌ: تَبكى الأرضُ على المؤمنِ أربعين صباحًا . حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ ، قال: كان يُقالُ: إِنَّ المؤمنَ إذا مات بكَت عليه الأرضُ أربعينَ صباحًا . حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ ، قال : ثنا عيسى بنُ يونسَ ، عن صفوانَ بنِ عمرٍو، عن [٨٠١/٢و] شريح بنِ عُبيدٍ الحضرميّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَلِ: ((إنَّ الإسلامَ بدَأ غريبًا، وسيعودُ غريبًا ، أَلَا لا غُربةَ على المؤمنِ ، ما مات مؤمنٌ فى غُربةٍ غابت عنه فيها بَواكِيه، إلا بكَت عليه السماءُ والأرضُ)). ثم قرَأَ رسولُ اللَّهِ عَمِ: ((﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾)). ثم قال: ((إنهما لا يَتِكيان على الكافرِ))(٢). حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن (١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٤٠/١٦. (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٣٩/٧ عن المصنف، وأخرجه البيهقى فى الشعب (٩٨٨٨) من طريق صفوان به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/٦ إلى ابن أبى الدنيا. وينظر كشف الخفاء ١/ ٢٨٢. ٤٤ سورة الدخان : الآية ٢٩ أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيِهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية . قال : ذلك أنه ليس على الأرضِ مؤمنٌ يموتُ إلا بكَى عليه ما كان يُصلِّى فيه مِن المساجدِ حينَ يفقِدُه، وإلا بكَى عليه من السماءِ الموضعُ الذى كان يُرفَعُ منه كلامُه ، فذلك قولُه الأهلِ معصيتِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيَِّمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنَظَرِينَ﴾؛ لأنهما بيكيان على أولياءِ اللَّهِ(١). / حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا بَكَّتْ عَلَهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾(١). ١٢٦/٢٥ حدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. يقولُ: لا تَبْكى السماء والأرضُ على الكافرِ، وتَبْكى على المؤمنِ الصالحِ معالمه مِن الأرضِ، ومقرّ عملِهِ مِن السماءِ . حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: بِقاعُ المؤمنِ التى كان يُصلّى عليها مِن الأرضِ تَبْكى عليه إذا مات ، وبقاعُه مِن السماءِ التى كان يُرفعُ فيها عملُه(٣) . حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن المنهال ، عن سعيد بنِ جبيرٍ، قال : سُئِل ابنُ عباسٍ: هل تَبْكى السماءُ والأرضُ على أحدٍ ؟ فقال: نعم ، إنه (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٤٠/٧ عن العوفى به . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد، ولفظه: هم كانوا أهون على الله من ذلك . قال : وكنا نحدث أن المؤمن تبكى عليه بقاعه التى كان يصلى فيها من الأرض ومصعد عمله من السماء . (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٠٨/٢ عن معمر به . ٤٥ سورة الدخان : الآيات ٢٩ - ٣١ ليس أحدٌ مِن الخَلْقِ إلا له بابٌ فى السماءِ يصعَدُ فيه عملُهُ وينزِلُ منه رزقُه ، فإذا مات بگی علیه مكانه مِن الأرض الذی کان یذ کُمُ اللَّهَ فیه ويُصلِّی فیه، وبگی علیه بابُه الذى كان يصعَدُ فيه عملُهُ وينزِلُ منه رزقُه، وأما قومُ فرعونَ فلم يكنْ لهم آثارٌ صالحةٌ، ولم يصعَدْ إلى السماءِ منهم خيرٌ، فلم تتكِ عليهم السماء والأرضُ(١). وقولُه: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنْظَرِينَ﴾. يقولُ: وما كانوا مؤخّرين بالعقوبةِ التى حلَّت بهم، ولكنهم ◌ُوجِلوا بها إذ أسْخَطوا ربَّهم عزَّ وجلَّ عليهم . ﴿ وَلَقَدْ نَّنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنَ اٌلْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولقد تَجْنا بنى إسرائيلَ مِن العذابِ الذى كان فرعونُ وقومُه يعذّبونهم به، ﴿اٌلْمُهِينِ﴾. يعنى : المذلِّ لهم. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: يُقَتِّلُ أبناءَهم، ويستحبى نساءَهم . وقولُه: ﴿مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نجَّنا بنى إسرائيلَ من العذابِ مِن فرعونَ . فقولُه: ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾. مكرّرةٌ على قولِه: ﴿ مِنَ اُلْعَذَابِ اَلْمُهِينِ﴾ . مُبْدَلةٌ مِن ﴿ مِن﴾ الأولى . ويعنى بقولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ اُلْمُسْرِفِينَ﴾: إنه كان جبَّارًا مستعليًا (١) تقدم تخريجه فى ص ٤٢. ٤٦ سورة الدخان : الآيات ٣١ - ٣٣ مستكبرًا على ربِّه، ﴿مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يعنى: مِن المتجاوزين ما ليس لهم تجاوزُه . وإنما يعنى جلَّ ثناؤُه أنه كان ذا اعتداءٍ فى كفرِهِ، واستكبارٍ (١) على ربِّه جلَّ ثناؤه . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ٠٣ وَءَانَّيْنَهُم مِّنَ الْآَيَتِ مَا فِيهِ بَلَّأْ مُِّبِرٌ ٣٢ ١٢٧/٢٥ / يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد اختَرْنا بنى إسرائيلَ على علم منَّا بهم، على عالَى(٢) أهلِ زمانِهم يومَئذٍ ، وذلك زمانَ(٣) موسى عليه السلامُ. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدِ آَخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ . أى: اختيروا على أهل زمانهم ذلك، ولكلِّ زمانٍ عالَمٌ . حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قولِه : ﴿ وَلَقَدٍ أُخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾. قال: عالَمِ ذلك الزمانِ(٤) . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((واستكبارًا)). (٢) فى ص، ت ٣: (( عالى)). (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((امام))، ولعل صوابها: ((أيام)). (٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٠٨/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . ٠ ٤٧ سورة الدخان : الآيتان ٣٣،٣٢ قوله: ﴿وَلَقَدٍ أَخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾. قال: على مَن هم بينَ (١) ظَهْرَانَه(١). قولُه: ﴿ وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْآَيَتِ مَا فِيهِ بَلَتُؤْأْ مُّبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأعطَيْناهم مِن العِبَرِ والعِظاتِ ما فيه اختبارٌ يَبِينُ لمن تأمَّله أنه اختبارٌ اختبَرهم اللَّهُ تعالی به . واختلف أهلُ التأويلِ فى ذلك البلاءِ؛ فقال بعضُهم: ابتلاهم بنعَمِه عندهم . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَءَانَيْنَهُم مِّنَ اَلْآَيَتِ مَا فِيهِ بَلَوَّأْ مُّبِينٌ﴾: أنْجَاهم اللَّهُ مِن عدوّهم، ثم أقطَعهم البحرَ، وظلَّل عليهم الغمامَ وأنزل عليهم المنَّ والسلوى(٢) . وقال آخرون : بل ابتلاهم بالرخاءِ والشدَّةِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : ﴿ وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْآَيَتِ مَا فِيهِ بَلَتُؤْ مُبِينٌ﴾. وقرَأ: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَاْخَيَّرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرُّجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال: بلاءٌ مُبِينٌ لمن آمن بها وكفَر بها، بَلْوى نبتليهم بها؛ نُمخِّصُهم، بَلْوى اختبارٍ نختبرُهم بالخيرِ والشرّ، نختبرُهم لننظُرَ (١) تفسير مجاهد ص ٥٩٨، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣١٠/٤ - وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/٦ إلى ابن المنذر. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. ٤٨ سورة الدخان : الآيات ٣٣ - ٣٦ فيما أتاهم مَن الآياتِ مَن يؤمنُ بها وينتفِعُ بها ويضيّعُها (١). وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقال: إنّ اللَّه تعالى ذكرُه أخبَر [٨٠١/٢ظ] أنه آتَى بنى إسرائيلَ مِن الآياتِ ما فيه ابتلاؤُهم واختبارُهم، وقد يكونُ الابتلاءُ والاختبارُ بالرخاءِ، ويكونُ بالشدَّةِ ، ولم يضَعْ لنا دليلاً مِن خبرٍ ولا عقلٍ أنه عَنی بعضَ ذلك دونَ بعضٍ، وقد كان اللَّهُ اختبرَهم(٢) بالمعنَيْن كليهما جميعًا. وجائزٌ أن يكونَ عَنى اختبارَه(٣) إياهم بهما . فإذ كان الأمرُ على ما وصفْنا، فالصوابُ مِن القولِ فيه أن نقولَ كما قال جلَّ ثناؤه : إنَّه اختبرهم . إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٣٤ / القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَيَقُولُونٌ ١٢٨/٢٥ فَأَتُواْ بِثَابَآَيِنَآ إِن كُمْ صَدِّقِينَ ٣٥ اَلْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ٣٦ يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلٍ مشرٍكى قريشٍ لنبىِّ اللَّهِ سَّه: إنَّ هؤلاء المشركين من قومِك يا محمدُ ليقولون: ما هى إلا مَوْتَتْنا الأولى التى نموتُها، وهى الموتةُ الأُولى، فما نحن بمُتْشرين بعدَ مماتِنا، ولا بمبعوثين. تكذيبًا منهم بالبعثِ والثواب والعقاب . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ٣٤ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾. قال: قد قال لَقُولُونٌ (١) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٢٣٣، والقرطبى فى تفسيره ١٤٣/١٦ مختصرًا . (٢) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((أخبرهم)). (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((اختبارهم)). (٤) فی ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ( نبی )). ٤٩ سورة الدخان : الآيات ٣٥ - ٣٧ مشرِكو (١) العربِ: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِنَ﴾. أى: بمبعوثين(٣). وقولُه: ﴿فَأْتُواْ بِثَابَآَيِنَآ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا لمحمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ: فأتوا بآبائِنا الذين قد ماتوا، إن كنتم صادقين أنَّ اللَّهَ باعثُنا من بعدِ بِلانا فى قبورِنا، ومُخيِينا من بعدٍ مماتِنا. وخُوطِب عَ لّه هو وحده خطابَ الجميعِ، كما قيل: ﴿ يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ ﴾ [ الطلاق: ١]. وكما قال: ﴿رَبِّ أَرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]. وقد بيَّنتُ ذلك فى غيرِ موضع من كتابِناً". القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُبَّعَ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ٣٧ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلِ: أهؤلاء المشركون يا محمدُ من قومِك خيرٌ، ﴿أَمْ قَوْمُ تُبَّعَ﴾. يعنى: تُبَّعًا الحِمْيَرِئَّ. کما حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، وحدَّثنی الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أَهُمْ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُبَّع﴾ . قال : الحِغْيَرِىِّ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَهُمْ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُبَّعَ﴾: ذُكِر لنا أن تُجَعًا كان رجلاً من حِمْيَرَ، سارَ بالجيوشِ حتى حيَّر الحِيرةَ، ثم أتَى سَمَرْقَندَ فهدَمها. وذُكِر لنا أنه كان إذا كَتَب كتَب : باسم الذى تسمَّى ، وملَك (١) بعده فى ت ١: ((قريش و)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. (٣) بعده فى ت١: ((هذا))، وفى ت٢، ت٣: ((هذا بما أغنى عن إعادته)). ينظر ما تقدم ٤٠٤/٢ وما بعدها . ( تفسير الطبرى ٤/٢١ ) ٥٠ سورة الدخان : الآية ٣٧ برًّا وبحرًا، وصَحًا (١) وريحًا. وذُكِر لنا أن كعبًا كان يقولُ: نُعِت نَعْتَ الرجلِ الصالح، ذمَّ اللَّهُ قومَّه ولم يَذُمَّه. وكانت عائشةُ تقولُ: لا تَسْبُوا ثُجَعًا، فإِنَّه كان رجلًا =(٢) صالحاً(١). ١٢٩/٢٥ / حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قالت عائشةُ: كان تُجُعّ رجلاً صالحاً. وقال كعبٌ: ذمَّ اللهُ قومَه ولم يَذُكَّه(٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن تميم بنِ عبدِ الرحمنِ، عن سعيد بن جبيرٍ، أن تبَّعًا كسا البيتَ. ونھَى سعيدٌ عن سبّه(٤). وقولُه: ﴿ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . يقولُ تعالى ذكره: أهؤلاء المشركون من قُريشٍ "خيرٌ أمْ) قومُ تُبَعٍ والذين من قبلهم من الأم الكافرةِ بربِّها؟ يقولُ : فليس هؤلاء بخيرٍ من أولئك فنَصْفَحَ عنهم ولا نُهْلِكُهم، وهم باللّهِ كافرون، كما كان الذين أَهْلَكْنا من الأمم قبلَهم كفارًا . وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ مُجْرِمِنَ﴾ . يقولُ: إن قومَ تُجَع والذين من قبلهم من الأمم الذين أَهْلَكناهم ؛ إنما أهلكناهم لإجرامِهم، وكفرِهم بربِّهم. وقيل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾. فَكُسِرت أَلَفُ ((إِن)) على وَجْهِ الابتداءِ وفيها (١) من الصحو وهو ذهاب الغيم. ينظر اللسان (ص ح و) . (٢) ذكره ابن كثير ٢٤٤/٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد ، وليس عندهما قول قتادة . (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٢٠٨، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٦/١١ - عن معمر به، وأخرجه الحاكم ٤٥٠/٢ من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهرى ، عن عروة ، عن عائشة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/٦ إلى عبد بن حميد . (٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٧/١١ - عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/٦ إلى ابن المنذر. (٥ - ٥) فى ص، ت ٢: ((خيرًا من)). ٥١ سورة الدخان : الآيات ٣٧ - ٤٢ معنى الشرطِ ، استغناءً بدلالةِ الكلام على معناها . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ ﴿ مَا خَفْتَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٩ يقولُ تعالى ذكره : وما خَلَقْنا السماواتِ السبعَ والأَرَضِين وما بينَهما من الخلقِ لِعِبًا . وقولُه: ﴿ مَا خَلَقْتَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِ﴾. يقولُ: ما خلَقْنا السماواتِ والأرضَ إلا بالحقِّ الذى لا يَصْلُحُ التدبيرُ إلا به . وإنما يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه التنبيهَ على صحةِ البعثِ والمجازاةٍ ، يقولُ تعالى ذكرُه: لم نَخْلُقِ الخلقَ عَبَثًا، بأن نُحدِثَهم فنُحْيِيَهم ما أردنا، ثم نُفْنِيَهم من غيرِ الامتحانِ بالطاعةِ والأمرِ والنهي ، من غيرِ مجازاةٍ المطيعِ على طاعتِه، والعاصى على المعصيةِ، ولكنَّا خَلَقْنا ذلك لنَبْتَلِىَ من أردنا امتحانَه من خلقِنا، بما شِئْنا من امتحانِه من الأمرِ والنهي ، ولِنَجْزِىَ الذين أساءوا بما عمِلوا ولِنَجْزِىَ [٨٠٢/٢و] الذين أحسنوا بالحُشْنَى . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . يقولُ تعالى ذكره: ولكن أكثرَ هؤلاءِ المشركين باللّهِ ، لا يَعْلَمون أنَّ اللّهَ خلَق ذلك لهم، فهم لا يخافون على ما يَأْتون من سخَطِ اللّهِ ، عقوبةً ، ولا يَرْجُون على خيرٍ إِنْ فَعَلوه ، ثوابًا؛ لتكذيِهم بالمعاد . يَوْمَ لَا ٤ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ يُغْنِ مَوْلَى عَن مَّوَلَى شَيْئًا وَلَ هُمْ يُصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَن زَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ٤٢ يقولُ تعالى ذكره : إنَّ يومَ فصلِ اللّهِ القضاءَ بينَ خلقِه، بما أسلَفوا فى دنياهم ٥٢ سورة الدخان : الآيات ٤٠ - ٤٢ من خيرٍ أو شرٌّ، بجزائهِ المحسنَ بالإحسانِ، والمسىءَ بالإساءةِ، ﴿مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . يقولُ : ميقاتُ اجتماعِهم أجمعين . ١٣٠/٢٥ / كما حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: يومَ يَفْصِلُ فيه بينَ الناسِ بأعمالِهِم(١). وقولُه: ﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن مَّوْلَى شَيْئًا﴾ . يقولُ : لا يَدْفَعُ ابنُ عمّ عن ابنِ عمّ ولا صاحبٌ عن صاحبِهِ شيئًا، من عقوبةِ اللَّهِ التى حلَّت بهم(١) من اللَّهِ، ﴿ وَلَا هُمْ يُصَرُونَ﴾. يقولُ: ولا يَنْصُرُ بعضُهم بعضًا، فَيَسْتَعيذوا ممن نالهم بعقوبةٍ، کما کانوا یَفْعَلُون فى الدنيا . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن مَّوْلَى شَيْئًا﴾ الآية : انقَطَعت الأسبابُ يومَئذٍ بابنِ آدمَ، وصار الناسُ إلی أعمالهم ، فمن أصاب يومئذٍ خیرًا سعد به آخر ما علیه، ومن أصاب يومئذٍ شؤًا شقی به آخر ما علیه(١) . وقولُه: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ الَّهُ﴾. اختلف أهلُ العربيةِ فى موضع ﴿مَن﴾ فى قولِه: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُ نحوِّى البصرةِ: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ فجعَله بدلًا من الاسم المضمرِ فى: ﴿يُصَرُونَ﴾. وإن شِئْتَ جعَلتَه مبتدأً ، وأضمَرتَ خبرَه، تُريدُ به : إلا من رحِم اللَّهُ فيغْنى عنه . وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ(١) قوله: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾. قال: المؤمنون يَشْفَعُ بعضُهم فى بعضٍ ، فإن شِئْتَ فاجعَلْ ﴿مَنْ﴾ فى موضعِ رفعٍ، كأنك قُلْتَ: (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد. (٢) فى ص، ت ٢، ت ٣: (( به)). (٣) هو الفراء فى معانى القرآن ٣/ ٤٢. C ٠ ٥٣ سورة الدخان : الآيات ٤٢ - ٤٦ لا يقومُ أحدٌ إلا فلانٌ . وإن شِئْتَ جعَلتَه نصبًا على الاستثناءِ والانقطاع عن أولِ الكلامِ، تُريدُ: اللهمَّ إِلَّ مَن (١ رحِم اللَّهُ(١). وقال آخرُ(١) منهم: معناه: لا يُغْنى مولّى عن مولّى شيئًا، إلَّا من أذِن اللَّهُ له أن يَشْفَعَ. قال: لا يكونُ بدلًا مما فى ﴿ يُصَرُونَ﴾؛ لأن ﴿إِلَّا﴾ محقَّقٌ، والأولَ مَنْفىٌ، والبدلُ لا يكونُ إلا بمعنى الأولِ. قال: وكذلك لا يجوزُ أن يكونَ مُستأنفًا؛ لأنه لا يُسْتَأَنفُ بالاستثناءِ . وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يكونَ فى موضعِ رفعٍ، بمعنى : يومَ لا يُغْنى مولّى عن مولّى شيئًا إلا من رحم اللَّهُ منهم، فإنه يُغْنی عنه، بأن يَشْفَعَ له عندَ ربّه . وقولُه: ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه واصفًا نفسَه: إِنَّ اللَّهَ هو العزيزُ فى انتقامِه من أعدائِه ، الرحيمُ بأوليائِه وأهلِ طاعتِه . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ] طَعَامُ الْأَثِمِ ٤٣ ٤٤ ٤٦ ٤٥ كَعَلِ الْحَمِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِىِ اٌلْبُعُونِ يقولُ تعالى ذكرُه: إن شَجَرَةَ الزَّقُومِ التى أُخبّر أنها تَنْبُتُّ فى أصلِ الجحيمِ، التى جعَلها طعامًا لأهلِ الجحيمِ، ثمرُها فى الجحيمِ - طعامُ الآثم فى الدنيا بربِّه . والأثيمُ ذو الإثم ، والإثمُ مِن: أَثِمِ يَأْثَمُ فهو أَنِيمٌ . وعُنِى به فى هذا الموضعِ الذى إثمُه الكفرُ بربِّه دونَ غيرِه من الآثامِ . وقد حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن (١ - ١) فى المعانى: ((رحمت)). (٢) فى م: ((آخرون )). ٥٤ سورة الدخان : الآيات ٤٣ - ٤٥ ١٣١/٢٥ الأعمش، عن إبراهيمَ، عن / همَّامِ بنِ الحارثِ، أنَّ أبا الدرداءِ كان يُقْرِئُ رجلًا : طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾. فقال: طعامُ اليتيم. فقال أبو ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ الدرداءِ: قُلْ: إِنَّ شجرةَ الزقومِ طعامُ الفاجرِ (). حدّثنا أبو کریب ، قال : ثنا یحیی بنُ عیسی ، عن الأعمش ، عن أبی یحیی ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: لو أنَّ قطرةً من زَقُّومِ جهنمَ أُنزِلت إلى الدنيا لأَفسَدت على الناسِ معايشهم(١). حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن طَعَامُ همامٍ، قال: كان أبو الدرداءِ يُقْرِىُّ رجلًا: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ اُلْأَنِيمِ﴾. قال: فجعَل الرجلُ يقولُ: إن شجرةَ الزقومِ طعامُ اليتيم . قال: فلما أكثَر عليه أبو الدرداءِ، ورآه لا يَفْهَمُ قال: إنَّ شجرةَ الزقومِ طعامُ الفاجرِ . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾. قال: أبو جهلٍ(٢). ٤٣ وقولُه: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِىِ الْبُطُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إنَّ شجرةَ الزقومِ التى جعَل ثمرتَها طعامَ الكافرِ فى جهنمَ، كالرَّصاصِ [٨٠٢/٢ظ] أو الفضةِ أو ما يُذَابُ فى النارِ إِذا أَذيبَ بها فتناهَتْ حرارتُه وشدَّةُ حِمْيتِه - فى شدةِ السوادِ . (١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه ٣٦٤/٣ عن الثورى به، وأخرجه الحاكم ٤٥١/٢ من طريق الأعمش به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر. (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٦١/١٣، وابن أبى الدنيا فى صفة النار (٧٩)، والبيهقى فى البعث (٥٩٧) من طريق يحيى به، وأخرجه أحمد ٢٣٧/٥ (٣١٣٧) من طريق الأعمش به . (٣) ينظر البحر المحيط ٣٩/٨. ٥٥ سورة الدخان : الآية ٤٥ وقد بيَّنا معنى ((المُهل)) فيما مضى، بما أغنَى عن إِعادتِه فى هذا الموضعِ، من الشَّواهدِ، وذكرٍ اختلافِ أهلِ التأويل فيه (١) ، غيرَ أنَّا نَذْكُرُ من أقوالِ أهلِ العلمِ فى هذا الموضعِ ما لم نَذْكُزه هناك . حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ ، قال: ثنا أبو كُدَيْنَةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، قال : سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ تعالى: كَلْمُهْلِ ﴾. قال. كدُرْدِىِّ الزيتِ . حدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ(١) ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِىِ الْبُطُونِ﴾. يقولُ: أسودُ كُمُهْلِ الزيتِ (١). حدَّثْنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالوا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال : سمِعتُ مطرّفًا، عن عطيةَ بنِ سعدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ كَالْمُهْلِ ﴾. قال : ماءٌ غليظٌ كدُردِىِّ الزيتِ (٤). حدَّثنى يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا شريكٌ، عن مطرّفٍ، عن رجلٍ، عن ابنٍ عباسٍ فى قولِه: ﴿ كَاَلْمُهْلِ﴾. قال: كدُرْدِىِّ الزيتِ . حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا خليدٌ ، عن الحسنِ، عن ابنِ عباس أنه رأى فضةً قد أُذِيبت، فقال: هذا المُهْلُ(٥). (١) ينظر ما تقدم فى ٢٤٨/١٥. (٢) کذا فی النسخ ، وتقدم مرارًا أنه على بن داود . (٣) أخرجه البيهقى فى البعث (٦٠٦) من طريق أبى صالح به، وينظر ما تقدم تخريجه ٢٤٩/١٥. (٤) أخرجه هناد فى الزهد (٢٨٣)، وابن أبى حاتم - كما فى التغليق ٣١٠/٤ - من طريق مطرف به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢١/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر. (٥) ينظر التبيان ٩/ ٢٣٧، والبحر المحيط ٣٩/٨. ٥٦ سورة الدخان : الآية ٤٥ حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا أبو معاويةً، قال : ثنا عمرُو بنُ ميمون ، عن أبيه ، عن عبدِ اللَّهِ فى قولِه: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ [الكهف: ٢٩]. قال: دخل عبدُ اللَّهِ بيتَ المالِ، فأخرَجِ سِقَايةٌ(١) كانت فيه، فأوقَد عليها النارَ حتى تلألأت ، قال: أينَ السائلُ عن المهلِ؟ هذا المهلُ . حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، وحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى ، قال: ثنا خالدُ بنُّ الحارثِ ، عن عوفٍ ، عن الحسنِ، قال : بلَغنى أن ابنَ مسعودٍ سُئل عن ١٣٢/٢٥ المهلِ الذى يقولون يومَ القيامةِ: شرابُ أهلِ النارِ. / وهو على بيتِ المالِ، قال: فدعًا بذهبٍ وفضةٍ فأذابهما ، فقال: هذا أشبهُ شىءٍ فى الدنيا بالمهلِ الذى هو لونُ السماءِ يومَ القيامةِ، وشرابُ أهلِ النارِ، غيرَ أنَّ ذلك هو أشدُّ حرًّا من هذا. لفظُ الحديثِ لا بن بشار، وحدیثُ ابنِ المثنی نحوه . حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ ، قالا : ثنا ابنُ إدريسَ، قال : أخبرنا أشعثُ ، عن الحسنٍ، قال: كان من كلامِه، أن عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ رجلٌ أكرَمه اللَّهُ بصحبةٍ محمدٍ عَّلَه، فإن عمرَ استعمَله على بيتِ المالِ، قال: فعمد إلى فضةٍ كثيرةٍ مُكَشَرةٍ ، فخدَّ لها أُخدودًا، ثم أمَر بحطبٍ جَزْلٍ فأوقَد عليها، حتى إذا امَّاعت وتزبَّدت وعادت ألوانًا، قال: انظُروا مَن بالبابِ. فأُدخِل القومُ ، فقال لهم: هذا أشبهُ ما رأينا فى الدنيا بالمُهْلِ . حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ الآية: ذُكِر لنا أن ابنَ مسعودٍ أَهديَت له سقايةٌ من ٤٣ الزَّقُومِ ذهب وفضةٍ، فأمر بأخدودٍ فُدَّت فى الأرض ، ثم قُذِف فيها من جزْلِ الحطبِ ، ثم قُذِفت فيها تلك السقايةُ، حتى إذا أزبَدت وأنماعت قال لغلامِه : ادعُ مَن بحضرتِنا (١) فى م: ((بقايا))، وفى ت ١: ((نفاية))، وفى ت ٢، ت ٣: ((بقاية)) .. ٥٧ سورة الدخان : الآية ٤٥ من أهلِ الكوفةِ. فدعا رهطًا، فلما دخَلوا قال: أَتَرَون هذا؟ قالوا : نعم. قال : ما رأينا فى الدنيا شبيهًا للمُهْلِ أدنى من هذا الذهب والفضةِ حينَ أَزْبَد وانماع (١). حدَّثنا أبو هشام الرفاعىُّ ، قال : ثنا ابنُ يمانٍ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن سفيانَ الأسَدىِّ، قال: أذاب عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ فضةً، ثم قال: مَن أراد أن يَنْظُرَ إلى المهلِ فليَنْظُرْ إلى هذا (٣). حدّثنا بشرّ ، قال: ثنا یزیدُ()، عن قابوسَ ، عن أبيه ، [٨٠٣/٢ر] عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَأْهْلِ﴾ [المعارج: ٨]. قال: كدُرْدِىٌّ الزيتِ. حدَّثنى يحيى بنُ طلحةً، قال: ثنا شريكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ : كَالْمُهْلٍ﴾. قال: كدُرْدِىِّ الزيتِ() . حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا يَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ ، قال : ثنا أبو الصبَّاحِ، قال: سمِعتُ يزيدَ بنَ أبى سُميةَ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: هل تَدْرون ما المهلُ؟ المهلُ: مُهْلُ الزيتِ. يعنى آخرَه (٥). قال : ثنا إبراهيمُ أبو إسحاقَ الطالقانيُ، قال: ثنا ابنُ المباركِ ، قال : أخبرنا أبو الصبَّاحِ الأيلىُّ ، عن یزیدَ بنِ أبی سمیةً، عن ابنِ عمر بمثله . حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا رِشدِينُ بنُ سعدٍ ، عن عمرو بنِ الحارثِ ، عن درَّاج أبى السمحِ، عن أبى الهيثم، عن أبى سعيدٍ، عن النبيِّ عَّمِ فى قوله: ﴿يِمَآءٍ كَلْمُهْلِ ﴾ [الكهف: ٢٩]: (( كعكَرِ الزيتِ ، فإذا قرَّبه إلى وجهِه سقَطت فروةُ وجهِه (١) تقدم تخريجه فى ٢٤٨/١٥. (٢) أخرجه الطبرانى - كما فى مجمع الزوائد ١٠٥/٧ - من طريق الضحاك ، عن ابن مسعود نحوه . (٣) بعده فى ت١، ت٢: (( قال: حدثنا سعيد عن قتادة)). (٤) أخرجه هناد فى الزهد (٢٨٤) من طريق شريك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢١/٤ إلى عبد بن حميد. (٥) أخرجه ابن المبارك - زوائد نعيم - (٣١٥) عن أبى الصباح به . ٥٨ سورة الدخان : الآيتان ٤٥ ، ٤٦ (١). فيه))(١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا يعمرُ بنُ بشرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، قال : أخبرنا رِشدِينُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى عمرُو بنُّ الحارثِ، عن أبى السمحِ، عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد الخدرىِّ، عن النبيِّ يٍَّ مثلَه (٢). وقولُه: ﴿ يَغْلِى فِىِ اٌلْبُعُونِ﴾. اختلفت القرَأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته عامةٌ ١٣٣/٢ قرأةِ المدينةِ والبصرة والكوفةِ: (تَغْلِى) / بالتاءِ(١)، بمعنى أنَّ شجرةَ الزقومِ تَغْلى فى بطونهم، فأَنَّتوا ((تَغْلى)) لتأنيثِ الشجرةِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرَأَةٍ أهل مكةً (): ﴿ يَغْلِىِ﴾. بمعنى: طعامُ الأثيم يَغْلى. أو: المُهْلُ يَغْلى. فذكّره بعضُهم لتذكيرِ الطعامِ، ووجَّه معناه إلى أن الطعامَ هو الذى يَغْلى فى بطونِهم، وبعضُهم لتذكيرِ المهلِ، ووجّهه إلى أنَّه صفةٌ للمهلِ الذى يَغْلى . والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنَّهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيّتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ . كُغَلِ اَلْحَمِيمِ﴾. يقولُ: يَغْلى ذلك فى بطونِ هؤلاء الأشقياءِ، كَفَلْي الماءِ المحمومِ، وهو المسخَّنُ الذى قد أُوقِد عليه حتى تناهت شدَّةُ حرِّه . (١) أخرجه الترمذى (٢٥٨١) عن أبی کریب به، وأخرجه الحاكم ٦٠٤/٤ من طريق عبد الله بن وهب ، عن عمرو به، وأخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة النار (٧٦)، وابن حبان (٧٤٧٣)، والحاكم ٥٠١/٢، والبيهقى فى البعث (٦٠٤) من طريق عمرو به ، وأخرجه أحمد ٢١٠/١٨ (١١٦٧٢)، وأبو يعلى (١٣٧٥) من طريق دراج به . وتقدم فى ٢٥٠/١٥ . (٢) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣١٦) - زوائد نعيم - ومن طريقه عبد بن حميد فى المنتخب (٩٢٨). (٣) وهى قراءة عاصم فى رواية أبى بكر وأبى عمرو وابن عامر ونافع وحمزة والكسائى . السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٢. (٤) فى م: ((الكوفة))، وهى قراءة ابن كثير، وحفص عن عاصم . المصدر السابق. ٥٩ سورة الدخان : الآيات ٤٦ - ٤٨ وقيل: حميمٌ. وهو محمومٌ؛ لأنه مصروفٌ من ((مفعولٍ)) إلى ((فعيلٍ))، كما يُقالُ : قَتِيلٌ. من مقتول . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ خُذُوهُ فَاعْتِلُهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابٍ الْحَمِيمِ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ خُذُوهُ﴾. يعنى هذا الأثيمَ بربِّه الذى أخبَر جلَّ ثناؤه أن له شجرةَ الزقومِ طعامٌ، ﴿فَاعْتِلُوهُ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فادفَعوه وسُوقوه. يُقالُ منه: عتَله يَعْتِلُهُ عَثْلاً، إذا ساقه بالدفعِ والجذبٍ ، ومنه قولُ الفرزدقٍ(١): حتى تُرَدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ ليس الكِرامُ بناحِلِيكَ أباهُمُ أى : تُسَاقُ دَفْعًا وسَخْبًا . وقولُه: ﴿إِلَى سَوَآءٍ الْجَحِيمِ﴾. يعنى: إلى وَسَطِ الجحيم. ومعنى الكلامِ: يُقالُ يومَ القيامةِ: خذُوا هذا الأثيمَ ، فسُوقوه دفعًا فى ظهرِهِ، وسحبًا إلى وسَطِ النارِ. وبنحوِ الذى قلْنا فى معنى قولِه: ﴿فَاعْتِلُهُ﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: خُذُوه فادفَعوه (٢) . (١) دیوانه ٢/ ٧٢٢. (٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٨، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣١٠/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ٦٠ سورة الدخان : الآيات ٤٧ - ٥٠ وفى قولِه: ﴿فَأَعْتِلُهُ﴾ لغتان؛ كسرُ التاءِ، وهى قراءةُ عامةِ أهلِ الكوفةِ والبصرةٍ، وبعضِ أهلِ المدينةِ، ورفعُ التاءِ، وهى قراءةُ بعضِ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ وبعضٍ أهلِ مكةً . والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا أَنَّهما لغتان معروفتان فى العربِ ، يُقالُ منه : عثَل يَعْتِلُ ويَعْتُلُ. فبأيَتِهما قرأ القارئُّ فمصيبٌ . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى سَوَآء اَلْحَحِيمِ﴾: إلى وَسَطِ النارِ(١). ١٣٤/٢٠ / وقولُه: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابٍ اُلْحَمِيمِ﴾. يقول تعالى ذكره: ثم صبُوا على رأسٍ هذا الأثيمِ ﴿مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾. يعنى: من الماءِ المُسَخّنِ الذى وصَفْنا صِفتَه، وهو الماءُ الذى قال اللَّهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِى بُطُونِهِمْ وَاَلْجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠]. وقد بيَنتُ صفتَه هنالك(٣). إِنَّ هَذَا القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (®َ مَا كُتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ ٥٠ يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهذا الأثيم الشقىّ : ذُقْ هذا العذابَ الذى تُعذّبُ به اليومَ، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ فى قومِك، ﴿اَلْكَرِيمُ﴾ عليهم. وذُكِر أن هذه الآياتِ نزلت فى أبى جهلِ بنِ هشامٍ . (١ - ١) سقط من النسخ، وأثبتناه ليستقيم السياق، وبالكسر قرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائى وأبى جعفر وخلف ، وبالضم قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ويعقوب. النشر ٢٧٧/٢. (٢) ينظر التبيان للطوسى ٢٣٨/٩. (٣) ينظر ما تقدم فى ١٦/ ٤٩٥.