النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١
سورة فصلت : الآيتان ٥٢ ، ٥٣
ذَهابًا عن قصدِ السبيل، وأسْلَكُ لغيرِ طريقِ الصوابِ، ممن هو فى فراقٍ لأُمرِ اللَّهِ
وخلافٍ له، بعيدٍ مِن الرّشادِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿سَنُرِيِهِمْ ءَايَتِنَا فِى الَّفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ
يقولُ تعالى ذكره : سنُرِى هؤلاء المكذِّبين ما أَنْزَلْنا على محمدٍ عبدِنا مِن
الذكرِ ، آیاتِنا فى الآفاقِ .
واخْتَلَف أهلُ التأويل فى معنى الآياتِ التى وعَد اللَّهُ؛ هؤلاء القومَ أن يُرِيَهم؛
فقال بعضُهم: عُنِى بالآياتِ فى الآفاقِ وقائعُ النبيِّ عَلِّ بنواحى بلدِ المشركين من
أهلِ مكةً وأطرافِها ، وبقوله: ﴿ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ فتح مكةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا أبو کریب ، قال : ثنا ابنُ آمانٍ ، عن سفيان ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن
عمرو بنٍ قيسٍ ١، عن المِنْهالِ فى قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ آَلَفَاقِ﴾. قال :
ظهورَ محمدٍ عَِّ على الناسِ (١).
/ حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿سَتِيهِمْ
ءَيَئِنَا فِ اَلَْفَاقِ﴾. يقولُ: ما نَفْتَعُ لك يا محمدُ من الآفاقِ. ﴿ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ :
فى أهلِ مكةً، يقولُ: نَفْتَحُ لك مكةً(٣).
٥/٢٥
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنه يُرِيهم نجومَ الليلِ وقمرَه، وشمسَ النهارِ،
(١) فى م: ((أبى قيس))، ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٠٠.
(٢) ينظر تفسير القرطبى ٣٧٤/١٥، والبحر المحيط ٧/ ٥٠٥.
(٣) ينظر تفسير القرطبى ٣٧٤/١٥، وتفسير البغوى ٧/ ١٧٩.
٠٠
٤٦٢
سورة فصلت : الآية ٥٣
وذلك ما وعَدَهم أنه يُرِيهم فى الآفاقِ . وقالوا : عُنِى بالآفاقِ آفاقُ السماءِ ، وبقولِه :
﴿وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ . سبيلُ الغائطِ والبولِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ آلْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: آفاقِ السماواتِ ، نجومِها
وشمسِها وقمرِها اللاتى يَجْرِين، وآياتٍ فى أنفسِهم أيضًا(١).
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ القولُ الأولُ، وهو ما قاله السدىُّ ، وذلك أن
اللَّه عزَّ وجلَّ وعَد نبيّه لهم أن تُرِىَ هؤلاء المشر کین الذین کانوا به مُكذِّبین - آیاتٍ
فى الآفاقِ ، وغيرُ معقولٍ أن يكونَ تَهدَّدهم بأن يُرِيَهم ما هم رأَوْه ، بل الواجبُ أن
يكونَ ذلك وعدا منه لهم أن يُرِيَهم ما لم يكونوا رأَوْه قبلُ مِن ظهورِ نبيِّ اللَّهِ عَلِّ على
أطرافٍ بلدِهم وعلى بلدِهم ، فأما النجومُ والشمسُ والقمرُ، فقد كانوا يَرَوْنها كثيرًا
قبلُ وبعدُ ، ولا وجهَ لتهدُّدِهم بأنه ثُرِيهم ذلك .
وقولُه: ﴿حَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُُّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: أُرِى هؤلاء
المشركين وقائعَنا بأطرافِهم وبهم ، حتى يَعْلَموا حقيقةً ما أُنْزَلْنا إلى محمدٍ ، وأُؤْحَيْنا
إليه مِن الوعدِ له بأنا مُظْهِرو ما بعَثْناه به مِن الدينِ على الأديانِ كلِّها، ولو كرِهِ
المشركون .
وقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ . يقولُ تعالى
ذكرُه: أو لم يَكْفِ بربِّك يا محمدُ ، أنه شاهدٌ على كلِّ شيءٍ مما يَفْعَلُه خلقُه، لا
يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، وهو مُجازِيهم على أعمالِهم؛ المحسنَ بالإحسانِ ،
(١) ينظر تفسير القرطبى ٣٧٤/١٥، وتفسير البغوى ١٧٩/٧.
٤٦٣
سورة فصلت : الآيتان ٥٣، ٥٤
والمسىءَ جزاءَه .
وفى قوله: ﴿أَنَّهُ﴾. وجهان ؛ أحدُهما : أن يكونَ فى موضع خفضٍ، على
وجهِ تكريرِ الباءِ، فيكونَ معنى الكلام حينئذٍ: أو لم يَكْفِ بربِّك، بأنه (١) على كلٌّ
شىءٍ شهيدٌ؟ والآخرُ: أن يكونَ فى موضعِ رفعٍ، رفعًا بقولِه: ﴿يَكْفٍ﴾. فيكونَ
معنى الكلامِ: أو لم يَكْفِ بربِّك شهادتُه على كلِّ شىءٍ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلََّ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِقَآءِ رَبِّهِمُّ أَلَا إِنَّهُ بِكُلّ
شَىْءٍ تُحِيطٌا
٥٤
يقولُ تعالى ذكره: ألا إن هؤلاء المكذِّبين بآياتِ اللَّهِ فى شكُ ﴿مِّن لِّقَآءِ
رَبِّهِمْ﴾. يعنى: أنهم فى شكٌّ مِن البعثِ بعدَ الَماتِ، ومَعادِهم إلى ربِّهم.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿أَلَاَ
إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: فى شكِّ ("من لقاءِ ربِّهم٢).
/ وقولُه: ﴿أَلَ إِنَُّ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَلَا إن اللَّهُ ٦/٢٥
بكلِّ شىءٍ مما خلق محيطٌ علْمًا بجميعِه وقُدْرةً عليه ، لا يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه
أراده فيَفوتَه، ولكنه المقتدرُ عليه، العالمُ بمكانِه .
آخرُ تفسير سورةٍ (( حم السجدة )»
والحمدُ للهِ وحدَه
(١) فى ت ٢: ((شهادته)). وفى ت ٣: ((يا محمد بأنه)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
٤٦٤
سورة الشورى : الآيات ١ - ٣
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورةٍ (( حم عسق))
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿حمّ
الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
عَسَقّ
كَذَلِكَ يُوحِيّ إِلَيْكَ وَإِلَى
٣
قد ذكَّرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فى معانى حروفِ الهِجاءِ التى اقْتُحَت بها أوائلُ
ما اقْتِح بها مِن سورِ القرآنِ ، وبيَّنَا الصوابَ مِن قولِهم فى ذلك عندَنا ، بشواهدِه المغنيةِ
عن إِعادتِها فى هذا الموضع، إذ كانت هذه الحروفُ نظيرةَ الماضيةِ منها(١).
وقد ذُكِر عن حُذيفةَ فى معنى هذه خاصةً قولٌ، وهو ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ
زُهَيْرٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ بنُ نَجْدةَ الحَوْطِئُ، قال: ثنا أبو المغيرةِ عبدُ القُّدُّوسِ بنُ
الحجاجِ الحِمْصىُّ، عن أرطاةَ بنِ المنذرِ قال : جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍٍ ، فقال له،
وعندَه حُذيفةُ بنُ اليَمانِ: أُخْبِرْنى عن تفسيرٍ قولِ اللَّهِ: ﴿حمّ
عسق
قال : فَأَطْرَق ، ثم أَعْرَض عنه، ثم كرَّر مقالته، فأعْرَض، فلم يُجِبْه بشىءٍ، و کړِه
مقالته ، ثم كرَّرها الثالثةَ، فلم يُجِبْه شيئًا، فقال له حذيفةُ : أنا أُتَبِّئُك بها ، قد عَرَفْتُ
لمَ (٢) كرِهها(٣)؛ نزَلَت فى رجلٍ مِن أهلِ بيتِه يقالُ له: عبدُ الإلهِ. أو: عبدُ اللَّهِ.
يَنْزِلُ على نهرٍ مِن أنهارِ المشرقِ، يُبْنَى عليه مدينتان(٤) ، يَشُقُّ النهرَ بينَهما شقًّا، فإذا
(١) تقدم فى ٢٠٤/١ وما بعدها .
(٢) فى النسخ: ((بم) والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) فى ت ٣: (( كررها)).
(٤) كذا فى النسخ ، وفى كتاب الفتن ، وفيما نقله ابن كثير فى تفسيره عن ابن جرير، وفى الدر المنثور:
((مدينتين)). وعندى أنه الصواب .
٤٦٥
سورة الشوری : الآيات ١ - ٣
أذِن اللَّهُ فى زَوالِ ملكِهم، وانقطاع دولتهم ومدتِهم ، بعَث اللّهُ على إحداهما نارًا
ليلاً ، فتُضْبِحُ سوداءَ مظلمةً قد اخْتَرَقَت ، كأنها لم تَكُنْ مكانَها ، وتُصْبِحُ صاحبتُها
مُتَعَجِّبةً كيف أَقْلَتَت، فما هو إلا بياضُ يومِها ذلك حتى يَجْتَمِعَ (١) فيها كلَّ جبارٍ
عنيدٍ منهم، ثم يَخْسِفُ اللَّهُ بها وبهم جميعًا، فذلك قولُه: ﴿حَمَ ﴿ عَسَقَ﴾.
يعنى: عزيمةٌ مِن اللَّهِ وفتنةٌ وقضاءٌ محُمّ. ((عينٌ)) يعنى: عَدْلًا منه. ((سينٌ)) يعنى :
سيكونُ . و((قافٌ))(٣) يعنى: واقعٌ بهما(٣)؛ بهاتين المدينتين(4).
وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُه : (حم * سق) بغيرِ عينٍ، ويقولُ : إن
السينَ عُمْرُ كلِّ فرقةٍ كائنةٍ ، وإن القافَ كلُّ جماعةٍ كائنةٍ . ويقولُ : إن عليًا إنما كان
يَعْلَمُ العينَ بها. وذُكِر أن ذلك فى مصحفٍ عبدِ اللَّهِ على مثل الذى ذُكِر عن ابنِ
عباسٍ، مِن قراءته بغيرٍ عينٍ(٥).
وقولُه : ﴿ كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه : هكذا يُوحِى إليك يا محمدُ وإلى الذين مِن قبلك مِن أنبيائه . وقيل : إن
(حم عين سين ق ) أُوحِيَت إلى كلٌّ نبيِّ يُعِث، كما أُوحِيَت إلى نبيِّنَا عَّه، ولذلك
قيل: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾. فى انتقامِهِ مِن أعدائِه،
اٌلْحَكِيمُ﴾ فى تدبيرِه خلقه .
(١) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((يجمع)).
(٢) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.
(٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه نعيم بن حماد فى الفتن (٥٦٨) - ومن طريقه الخطيب البغدادى فى تاريخه ٤٠/١ - عن أبى
المغيرة به ، وفيه : عن أرطاة عمن حدثه . وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٧٧/٧ عن المصنف ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢/٦ إلى ابن أبى حاتم.
(٥) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٤.
( تفسير الطبرى ٣٠/٢٠ )
٤٦٦
سورة الشورى : الآيتان ٤، ٥
٧/٢٥
/القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ
اٌلْعَظِيمُ
تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنّ وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِىِ الْأَرْضُِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
يقولُ تعالى ذكره: للَّهِ ملكُ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ مِن الأشياءِ
كلِّها، ﴿ وَهُوَ الْعَلِىُّ﴾. يقولُ: وهو ذو علوِّ وارتفاعٍ على كلِّ شىءٍ، والأشياءُ كلُّها
دونَه ؛ لأنهم فى سلطانِهِ، جاريةٌ عليهم قدرتُه، ماضيةٌ فيهم مشيئتُه، ﴿ اَلْعَظِيمُ﴾
الذى له العظمةُ والكِبْرِياءُ والجَبَرِيّةُ(١).
وقولُه: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَظّرْنَ مِن فَوْقِهِنٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: تكادُ
السماواتُ يَتَشَقَّقْنَ مِن فوقِ الأَرَضِينَ(١) ، مِن عظمةِ الرحمنِ وجَلالِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
[٧٦٧/٢ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾. قال: يعنى:
مِن ثِقَلِ الرحمنِ وعظمتِه تبارك وتعالى (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ
يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنٌ﴾. أى: مِن عظمةِ اللَّهِ وَجَلالِه.
-
(١) فى ت ١، ت ٢: ((الخيرة))، وغير منقوطة فى ت ٣. والجبرية: الكبر. اللسان (ج ب ر).
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((الأرض)).
(٣) أخرجه محمد بن عثمان بن أبى شيبة العبسى فى العرش ص٥٨، وأبو الشيخ فى العظمة (٢٣٧،
٢٣٨)، والحاكم ٤٤٢/٢ من طرق عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
٤٦٧
سورة الشورى : الآية ٥
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ
(١)
مثلَهُ(١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿تَكَادُ
السَّمَوَتُ يَتَفَطّرْنَ﴾. قال: يَتَشَقَّقْنَ. فى قوله: ﴿ مُنْفَظِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨].
قال: مُنْشَقٌّ به(٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾. يقولُ: يَتَصَدَّعْنَ من عظمةٍ
(٢)
اللَّهِ(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ منصورِ الطَّوسِئُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ ، عن أبی
مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ قال : جاءرجلٌ إلى كعبٍ ، فقال: يا كعبُ ، أين ربُّنًا؟
فقال له الناسُ: اتقِ (٢) اللَّهَ، أَفتَشْأَلُ(٤) عن هذا؟ فقال كعبٌ: دَعُوه، فإن يَكُ عالماً
ازْدَادَ علمًا ، وإن يَكُ جاهلًا تَعَلَّمَ ؛ سأَلْتَ أين ربُّنا، وهو على العرشِ العظيمِ مُتَّكِىُّ،
واضحٌ إحدى رجليه على الأخرى، ومسافةُ هذه الأرضِ التى أَنت عليها مسيرةٌ()
خمسمائةٍ سنةٍ، ومِن الأرضِ إلى الأرضِ مسيرةُ خمسمائة سنةٍ، وكثافتُها
خمسمائةِ سنةٍ، حتى تمَّ سبعُ أَرَضِينَ، ثم مِن الأرضِ إلى السماءِ مسيرةُ خمسِمائةٍ
(١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١٩٦) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعبد الرزاق فى تفسيره ٢/
١٩٠ - ومن طريقه محمد بن عثمان بن أبى شيبة فى كتاب العرش ص٥٩ - عن معمر عن قتادة به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣/٦ إلى عبد بن حميد .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ١٧٩، والقرطبى فى تفسيره ١٦/ ٤.
(٣) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((دق)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٣: ((فقال أتسأل)).
(٥) سقط من : ص، م، ت ١، ت ٢.
(٦ - ٦) سقط من: ت ١، ت ٣.
٤٦٨
سورة الشورى : الآيتان ٥، ٦
سنةٍ، وكثافتُها خمسمائةٍ سنةٍ، واللَّهُ عز وجل على العرشِ متكىٌّ، ثم تفَطَّرُ
السماواتُ. ثم قال كعبّ: اقْرَءوا إن شِئْتم: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَّرْنَ مِن
فَوْقِهِنٌ﴾ الآيةَ(١).
وقولُه: ﴿وَالْمَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: والملائكةُ
◌ُصَلُّون بطاعةِ ربِّهم وشكرِهم له ، من هَيْبةٍ جَلالِه وعظمتِه .
/ کما حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْمَلَتِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ﴾. قال:
والملائكةُ يُسَبِّحون له مِن عظمتِه(٢).
٨/٢٥
وقولُه: ﴿وَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِ اَلْأَرْضِ﴾. يقولُ: ويَسْأَلُون ربَّهم المغفرةَ
الذنوبٍ مَن فى الأرضِ مِن أهلِ الإيمانِ به .
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فى قوله:
﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِ الْأَرْضِّ﴾. قال: للمؤمنين(٢).
يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ ﴾ لذنوبٍ مؤمنی عبادِه،
﴿ الَّحِيمُ﴾ بهم أن يُعاقِبَهم بعدَ تويتهم منها .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ أُمَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَآءَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ
٦
وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: ﴿ وَأَلَّذِينَ أُتَّخَذُواْ﴾ يا محمدُ مِن
(١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٢٣٦) من طريق آخر عن كعب.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٤/١٦.
٤٦٩
سورة الشورى : الآيتان ٦، ٧
مشركى قومِك من دونِ اللهِ آلهةً يَتَوَلَّوْنها ويَعْبُدونها، ﴿اللَّهُ حَفِيظُ عَلَّهِمْ﴾؛
يُخْصِى عليهم أفعالَهم ويَحْفَظُ أعمالَهم؛ ليُجازِيَهم بها يومَ القيامةِ جزاءَهم ، ﴿ وَمَآ
أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾. يقولُ: ولستَ أنت يا محمدُ بالوكيلِ عليهم بحفظٍ
أعمالِهم، وإنما أنت منذرٌ، فبلِّغْهم ما أَرْسِلْتَ به إليهم ، فإنما عليك البلاغُ، وعلينا
الحساب .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى
وَمَنْ حَوْلهَا وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيَّبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ
٧
يقولُ تعالى ذكرُه: وهكذا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾
بلسانِ العربِ؛ لأن الذين أرسَلْتُك إليهم قومٌ عربٌ، فَأوْحَيْنا إليك هذا القرآنَ
بألسنتِهم؛ ليَفْهَموا ما فيه من حججِ اللَّهِ وذكرِهِ؛ لأنا لا نُرْسِلُ رسولًا إلا بلسانٍ
قومِه ؛ ليُبَيِّنَ لهم - ﴿لِّئُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وهى مكةُ، ﴿ وَمَنْ حَوْلَا﴾. يقولُ:
ومَن حولَ أمّ القرى مِن سائرِ الناسِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله:
◌ْ لِنْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾. قال: مكةً(١).
وقولُه: ﴿ وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. يقولُ عزَّ وجلَّ: وتُنْذِرَ عقابَ اللَّهِ فى يومٍ
جمعِ (١) عبادِه لموقفِ الحسابِ والعَرْضِ. وقيل: ﴿ وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. والمعنى:
(١) تقدم تخريجه فى ٤٠٣/٩، ٤٠٤ .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((الجمع)).
٤٧٠
سورة الشورى : الآية ٧
وتُنْذِرَهم يومَ الجمع، كما قيل: ﴿ يُخَوِّفُ أولياءَه ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، والمعنى :
يُخَوِّفُكم أولیاءَه .
٩/٢٥
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَنُنْذِرَ يَوْمَ
اَلْجَمْعِ﴾. قال: يومَ القيامةِ (١).
وقولُه : ﴿لَا رَيَّبَ فِيهٍ ﴾ . يقولُ: لا شكَّ فيه .
وقولُه: ﴿ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾. يقولُ: منهم فريقٌ فى الجنةِ ،
وهم الذين آمنوا باللّهِ، وأَّبَعوا ما جاءهم به رسولُه ◌َه، ﴿ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾.
يقولُ : ومنهم فريقٌ فى المُوقَدةِ مِن نارِ اللَّهِ المسعورةِ على أهلِها، وهم الذين كفروا
باللَّهِ، وخالَفوا ما جاءهم به رسولُه .
وقد حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى عمرُو بنُ الحارثِ،
عن أبى قَبِيلِ المَعَافرىِّ، عن شُفَىِّ الأَصْبَحِىِّ، عن رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ عَ ال
قال: خرج علينا رسولُ اللَّهِ مَ اه وفى يدِه كتابان، فقال: ((هل تَدْرون ما هذا؟)).
فقلنا: لا ، إلا أن تُخْبِرَنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: ((هذا كتابٌ مِن ربِّ العالمين، فيه
أسماءُ أهلِ الجنةِ ، وأسماءُ آبائِهم وقبائلِهم، ثم أَجْمِل على آخرِهم، فلا يُزادُ فيهم،
ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا، وهذا كتابُ أهلِ النارِ بأسمائهم وأسماءٍ آبائهم، ثم أَجْمِل
على آخرِهم، فلا يُزادُ ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا)). قال أصحابُ رسولِ اللَّهِ سَ الِ: ففيمَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/٦ إلى المصنف.
٤٧١
سورة الشورى : الآية ٧
إذن نَعْمَلُ إن كان هذا أمرًا (١) قد فُرِغ منه؟ فقال رسولُ اللَّهِ عَ ليهِ: ((بل سَدِّدوا
وقارِبوا، فإن صاحبَ الجنةِ يُخْتَمُ له بعملِ أهلِ الجنةِ، وإن عمِل أىَّ عملٍ، وإن
صاحبَ النارِ يُخْتَمُ له بعملِ النارِ، وإن عمِل أىَّ عملٍ، فرَغْ ربُّكم مِن العبادِ)). ثم
قال رسولُ اللّهِ مَ له بيديه فنبَذَهما: ((فرَغْ ربُّكم مِن الخلقِ، فريقٌ فى الجنةِ ، وفريقٌ
فى السعيرِ)). قالوا: سبحانَ اللَّهِ! فلمَ نَعْمَلُ ونَنْصَبُ؟ فقال رسولُ اللَّهِ عَه:
((العملُ إلى خَواتِمه))(٢).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى عمرُو بنُّ الحارثِ
وحَيْوَةُ بنُ شُريحٍ، عن (يحيى بن أبى أَسِيد٣ٍ) ، أن أبا فِراسٍ حدَّثه أنه سمع عبدَ اللَّهِ بنَ
عمرٍو يقولُ : إن اللَّهَ تعالى ذكْرُه لما خلق آدمَ نفَضه نفضَ المِزْودِ، فأخْرَج منه كلَّ
ذريةٍ ، فخرَج أمثالُ النَّغَفِ (٤) ، فقبَضَهم قبضتين، ثم قال: شقيٌّ وسعيدٌ. ثم ألْقاهما،
ثم قَبَضَهما فقال: ﴿فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾(٥).
قال: أَخْبَرَنى عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبى سويدٍ ١، حدَّثه عن ابنٍ حُجَيْرةَ ، أنه
(١) فى ص، م، ت١، وغالب نسخ مسند أحمد: ((أمر)). قال السندى: هكذا فى نسخ المسند، فإما أن
يجعل ((أمر)) بدلًا من ((هذا))، ويدل عليه رواية الترمذى: ((إن كان أمر)) بدون ((هذا)). وإما أن يجعل
منصوبًا خبرًا لكان، بناء على شيوع ترك الألف فى المنصوب كتابة فى كتب الحديث، صرح به شراح
الحديث . مسند أحمد ١٢١/١١ حاشية (١).
(٢) أخرجه أحمد ١٢١/١١ (٦٥٦٣)، والترمذى (٢١٤١)، والنسائى فى الكبرى (١١٤٧٣)، وابن أبى
عاصم فى السنة (٣٤٨)، وأبو نعيم فى الحلية ١٦٨/٥، والطبرانى قطعة من الجزء (١٣) رقم (١٧) من طريق
أبى قبيل به. وذكروا جميعا الرجل المبهم فى سند الطبرى فقالوا: عبد الله بن عمرو بن العاص. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٣ - ٣) فى ت ١: ((حيوة بن أسيد))، وفى ص، ت ٢، ت ٣: ((يحيى بن أسد)). ينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ١٢٠.
(٤) فى ص: ((النعف))، وفى ت ٣: ((النفق)) والنغف: الدود. ينظر التاج (ن غ ف).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ١٨١.
(٦) سقط من: ت ٣، وفى ص، م: ((شبويه) وفى ت ١: ((شوذب))، وفى ت ٢: (( توته))، وقد جاء على
الصواب فى تفسير ابن كثير ، وينظر تهذيب الكمال ٢١٣/١٩.
٤٧٢
سورة الشورى : الآيتان ٧، ٨
بلغَه أن موسى قال : يا ربِّ، خلْقُك الذين خَلَقْتَهم، جعَلْتَ منهم فريقًا فى الجنةِ ،
وفريقًا فى السَّعيرِ، لو ما أدْخَلْتَهم كلَّهم الجنةَ؟ قال: يا موسى، ارْفَعْ زرعَك.
فرفَع، قال: قد رفَعْتُ. قال: ارْفَعْ. فرفَع، فلم يَتْرِكْ شيئًا، قال : يا ربّ، قد
رفَعْتُ. قال: ارْفَعْ. قال : قد رفَعْتُ إلا ما لا خيرَ فيه . قال : كذلك أُدْخِلُ خلقى
كلَّهم الجنةَ إلا ما لا خيرَ فيه(١).
وقيل: ﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيِقٌ فِىِ السَّعِيرِ﴾. فرفَع. وقد تقَدَّم الكلامُ قبلَ
ذلك بقوله: / ﴿ لِيْنُذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلِمَا﴾ بالنصبِ؛ لأنه أُرِيد به الابتداءُ،
كما يقالُ : رأَيْتُ العسكرَ؛ مقتولٌ أو منهزمٌ . بمعنى: منهم مقتولٌ، ومنهم منهزمٌ .
١٠/٢٥
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةُ وَحِدَةٌ وَلَكِن يُدْخِلُ مَنْ
يَشَآءُ فِ رَحْمَيْهٍ، وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُ مِّن وَلٍِّ وَلَا نَصِيرٍ
يقولُ تعالى ذكره: ولو أراد اللَّهُ أن يَجْمَعَ خلقَه على هُدًى، ويَجْعَلَهم على ملةٍ
واحدةٍ لَفْعَل، ولجعَلَهم ﴿أُمَّةً وَحِدَةً ﴾. يقولُ: أهلَ ملةٍ واحدةٍ، وجماعةٌ
مجتمعةً على دينٍ واحدٍ ، ﴿ وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِىِ رَحْمَتِهٍ،﴾. يقولُ: لم يَفْعَلْ
ذلك فيَجْعَلَهم أمةً واحدةً ، ولكن يُدْخِلُ مَن يَشاءُ مِن عبادِه فى رحمتِه . يعنى أنه
يُدْخِلُه فى رحمتِه بتوفيقِه إياه للدخول فى دينِهِ الذى ابْتَعَث به نبيّه محمدًا عَظٹِ ،
﴿ وَلَِّمُونَ مَا لَهُ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾. يقولُ: والكافرون باللّهِ ما لهم مِن ولئِّ
يَتَوَلَّاهم يومَ القيامةِ ، ولا نصيرٍ يَنْصُرُهم مِن عقابِ اللَّهِ حينَ يُعاقِئُهم ، فيُنْقِذَهم مِن
عذابِهِ، ويَقْتَصَّ لهم ممن عاقَبَهم . وإنما قيل هذا الرسولِ اللَّهِ سَلامِ ؛ تسليةً له عما كان
يَتالُهُ مِن الهمّ بتولية قومِه عنه ، وأمرًا له بترك إدخال المکروهِ علی نفسِه ، من أجلِ إدبارٍ
مَن أُذْبَر عنه منهم، فلم يَسْتَجِبْ لما دعاه إليه مِن الحقِّ، وإعلامًا له أن أمورَ عبادِه
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨١/٧ عن المصنف .
:
٤٧٣
سورة الشورى : الآيات ٨ - ١٠
بيدِه، وأنه الهادى إلى الحقِّ مَن شاء، والمُضِلُّ مَن أراد دونَه ودونَ كلِّ أحدٍ سواه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَ قَاللَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِى
وَمَا أُخَْلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اللَّهَ ذَلِكُمُ
٩
اَلْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
١٠
اُللَّهُ رَبِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِّبُ
يقولُ تعالى ذكره: أَتَّخَذ(١) هؤلاء المشركون باللّهِ مِن دونِ اللَّهِ أولياءَ
يَتَوَلَّؤْنهم، ﴿ فَلَّهُ هُوَ اَلْوَلِىٌّ﴾. يقولُ: فاللَّهُ هو ولىُ أوليائِه، وإياه فلْيَتَّخِذوا وليًّا ،
لا الآلهةَ والأوثانَ، ولا ما لا يَمْلِكُ لهم ضرًّا ولا نفعًا، ﴿ وَهُوَ يُحِىِ الْمَوْنَ﴾. يقولُ:
واللَّهُ يُخيِى المَوْتِى مِن بعدِ ◌َماتِهم، فيَحْشُرُهم يومَ القيامةِ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾ . يقولُ: واللَّهُ القادرُ على إحياءٍ خلقِه مِن بعدٍ مماتِهم، وعلى غيرِ ذلك ، إنه
ذو قدرةٍ على كلِّ شىءٍ(٢).
وقولُه: ﴿ وَمَا أَخْلَفْتُ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكره :
وما اخْتَلَفْتُم أيُّها الناسُ فيه من شىءٍ، فتنازَعْتُم بينَكم، ﴿ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللَّهِ﴾.
يقولُ: فإن اللَّهَ هو الذى يَقْضِى فيه بينَكم، ويَفْصِلُ فيه الحكمَ .
کما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثناعيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا / الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ١١/٢٥
فى قوله: ﴿وَمَا أَخَْلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللَّهِ﴾. قال ابنُ عمرٍو فى
حديثِهِ : فهو يَحْكُّمُ فيه . وقال الحارثُ : فاللَّهُ يَحْكُمُ فيه (٣) .
وقولُه: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. يقولُ لنبيّه محمدٍ عَمِ: قلْ
(١) فى م: ((أم اتخذ)).
(٢) بعده فى ت ٢: ((قدير شاء))، وبعده فى ت ٣: ((شاء)).
(٣) تفسير مجاهد ص٥٨٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٤٧٤
سورة الشورى : الايتان ١٠، ١١
لهؤلاء المشركين باللّهِ: هذا الذى هذه الصفاتُ صفاتُه ربى، لا " هذه الآلهةُ" التى
تَدْعُون مِن دونِه، التى لا تَقْدِرُ على شىءٍ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فى أمورى، وإليه
فوَّضْتُ أسبابى، وبه وثِقْتُ ، ﴿ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾. يقولُ: وإليه أَرْجِعُ فى أمورى،
وأُتوبُ من ذنوبی .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ
أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجَّا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْنَصِيرُ
D
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾، خالقُ السماواتِ السبعِ
والأرضِ.
كما حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىّ قولَه:
فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾. قال: خالقُ(٢).
وقولُه: ﴿جَعَلَ لَكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: زوَّجكم
ربّكم مِن أنفسِكم أزواجًا. وإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. لأنه خلَق حَوَّاءَ
مِن ضِلَعِ آدمَ، فهن(١) مِن الرجالِ. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه:
وجعَل لكم مِن الأنعام أزواجًا ؛ مِن الضأنِ اثنين، ومِن المَغْزِ اثنين، ومِن الإبلِ اثنين،
ومِن البقرِ اثنين، ذُكورًا وإناثًا، ومِن كلِّ جنسٍ مِن ذلك، ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾.
يقولُ: يَخْلُقُكم فيما جعَل لكم من أزواجِكم، ويُعِيشُكم فيما جعَل لكم من
الأنعامِ .
(١ - ١) فى ص، م، ت ١: ((آلهتكم)).
(٢) تقدم فى ١٧٥/٩، ١٧٦ .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((فهو)).
٤٧٥
سورة الشورى : الآية ١١
وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. فى هذا الموضعِ؛
فقال بعضُهم : معنى ذلك : يَخْلُقُكم فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ﴾. قال: نَسْلٌ بعدَ نَسْلٍ مِن الناسِ والأَنعامِ (١).
حدَّثنا محمدٌ(٢)، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه:
﴿ يَذْرَؤُكُمْ﴾ . قال: يَخْلُقُكم(١) .
حدَّثنا ابنُّ حميدٍ ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ،
عن القاسم بن أبى بَزَّةً، عن مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهٍ﴾. قال: نَسْلٌ(٤) بعدَ
نَشْلٍ مِن الناسِ والأنعامِ .
/ حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن ١٢/٢٥
منصورٍ، أنه قال فى هذه الآية: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ . قال: يَخْلُقُكم .
وقال آخرون : بل معناه : ثُعِيشُكم فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
(١) تفسير مجاهد ص ٥٨٨، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٣٠٤/٤ - وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) بعده فى م: ((ابن المثنى)). وهو محمد بن الحسين ، وهو إسناد دائر.
(٣) عزاه الحافظ فى الفتح ٥٦٣/٨، والسيوطى فى الدر المنثور ٣/٦ إلى المصنف.
(٤) فى م: ((نسلا)).
٤٧٦
سورة الشورى : الآية ١١
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجًا
يَذْرَؤُكُمْ فِيهٍ﴾. يقولُ: يَجْعَلُ لكم فيه مَعيشةً تَعِيشون بها(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيْهِ﴾. قال: يُعِيشُكم فيه(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ
فِيهٍ﴾ . قال: عيشٌ مِن اللّهِ يُعِيشُكم فيه .
وهذان القولان وإن اختلَفا فى اللفظِ مِن قائلَيْهما ، فقد يَحْتَمِلُ توجیهُهما إلى
معنّى واحدٍ ، وهو أن يكونَ القائلُ فى معناه: يُعِيشُكم فيه. أراد بقولِه ذلك :
يُخيِيكم بعيشِكم به كما يُخْيِى مَن لم يَخْلُقْ بتكوينِه إياه ، [٧٦٩/٢و] ونفخِه الروح
فیه حتى يَعِيشَ حيًّا .
وقد بيَّنْتُ معنى: ذرَأُ اللَّهُ الخلقَ. فيما مضَى بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِهُ" .
وقولُه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾. فيه وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ
معناه: ليس "كهو شىءٌ). وأَدْخِل المِثْلُ فى الكلام توكيدًا للكلام؛ إِذِ اخْتَلَف
اللفظُ به وبالكافٍ، وهما بمعنَى واحدٍ، كما قيل(٥):
* ما إِن نَدِيتُ بشىءٍ أنت تَكْرَهُهُ(٦)
#
(١) ينظر البحر المحيط ٧/ ٥١٠.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٠/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) ينظر ما تقدم فى ١٠/ ٥٩١.
(٤ - ٤) فى م: ((هو كشىء)).
(٥) الشطر الأول من بیت للنابغة الذییانی، ديوانه ص ٢٠.
(٦) یقال : ما ندینی من فلان بشىء أكرهه . أی: ما بَّنی ولا أصابنى. اللسان (ن د ى).
٤٧٧
سورة الشورى : الآية ١١
فأُدْخِل على ((ما)) وهى حرفُ جَحدٍ(( إن)) ، وهى أيضًا حرفُ جَحْدٍ ؛لاختلافٍ
اللفظِ بهما، وإن اتَّفَق معنياهماً(١) توكيدًا للكلام. وكما قال أَوْسُ بنُ حَجَرٍ (١):
تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ
وقَتْلَى كمِثْلِ جذوعِ النَّخيلِ
ومعنى ذلك : کجذوع النخيلِ، و کما قال الآخر:
ما إنْ كمثلِهِمُ فى الناسِ مِن أحدٍ ١٣/٢٥
/سعدُ بنُ زيدٍ إذا أُبْصَرْتَ فضلَهُمُ
والآخر: أن يكونَ معناه: ليس مثلَه شىءٌ. وتكونَ الكافُ هى المُدْخَلَةَ فى
الكلام، كقول الراجزِ() :
وصالياتٍ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنْ
فأدخل على الكافِ كافّا؛ توكيدًا للتشبيهِ، وكما قال الآخر():
تَنْفِى الغَيادِيقَ على الطريقِ
(٥)
قَلَّصَ عن کبيضةٍ فِی نِيقِ
فأدخل الكافَ مع ((عن)) .
وقد بيّنا هذا فى موضعٍ غيرِ هذا المكانِ، بشرحٍ هو أبلغُ مِن هذا الشرحِ،
فلذلك تجَوَّزْنا فى البيانِ عنه فى هذا الموضع .
(١) فى م: ((معناهما)).
(٢) ديوانه ص ٣٠.
(٣) البيت فى كتاب سيبويه ١/ ٣٢، ٤٠٨، ونسبه إلى خطام المجاشعى .
(٤) الرجز فى الحيوان للجاحظ ١٣٥/٦ غير منسوب.
(٥) الغياديق: جمع الغيداق، هو ولد الضب فوق المُطَبِّخ، وقيل: هى الحيات، وقلص: ارتفع وصعد .
والتیق: ارفع موضع فى الجبل. اللسان (غ د ق، ق ل ص، ن ی ق ).
(٦) تقدم فى ٥٥٣/١٣، ٥٥٤ .
٤٧٨
سورة الشورى : الآيتان ١٢،١١
وقولُه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه واصفًا نفسَه بما هو به :
وهو - يعنى نفسَه - السميعُ لما يَنْطِقُ (١) به خلقُه مِن قولٍ ، البصيرُ لأعمالهم، لا
يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، ولا يَغْزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، وهو محيطٌ بجميعِه ،
مُخْصٍ صغيرَه وكبيرَه؛ لتُجْزَى (١) كلَّ نفسٍ بما كسَبَتْ مِن خيرٍ أو شرًّ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن
كَشَآءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
١٢
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿لَهُمْ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾: له مفاتيح
خزائنِ السماواتِ والأرضِ، وبيدِهِ مَغاليقُ الخيرِ والشرّ ومفاتيحُها، فما يَفْتَخْ من
رحمةٍ فلا تُمْسِكَ لها ، وما يُمْسِكْ فلا مُؤْسِلَ له من بعدِه.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. قال: مفاتيحُ ، بالفارسيةِ.
/ حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. قال: مفاتيحُ السماواتِ والأرضِ. وعن
الحسنِ بمثلٍ ذلك(1).
١٤/٢٥
(١) فى م: ((تنطق)).
(٢) فى ت ١: ((ليجزى)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٨.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٠/٢ عن معمر به. وينظر ما تقدم ص ٢٤٢ .
،
٤٧٩
سورة الشورى : الآيتان ١٢، ١٣
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ
السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾. قال: خزائنُ السماواتِ والأرضِ(١).
وقولُه: ﴿ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرٌ﴾. يقولُ: يُوَسِّعُ رزقَه وفضلَه على
مَن يشاءُ مِن خلقِهِ، ويَبْسُطُ له، ويُكْثِرُ مالَه ويُغْنِيه، ﴿وَيَقْدِرٌ﴾. يقولُ: ويُقَتِّرُ
على مَن يشاءُ منهم، فيُضِيقُه ويُفْقِرُه، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ
تبارك وتعالى بكلِّ ما يَفْعَلُ؛ مِن توسيعِه على مَن يُؤَسِّعُ، وتَقْتِيرِهِ على مَن يُقَتِّرُ، ومَن
الذى يُصْلِحُه البَشْطُ عليه فى الرزقِ ويُفْسِدُه مِن خلقِه، والذى يُصْلِحُه التقتیرُ عليه
ويُفْسِدُه، وغيرِ ذلك من الأمورِ، ذو علم، لا يَخْفَى عليه موضعُ البسطِ والتقتيرِ
وغيره من صلاح تدبيرٍ خلقِه .
يقولُ تعالى ذكرُه : فإلى مَن له مقاليدُ السماواتِ والأرضِ ، الذى صفتُه ما
وصَفْتُ لكم فى هذه الآياتِ أيُّها الناسُ فارْغَبوا، وإياه فاعْبُدوا، مُخْلِصين له
الدينَ، لا الأوثانَ والآلهةَ والأصنامَ، التى لا تَمْلِكُ لكم ضرًّا ولا نفعًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ
أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىَّ أَنْ أَقِيمُوْ الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُواْ فِيَّهِ
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىَ إِلَيْهِ مَن
يُنِيبُ
١٣
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ ربُّكم أيُّها الناسُ، ﴿مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ،
نُوحًا﴾ أن يَعْمَلَه، ﴿ وَاُلَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ عَلَّه: وشرَع
لكم مِن الدينِ الذى أُوْحَينا إليك يا محمدُ ("وأمَرْناك به، ﴿وَمَا وَصَيْنَا بِهِ»
(١) تقدم تخريجه ص ٢٤٢ .
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١: ((فأمرناك)).
٤٨٠
سورة الشورى : الآية ١٣
إِبَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ﴾ [٤٧٦٩/٢]. يقولُ: شرّع لكم من الدينِ أن
أقيموا الدينَ. فـ ﴿ أَنَ﴾ - إذ كان ذلك معنى الكلام - فى موضعٍ نصبٍ على
الترجمةِ بها عن ﴿مَا﴾ التى فى قوله: ﴿مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا﴾. ويَجوزُ أن تكونَ فى
موضعٍ خفضٍ ردًّا على الهاءِ التى فى قوله: ﴿بِهِ﴾، وتفسيرًا عنها، فیکونُ معنی
الكلامِ حينَئذٍ: شرَع لكم مِن الدينِ ما وصَّى به نوحًا، بأن (١) أقيموا الدينَ ولا
تَتَفَرَّقوا فيه. وجائزٌ أن تكونَ فى موضعِ رفعٍ على الاستئناف، فيكون معنى الكلام
حينئذٍ : شرَع لكم مِن الدينِ ما وصَّى به، وهو أن أَقِيموا الدينَ. وإذ كان معنى
الكلام ما وصَفْتُ ، فمعلوم أن الذى أوْصَى به جميعَ هؤلاء الأنبياءِ وصيةٌ واحدةٌ ،
وهى إقامةُ الدينِ الحقِّ ، ولا تَتَفَّقوا فيه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
١٥/٢٥
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، / قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾. قال: ما(١) أوصاك به وأنبياءَه كلَّهم دينٌ واحدٌ(٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فى قوله:
﴿َشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ . قال: هو الدينُ كلُّه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ
(١) فى م، ت ٢: ((أن)).
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر
وابن أبى حاتم .