النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١
سورة الزخرف : الآية ١٥
للملائكة : هم بناتُ اللَّهِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
[٤٢/٤٤ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾. قال: ولدًا، وبناتٍ مِن الملائكةِ(١).
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ
مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾ . قال : البناتِ .
وقال آخرون : عُنى بالجُزْءِ فى هذا الموضع : العِدْلُ.
/ذكرُ مَن قال ذلك
٥٦/٢٥
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ
عِبَادِهِ، جُزْءًّاً﴾. أى: عِدْلًا(٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قولِه :
﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾. أى: عِدْلًاً(٣).
وإنما اختَرْنا القولَ الذى اخترناه فى تأويل ذلك ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أَتْبع ذلك
(١) تفسير مجاهد ص ٥٩٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد (١٢٤) من طريق يزيد به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٥/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
( تفسير الطبرى ٣٦/٢٠ )
٥٦٢
سورة الزخرف : الآيات ١٥ - ١٧
قولَه: ﴿أَمِ أَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَئِكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. توبيخًا لهم على قولهم
ذلك ، فكان معلومًا أن توبيخَه إياهم بذلك إنما هو عمَّا أخبَر عنهم من قيلِهم ما قالوا
فى إضافةِ البناتِ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
وقولُه: ﴿إِنَّ الْإِنِسَنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الإنسانَ
لذو جَحْدٍ لنعَمِ ربِّه التى أَنعَمها عليه ، ﴿ مُّبِينٌ﴾. يقولُ : تَبِینُ کفرانُه نِعمَه علیه لمن
تأمَّله بفکرٍ قلبه، وتدبُرِ حالِه .
وقولُه : ﴿أَمِ أَتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه مُوَبِّخًا هؤلاء
المشركين الذين وصفوه بأن الملائكةَ بناتُه : أنَّخذ ربُّكم أيُّها الجاهلون مما يخلُقُ
بناتٍ ، وأنتم لا تَرضَونهن لأُنفسِكم؟ ﴿ وَأَصْفَنَكُمْ بِلْبَنِينَ﴾. يقولُ: وأخلَصكم
بالبنینَ، فجعلهم لكم ؟
﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: وإذا
بُشِّر أحدُ(١) هؤلاء الجاعلين للَّهِ من عبادِه ◌ُزءًا، ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.
يقولُ : بما مثَّل للَّهِ، فشبَّههُ شَبَهًا، وذلك ما وصَفه به مِن أن له بناتٍ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾. قال: ولدًا (٢) .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِمَا ضَرَبَ
لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: بما جعَل للَّهِ.
(١) بعده فى م: ((المشركين)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٢ بلفظ: ((البنات))، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن
المنذر .
٥٦٣
سورة الزخرف : الآيتان ١٧ - ١٨
وقولُه: ﴿ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ظلَّ وجهُ هذا الذى بُشِّر
بما ضَرَب للرحمنِ مثلًا مِن البناتِ، مُشْودًّا مِن سوءِ ما بُشِّر به، ﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ﴾
يقولُ: وهو خَزینٌ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ
كَظِيمٌ﴾. يقولُ: وهو حزينٌ(١).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَوَمَن يُنَشَؤُاْ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِىِ الْخِصَامِ غَيْرُ
مُبِينٍ
١٨
يقولُ تعالى ذكره: أوَ مَن يُنَتُ (٢ ويرتَّى٢) فى الحِلْيةِ ويُزِيَّنُ بها ، ﴿ وَهُوَ فی
اَلْخِصَامِ﴾. يقولُ: وهو فى مخاصمةٍ مَن خاصَمه عندَ الخصام غير مبينٍ مَن(١)
خَصَمه بيرهانٍ وحجةٍ ، لعجْزِه وضعْفِه، جعَلتموه جُزْءًا للَّهِ مِن خلْقِه، وزعمتم أنه
نصيئه منهم ؟! وفى الكلام متروكٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ذُكِر منه، وهو ما ذكرتُ .
/واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىّ بقوله: ﴿أَوَمَن يُنَشَؤُا فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٥٧/٢٥
اَلْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الجوارى والنساءُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿أَوَمَن يُنَشَؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِ الْخِصَامِ غَيْرُ
مُبِينٍ﴾. قال: يعنى المرأةَ(٤).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) فى ص، م: ((ومن)).
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ٧١/١٦ بنحوه .
٥٦٤
سورة الزخرف : الآية ١٨
حدَّثنا محمدُ بنُّ بشارٍ، [٤٣/٤٤ و] قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن
علقمةً بنٍ مَرْثَدٍ، عن مجاهدٍ ، قال: رُخِّص للنساءِ فى الحريرِ والذهبِ. وقرَأ:
﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُّا فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِ اَلْخِصَاِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ أَوَمَن يُنَشَؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ﴾. قال: الجوارى، جعلتُموهنَّ للرحمنِ
ولدًا، کیف تحكمون(٢)؟!
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَوَمَن يُنَشَؤُأ
فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ﴾. قال: الجوارى، يُسفِّهُهُنَّ بذلك، ﴿غَيْرُ
مُبِينٍ﴾ . بضعفِهنَّ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً :
﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ﴾. يقولُ: جعَلوا له البناتِ، وهم إذا بُشِّر أحدُهم
بهنَّ ("وَلَّى على٢ وجهِه مُشودًا وهو كظيم. قال: وأما قولُه: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ
مُّبِينٍ﴾. يقولُ: قَلَّما تتكلمُ امرأةٌ فتريدُ أن تتكلمَ بحجَّتِها إلا تكلَّمتْ بالحجَّةِ
(٤)
عليها(٤).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿أَوَمَن
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٩٤/٨ من طريق سفيان به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٩٣، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣٠٦/٤ - وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٥/٦ إلى عبد بن حميد .
(٣ - ٣) فى م: ((ظل)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٥/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٦ إلى عبد بن
حمید .
٥٦٥
سورة الزخرف : الآية ١٨
يُنَشَّؤُأ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِ اَلْخِصَارِ غَيْرٌ مُبِينٍ﴾. قال: النساءُ .
وقال آخرون: عُنِى بذلك أوثانُهم التى كانوا يعبدونها مِن دونِ اللَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَوَمَن
يُنَشَؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِ الْخِصَامِ غَيْرٌ مُّبِينٍ﴾. قال: هذه تماثيلُهم التى يضْرِبونها مِن
فضةٍ وذهبٍ يعبدونها، هم الذين أنشئوها، ضرَبوها من تلك الحلية ثم عبَدوها ،
﴿وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُّبِينٍ﴾. قال: لا يتكلَّمُ. وقرَأ: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ
تُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] .
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به الجوارى والنساءُ. لأن
ذلك عَقيبَ خبرِ اللَّهِ عن إضافةِ المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم مِن البناتِ ، وقلَّةِ
معرفتهم بحقٌّه، ونحلتِهم (١٢) إياه من الصفاتِ والنّحَلِ(١)، وهو خالقُهم ومالكُهم
ورازقُهم، والمنعمُ عليهم النعمَ التى عدَّدها فى أوَّلِ هذه السورةِ - ما لا يرضَونه
لأنفسِهم ؛ فإِنْباُ ذلك مِن الكلام ما كان نظيرًا له ، أشبهُ وأولى مِن إتباعِه ما لم يَجْرِ
له ذ کرٌ .
واختلَفتِ القرأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُّا فِى الْحِلْيَةِ﴾؛ فقرَأتْه عامةُ
قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ / المكيّين والكوفيّين: (أوَ مَنْ يَنْشَأ). بفتح الياءِ ٥٨/٢٥
و
والتخفيفِ(٤)، من: نشَأ ينشَأُ. وقرأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ يُنَشَّؤَا﴾. بضمُّ الياءِ
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ١٨٧/٩ مختصرًا .
(٢) فى م، ت١: ((تحليتهم))، وفى ت٢، ت٣: ((تحليهم))، وغير منقوطة فى ص.
(٣) فى م: (( البخل)).
(٤) هى قراءة ابن كثير، ونافع، وعاصم فى رواية أبى بكر، وأبى عمرو، وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٥٨٤ .
٥٦٦
سورة الزخرف : الآيتان ١٨، ١٩
وتشديدِ الشينِ(١) ، من: نَشَّأَتُه فهو يُنشَّأُ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندنا أن يقالَ: إِنهما قراءتان معروفتان فى قرأَةٍ
الأمصارٍ، متقاربتا المعنى؛ لأن المُنَشَّأُ مِن [٤٣/٤٤] الإنشاءِ ناشئ، والناشئُ
مُنْشَأْ، فبأيَّتِهما قرَأُ القارئُ فمصيبٌ. وقد ذُكر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ : (أُوْ مَنْ لا
◌ُتَشَّأُ إلَّ فِى الْحِلْيَّةِ)(٢).
وفى ﴿ مَنْ﴾ وجوةٌ مِن الإعرابِ؛ الرفعُ على الاستئنافِ به، والنصبُ على
إضمارِ ((يجعلون))؛ كأنه قيل: أو مَن يُنشَّأَ فى الحليةِ يُجعَلون بناتِ اللَّهِ؟ وقد يجوزُ
النصبُ فيه أيضًا على الردّ على قولِه: ﴿أَمِ أَتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ ﴿أَوَمَن
يُنَشَؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ﴾. فيُردُّ ﴿مَن﴾ على البناتِ، والخفضُ على الردّ على ((ما))
التى فى قوله: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ الْمَلَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَانًا
أَشَهِدُوا(٢) خَلْقَهُمَّ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ
١٩
يقولُ تعالى ذكره: وجعَل هؤلاء المشركون باللّهِ ملائكته الذين هم عباد الرحمنِ .
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ : (الَّذِينَ هُمْ عنْدَ
الرَّحْمَنِ)(٤) بالنونِ، وكأنهم تأوَّلوا فى ذلك قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ
رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. فتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: وجعَلوا
ملائكةَ اللَّهِ الذين هم عندَه ويسبّحونه ويقدِّسونه إناثًا، فقالوا: هم بناتُ اللَّهِ. جهلًا
(١) هى قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم . المصدر السابق.
(٢) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٥.
(٣) فى الأصل: ((آآشهدوا)). وهى قراءة كما سيأتى.
(٤) هى قراءة نافع وابن عامر وابن كثير. ينظر الحجة ص ٦٤٧.
٥٦٧
سورة الزخرف : الآية ١٩
منهم بحقِّ اللَّهِ ، وجرأةً منهم على قيلِ الكذبِ والباطلِ . وقرَأ ذلك عامةُ قرأَةِ الكوفةِ
والبصرةِ: ﴿ وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنًا﴾. بمعنى: جمعُ عَبْدٍ .
فمعنى الكلام على قراءةِ هؤلاء: وجعَلوا ملائكةَ اللَّهِ الذين هم خَلْقُه وعبادُه ، بناتِ
اللَّهِ ، فأنَّثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناثٌ .
والصوابُ مِن القول فى ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان فى قرأة الأمصارِ ،
صحيحتا المعنى ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ ، وذلك أن الملائكةَ عبادُ اللَّهِ وعندَه .
واختلفوا أيضًا فى قراءةِ قولِهِ: ﴿ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾؛ فقرَأُ ذلك بعضُ قرأَةٍ
المدينةِ : (أَشْهِدُوا (١) خَلْقَهُمْ)؟ بضمّ الألفِ، على وجهِ ما لم يسمَّ فاعلُه، بمعنى :
أَأَشْهَد اللَّهُ هؤلاء المشركين الجاعلين ملائكةَ اللَّهِ إِناثًا خَلْقَ ملائكتِه الذين هم عندَه،
فعلِموا ما هم وأنهم إناث ، فوصفوهم بذلك لعلمهم بهم ، وبرؤیتهم إياهم ؟! ثم رُدَّ
ذلك إلى ما لم يُسمَّ فاعلُه، وقرأه بعدُ عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفة والبصرةِ :
﴿أَشَهِدُواْ خَلَقَهُمَّ﴾(٢). بفتحِ الألفِ، بمعنى: أَشَهِدوا هم ذلك فعلِموه؟
والصوابُ مِن القولٍ فى ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان ، فبأيَّتِهما قرَأ
القارئُ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَدَتُهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره : ستُكْتَبُ شهادةُ هؤلاء
القائلين: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ - فى الدنيا، بما شهِدوا به عليهم، ويُسْتَلون عن
شهادتهم تلك فى الآخرة ، أن يأتوا ببرهانٍ على حقيقتها، ولن [٤٤/٤٤ و] يجدوا إلى
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((أشهدوا)). وقرأ نافع وأبو جعفر بهمزتين؛ الأولى مفتوحة والثانية
مضمومة مسهلة . ينظر حجة القراءات ص ٦٤٧، ٦٤٨، والنشر ٢٧٦/٢ .
(٢ - ٢) فى ص، ت ٢، ت٣: ((وقرأه))، وفى م، ت١: ((وقرئ)). وهى قراءة ابن كثير وعاصم وابن عامر
وأبى عمرو وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف . ينظر المصادر السابقة .
٥٦٨
سورة الزخرف : الآيات ١٩ - ٢١
ذلك سبيلاً.
٥٩/٢٥
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُواْلَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ مَّا لَّهُم بِذَالِكَ
أَمَّ ءَنّيْنَهُمْ ككِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ،
مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَا يَخْصُونَ
٢١
مُسْتَمْسِكُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون مِن قريش : لو شاء الرحمنُ ما عبَدنا
أوثانَنا التى نعبدُها من دونِهِ ، وإنما لم تَحِلَّ بنا منه عقوبةٌ على عبادتِنا إياها ، لرضاه منا
بعبادتناها .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثناعيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ﴾: للأوثانِ، يقولُ اللَّهُ: ﴿مَّا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ
عِلْمٍ ﴾ (١).
(٢
وقولُه: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلِيمٌ﴾). يقولُ: ما لهم مِن علم بحقيقةٍ ما
يقولون مِن ذلك، وإنما يقولونه تخرُصًا وتكذُّبًا؛ لأنهم لا خبرَ عندَهم منى بذلك ولا
بُرْهانَ ، وإنما يقولونه ظنًّا وحُسْبانًا. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: ما هم إلا
متخرّصون هذا القولَ الذى قالوه، وذلك قولُهم: ﴿لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ﴾ .
وكان مجاهدٌ يقولُ فى تأويلِ ذلك، ما حدَّثنی به محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا
أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ،
(١) تفسير مجاهد ص ٥٩٣، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣٠٦/٤ -، والبيهقى فى الأسماء
والصفات (٣٧٨)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢ - ٢) سقط من: م.
٥٦٩
سورة الزخرف : الآيات ٢٠ - ٢٢
جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: ما يعلَمون
قُدرةَ اللَّهِ على ذلك(١) .
وقولُه: ﴿أَمّ ◌َانَيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، ﴾. يقولُ تعالى ذكره: آآ تَينا (٢) هؤلاء
المتخرّصين القائلين: لو شاء الرحمنُ ما عبَدنا الآلهةَ - " كتابًا بحقيقة" ما يقولون من
ذلك ، من قبلٍ هذا القرآنِ الذى أنزلناه إليك يا محمدُ، ﴿فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ﴾؟
يقولُ : فَهُم بذلك الكتابِ الذى جاءهم مِن عندى مِن قبلِ هذا القرآنِ
مستمسكون ؛ يعملون به، ويَدینون بما فيه، ويحتُون به عليك ؟
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَ نَا عَلَىَّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَّ
ءَاثَّرِهِم ◌ُهْتَدُونَ
٢٢
٠
يقولُ تعالى ذكره: ما آتينا هؤلاء القائلين: لو شاء الرحمنُ ما عبَدْنا هؤلاء
الأوثانَ، بالأمرِ بعبادتِها - كتابًا مِن عندِنا، ولكنهم قالوا: وجَدْنا آباءَنا الذين
كانوا قبلَنا يعبدونها، فنحن نعبدُها كما كانوا يعبدونها .
وعَنى جلَّ وعزَّ بقولِه: ﴿ بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَنَا عَلَّ أُمَّتٍ﴾: بل وجَدنا
آباءَنا على دينٍ وملةٍ ، وذلك هو عبادتُهم الأوثانَ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) تفسير مجاهد ص ٥٩٣، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣٠٦/٤ -، والبيهقى فى
الأسماء والصفات (٣٧٨)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٢) فى م: ((ما آتينا)).
(٣ - ٣) فى ت ٢، ت ٣: ((فإما تحقيقه)).
٥٧٠
سورة الزخرف : الآية ٢٢
٦٠/٢٥
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿عَلَىَّ أُمٍَّ﴾. قال: مِلّةٍ(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ﴾. يقولُ: وجدنا آباءنا
(٢)
علی دینٍ().
(٣ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا
ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّتٍ﴾ . قال: قد قال ذلك مشر كو قريشٍ؛ قالوا: إنا وجدنا آباءنا على
٣)
دین
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ عن السدىِّ قوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا
ءَابَنَا عَلَى أُمٍَّ﴾. قال: على دينٍ(٤) .
واختلفتِ القراةُ فى قراءةِ قولِهِ: ﴿ عَلَّىَّ أُمَّتٍ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ الأمصارِ
عَلَىَّ أُمَّتٍ﴾ بضمُ الألفِ ، بالمعنى الذى وصفتُ ، مِن الدينِ والملةِ والسنةِ .
وذُكر [٤٤/٤٤ظ] عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ومجاهدٍ أنهما قرآه ( علی إِمَّةٍ ) بکسرٍ
(٥)
الألفِ(٥).
(١) تفسير مجاهد ص ٥٩٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٦ إلى المصنف.
(٣ - ٣) سقط من: ت ١. والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) ذكره الحافظ فى الفتح ٨/ ٥٦٦.
(٥) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٦.
٥٧١
سورة الزخرف : الآية ٢٢
وقد اختُلف فى معناها إذا كُسِرتْ ألفُها؛ فكان بعضُهم (١) يوجه تأويلَها إذا
كُبِرتْ ، إلى (٢) أنها الطريقةُ ، وأنها مصدرٌ من قولِ القائلِ: أَمْتُ القومَ فأنا أَؤْمُّهم
إمّةً . وذُكر عن العربِ سماعًا: ما أحسنَ عِمَّتَه وإِمَّتَه وجِلْستَه . إذا كان مصدرًا ،
ووجَّهه بعضُهم إذا كُسِرتْ ألفُها إلى أنها الإمَّةُ التى بمعنى النعيم والمُكِ، كما قال
عَدِیُ بنُ زیدٍ(٢) :
ثُمَّ بَعْدَ الفَلَاحِ وَالمُلْكِ والإِمَّـةِ وَارَتْهُمُ هُناكَ القُبورُ
وقال(٤) : أراد إمامةَ المُكِ ونعيمَه .
وقال بعضُهم: الأُمَّةُ بالضمّ والإِمَّةُ بالكشرِ بمعنَّى واحدٍ .
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك، الذى لا أستجيزُ غيرَه، الضُّ فى الألفِ ؛
الإجماعِ الحجّةِ من قرأةِ الأمصارِ عليه. وأما الذين كسَروها فإنى لا أُرَاهم قَصَدوا
بكسرِها إلا معنَى الطريقةِ والمنهاجِ، على ما ذكرنا قبلُ، لا النعمةَ والملكَ ؛ لأنه لا
وجهَ لأن يقالَ: إنا وجدنا آباءنا على نعمةٍ ، ونحن لهم مُتَبعون فى ذلك؛ لأن الاتباعَ
إنما يكونُ فى المللِ والأديانِ وما أشبه ذلك ، لا فى المُكِ والنعمةِ؛ لأن الاتِّبَاعَ فى
المُكِ ليس بالأمرِ الذى يصِلُ إليه كلُّ مَن أراده.
وقولُه: ﴿ وَإِنَّا عَلَىَّ ءَاثَرِهِم ◌ُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: وإنا على آثارٍ آبائِنا فيما كانوا
عليه من دينهم مهْتدون . يعنى : لهم مُتَّبعون على منهاجِهم .
(١) الفراء فى معانى القرآن ٣٠/٣.
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((على)).
(٣) البيت فى الأغانى ١٣٩/٢، ومعانى القرآن للفراء ٣٠/٣، ولسان العرب (أم م).
(٤) هو الفراء. ينظر معانى القرآن الموضع السابق.
٥٧٢
سورة الزخرف : الآيتان ٢٢، ٢٣
كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِنَّا عَلَىَّ ءَاثَرِهِم ◌ُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: ونحن على
دينهم .
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّا عَلَىَ ءَاثَرِهِم
◌ُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: وإنا مُتَبعوهم على ذلك(١).
٦١/٢٥
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا
(٢٣
قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَآَنَا عَلَىَ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَّ ◌َاثَِهِم ◌ُقْتَدُونَ
يقولُ جلَّ وعزَّ: وهكذا كما فعَل هؤلاء المشركون مِن قريشٍ، فعلَ مَن قبلَهم
مِن أهلِ الكفرِ باللَّهِ ، وقالوا مثلَ قولِهم ، لم نُرسلْ مِن قبلِك يا محمدُ ﴿فِ قَرْيَةٍ﴾ .
يعنى : إلى أهلِها - "﴿مِّنِ نَّذِيرٍ﴾ ينذرُهم عقابَنا على كفرِهم بنا، فأنْذَروهم
وحذّروهم سُخطَنا، وحلولَ عقوبِتِنا بهم ، ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا ﴾، وهم رؤساؤهم
و کبراؤهم .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن
قتادةَ فى قولِهِ: ﴿إِلَّا قَالَ مُتَفُوهَا﴾. قال : رؤساؤهم وأشرافُهم(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَكَذَلِكَ مَآ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ : قاداتُهم ورءوسُهم فى
(٤)
الشركِ (٤).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: ((رسلا)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٥/٢ عن معمر به .
(٤) تقدم فى ٢٩٣/١٩.
٥٧٣
سورة الزخرف : الآيتان ٢٣، ٢٤
وقولُه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾. يقولُ: قالوا: إنا وجدنا آباءنا على مَّةٍ
ودينٍ، ﴿ وَإِنَّا عَلَىَّ ءَاثَرِهِم﴾. يعنى: وإنا على منهاجِهم وطريقتهم مقتدون
يفعلِهم ؛ نفعلُ كالذى فعَلوا، ونعبدُ ما كانوا يعبدون. يقولُ جلَّ وعزَّ لمحمدٍ عَهِ:
فإِنما سلَك مشركو قومِك مِنهاجَ مَن قبلَهم مِن إخوانهم مِن أهلِ الشركِ باللَّهِ فى
إجابتهم إياك بما أجابوك به، وردّهم ما ردّوا عليك مِن النصيحةِ ، واحتجاجهم بما
احتجُوا به لمُقَامِهم على دينهم الباطلِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، [٤٥/٤٤ و] قال : ثنا عيسى،
وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ءَاتَرِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ . قال: بفعلهم (١).
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَإِنَّا عَلَ ءَائِهِم
مُقْتَدُونَ﴾: فاتَّبَعوهم على ذلك .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿﴾ قَلَ " أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيَّهِ
ءَابَاءَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ له: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين مِن
قومِك، القائلين: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَنَا عَلَىَ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَّ ءَاثَِهِمْ مُهْتَدُونَ(١)﴾: أوَلَوْ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٩٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى الأصل، ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((قل)). وهى قراءة كما سيأتى.
(٣) فى الأصل، ت٢، م: ((مقتدون)).
٥٧٤
سورة الزخرف : الآيتان ٢٤ ، ٢٥
جِئْتُكم أيُّها القومُ مِن عندِ ربِّكم بأهْدَى لكم إلى طريقِ الحقِّ ، وأدلّ لكم على سبيلٍ
الرشادِ ﴿مِّنَا وَجَدُ﴾ أنتم عليه آباءَكم مِن الدينِ والملَّةِ. /﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَآ ٦٢/٢٥
أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ . يقولُ : فقال لهم ذلك، فأجابوه بأن قالوا له كما قال الذين
مِن قبلِهم مِن الأمم المكذبةِ رُسُلَها لأنبيائِها: ﴿ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾ أيُّها القومُ،
﴿ كَفِرُونَ﴾ يعنى : جاحِدون مُنكِرون .
وقَرأ ذلك قرأةُ الأمصارِ سوى أبى جعفرٍ القارئ: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُ﴾
بالتاءِ .
وذُكر عن أبى جعفرِ القارئ، أنه قرَأَه: (قُلْ أَوَ لَوْ جِئْنَاكُمْ ) بالنونِ والألفِ(٢).
والقراءةُ عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليه (١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اَلْمُكَذِّبِينَ
٢٥
يقولُ جلَّ ثناؤه: فانْتَقَمْنا مِن هؤلاء المُكذِّبةِ رُسُلَها، مِن الأمم الكافرةِ بربِّها ،
بإِخْلالِنا العقوبةَ بهم، فانظر يا محمدُ كيف كان عُقْبَى أمرِهم ، إذ كذَّبوا بآياتِ
اللّهِ . ويعنى بقوله: ﴿عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: " آخِرُ أمرٍ" الذين كذَّبوا رسلَ اللَّهِ، إلامَ
صارَ! يقولُ : ألم نهلكْهم فنجعلَهم عبرة لغيرِهم ؟!
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ
(١) فى الأصل، ص، م، ت١، ت٢: ((قل)). والمثبت قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم، وقرأ الباقون: ((قل)).
النشر ٢٧٦/٢ .
(٢) المصدر السابق .
(٣) القراءتان متواترتان .
(٤ - ٤) فى ت ٢: ((إجترار))، وفى ت ٣: ((اجتراء)).
٥٧٥
سورة الزخرف : الآيات ٢٥ - ٢٨
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. قال: شرٌّ واللَّهِ، أَخَذَهم بخَشْفٍ وغرقٍ ،
ثم أهلكهم فأدخَلهم النارَ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، إِنَِّى بَرَآءُ مِّمَّا
وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَهُ فِى عَقِبِهِ،
إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِینِ
تَعْبُدُونَ
٣٨
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
يقولُ جلَّ ثناؤه : وإذ قال إبراهيمُ لأبيه وقومِه الذين كانوا يعبدون ما يعبدُه
مُشركو قومِك يا محمدُ : إِنَّنِى بَرَاءٌ كَمَّا تَعْبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ، فكذَّبوه، فانْتَقَمنا منهم
كما انْتَقَمنا ممن قبلَهم مِن الأممِ المُكذِّبةِ رُسُلَها .
وقيل: ﴿ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَا تَعْبُدُونَ﴾. فوضَع البَراءَ، وهو مصدرٌ، موضعَ
النعتِ ، والعربُ لا تُثَنِّى البراءَ ولا تجمعُ ولا تؤنِّثُ، فتقولُ: نحن البراءُ والخلاءُ؛ لما
ذكرتُ من أنه مصدرٌ، وإذا قالوا: هو برىءٌ منك، ثَنَّوا وجمَعوا وأنَّثوا ، فقالوا: هما
بريئان منك، وهم بريئون منك. وذُكِر أنها فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ: (إِنَّنِى بَرِىءٌ)
بالياءٍ(٢) ، وقد يُجمعُ بَرِىءٌ: "بُرَآءً أو بُراءٌ ).
﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ﴾. يقولُ: إننى برىءٌ مما تعبدون مِن شىءٍ إِلا مِن
[٤٥/٤٤] الذى قطَرنى، يعنى: الذى خلَقنى، ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينٍ﴾. يقولُ: فإنه
سيُقوِّمُنى للدينِ الحقِّ، ويوفّقُتى لاتباعِ سبيلِ الرشدِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) بعده فى ت ٣: ((بتكذييهم رسل الله والله أعلم))، والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٦ إلى
المصنف وعبد بن حميد .
(٢) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٦.
(٣ - ٣) فى م، ت٢، ت٣: ((براء وأبراء)). وينظر اللسان (ب رأ).
٥٧٦
سورة الزخرف : الآيات ٢٦ - ٢٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبَهِيمُ
لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءُ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾. قال: كايَدهم؛ كانوا يقولون: إن اللَّهَ رًُّا
﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [لقمان: ٢٥]. فلم يَبرأْ مِن
ربّه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾. يقولُ: إننى برىءٌ مما تعبدون إِلَّ الذى خَلَقنِى (١).
/حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿إِلَّا الَّذِى
فَطَرَنِ ﴾ . قال : خلقنى .
٦٣/٢٥
وقولُه: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِ عَقِهِ، ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وجعَل قولَه:
﴿ إِنَّنِى بَرَآءُ مِّعَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ﴾. وهو قولُ: لا إلهَ إلا اللَّهُ - كلمةٌ باقيةٌ
فى عقبِهِ، وهم ذُرِّيتُه، فلم يَزَلْ فى ذُرِّتِهِ مَن يقولُ ذلك مِن بعدِه .
-
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى الكلمةِ التى جعَلها خليلُ الرحمنِ باقيةً فى
عقبِه ؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذى قلنا فى ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن ليثٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةٌ فِ عَقِهِ،﴾. قال: لا إله إلا اللَّهُ(٢).
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٥/٢ عن معمر به .
(٢) تفسير الثورى ص ٢٧٠، وأخرجه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣٠٦/٤ - من طريق ابن أبى نجيح
عن مجاهد ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٥٧٧
سورة الزخرف : الآية ٢٨
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً
فِى عَقِهِ﴾. قال: شهادةَ أنَّ لا إلهَ إلا اللَّهُ، والتوحيدَ ، لم يَزَلْ فى ذريتِه مَن يقولُها
(١)
من بعده
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قوله :
وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةُ فِىِ عَقِبِهِ، ﴾. قال: التوحيدَ والإخلاصَ، ولا يزالُ فى ذُرِّيتِه
مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ ويعبدُه(٢) .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ وَجَعَلَهَا
كَلِمَةً بَافِيَةٌ فِ عَقِهِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ(٣).
وقال آخرون: الكلمةُ التى جعَلها باقيةٌ(٤) فى عقبِهِ اسمُ الإسلامِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَجَعَلَهَا
كَلِمَةٌ بَاقِيَةٌ فِى عَقِبِهِ،﴾. قال: الإسلامُْ وقَرأ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[البقرة: ١٣١]. قال: جعَل هذه كلمةً باقيةً فى عَقِبِه، وقال: الإسلامُ، وقرَأ: ﴿هُوَ
سَمَّكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ﴾ [الحج: ٧٨]. وقَرأ: ﴿وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (١)
[ البقرة: ١٢٨] .
(١) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٢٠٩) من طريق شيبان عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٦/٦ إلى عبد بن حميد .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٦/٢ عن معمر به.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢١٢/٧.
(٤) فى م: ((الله))، وسقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣.
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٦) ذكره البغوى فى تفسيره ٧/ ٢١١، والقرطبى فى تفسيره ٧٧/١٦، وابن كثير فى تفسيره ٧/ ٢١٢.
( تفسير الطبرى ٣٧/٢٠ )
٥٧٨
سورة الزخرف : الآية ٢٨
وبنحوِ ما قلنا أيضًا فى معنى العَقِبِ قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله : ﴿فِى عَقِهِ،﴾. قال : فی ولده(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةٌ فِى عَقِهِ﴾. قال : يعنى مَن
(٢)
خَلَفَه(٢) .
حدَّثنى محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿فِى
عَقِهِ﴾. قال: فى عَقِبٍ إبراهيمَ، (آلِ محمدٍ عَّه(١).
٦٤/٢٥
/حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم، قال: ثنا ابنُ أبى فُدَيكٍ ، قال: ثنا
ابنُ أبي ذئبٍ ، عن ابنِ شِهابٍ، أنه كان يقولُ: العَقِبُ: الولدُ، وولدُ الولدٍ (٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: [٤٦/٤٤ و] أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
فِي عَقِبِهِ﴾. قال: عَقِبُه ذُرِّيْتُه(٤) .
وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ ﴾. يقولُ: ليرجِعوا إلى طاعةِ ربِّهم ، ويُنيبوا (*) إلى
(١) تفسير مجاهد ص ٥٩٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٩/ ١٩٢.
(٣ - ٣) سقط من: ت ٢، ت ٣. والأثر ذكره الطوسى فى التبيان الموضع السابق.
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ٨٠/١٦.
(٥) فى م: ((يثوبوا))، وفى ت٢، ت٣: ((يثبتوا))، وفى ت١: ((يتوبوا))، وغير منقوطة فى ص .
٥٧٩
سورة الزخرف : الآيات ٢٨ - ٣٠
عبادته ، ويَتوبوا مِن كفرِهم وذنويهم.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
أى: يَتوبون، أو: يذَّكَّرون(١) .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿بَلّ مَتَعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى جَآءَ هُمُ الْحَقُّ
وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِخْرٌ وَإِنَّا بِهٍ، كَفِرُونَ
٢٩
وَرَسُولٌ مُبِينٌ
يقولُ تعالى ذكره : بل مَتَّعْتُ يا محمدُ هؤلاء المشركين مِن قومِك وآباءَهُم مِن
قبلِهم بالحياةِ، فلم أعاجلْهم (١) بالعقوبةِ على كفرِهم، ﴿حَتَّى جَآءَ هُمُ الْحَقُّ﴾ . يعنى
جل وعزّ بالحقِّ هذا القرآنَ. يقولُ: لم أُهْلِكْهم بالعذابِ حتى أَنزَلتُ عليهم
الكتابَ ، وبعثتُ فيهم رسولاً مُبينًا .
يعنى بقوله: ﴿ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يعنى محمدًا عَظِلّهِ، وبالمبينِ: أنه يُبَيِّنُ لهم
بالحُجَجِ التى يحتجُّ بها عليهم، أنه للَّهِ رسولٌ مُحِقٌّ فيما يقولُ، ﴿ وَلَمَّا جَآءَ هُمُ
الْحَقُّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ولمّ جاء هؤلاء المشركين القرآنُ مِن عندِ اللَّهِ ، ورسولٌ مِن
اللَّهِ أَرسَله إليهم بالدعاءِ إليه - ﴿قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ﴾. يقولُ: قالوا) : هذا الذى
جاءنا به هذا الرسولُ سحرٌ يَسْحَرُنا به، ليس بوحي مِن اللهِ، ﴿ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ
يقولُ: قالوا: وإنا به جاحِدون، ننكرُ أن يكونَ هذا مِن عندٍ(٤) اللَّهِ.
(١) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٢٠٩) من طريق شيبان عن قتادة .
(٢) فى الأصل: ((أعالجهم)).
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) ليس فى: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
٥٨٠
سورة الزخرف : الآيات ٣٠ - ٣٢
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى الحقِّ قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُدِّىِّ فى قوله: ﴿ وَلَمَّا
جَآءَ هُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ﴾. قال: هؤلاء قريشٌ، قالوا للقرآنِ
الذى جاء به محمدٌ : هذا سحرٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ / نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
٣١
عَظِيم (
وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنَّأْ وَرَحْمَتُ رَيِّكَ خَيْرٌ
٦٥/٢٥
مِّمَا يَجْمَعُونَ
٣٢
يقولُ جلَّ ثناؤه: وقال هؤلاء المشركون باللّهِ مِن قريشٍ، لمّا جاءَهم القرآنُ مِن
عندِ اللَّهِ : هذا سحرٌ، فإن كان حقًّا، فهَلَّا نزَل على رجلٍ عظيم مِن إحدى هاتين
القريتين ؛ مكةً أو الطائفِ .
واختُلف فى الرجلِ الذى وصَفوه بأنه عظيمٌ؛ وقالوا: هَلََّ نزَل عليه هذا
القرآنُ ؛ فقال بعضُهم: قالوا (٢) : هلََّ نزَل على الوليدِ بنِ المُغيرةِ المخزومىِّ، مِن أهلِ
مكةَ، أو حبيبٍ بنِ عمرو بنِ عُمَيرِ النَّقَفىِّ، مِن أهلِ الطائفِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: [٤٦/٤٤ ظ] ثنى عمى، قال: ثنى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٦ إلى المصنف.
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت ٣.