النص المفهرس
صفحات 1-20
نفسِّيُّ الظَّرَّى
جَامِعُ الْبَّيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرآنِ
لِأَوِ جَعَفَ حَّد بن جَرِيْ الطَّبَرِيّ
(٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ )
تحقيق
الدكتورسعدالنَّه بن عبدالمحسن التركي
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السنة حسن عامة
الجزء الحادى والعشرون
٠٠
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السند حسن يمامة
مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
ت : ٣٢٥١٠٢٧
مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦
ر.
جَامِعُ البََّنِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ القُرآنِ
٥
سورة الدخان : الآيات ١ - ٦
بدايه الروا الجهـ
أولُ سورةِ الدخانِ
إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ
٢
وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ
القولُ فى تأويل قوله: ﴿حمّ
أَمْرًا مِّنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَا
٤
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
◌ُبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ
٦
رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
مُرْسِلِينَ
(٢)
) وَآلْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴾(١).
قال أبو جعفرٍ: قد تقدَّم بيانُنا(١) معنى قوله: ﴿حمّ ر!
وقولُه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾. أقسم ربُّنَا جلّ ثناؤه [٥٦٣/٤٤] بهذا
الكتاب أنه أنزله فى ليلةٍ مبار کةٍ .
واختلف(٣) فى تلك الليلةِ أَىُّ ليلةٍ من ليالى السنةِ هى؛ فقال بعضُهم: هى ليلةٌ
القدر .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ
◌َُرَكَةٍ﴾: ليلةِ القدرٍ (١) . نزَلتْ صحفُ إبراهيمَ فى أوَّلٍ ليلةٍ مِن رمضانَ، ونزَلتْ
التوراةُ لستُّ ليالٍ مضَيْنٌ(٢) مِن رمضانَ، ونزَل الزَّبورُ لشنتَىْ) عشْرةَ مضَتْ مِن
رمضانَ ، ونزَل الإنجيلُ لثمانٍ عَشْرَةَ مضَتْ مِن رمضانَ ، ونزَل الفرقانُ لأربعٍ وعشرين
(١) بعده فى ص، ت ٢، ت ٣: ((فى)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٧٤/٢٠ - ٢٧٦، ٥٤٢.
(٣) بعده فى م: (( أهل التأويل )).
(٤) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: (( و).
(٥) فى م: ((مضت)).
(٦) فى م: ((لست)). وينظر تفسير القرطبى ١٢٦/١٦
٦
سورة الدخان : الآيتان ٣ ، ٤
مضَتْ(١) مِن رمضانَ(٢).
حدّثنا ابنُ عبدِ الأعلی ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمر ، عن قتادةً فى قوله : ﴿فِی
لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾. قال: هى ليلةُ القدرِ() .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنََّ
أَنزَ لْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾. قال: تلك الليلةُ ليلةُ القدرِ ، أَنزَل اللَّهُ هذا
القرآنَ من أُمّ الكتابِ فى ليلةِ القَدرِ ، ثم أَنزَله على نبيّه (٤) فى الليالى والأيامِ ، وفى غيرِ
ليلة القدر .
١٠٨/٢٥
/ وقال آخرون : بل هى ليلةُ النصفِ من شعبانَ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك قولُ مَن قال: عُنِى بها ليلةُ القدرِ. لأَنّ اللَّهَ أخبَر
تعالى ذكره أن ذلك كذلك بقوله (١): ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ اَلْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
وقولُه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه): إنا كُنَّا مُنْذِرِين خَلْقَنا بهذا
الكتابِ الذى أنزلناه فى الليلةِ المباركةِ عقوبتنا أن تحُلُّ بمن كفَر منهم ، فلم يتبْ (" إلى
توحيدِنا وإفرادِ الأَلوهةِ لنا .
وقولُه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . اختلف أهلُ التأويلِ فى هذه الليلةِ التى
(١) فى الأصل: ((مضين)).
(٢) ذكره البيهقى فى الأسماء والصفات (٤٩٤) عن إبراهيم بن طهمان عن قتادة معلقًا ، وينظر ما تقدم
تخريجه فى ١٨٩/٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٠٥/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٦ إلى عبد بن
حمید .
(٤) فى النسخ: ((الأنبياء)). والمثبت موافق لما فى تفسير القرطبى .
(٥) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٢٦/١٦، وأبو حيان فى البحر المحيط ٣٢/٨.
(٦) فى م: (( لقوله)).
(٧ - ٧) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٨) فى م: ((ينب)).
٧
سورة الدخان : الآيتان ٣ ، ٤
يُفْرَقُ فيها كلَّ أمرٍ حكيم نحوَ اختلافهم فى الليلة المباركة، وذلك أن الهاء التى فى
قوله: ﴿فِيهَا﴾ . عائدةٌ على الليلةِ المباركةِ ؛ فقال بعضُهم: هى ليلةُ القدرِ ، يُقْضَى
فيها أمْرُ السنةِ كلِّها ؛ مَن يموتُ، ومَن يولدُ، ومن يُعزّ، ومن يُذْلَّ، وسائرُ أمورِ السنةِ.
ذکژُ مَن قال ذلك
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: أخبرنا ربيعةُ بنُ كُلْثوم، قال:
كنتُ عندَ الحسنِ فقال له رجلٌ: يا أبا سعيدٍ، ليلةُ القدرِ فى كلِّ رمضانَ هى؟ قال:
إِى واللّهِ ، إنها لفى كلِّ رمضانَ، وإنها لليلةٌ(١) يُفْرَقُ فيها كلَّ أمرٍ حكيم، فيها يَقْضِى
اللَّهُ كلَّ أجلٍ وأملٍ ورزقٍ إلى مثلها(٢).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلْثوم، قال: قال رجلٌ
للحسنٍ وأنا أسمَعُ: أرأَيتَ ليلةَ القدرِ ، أفى كلِّ رمضانَ هى؟ قال: نعم واللَّهِ الذى
لا إلهَ إلَّا هو، إنها لفى كلِّ رمضانَ، وإنها لليلةٌ يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيم، يَقْضِى اللَّهُ
كلَّ أجلٍ (وعملٍ) وخَلْقٍ ورزقٍ إلى مثلها .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ("ابن زيدٍ: حدَّثنىّ"
عبدُ الحميدِ بنُ سالمٍ، عن (٢)عمرَ مولى غُفْرةً)، قال: يقالُ: يُنْسَخُ لمَلَكِ الموتِ مَن
يموتُ ليلةَ القدرِ إلى مثلها، وذلك لأن اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ
مُبَرَّكَةٍ﴾. وقال: ﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: فتجدُ الرجلَ ينكِحُ
النساءَ، ويغرِسُ الغرسَ [٦٣/٤٤ظ] واسمُه فى الأمواتِ(٥) .
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الليلة التى)).
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٦/ ١٢٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد
ومحمد بن نصر.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عمرو مولى عفرة)). وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٢٠.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٦ إلى المصنف.
٨
سورة الدخان : الآيتان ٣، ٤
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ، عن سلمةً ، عن أبى
مالكِ فى قوله: ﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: أمرُ السنةِ إلى السنةِ ، ما كان
مِن خلقٍ أو رزقٍ أو أَجلٍ أو مصيبةٍ ، أو نحوِ هذا().
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ ، عن
هلالٍ بنٍ بِسَافٍ، قال: كان يقالُ: انْتَظِروا القضاءَ فى شهرِ رمضانَ (١) .
حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّباحِ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن محُصَينٍ، عن
سعدِ بنِ عُبيدةً، عن أبى عبد الرحمنِ فى قوله: ﴿ فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾.
قال: يُدَبَّرُ أمرُ السنةِ فى ليلة القدرِ(٤) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾. قال: فى ليلةِ القدرِ كلَّ أمرٍ يكونُ فى
السنةِ إلى السنةِ؛ إلَّا(١) الحياةَ والموتَ، يُقَدَّرُ فيها المعايشُ والمصائبُ كلُّها(٢).
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِی
لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾: ليلةِ القدرِ. ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: كنَّا نُحدَّثُ أنه يُفْرَقُ
١٠٩/٢٥
(١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٣٦٦٢) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٦، ٢٦
إلی عبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٦ إلى المصنف.
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت ٣: ((سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٩٠/١٠.
(٤) أخرجه البيهقى فى الشعب (٣٦٦٣) من طريق ابن فضيل به ، وهو فى تفسير مجاهد ص٥٩٧ من طريق
حصين به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦/٦ إلى عبد بن حميد ومحمد بن نصر.
(٥) سقط من النسخ. والمثبت من مصدرى التخريج .
(٦) تفسير مجاهد ص ٥٩٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٦ إلى سعيد وعبد بن حميد وابن المنذر.
٩
سورة الدخان : الآيتان ٣ ، ٤
فيها أمرُ السنةِ إلى السنةٍ(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هى ليلةٌ
القدرِ ، فيها يُقْضَى ما يكونُ مِن السنةِ إلى السنةِ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: سألتُ مجاهدًا فقلتُ :
أرأيتَ دعاء أحدِنا يقولُ : اللهم إن كان اسمی فی السعداءِ فائّته فيهم ، وإن كان فى
الأشقياءِ فامْحُه منهم واجعلْه فى السعداءِ . فقال: حسَنٌّ. ثم لقِيتُه بعدَ ذلك بحول
أو أكثرَ من ذلك، فسأَلْتُه عن هذا الدعاءِ، فقال: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ إِنَّا
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: يُقضَى فى ليلةِ القدرِ ما يكونُ
٣
كُنَّا مُنذِرِینَ
فى السنةِ من رزقٍ أو مصيبةٍ ، ثم يقدِّمُ ما يشاءُ، ويؤخِّرُ ما يشاءُ، فأما كتابُ السعادةِ
والشقاءِ فهو ثابتٌ لا يُغَيَّرُ.
وقال آخرون : بل هى ليلةُ النصفِ مِن شعبانَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّباحِ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا النَّضْرُ(٣) بنُ
إسماعيلَ البَجَلِىُّ، عن محمدِ بنِ سُوقةً، عن عكرمةَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ فِيهَا
يُقْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: فى ليلةِ النصفِ مِن شعبانَ ؛ يُتْرَمُ فيه أمرُ السنةِ ،
ويُنْسَخُ(٤) الأحياءُ مِن الأمواتِ، ويُكتَبُ الحاجُ فلا يُزادُ فيهم(٢)، ولا يُنْقَصُ منهم
(١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٣٦٦٥) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦/٦ إلى
عبد بن حميد ومحمد بن نصر .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٠٥/٢ عن معمر به .
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت ٣: ((الحسن)). ينظر تهذيب الكمال ٣٧٢/٢٩.
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: (( تنسخ)).
(٥) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((أحد)).
١٠
سورة الدخان : الآيتان ٣ ، ٤
۔۔(١)
أحدٌّ(١).
حدَّثنى عُبِيدُ بنُ آدمَ بنِ أبِى إِياسٍ، قال : ثنا أبى، قال : ثنا الليثُ، عن عُقَيلِ بنِ
خالدٍ ، عن ابنِ شهابٍ، عن عثمانَ بنِ محمدِ بنِ المغيرةِ بنِ الأُخْنَسِ، قال : قال
رسولُ اللّهِ عَهِ: «تُقْطَعُ الآجالُ مِن شعبانَ إلى شعبانَ، حتى إنَّ الرجلَ ليَتْكِحُ
ويُولَّدُ له وقد خرَج اسمُه فى المَوْتِى))(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ ، قال : ثنا عبدُ الواحدِ ، قال : ثنا
عثمانُ بنُ حکیم ، قال : ثنا سعیدُ بنُ جبیٍ ، قال : قال ابنُ عباسٍ : إن الرجلَ لیمشِی
فى الناسِ وقد رُفِع(٢) فى الأمواتِ. قال: ثم قرأ هذه الآيةَ: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ
فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: ثم قال: فيها يُفْرِقُ
◌ُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ
أمر الدنيا من السنةِ إلى السنةِ(٤).
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال : ذلك ليلةُ القدرِ. لما قد تقدَّم مِن
بيانِنا عن أنّ المعنِيِّ بقولِه: ﴿إِنََّ أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾. ليلةُ القدرِ . والهاءُ فى
قوله: ﴿فِيَهَا﴾ مِن ذكرِ الليلةِ المباركةِ.
وُنِى بقولِه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾: [٦٤/٤٤و] فى هذه الليلةِ المباركةِ
يُقْضَى ويُفْصَلُ كلُّ أمرٍ أَحكَمه اللَّهُ تعالى ذكرُه فى تلك السنةِ ، إلى مثلِها مِن السنةِ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٠٥/٢ من طريق محمد بن سوقة بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٦/٦ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه البيهقى فى الشعب (٣٨٣٩) من طريق الليث به .
(٣) فى مصادر التخريج: ((وقع)).
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد فى السنة (٨٨٧)، والحاكم ٤٤٨/٢، ٤٤٩، والبيهقى فى الشعب
(٣٦٦١) من طريق عثمان بن حكيم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
١١
سورة الدخان : الآيات ٤ - ٩
الأُخرى .
تِلْكَ ءَايَتُ
ووُضِع: ﴿حَكِيمٍ﴾ موضعَ مُحْكُم، كما قال: ﴿الَّّ
الْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ١، ٢]. يعنى: المحكم.
/ وقولُه: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: فى هذه ١١٠/٢٥
الليلةِ المباركةِ يُفْرِقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ ، أمرًا مِن عندنا .
واختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبٍ قوله: ﴿أَمْرًا﴾ ؛ فقال بعضُ نحوِّی
البصرةٍ(١) : نُصِب على معنى: إنا أَنزَلناه أمرًا ورحمةً ؛ على الحالِ . وقال بعضُ
نحويّى الكوفةِ(٢): نُصِب على معنى: يُفْرِقُ كلُّ أمرٍ فَرْقًا وأمرًا. قال: وكذلك
قولُه: ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكٌ﴾. قال: ويجوزُ أن تُنصبَ الرحمةُ بوقوع ﴿مُرْسِلِينَ
عليها، فجعَل الرحمةَ النبىَّ عَلَهِ .
وقولُه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إنا كنا مُرْسِلى رسولِنا
محمدٍ عَالِ إلى عبادِنا رحمةً مِن ربك يا محمدُ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
يقولُ : إن اللَّهَ تبارك وتعالى هو السميعُ لما يقولُ هؤلاء المشركون فيما أنزلنا من
كتابِنا، وأرسَلنا من رسُلِنا(٢) إليهم، وغير ذلك من مَنطقِهم ومَنطقٍ غيرِهم ، العليمُ بما
تَنطوى عليه ضمائرُهم، وغيرِ ذلك من أمورِهم وأمورٍ غيرِهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه : ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُنتُم
٧
بل
لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِىءَ وَيُمِنٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ
تُوقِنِينَ
(١) فى الأصل، ص، م، ت١: ((الكوفة)) وهو خطأ. والبصرى هو الأخفش. ينظر قوله فى تفسير القرطبى
١٢٨/١٦.
(٢) فى الأصل، ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((البصرة)) وهو خطأ. والكوفى هو الفراء. ينظر قوله فى معانى
القرآن ٣٩/٣ .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((رسولنا)).
١٢
سورة الدخان : الآيتان ٧، ٨
هُمْ فِ شَكٍ يَلْعَبُونَ
٩
اختلفتِ القرأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةٍ
المدينةِ والبصرةِ: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ) بالرفعُ على إتباع إعرابٍ ((الربِّ)) إعرابَ
﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. وقرأَتْه عامةُ قرأَةِ الكوفةِ وبعضُ المكثِين: ﴿ رَبِّ السَّمَوَتِ﴾
خفضًا)، ردًّا على ((الربِّ)) جلَّ جلالُه فى قوله: ﴿رَحْمَةُ مِّن رَّيِّكَ﴾.
والصوابُ من القول فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى،
فبأيّتِهِما قرَأَ القارئُّ فمصيبٌ .
ويعنى بقوله: ﴿ رَبِّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّ﴾. يقولُ تعالى ذكره:
الذى أنزَل هذا الكتابَ يا محمدُ عليك، وأرسَلك إلى هؤلاء المشركين رحمةٌ مِن
رَبِّك - مالكُ السماواتِ السبعِ(٣) والأرضِ وما بينَهما من الأشياءِ كلِّها.
وقولُه: ﴿إِن كُنتُم ◌ُوقِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم توقنون بحقيقةٍ ما
أخبَرْتُكم مِن أَنَّ ربَّكم ربُّ السماواتِ والأرضِ، فإن الذى أخبَرْتُكم من(٤) أن اللَّهَ(٥)
الذى هذه الصفاتُ صفاتُه، وأن هذا القرآنَ تنزيلُه، ومحمدًا عَلَه رسولُه - حقٌّ
يقينٌ، فأيقِنوا به، كما أيقَنتم بما توقنون به (١) مِن حقائقِ الأشياءِ غيرِه.
وقولُه: ﴿لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ لكم أيُّها الناسُ غيرَ ربِّ
السماواتِ والأرضِ وما بينَهما ، فلا تعبدوا غيرَه ؛ فإنه لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا
تنبغِى لشىءٍ سواه ، ﴿ يُحِي، وَيُمِيثٌ﴾. يقولُ: هو الذى يُخبى ما يشاءُ، ويُميتُ ما
(١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٢.
(٢) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى. المصدر السابق.
(٣) سقط من : ت٢، ت٣ .
(٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٥) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((هو)).
١٣
سورة الدخان : الآيات ٨ - ١٢
يشاءُ مما كان حيًّا .
وقولُه: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِّكُمُ الْأَوَِّينَ﴾. يقولُ: هو مالكُكم ومالكُ مَن
مضَى قبلَكم مِن آبائِكم الأوّلين . يقولُ : فهذا الذى هذه صفتُه هو الربُّ فاعبدوه
دونَ آلهتكم التى لا تقدِرُ على ضرِّ ولا نفعٍ.
/ وقولُه: ﴿ بَلْ هُمْ فِ شَكٍ يَلْعَبُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ما هم بموقنين ١١١/٢٥
بحقیقةٍ ما يقال لهم ويُخْبَرون مِن هذه الأخبارِ ، يعنى بذلك مشر کی قریش ،
[٦٤/٤٤ظ] ولكنهم فى شكُ منه، فهم يَلْهُون بشكُهم() فى الذى يُخْبَرون بهمِن ذلك .
يَغْشَى
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ
رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
النَّاسَُّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَرْتَقِبْ﴾: فانْتظِرْ يا محمدُ بهؤلاء المشركين من
قومِك الذين هم فى شكٌّ يَلْعِبُون. وإنما هو ((افتعَل))، من: رقَبْتُه: إذا انتظَرْتَه وحرَسْتَه.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَارْتَقِبْ﴾. أى:
(٢)
فانْتِظِرُ(٢) .
وقولُه: ﴿ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ . اختلف أهلُ التأويلِ فى هذا
اليومِ(٣) الذى أمر اللَّهُ نبيّه محمدًا عَ لى أن يرتقبَه، وأخبره أن السماءً تأتی فیه بدخانٍ
(١) فى الأصل: ((لشكهم)).
(٢) أخرجه عبد بن حميد - كما فى التغليق ٤ / ٣١٠، ٣١١ من طريق شيبان عن قتادة به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢٨/٦ إلى المصنف .
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
١٤
سورة الدخان : الآية ١٠
مبين ؛ أىُّ يومٍ هو؟ ومتى هو ؟ وفى معنى الدُّخانِ الذى ذُكر فى هذا الموضعِ؛ فقال
بعضُهم: ذلك حينَ دعا رسولُ اللَّهِ على قريشٍ ربَّه أن يأخذَهم بسنين كسِنى
يوسفَ، فأُخِذوا بالمجاعةِ . قالوا: وعُنِى بالدُّخانِ ما كان يُصيبُهم حينَئذٍ فى
أبصارِهم من شدَّةِ الجوعِ؛ مِن الظُلمةِ كهيئةِ الدُّخانِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی عیسی بن عثمان بن عیسی الّمْلُ ، قال : ثنا یحیی بنُ عیسی ، عن
الأعمشِ، عن مسلم، عن مسروقٍ، قال: دخَلْنا المسجدَ ، فإذا رجلٌ يقُصُّ على
أصحابِه ويقولُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾. تدرون ما ذلك الدُّخانُ ؟
ذلك دُخانٌ يأتى يومَ القيامةِ، فيأْخُذُ بأسماع المنافقين وأبصارِهم، ويأخُذُ
المؤمنين منه شِبهُ الزُّكام. قال: فَأَتَيْنا ابنَ مسعودٍ، فذكَوْنا ذلك له، وكان
مُضْطَجِعًا، ففزع فقعَد، فقال: إن اللَّهَ قال النبيِّكم: ﴿ قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ
أَجْرِ وَمَآ أَنَأْ مِنَ الْمُكَلِفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. إن مِن العلم أن يقولَ الرجلُ لما لا يعلَمُ: اللَّهُ
أعلمُ. سأحدِّثُكم عن ذلك؛ إن قريشًا لما أبطأَت عن الإسلام، واستعصَتْ على
رسولِ اللَّهِ، دعا عليهم بسنين كسِنى يوسفَ، فأصابهم من الجَهْدِ والجوعِ حتى
أكَلوا العظامَ والميتةَ، وجعَلوا يرفعون أبصارَهم إلى السماءِ ، فلا يَرَوْن إِلا الدُّخانَ ،
يَغْشَى النَّاسَّ هَذَا
قال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فقالوا: ﴿ رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾. قال اللَّهُ: ﴿ إِنَّا
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِّمُونَ ﴾
١٥
كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَبِدُونَ
[الدخان: ١٥، ١٦]. قال: فعادوا يومَ بدرٍ، فانتقَم اللَّهُ منهم (١).
(١) أخرجه الطيالسى (٢٩١، ٢٩٢)، والحميدى (١١٦)، وأحمد ١٧٩/٧ (٤١٠٤)، والبخارى
(٤٨٢٢ - ٤٨٢٣)، ومسلم (٤٠/٢٧٩٨)، والطحاوى فى مشكل الآثار (٩٦٣)، والطبرانى فى الكبير
(٩٠٤٦)، والبيهقى فى الدلائل ٣٢٤/٢، ٣٢٥، والبغوى فى تفسيره ٢٢٩/٧ من طريق الأعمش به.
١٥
سورة الدخان : الآية ١٠
/ حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ محمد الزهرىُّ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيرٍ، قال: ثنا ١١٢/٢٥
الأعمشُ، عن مسلم، عن مسروقٍ ، قال: كان فى المسجدِ رجلٌ يُذكِّرُ الناسَ.
فذكر نحوَ حديثٍ عيسى ، عن يحيى بن عيسى ، إلا أنه قال : فانتقم يومَ بدٍ ، وهی
البطشةُ الكبرى .
حدثنا ابنُ حمیدٍ وعمرُو بنُ عبدِ الحمیدِ ، قالا : ثنا جرير، عن منصورٍ ، عن أبی
الضَّحى مسلمٍ بنِ صُبَيْحِ، عن مسروقٍ ، قال: كنا عندَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ جلوسًا ،
وهو مُضْطَجعٌ بينَنا . قال: فأتاه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمنِ، إن قاصًّا عندَ أبوابٍ
كِتْدَةَ يقُصُّ، ويزعُم أن آيةَ الدُّخانِ تجىءُ فتأخذُ بأنفاسِ الكفارِ ، ويأخذُ المؤمنين منه
كهيئةِ الزُّكامِ. فقام عبدُ اللَّهِ وجلَس وهو غضبانُ، فقال: يا أيُّها الناسُ، اتقوا اللَّهَ،
فمن علِمِ شيئًا فليَقُلْ بما يعلَمُ ، ومَن لا يعلمُ فليقُل: اللَّهُ أعلمُ . وقال عمرٌو : فإنه أعلمُ
الأحدِكم أن يقولَ لما لا يعلمُ: اللَّهُ أعلمُ. وما على أحدٍ كم أن يقولَ لما لا يعلمُ: لا
أعلم . فإنّ اللَّهَ عزّ وجلّ يقولُ لنبيّه محمدٍ عَّهِ: ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَأْ مِنَ
الُْكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. إن النبيَّ عَ لِ لما رأى مِن الناسِ إدبارًا، قال: ((اللّهمّ سبعًا
كسبعٍ يوسفَ)). فأخذَتْهم سَنَةٌ حَصَّتْ(١) كلَّ شيءٍ، حتى أكلوا الجلودَ والميتةَ
والجِيَفَ، ينظُرُ أحدُهم إلى السماءِ فيرى دُخانًا من الجوع ، فأتاه أبو سفيانَ بنُ حربٍ ،
فقال: يا محمدُ ، إِنك جئتَ تأمُرُنا بالطاعةِ وبصلةِ الرَّحِم، وإنّ قومَك قد هلكوا ،
فادُ اللَّهَ لهم. قال اللّهُ عزّ وجلّ: ﴿فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ . إلى
قوله: ﴿ إِنَّكُمْ عَابِدُونَ﴾. قال: فكْشِف عنهم، ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا
مُتَقِمُونَ﴾: فالبَطْشةُ يوم بدرٍ، وقد مضَت آيةُ الرومِ، وآيةُ الدُّخانِ، والبَطْشةُ،
* بعده خرم فى نسخة خزانة القرويين ، وينتهى فى ص ٧٠ .
(١) حصّت: أُذهبت . اللسان (ح ص ص).
١٦
سورة الدخان : الآية ١٠
واللّزامُ(١).
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن مسلم، عن
مسروقٍ ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: خمسٌ قد مَضَين؛ الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبطشةُ،
والقمر، والرومُ(٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصم، قال: شهِدتُ
جِنازةً فيها زيدُ بنُ علىٍّ، فأنشأ يُحدِّثُ يومَئذٍ فقال: إن الدُّخانَ يجىءُ قبلَ يومٍ
القيامةِ ، فيأْخُذُ بأَنْفِ المؤمنِ الزُّكامُ، ويأخذُ بمسامع الكافرِ. قال: قلتُ : رحِمك
اللَّهُ ، إِن صاحبَنا عبدَ اللَّهِ قد قال غيرَ هذا، قال: إن الدُّخانَ قد مضى. وقرأ هذه
يَغْشَى النَّاسَِّ هَذَا عَذَابٌ
الآيةَ : ﴿ فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُچِينٍ
أَلِيمٌ﴾. قال : أصاب الناسَ جَهْدٌ ، حتى جعَل الرجلُ يَرى ما بينَه وبينَ السماءِ
دخانًا ، فذلك قوله: ﴿فَرْتَقِبْ﴾. وكذا قرَأ عبدُ اللَّهِ إلى قوله: ﴿ مُؤْمِنُونَ﴾ .
قال: ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًاْ إِنَّكُمْ عَيِدُونَ ﴾ [الدخان: ١٥]. قلتُ لزيدٍ: فعادوا ،
فأعاد اللَّهُ عليهم بدرًا، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]. فذلك يومَ
بدرٍ. قال : فقيلَ واللَّهِ، قال عاصمٌ، فقال رجلٌ يردُّ عليه، فقال زيدٌ رحمةُ اللَّهِ
عليه: أَمَا إِنّ رسولَ اللَّهِ مِ له قد قال: ((إنكم سَيَجِيئُكم رُواةٌ، فما وافَقِ القُرآنَ
فخُذُوا به، وما كان غيرَ ذلك فَدَعُوهِ))(١) .
(١) أخرجه البخارى (١٠٠٧)، ومسلم (٣٩/٢٧٩٨)، وأبو يعلى (٥١٤٥) من طريق جرير به ، وأخرجه
عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٢٠٥، وأحمد ٢٥٧/٧ (٤٢٠٦)، والبخارى (٤٨٢٤)، والترمذى (٣٢٥٤)،
وابن حبان (٦٥٨٥)، والطبرانى فى الكبير (٩٠٤٨)، وأبو نعيم فى الدلائل (٣٦٩)، والبيهقى فى الدلائل
٣٢٦/٢، والبغوى فى تفسيره ٢٢٩/٧ من طريق منصور به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨/٦ إلى
سعید بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٢) تقدم تخريجه فى ٥٣٨/١٧ .
(٣) آخره المرفوع أخرجه الدار قطنى فى السنن ٤ / ٢٠٨، ٢٠٩ من طريق أبى بكر بن عياش، وقال: الصواب =
2
١٧
سورة الدخان : الآية ١٠
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا داودُ ، عن عامٍ ، عن ابنٍ
مسعودٍ أنه قال : البَطْشةُ الكبرى يومَ بدرٍ، وقد مضَى الدُّخانُ(١) .
/ حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن عوفٍ، قال: سمِعتُ أبا العاليةِ ١١٣/٢٥
يقولُ : إنّ الدُّخانَ قد مضَى(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن عمرٍو، عن مغيرةً ، عن إبراهيمَ ، قال :
مضَى الدُّخانُ لسنينَ أصابتهم(١) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال : ثنا ابنُ عليةً، قال : ثنا أيوبُ ، عن محمدٍ ،
قال: نُبْعتُ أنّ ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: قد مضَى الدُّخانُ، كان سنینَ کسِنی
(٣)
يوسفَ(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾. قال: الجَدْبُ وإمساكُ المطرِ عن كفارٍ
قريشٍ. إلى قوله: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَآءُ
بِلُخَانٍ مُّبِينٍ﴾. قال: كان ابنُ مسعودٍ يقولُ: قد مضَى الدُّخانُ، وكان سنينَ
= عن عاصم عن زيد عن على بن الحسين مرسلاً عن النبى معَةٍ .
(١) تقدم مطولًا من طريق آخر عن ابن مسعود ص ١٤.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٢٣٣.
(٤) تفسير مجاهد ٥٩٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور - كما فى المخطوطة الأحمدية ص٣٧٧ - إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
( تفسير الطبرى ٢/٢١ )
١٨
سورة الدخان : الآية ١٠
كيسِنى يوسفَ، ﴿يَخْشَى النَّاسِّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
حدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾: قد مضَى شأنُ
(١)
الدُّخانِ(١) .
حدَّثنا ابنُّ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ :
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال : يومَ بدٍ (١).
وقال آخرون: الدُّخانُ آيةٌ مِن آياتِ اللَّهِ ، مرسلةٌ على عبادِه قبلَ مجىءِ الساعةِ ،
فيدخُلُ فى أسماع أهلِ الكفرِ به، ويعترِى أهلَ الإيمانِ به [٧٩٧/٢ظ] كهيئةِ الزُّكامِ .
قالوا : ولم يأتِ بعدُ، وهو آتٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى واصلُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن الوليدِ بنِ لجميعٍ، عن
عبدِ الملكِ بنِ المغيرةِ ، عن عبد الرحمن بن البيلمانىّ()، عن ابنِ عمرَ، قال: يخرجُ
الدُّخانُ، فيأخذُ المؤمنَ كهيئةِ الزَّكْمةِ(٤)، ويدخُلُ فى مسامع الكافر والمنافقِ حتى
يكونَ كالرأْسِ الحَنِيدِ(٥) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عليةً، عن ابنٍ جريج، عن عبدِ اللهِ بنِ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٢٣٣.
(٢) تقدم تخريجه ١٧/ ٥٤٠.
(٣) فى م: ((البيلمان))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((السليمانى)).
(٤) فى ت٢، وتفسير ابن كثير: ((الزكام )).
(٥) عزاه ابن كثير فى تفسيره ٢٣٥/٧ إلى المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٦ إلى المصنف.
١٩
سورة الدخان : الآية ١٠
أبى مُليكةً، قال: غدوتُ على ابنِ عباسٍ ذاتَ يومٍ، فقال: ما نمتُ الليلةَ حتى
أصبحتُ . قلتُ : لِمَ ؟ قال: قالوا: طلَع الكوكبُ ذو الذَّنَبِ، فخشِيتُ أن يكونَ
الدُّخانُ قد طَرَق ، فما نمتُ حتى أصبحتُ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُّ بَزيع، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضّلِ، عن عوفٍ ، قال: قال
الحسنُ : إنّ الدُّخانَ قد بَقِى مِن الآياتِ ، فإذا جاء الدُّخانُ نَفَخ الكافرَ حتى يَخْرُجَ مِن
كلِّ سمعٍ مِن مسامعه، ويأخذُ المؤمنَ كرَكْمةٍ(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ، يعنى ابنَ الهيثم ، قال: ثنا عوفٌ، عن
الحسنِ بنحوِه .
حدَّثنا بشرّ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن أبى
سعيدٍ، قال: يَهِيجُ الدُّخانُ بالناسِ ؛ فأمّا المؤمنُ فيأخذُه منه كهيئةِ الرَّكْمةِ، وأما
الكافرُ فِيَهِيجُه حتى يخرُجَ من كلٌّ مِسْمَع منه . قال: وكان بعضُ أهلِ العلم يقولُ :
فما مَثَلُ الأرضِ يومَئذٍ إلا كمَثَلٍ بيتٍ أُوقِد فيه ليس فيه خَصاصةٌ (١).
/ حدَّثنى عصامُ بنُ رَوَّادِ بنِ الجرّاحِ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ ١١٤/٢٥
الثورىُّ، قال : ثنا منصورُ بنُّ المعتمرِ، عن رِبْعِىٌّ بنِ حِراشٍ، قال: سمِعتُ حُذيفةَ بنَ
اليمانِ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ بِّ ◌ِهِ: ((أوّلُ الآياتِ الدَّجَالُ، ونُزُولُ عيسى ابن مريمَ،
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٠٦/٢، والحاكم ٤٥٩/٤ من طريق ابن جريج به ، وأخرجه ابن أبى
حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٢٣٥/٧ - من طريق ابن أبى مليكة به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) الخصاصة : الفرجة أو الخلل. اللسان (خ ص ص).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٢٣٤/٧ - من طريق الحسن به مرفوعًا، وعزاه
السیوطی فی الدر المنثور ٢٩/٦ إلی عبد بن حميد .
٢٠
سورة الدخان : الآية ١٠
ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنٍ أَنْيَنَ، تَشْوقُ الناسَ إِلى المَحْشَرِ، تَقِيلُ معهم إذا قالوا،
والدُّخانُ)). قال حذيفةُ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الدُّخانُ؟ فتلا رسولُ اللَّهِ عَجِ
يَخْشَى النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ
الآيةَ: ((﴿ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ
أَلِيمٌ﴾ - يملأ ما بينَ المشرق والمغربِ، يَمكّثُ أربعينَ يومًا وليلةً؛ أما المؤمنُ
فيُصِيبُه منه كهيئةِ الزُّكام، وأما الكافرُ كمنزلةِ السَّكرانِ يخرُجُ مِن مَنْخَرَيْه وَأَذُنَتْه
(١)
ودُثُرِه))(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عوفٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ إسماعيل بن عياشٍ، قال: ثنی
أبى، قال: ثنى ضَعْضَمُ بِنُ زُرْعةً، عن شريحِ بنِ عُبيدٍ، عن أبى مالكِ الأشعرىِّ،
قال: قال رسولُ اللَّهِ عَّهِ: ((إنّ ربَّكم أَنْذَركم ثلاثًا؛ الدُّخانُ يأخذُ المؤمنَ
كالزَّكْمَةِ ، ويأخذُ الكافرَ فيَنْتَفِخُ حتى يخرُجَ مِن كلِّ مِسْمَعٍ منه، والثانيةُ الدَّابَّةُ ،
والثالثةُ الدَّجَالُ))(٢).
وأولى القولين بالصوابِ فى ذلك ما رُوى عن ابنِ مسعودٍ، من أنَّ الدُّخانَ الذى
أمر اللّهُ نبيَّه ◌َ المِ أن يرتقِبّه، هو ما أصاب قومَه من الجَهْدِ بدعائِه علیھم، على ما
وصَفه ابنُ مسعودٍ مِن ذلك، إن لم يكنْ خبرُ حذيفةً الذى ذكرناه عنه عن
رسولِ اللَّهِ مَّهِ صحيحًا، وإن كان صحيحًا، فرسولُ اللَّهِ مَِّّهِ أعلم بما أنزل اللَّهُ
عليه ، وليس لأحدٍ مع قولِهِ الذى يَصِحُ عنه قولٌ .
وإنما لم أشهدْ له بالصِّحةِ ؛ لأن محمدَ بنَ خلفٍ العسقلانيَّ حدَّثنى أنه سأل
روّادًا عن هذا الحديثِ، هل سمعه من سفيانَ؟ فقال له: لا. فقلتُ له: فقرأْتَه
(١) أخرجه البغوى فى تفسيره ٢٣٠/٧ من طريق المصنف به، وتقدم أوله ٣٩٧/١٦، ٣٩٨.
(٢) أخرجه الطبرانى (٣٤٤٠)، وفى مسند الشاميين ٤٤٢/٢ من طريق محمد بن إسماعيل به.