النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
سورة غافر : الآية ٦٩
(١)
يُصْرَفُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَّمْ نَكُنْ تَدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَفِرِينَ ﴾
حدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ ، قال: ثنا زيدُ بنُ أبى الزرقاءِ ، عن سفيانَ، عن داودَ بنِ
أبى هندٍ ، عن ابنِ سيرينَ، قال: إن لم يَكُنْ أهلَ القدرِ الذين يخوضُون فى آياتِ اللهِ
فلا علمَ لنا به .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال : أخبرنى مالكُ بنُ(١) الخيرِ الزَّبادئُّ(٣)،
عن أبى قَبِيلٍ، قال: أخبرنى عقبةُ بنُ عامرِ الجُهَنىُ، أن رسولَ اللهِ عَلَّمِ قال: ((سَيَهْلِكُ
مِن أُمَّتِى أهلُ الكتابِ وأهلُ اللَّبَنِ(٤)). فقال عقبةُ: يا رسولَ اللهِ ، وما أهلُ الكتابِ؟
قال: ((قومٌ يتَعلَّمون كتابَ اللهِ يُجادِلون الذين آمنوا)). فقال عقبةُ : يا رسولَ اللهِ ، وما
أهلُ اللَّتْنِ(٤)؟ قال: ((قومٌ يَتَّبِعون الشُّهَواتِ، وَيُضَيِّعون الصَّلَواتِ))(٥).
قال أبو قَبِيل: لا أُحسَبُ المُكذِّبين بالقَدَرِ إلا الذين يُجادِلون الذين آمنوا ، وأما
أهلُ اللَّبَنِ(٤) فلا أحسَبُهم إلا أهلَ العمودِ (١) ، ليس عليهم إمامُ جماعةٍ ، ولا يعرِفون
شهرَ رمضانَ .
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك أهلُ الشركِ .
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ١٥٨/٧، والقرطبى فى تفسيره ٣٣١/١٥.
(٢) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((أبى)). وينظر الجرح والتعديل ٢٠٨/٨.
(٣) فى الأصل، م، ت٢، ت٣: ((الزيادى))، وغير منقوطة فى ص، ت١. والزبادى: نسبة إلى زَبَاد وهو
موضع بالمغرب . الأنساب ١٢٧/٣، وينظر الإكمال ٢١٠/٤.
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((اللين))، وأهل اللبن: أناس يحبون اللبن ، فيتبعون الشهوات ويدعون
الجماعات والجمع ، وينظر مصادر التخريج الآتية .
(٥) أخرجه الطبرانى فى الكبير ٢٩٦/١٧ (٨١٧)، والحاكم ٣٧٤/٢، والبيهقى فى الشعب (٢٩٦٤) من طريق
ابن وهب به، وأخرجه أحمد ٥٥٥/٢٨، ٦٣٢، ٦٣٦ (١٧٤١٥،١٧٣١٨، ١٧٤٢١)، والطبرانى فى الكبير
٢٩٥/١٧، ٢٩٦ (٨١٥، ٨١٦)، وأبو يعلى فى مسنده (١٧٤٦)، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم (٢٣٥٩)،
والفسوى فى المعرفة والتاريخ ٥٠٧/٢ ، وابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٢٩٣ من طريق أبى قبيل به .
(٦) فى ت١: ((العهود)). ويقال لأصحاب الأخبية الذين لا ينزلون غيرها: هم أهل عمود، وأهل عماد.
ينظر تاج العروس (ع م د) .
٣٦٢
سورة غافر : الآيات ٦٩ - ٧٤
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ
إِلَى الَّذِينَ يُجَدِدِلُونَ فِىِّ ءَايَتِ اَللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. قال: هؤلاء المشركون(١) .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله ابنُ زيدٍ، وقد بيَّن اللهُ حقيقةَ ذلك بقوله :
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ،
في
٧١
إِذِ الْأَغَْلُ فِىّ أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونٌ
٧٠
رُسُلَنَاْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
اٌلْحَمِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجَرُونَ
٧٢
ثُمَّ قِبِلَ لَهُمْ أَبْنَ مَا كُتُمْ تُشْرِكُونَ
(٧٣)
مِن
اللَّهِ دُونِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ تَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اَللَّهُ
اُلْكَفِرِينَ
(٧٤
٨٤/٢٤
/يقولُ تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ أَنَّ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ﴾ بكتابِ اللهِ، وهو هذا القرآنُ، و ﴿الَّذِينَ﴾ الثانيةُ
يُصْرَفُونَ (٩)ـ
فى موضعٍ خفضٍ ردًّا لها على ﴿الَّذِينَ﴾ الأُولى، على وجهِ النعتِ، ﴿وَيِمَا أَرْسَلْنَا
بِهِ، رُسُلَنَا﴾. يقولُ: وكذَّبوا أيضًا - مع [١١/٤٤ظ] تَكْذييهم بكتابِ اللهِ - بما
أرسَلنا به رُسُلَنا مِن إخلاصِ العبادةِ للهِ ، والبراءةِ مما يُعبدُ من دونِه مِن الآلهةِ والأندادِ،
والإقرارِ بالبعثِ بعدَ المماتِ للثوابِ والعقابِ .
وقولُه: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٢) إِذِ الْأَغْظَلُ فِيَّ أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ﴾ . وهذا
تهديدٌ مِن اللهِ المشركين، يقولُ جلَّ ثناؤه: فسوف يَعلَمُ هؤلاء الذين يُجادلون فى
آياتِ اللهِ ، المُكذِّبون بالكتابِ ، حقيقةً ما تخبرهم به يا محمدُ، وصحةً ما هم به اليومَ
(١) ينظر التبيان ٩٢/٩، وتفسير القرطبى ٣٣١/١٥.
٣٦٣
سورة غافر : الآيتان ٧٠ ، ٧١
مُكَذِّبون مِن هذا الكتابِ ، حينَ تُجعلُ الأغلالُ والسلاسلُ فى أَغْناقِهم فى جهنمَ .
ج
وقرَأْت قرأةُ الأمصارِ: ﴿ وَالسَّلَسِلُ﴾ برفِعها، عطفًا بها على ﴿ اَلْأَغَْلُ﴾،
على المعنى الذى بيَّنتُ، وذُكر عن ابنِ عباس أنه كان يقرؤُه: (والسّلاسِلَ
يَسْحَبون) بنصبِ السلاسلِ وفتح (يَسْحَبُون)، بمعنى: ويَسْحَبون السلاسلَ)،
﴿فِ الْحَمِيمِ﴾(٢).
وقد حُكى أيضًا عنه أنه كان يقولُ: إنما هو: وهم فى السلاسلٍ يُشْخَبون(٢).
ولا يُجيزُ أهلُ العلمِ بالعربيةِ خفضَ الاسمِ والخافضُ مضمرٌ. وكان بعضُهم(٤) يقولُ
فى ذلك: لو أن مُتَوَهِّمًا قال: إنما المعنى: إذ أعناقُهم فى الأغلالِ وفى (٥) السلاسلِ
يُسْحَبون. جازَ الخفضُ فى ((السلاسلِ)) على هذا المذهبِ. وقال: مثلُه مما رُدَّ إلى
المعنى قولُ الشاعر (١):
الأُفْتُوانَ والشُّجاعَ الأَزْقَمَا(٧)
قد سالَمَ الحَاتُ منه القَدَما
فنصَب الشُّجاعَ ، والحياتُ قبلَ ذلك مرفوعةٌ ؛ لأن المعنى: قد سالمَت رِجْلَه الحيّاتُ
وسالمَتْها، فلما احتاجَ إلى نصبِ القافيةِ، جعَل الفعلَ مِن القدم واقعًا على الحيَّاتِ.
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) وهى قراءة ابن مسعود وابن عباس وزيد بن على وابن وثاب والمسيّبى فى اختياره. وقال ابن عباس: إذا
كانوا يجرونها فهو أشد عليهم ، يكلفون ذلك وهم لا يطيقون. البحر المحيط ٤٧٤/٧، ٤٧٥ .
(٣) ينظر البحر المحيط ٤٧٥/٧ .
(٤) هو الفراء فى معانى القرآن ١١/٣.
(٥) سقط من : م .
(٦) هو من أرجوزة لأبى حيان الفقعسى ، وقيل: لمساور بن هند العبسى . وبه جزم الترمذى والبطليوسى ، وقيل:
للعجاج . وقال السيرافى : قائله التدمرى . وقال الصغانى : قائله عبد بنى عبس. شرح شواهد المغنى ٩٧٣/٢ .
(٧) كتب فوق هذه الكلمة فى الأصل: ((الشجعما)). وهى رواية البيت فى شرح شواهد المغنى ٩٧٤/٢ .
والشجعم ذكر الحيات الجرىء المسلط .
٣٦٤
سورة غافر : الآيتان ٧١، ٧٢
والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا فى ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ ؛ لإجماعِ الحجةِ
عليه، وهو رفعُ ((السلاسلِ)) عطفًا بها على ما فى قولِه: ﴿فِيّ أَعْنَقِهِمْ﴾ مِن ذکرِ
اُلْأَعْذَلُ﴾ .
وقولُه: ﴿يُسْحَبُونٌ﴾. يقولُ: يَسحبُ هؤلاء الذين كذَّبوا فى الدنيا
بالكتابِ زبانيةُ العذابِ يومَ القيامةِ ﴿فِ اٌلْحَمِيمِ﴾؛ وهو ما قد انتَهی حرّه ، وبلغ
غايته .
وقولُه: ﴿ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. يقولُ: ثم هم(١) فى نارٍ جهنمَ يُحرَقون ،
يقولُ: تُشْجَرُ بهم(٢) جهنمُ. أى: توقَدُ بهم.
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿يُسْجَرُونَ﴾. قال: تُوقَدُ بهم النارُ(١) .
/حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدىِّ: ﴿ثُوَّ فِی
النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. قال: يُحْرَقون فى النارِ (٤).
٨٥/٢٤
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی قوله : ﴿ثُمَّ فِی
(١) سقط من : م .
(٢) فى م: ((بها)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، ومن طريقه الفريابى - كما فى التغليق ٣٠٠/٤ - وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٥٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) ينظر البحر المحيط ٤٧٥/٧.
٣٦٥
سورة غافر : الآيات ٧٢ - ٧٦
النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. قال: يُشْجَرون فى النارِ ؛ يُوقَدُ عليهم فيها .
مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . يقولُ: ثم
٧٣
وقولُه: ﴿ثُمَّ قِلَ لَهُمْ أَبْنَ مَا كُتُمْ تُشْرِكُونَ
قيل لهم(١) : أين الذين كنتم تُشركون بعبادتكم إياهم مِن دونِ اللهِ ، مِن آلهتكم
وأوثانِكم ، حتى يُغِيثوكم فيُنْقِذو كم مما أنتم فيه مِن البلاءِ والعذابِ ، فإن المعبودَ يُغِيثُ مَن
عبده وخدَمه؟! وإنما يقالُ لهم هذا تؤبيخًا وتَقْرِيعًا على ما كان منهم فى الدنيا مِن الكفرِ باللهِ
وطاعةِ الشيطانِ، فأجابَ المساكينُ عندَ ذلك فقالوا: ﴿ضَلُّواْ عَنَّا﴾. يقولون(١): عَدَلوا
عَنَّا، فأخذوا غيرَ طريقِنا، وترَكونا فى هذا البلاءِ، بل ما ضَلُّوا عَنَّا، ولكنا لم نَكُنْ
نَدْعُو مِن قبلُ فى الدنيا شيئًا. أى: لم نَكُنْ نعبدُ شيئًا. يقولُ اللهُ تعالى ذكره:
كَذَلِكَ يُضِلُّ اَللَّهُ الْكَفِرِينَ﴾. يقولُ: كما أضلَّ هؤلاء الذين ضَلَّ عنهم فى
جهنمَ ما كانوا يعبدون فى الدنيا مِن دونِ اللهِ مِن الآلهةِ والأوثانِ - [ ١٢/٤٤ و] آلهتُهم
وأوثانُهم ، كذلك يُضِلُّ اللهُ أهلَ الكفرِ به عنه ، وعن رحمته وعبادتِه، فلا يرحمُهم
فيُنَجِّيَهم مِن النارِ، ولا يُغِيثُهم فيُخَفِّفَ عنهم ما هم فيه مِن البلاءِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ
أُدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
اَلْقِّ وَبِمَا كُمْ تَمْرَحُونَ (٢٥)
٧٦
اُلْمُتَكَبِيِنَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ ذَلِكُمْ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِ اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ
اَلْحَقِّ﴾: هذا الذى فعلنا بكم أيُّها القومُ اليومَ؛ مِن تَعْذيِناكم العذابَ الذى أنتم
فيه - بفَرَحِكم الذى كنتم تفرَحونه فى الدنيا ، بغيرِ ما أذِن اللهُ لكم به مِن الباطلِ
والمعاصى، وبَمَرَحِكم فيها. والمرَحُ: هو الأَشَرُ والبَطَرُ.
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((إياها)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((يقول)).
٣٦٦
سورة غافر : الآيتان ٧٥، ٧٦
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أُبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ﴾ إِلى:
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُنَكَِّينَ﴾. قال: الفَرحُ والمرحُ: الفَخْرُ والخُيَلاءُ، والعملُ فى
الأرضِ بالخطيئةِ، وكان ذلك فى الشركِ، وهو مثلُ قولِه لقارونَ: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ
لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [ القصص: ٧٦]. وذلك فى الشركِ(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الِّْ وَبِمَا كُمْ تَمْرَحُونَ﴾. قال:
تَبْطَرون وتَأْشَرُون(٢) .
/حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشّدىِّ قولَه :
﴿تَمْرَحُونَ﴾ . قال : تَبْطَرون .
٨٦/٢٤
وقولُه: ﴿ أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ(٣)
لهم: ادخُلوا أبوابَ جهنمَ السبعةَ، مِن كلٌّ بابٍ منها جزءٌ مقسوم منكم خالدين
فيها، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَتِينَ﴾. يقولُ: فبئسَ مَنْزِلُ المُكبرين فى الدنيا
على اللهِ أن يُوَحِّدوه ويؤمِنوا برُسُلِه اليومَ - جهنمُ .
(١) ينظر البحر المحيط ٤٧٥/٧.
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، ومن طريقه الفريابى كما فى التغليق ٣٠٠/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٥٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
٣٦٧
سورة غافر : الايتان ٧٧، ٧٨
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ
VV
بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَيَّنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
يقولُ تعالی ذکرُه لنبِّه محمدٍ ئه : فاصِرْ یا محمدُ على ما يُجادِلُك به هؤلاء
المشركون فى آياتِ اللهِ التى أَنزَلْناها عليك، وعلى تَكْذِهِم إياك، فإن اللهَ مُنْجِزٌلك
فيهم ما وَعَدك؛ مِن الظَّفَرِ بهم(١) والعُلُوَّ عليهم، وإحلالِ العذابِ(٢) بهم، سَُتَناً(١)
فى موسى بن عمرانَ ومَن كذَّبه، ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾. يقولُ جلَّ
ثناؤُه : فإِما نُريَنَّك يا محمدُ فى حياتِك بعضَ الذى نَعِدُ هؤلاء المشركين من العذابِ
والنِّقْمةِ أن يَحِلَّ بهم، ﴿ أَوْ نَتَوَفَيَّنَّكَ﴾ قبلَ أن يَحِلَّ ذلك بهم، ﴿ فَإِلَيْنَا
يُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: فإلينا مصيرُك ومصيرُهم، فنحكُمُ عندَ ذلك بينك وبينَهم
بالحقِّ ؛ بتَخْليدِناهم فى النارِ ، وإكرامِناك بجوارِنا فى جناتِ النعيمِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن
قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِى بِشَايَةٍ إِلَّا
(٧٨)
بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه النبيِّه محمدٍ عَلَه: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ يا محمدُ، ﴿رُسُلًا
مِّن قَبْلِكَ﴾ إلى أيمِها، ﴿مِنْهُم مَن قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾. يقولُ: مِن أولئك الرسلِ(٤
الذين أرسلناهم(٥) إلى أممهم مَن قَصَصْنا عليك نبأَهم، ﴿وَمِنْهُمْ مَن لَّمْ نَقْصُصْ
عَلَيْكَ ﴾ نبأهم .
(١) فى م: ((عليهم)) .
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((العقاب)).
(٣) فى م: (( كسنتنا)).
(٤) سقط من : م .
(٥) فى م: ((أرسلنا)).
٣٦٨
سورة غافر : الآية ٧٨
وذُكر عن أنسٍ أنهم ثمانيةُ آلافٍ .
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا علىُّ بنُ شعيبِ السّمْسَارُ، قال: ثنا معنُ بنُ عيسى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ
المهاجرِ بنِ مِشْمارٍ، عن محمدِ بنِ المُكَدرِ ، عن يزيدَ بنِ أبانٍ ، عن أنسٍ بنِ مالكِ ، قال :
يُعِث النبىُّ عَِّ بعدَ ثمانيةِ آلافٍ مِن الأنبياءِ؛ منهم أربعةُ آلافٍ مِن بنى إسرائيلَ(١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن عُثْبةَ بنِ عُتَيَّةَ البصرىِّ
العَبْدِىِّ، عن ٢ أبى سهلٍ، عن وهبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ سَورِ الأزْدِىِّ، عن
سَلْمَى(٢)، عن النبيِّ عَّمٍ، قال: ((بعَث اللهُ أربعةَ آلافٍ نبيِّ)) ().
حدَّثنى أحمدُ بنُ الحسينِ التِّرِمِذِىُّ، قال: ثنا آدمُ بنُ أبى إياسٍ العسقلانىُّ ،
قال : ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن / عبدِ اللهِ بنِ نُجَئِّ (٢)، عن على بن أبى طالبٍ فى
قوله: ﴿مِنْهُم ◌َنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم ◌َن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. قال:
بعَث اللهُ عبدًا حَبَشِيًّا نَبِيًّا، فهو الذى لم نَقْصُصْ(٢) عليك(٧).
٨٧/٢٤
(١) أخرجه الحاكم ٥٩٧/٢ من طريق إبراهيم به، وأخرجه الطيرانى فى الأوسط (٧٧٤) من طريق إبراهيم
عن صفوان عن يزيد عن أنس به، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ١٦٢/٣ من طريق محمد عن صفوان عن أنس،
وأخرجه ابن سعد فى الطبقات ١٩٢/١ من طريق محمد عن أنس، وأخرجه أبو يعلى (٤١٣٢) ، وأبو نعيم
فى الحلية ٥٣/٣، والقزوينى فى التدوين فى أخبار قزوين ٢٧٠/١ من طريق يزيد عن أنس به .
(٢) سقط من : الأصل . ولم أجد ترجمة عتبة بن عتيبة البصرى ولا ترجمة أبى سهل ، فيما بين يدى من المصادر .
(٣) فى النسخ: ((سليمان))، وترجمتها فى مصدرى التخريج غير منسوبة .
(٤) أخرجه ابن منده وأبو نعيم - كما فى أسد الغابة ١٥١/٧ - من طريق وهب به، وذكره ابن حجر فى
الإصابة ٧/ ٧١٠، ٧١١ وعزاه إلى ابن منده .
(٥) فى النسخ: ((يحبى))، وينظر تهذيب الكمال ٢١٩/١٦.
(٦) فى الأصل: (( يقص)).
(٧) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٩٣١٩)، وابن مردويه - كما فى تخريج الزيلعى ٢٢٢/٣ - من طريق آدم
ابن أبى إياس به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١٩/٤ (٦٢٨٤) من طريق إسرائيل به.
٣٦٩
سورة غافر : الآيات ٧٨ - ٨١
وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِى بِشَايَةٍ إِلَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ . يقولُ تعالى
ذكرُه: وما جعلنا لرسولٍ ممن أرسلناه مِن قبلِك ، الذين قَصَصْناهم عليك ، والذين لم
نَقْصُصْهم عليك، إلى أممِها ، أن يأتىَ قومَه بآيةٍ فاصلةٍ بينَه وبينَهم ، إلا بإذنِ اللهِ له
بذلك، فيأتِيَهم بها ، يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه: فلذلك لم نجعلْ لك أن تأتىَ قومَك بما
يَسْألونك مِن الآياتِ دونَ إِذْنِنا لك بذلك، كما لم نجعلْ لَن قبلَك مِن رُسُلِنا ، إلا أن
نأذنَ له به، ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِلْحَقِ﴾. ( يقولُ: فإذا جاء قضاءُ اللهِ بينَ
رسلِه وأمها قُضِى بالحقِّ(١) . يعنى: بالعدلِ، وهو أن يُنَجِّىَ رُسُلَه والذين آمنوا معهم،
﴿ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾. يقولُ: وهَلَك هنالك الذين أَبْطَلوا؛ فى قيلِهم
الكذبَ ، وافترائهم على اللهِ ، وادعائهم له شريكًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا
وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُوْ عَيْهَا حَاجَةٌ فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا
٧٩
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
وَيُرِيَكُمْ ءَايَتِهِ، فَأَىَّ ءَايَتِ اٌللَّهِ تُنكِّرُونَ
وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ﴾ الذى لا تصلُحُ الأُلوهةُ إلا له، أيُّها المشركون به
مِن قريشٍ، ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ﴾ ؛ مِن الإبلِ والبقرِ والغنمِ والخيلِ، وغيرِ
ذلك مِن البهائم التى يَقْتَنيها أهلُ الدنيا(١)؛ لَمَرْكَبٍ أو لَطْعَم، ﴿لِتَرَكَبُوْ مِنْهَا﴾.
يعنى الخيلَ ( والبغالَ) والحميرَ، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يعنى الإبلَ والبقرَ والغنمَ .
وقال: ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا﴾. ومعناه: لتركَبوا منها بعضًا، ومنها بعضًا تأكُلون .
فيحُذِف(١) استغناءً بدلالةِ الكلام على ما يحذف .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الإسلام)).
(٣) بعده فى ت١: ((بعضا)).
( تفسير الطبرى ٢٤/٢٠)
٣٧٠
سورة غافر: الآيتان ٨٠، ٨١
وقولُه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ﴾. (١ يقولُ: ولكم فى الأنعامِ التى جعَلها لكم
منافعُ()، وذلك أنْ جعَل لكم مِن جلودِها ﴿ بُيُوتًا تَسْتَخِقُونَهَا [١٣/٤٤ و] يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ
إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] .
وقولُه: ﴿ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِى صُدُورِكُمْ﴾. يقولُ: ولَبْلُغوا بالحَقُولِةِ
على بعضِها؛ وذلك الإبلُ، ﴿حَاجَةٌ فِى صُدُورِكُمْ﴾، لم تكونوا لِتَبْلُغوها(٢) ، لولا
هى، إلا بشِقِّ أنفسِكم. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ
تَكُونُواْ بَشِلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِّ﴾ [النحل: ٧].
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا
حَاجَةٌ فِى صُدُورِكُمْ﴾. يعنى: الإبلُ تحملُ أثقالَكم إلى بلدٍ(٣) .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِي صُدُورِكُمْ﴾: لحاجتِكم ما كانت(٤).
٨٨/٢٤
/وقولُه: ﴿وَعَلَيْهَا﴾. يعنى: على هذه الإبلِ وما جانَسها مِن الأنعامِ المركوبةِ،
﴿ وَعَلَى الْفُلّكِ﴾. يعنى: وعلى السفنِ، ﴿ تُحْمَلُونَ﴾. يقولُ: نحملُكم على هذه فى
البَرِّ، وعلى هذه فى البحرِ، ﴿وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ﴾. يقولُ: ويُرِيكم حُجَجَه، ﴿فَأَّ
ءَايَتِ اللَّهِ تُنْكِّرُونَ﴾. يقولُ: فأىَّ حُجَج اللَّهِ التى يُرِيكم أيُّها الناسُ فى السماءِ وفى
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) سقط من: ت٢، ت٣. وفى ص، م: ((بالغيها))، وفى ت١: ((بالغيه)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨٣/٢ عن معمر عن قتادة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٨/٥
إلی عبد بن حميد .
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٣٧١
سورة غافر: الآيتان ٨٢،٨١
الأرضِ تُنْكِرون صحتها ، فتكذِّبون مِن أجلِ فسادِها بتوحيدِ اللَّهِ ، وتَدْعون مِن دونِهِ إلهًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوَأْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَآ أَغْفَ عَنْهُم مَّا
٢٨٢
كَانُواْ يَكْسِبُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : أفلم يَسِرْ يا محمدُ هؤلاء المجادِلوك(١) فی آياتِ اللَّهِ مِن
مُشركی قومِك فى البلادِ ، فإنهم أهلُ سفرٍ إلى الشامِ واليمنِ - رحلتُهم فى الشتاءِ
والصيفِ - فينظُروا فيما وَطِئوا مِن البلادِ إلى وقائِعنا بَمَن أوقَعنا به مِن الأمم قبلَهم ،
ويَرَوا ما أحْلَلْنا بهم مِن بأسِنا بتَكْذينهم رُسُلَنا وُجُحُودِهم آياتِنا، كيف كان عُقْبَى
تَكْذِيبِهم؟ ﴿ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: كان أولئك الذين مِن قبلٍ هؤلاء
المُكَذِّبِيك مِن قريشٍ أكثرَ عددًا مِن هؤلاء، وأشدَّ بَطْشًا، وأقوى قوةً ، وأبقَى فى
الأرض آثارًا؛ لأنهم کانوا ینْحِتون مِن الجبال بيوتاً، ويتخذون مصانعَ.
وكان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا
ورقاءُ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَءَاثَارًا فِ اْأَرْضِ﴾: المَشْىَ بأرجلهم(١).
﴿فَمَآ أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فلما جاءهم بأسُنا وسطوتُنا ،
لم يُغْنِ عنهم الذى كانوا يعمَلون مِن البيوتِ فى الجبالِ، ولم يدفَعْ ذلك
عنهم شيئًا، ولكنهم بادُوا جميعًا فهلَكوا. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿فَمَآ
أَغْنَى عَنْهُمْ﴾: فأىُّ شىءٍ أغنَى عنهم؟ وعلى هذا التأويلِ يجبُ أن تكونَ ((ما))
الأولى فى موضعِ نصبٍ ، والثانيةُ فى موضعٍ رفع. يقولُ : فلهؤلاءِ المجادِليك مِن
قومِك يا محمدُ فى أولئك مُعْتَبَرٌ إِن اعْتَبَروا، ومُتَّعَظٌ إِن اتَّعَظوا، وإنَّ بأسَنا إذا حلَّ
(١) فى ص، م، ت١، ت٢: ((المجادلون))، وفى ت٣: (( الذين يجادلون)).
(٢) تفسير مجاهد ص٥٨٤، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨٣/٢ عن ابن جريج عن مجاهد ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/٥، ٣٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٣٧٢
سورة غافر: الآيتان ٨٣،٨٢
بالقومِ المجرمين لم يدفعه دافعٌ، ولم يمنعه مانعٌ، وهو بهم إن لم يُنِيبوا إلى تَصْديقِك
واقعٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَرِحُواْ بِمَا
٨٣
◌ِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاءت هؤلاء الأممَ الذين مِن قبلٍ قريشٍ [١٣/٤٤ظ]
المُكذِّبَةَ رُسُلَها - رُسُلُهم الذين أرسَلهم اللَّهُ إليهم ﴿ بِالْبَيْنَتِ﴾، يعنى:
بالواضحاتِ مِن حجَج اللّهِ عز وجل، ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾.
يقولُ: فرِحوا، جهلاً منهم، بما عندَهم مِن العلم، وقالوا: لن نُبْعَثَ، ولن
يُعَذِّبَنَا اللَّهُ .
٨٩/٢٤
/ كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،
وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾. قال: قولُهم: نحن أعلم
منهم، لن نُعَذَّبَ ، ولن نُبعَثَ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّئِّ: ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: بجهالتِهم (١).
وقولُه: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾. يقولُ: وَلَّ(٣) بهم مِن
عذابِ اللَّهِ ما كانوا يَسْتَعْجِلون رُسُلَهم به؛ استهزاءً به وسخريةً .
(١) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٣٥٧، ٣٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٤٩/٧.
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((حاق)).
:
٣٧٣
سورة غافر : الآيات ٨٣ - ٨٥
کما حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثناعیسی ، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ما جاءتهم به رُسُلُهم
(١)
مِن الحقِّ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلُّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ
٨٤
وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ
يقولُ تعالى ذكره: فلما رَأَت هذه الأممُ المُكذِّبَةُ رُسُلَها ﴿ بَأْسَنَا﴾. يعنى:
عقابَ اللَّهِ الذى وَعَدتْهم رُسُلُهم قد حَلَّ بهم .
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَلَمَّا
رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ . قال: النَّقِماتِ التى نزَلت بهم .
وقولُه: ﴿قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِالَّهِ وَحْدَهُ﴾. يقولُ: قالوا: أقرَرْنا بتوحيدِ اللَّهِ،
وصَدَّقْنا أنه لا إلهَ غيرُه، ﴿ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَا بِهِ، مُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: قالوا (٢):
وجَحَدنا الآلهةَ التى كُنَّا قبلَ وقتنا هذا نُشْرِكُها فى عبادتِنا اللَّهَ، ونعبدُها معه ،
ونتخذُها آلهةً ، فبَرِثْنا منها .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَّأْ سُنَّتَ
اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ
(٨٥
يقولُ تعالى ذكرُه: فلم يَكُ ينفعُهم تَصْدِيقُهم فى الدنيا بتوحيدِ اللَّهِ، عندَ
معاينتِهم عقابَه قد نزَل، وعذابَه / قد حَلَّ؛ لأنهم صدَّقوا حينَ لا ينفعُ التَّصْديقُ ٩٠/٢٤
(١) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/٥، ٣٥٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) سقط من : ص ، م، ت٢ .
٣٧٤
سورة غافر : الآية ٨٥
مُصَدِّقًا، إذ كان قد مضَى حكمُ اللَّهِ فى السابقِ مِن علمِه أن مَن تابَ [١٤/٤٤و] بعدَ
نزول العذابِ به(١) مِن اللَّهِ على تكذيبه، لم تنفئه توبتُه.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ
يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنًا﴾: لمَّا رَأَوا عذابَ اللَّهِ فى الدنيا ، لم ينفعهم الإيمانُ عندَ
(٢)
ذلك (٢) .
وقولُه: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِهُ﴾. يقولُ: تَرَك اللَّهُ تبارك وتعالى
إقالتَهم، وقبولَ التوبةِ منهم، ومراجعتَهم الإيمانَ باللّهِ، وتصديقَ رُسُلِهم، بعدَ
مُعاينتِهم بأسَه قد نزَل بهم ؛ سُنَّتَه التى قد مضَت فى خلقِه ، فلذلك لم يُقِلْهم ، ولم
يقبلْ توبتَهم فى تلك الحالِ .
كما حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى
قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ،﴾. يقولُ: كذلك كانت سنةُ اللَّهِ فى الذين خَلَوا مِن قبلُ ، إذا
عايَنوا عذابَ اللَّهِ لم ينفعهم إيمانُهم عندَ ذلك(٢) .
وقولُه: ﴿وَخَبِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾. يقولُ: وهلَك عندَ مجىءٍ بِأُسِ اللَّهِ ،
فَغَبِنتِ صَفْقتُه، ووَضُع فى بيعِه الآخرةَ بالدنيا، والمغفرةَ بالعذابِ، والإِيمانَ
بالكفرِ - الكافرون بربّهم، الجاحِدون توحيدَ خالقِهم، المُتَّخِذون مِن دونِه آلهةً
يعبدونها مِن دونٍ بارئهم .
آخرُ تفسير سورةٍ ((حم المؤمن)»
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ٣٦.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨٣/٢ عن معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٨/٥ إلى عبد بن حميد.
٣٧٥
سورة فصلت : الآيات ١ - ٤
بسمِ اللَّهِ الرحمن الرحيمِ
[١٤/٤٤ ظ] تفسير سورةٍ ((فصلت)) (١)
تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿حمّ
بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ
كِثَبُ فُصِلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
قال أبو جعفرٍ: قد تقدَّم القولُ مِنَّا فيما مضى قبلُ فى معنى: ﴿حَمَ﴾،
والقولُ فى هذا الموضعِ كالقولِ فى ذلك(٢).
وقولُه: ﴿ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا القرآنُ تنزيلٌ
مِن عندِ الرحمنِ الرحيم، نزَّله على نبيِّه محمدٍ عَلَّه، ﴿كِثَبُ فُصِلَتْ ءَايَتُهُ﴾.
يقولُ : كتابٌ بُيِّنَت آیاتُه .
(٣)كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ قولَه:
﴿ فُصِلَتْ ءَيَتُهُ﴾. قال: بَيِّنَت آيَاتُه٣) .
/ وقولُه: ﴿قُزْءَانًا عَرَبِيًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فُصِّلت آياتُه هكذا .
٩١/٢٤
وقد اختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبٍ ((القرآنِ))؛ فقال بعضُ نحونِّى
البصرة: قولُه: ﴿كِنَبٌ فُصِّلَتْ﴾: الكتابُ خبرٌ(٤) لمبتدأَ، أخبَر أن التنزيلَ
(١) فى الأصل، ت١، ت٢: ((حم السجدة)). وفى ص، ت ٣: ((السجدة)).
(٢) تقدم فى ٢٠٦/١، وفى ص ٢٧٤ - ٢٧٦ من هذا الجزء .
(٣ - ٣) سقط من: ت ١.
(٤) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((خبرا)).
٣٧٦
سورة فصلت : الآيتان ٣، ٤
كتابٌ ، ثم قال: ﴿ فُصِلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا﴾ شغَل الفعلَ بالآياتِ حتى صارَت
بمنزلةِ الفاعلِ، فنصَب ((القرآنَ)). وقال: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. على أنه صفةٌ(١)، وإن
شئتَ جعلتَ نصبه على المدح، كأنه حينَ ذكره أقبل فى مدحِه(١) ، فقال: ذكرنا قرآنًا عربيًّا
بشيرًا ونذيرًا، وذكّرناه قرآنًا عربيًّا. وكان فيما مضَى مِن ذكره، دليلٌ على ما أُضمرَ.
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: نصَب ﴿ قُرْءَانًا﴾ على الفعلِ، أى: فُصِّلت آياتُه
كذلك. قال: وقد يكونُ النصبُ فيه على القطع؛ لأن الكلامَ تامّ عندَ قولِه :
ءَايَتُهُ﴾ . قال : ولو كان رفعًا على أنه مِن نعتِ ((الكتاب)» كان صوابًا، كما
قال فى موضع آخرَ: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبٌَّ﴾ [ص: ٢٩]. قال : وكذلك
قولُه: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ فيه ما فى ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾(٤).
وقولُه: ﴿لَقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: فُصِّلت آياتُ هذا الكتابِ قرآنًا عربيًّا لقومٍ
يعلمون اللسانَ العربىّ، ﴿ بَشِيرًا﴾ لهم يُبَشِّرُهم إن هم آمنوا به، وعمِلوا بما أُنزل فيه مِنْ
حدودِ اللَّهِ وفرائضِه - بالجنةِ، ﴿ وَنَذِيرًا﴾. يقولُ: ومُنْذِرًا مَن كذَّب به ولم يعملْ بما
فيه ، بأسَ(٥) اللَّهِ فى عاجلِ الدنيا، وخلودَ الأَبدِ فى نارٍ جهنمَ فى آجلِ الآخرةِ .
وقولُه: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاستكبر عن الإصْغاءِ
له، وتَدبُّرِ ما فيه مِن حُجّج اللَّهِ، وأعرَض عنه، أكثرُ هؤلاء القوم الذين أَنزل " اللهُ
إليهم هذا القرآنَ بشيرًا لهم ونذيرًا، وهم قومُ رسولِ اللهِ عَه، ﴿فَهُمْ لَا
يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ: فهم لا يُصْغُون له فيَسْمَعوه ؛ إعراضًا عنه واستكبارًا .
(١) فى ت ١: (( صفته)) .
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((مدحته).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((وقال)).
(٤) ينظر معانى القرآن للفراء ١٢/٣.
(٥) فى ص، م، ت٢: ((بأمر)).
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
٣٧٧
سورة فصلت : الآية ٥
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِيّ
ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيِنْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ
يقولُ تعالى ذكره : وقال هؤلاء(١) المعرضون عن آياتِ اللَّهِ مِن مُشْركى قريشٍ،
إذ دعاهم [١٥/٤٤ و] محمدٌ نبىُّ اللَّهِ إلى الإقرارِ بتوحيدِ اللَّهِ، و("التصديقِ بما) فى هذا
القرآنِ مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِهِ، وسائرٍ ما أُنزل فيه: ﴿قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ﴾. يعنى: فى
أَغْطِيةٍ مما تَدْعُونا يا محمدُ إليه مِن توحيدِ اللَّهِ ، وَتَصْدِيقِك فيما جِئْتَنا به، لا نفقَهُ ما
تقولُ، ﴿ وَفِيّ ءَذَاِنَا وَقْرٌ﴾، وهو الثّقْلُ، لا نسمعُ ما تَدْعُونا إليه. استثقالًا لِما يَدْعو
إليه و کرامةً له .
وقد مضَى البيانُ قبلُ عن معانی هذه الأحرفِ بشواهدِه، وذكرُ ما قال أهلُ
التأويلِ فيه، فكَرِهنا إعادةَ ذلك فى هذا الموضعِ .
وقد حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد
فى قوله: ﴿قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ﴾. قال(٤): كالجَعَبةِ للنَّْلِ(٥) .
٩٢/٢٤
/ حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ قولَه: ﴿ وَقَالُواْ
قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ﴾. قال: عليها أَغْطِيةٌ، ﴿ وَفِيّ ءَاذَاتِنَا وَقَّرٌ﴾. قال: صَمَمَّ .
وقولُه: ﴿ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ . يقولون: ومِن بيننا وبينك يا محمدُ
(١) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((المشركون)).
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((تصديق ما).
(٣) ينظر ما تقدم فى ١٩٧/٩، ١٩٨، ٦٠٩/١٤.
(٤) بعده فى م: ((عليها أغطية)).
(٥) تفسير مجاهد ص ٥٨٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٠/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٦) تقدم فى ١٩٨/٩.
٣٧٨
سورة فصلت : الآيات ٥ - ٧
ساترٌ، لا نجتمِعُ مِن أجلِه نحن وأنت فيَرى بعضُنا(١) بعضًا، وذلك الحجابُ هو
اختلافُهم فى الدينِ؛ لأن دينَهم كان عبادة الأوثانِ، ودينَ محمدٍ عَظِيمٍ عبادةُ اللَّهِ
وحدَه لا شريكَ له ، فذلك هو الحجابُ الذى زعموا أنه بينهم وبينَ نبيَّ اللَّهِ ، وذلك
هو خِلافُ بعضِهم بعضًا فى الدينِ .
وقولُه: ﴿فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ﴾. يقولُ: قالوا له عَّهِ: فاعمَلْ يا محمدُ
بدينِك وما تقولُ إنه الحقُّ، إننا عامِلون بديننا وما نقول إنه الحقُّ ، ودَغْ دعاءَنا إلى ما
تَدْعونا إليه مِن دِينِك، فإنا نَدَعُ دعاءَك إلى ديننا. وأُدخلت ((من)) فى قوله: ﴿ وَمِنُ
بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾. والمعنى: وبيننا وبينَك حجابٌ، توكيدًا للكلامِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ
إِلَهٌ وَحِدٌ فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ
٦
وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
يقولُ تعالى ذكره : قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُعرِضين عن آياتِ اللَّهِ مِن قومِك: أيُّها
القومُ ، ما أنا إلا بشرٌ مِن بنى آدمَ مثلُكم فى الجنسِ والصورةِ والهيئةِ(٢) ، لستُ بِمَلَكِ،
﴿ يُوحَى إِلَىَ﴾. يقولُ: يوحِى اللَّهُ إِلىَّ ألَّ معبودَ لكم تصلُحُ عبادتُه إلا معبودٌ
واحدٌ، ﴿فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ﴾. يقولُ: فاستقيموا إليه بالطاعةِ، ووَجَّهوا إليه
وجوهَكم بالرغبةِ والعبادةِ، دونَ الآلهةِ والأوثانِ، ﴿ وَأَسْتَغْفِرُوهُ﴾. يقولُ: وسَلُوه
العفوَ لكم عن ذنوبِكم التى سلَفت منكم بالتوبةُ مِن شركِكم، يُبْ علیکم ،
ويغفر لكم .
(١) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((بعضها)).
(٢) فى ت ١: ((الصفة)).
(٣) بعده فى الأصل: (( منكم)).
٣٧٩
سورة فصلت : الآيتان ٦، ٧
الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾. يقولُ تعالى
٦
وقولُه: ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
ذكرُه : وصديدُ أهلِ النارِ ، وما يسيلُ منهم للمُدَّعِين للَّهِ شريكًا ، العابدين الأوثانَ
دونَه ، الذين لا يُؤْتون الزكاةَ .
فاختلف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه : الذين لا يُعْطُون اللَّهَ
الطاعةَ التى تُطَهِّرُهم وتزكّى أبدانَهم، ولا يوحّدونه. وذلك قولٌ يُذْكَرُ عن ابنِ
عباسٍ .
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنى علىٍّ، قال: ثنا أبو صالح، [١٥/٤٤ ظ] قال: ثنى معاویةً ، عن علىّ ، عن
اُلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ ﴾ . قال : هم
٦
ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
الذين لا يَشْهَدون ألّا إلهَ إلا اللّهُ(١).
حدَّثنى سعدُ(٢) بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَم ، قال : ثنا حفصُ بنُ عمرَ ، قال : ثنا
الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ
٦
الحَكَمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَوَيِّلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
الزَّكَوَةَ﴾: الذين لا يقولون: لا إلهَ إلا اللَّهُ(٣).
/ وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين لا يُقِرُّون بزكاة أموالهم التى فرَض(٤) ٩٣/٢٤
اللَّهُ فيها، ولا يعطُونها أهلَها. وقد ذكرنا أيضًا قائلى ذلك قبلُ(٥).
(١) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٢٠٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٦٠/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((سعيد)). وينظر الجرح والتعديل ٤/ ٩٢.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ١٥٣، والطوسى فى التبيان ٩/ ١٠٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٪
٣٦٠ إلى المصنف وعبد بن حميد والحكيم الترمذى وابن المنذر.
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((فرضها)).
(٥) بعده فى ت ٣: ((الذين لا يقولون لا إله إلا الله)).
٣٨٠
سورة فصلت : الآيتان ٦، ٧
وقد حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَوَيْلٌ
الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ ﴾ . قال : لا يقُّون بها ولا يؤمنون بها ،
٦
لِلْمُشْرِكِينَ
وكان يقالُ : إن الزكاةَ قَنْطرةُ الإسلامِ، فمَن قطَعها نجا، ومَن تخَلَّف عنها هلَك .
وقد كان أهلُ الرَّدَّةِ بعدَ نبيِّ اللَّهِ قالوا: أما الصلاةُ فنصلِّى، وأما الزكاةُ فواللَّهِ لا
نُغْصَبُ (١) أموالَنا. قال: فقال أبو بكرٍ: واللَّهِ لا أفرّقُ بينَ شىءٍ جمَع اللَّهُ بينَه، واللَّهِ
لو منَعونا (٢) ◌ِقالًا مما فرض اللَّهُ ورسولُه، لقاتلْناهم عليه(٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَوَيِّلٌ
لِلْمُشْرِكِينَ ﴿٦َ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾. قال: لوزکُّوا وهم مشرِکون لم ینفَعْھم .
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله الذين قالوا : معناه : لا
يؤدُّون زكاةَ أموالهم. وذلك أن ذلك هو الأشهرُ من معنى الزكاةِ ، وإن فى قولِه :
﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾. دليلًا على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفارَ الذين
عُنُوا بهذه الآيةِ كانوا لا يشهَدون ألّا إلهَ إلا اللَّهُ، فلو كان قولُه: ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ﴾. مرادًا به الذين لا يشهَدون ألّا إلهَ إلا اللَّهُ، لم يكُنْ لقوله: ﴿وَهُم
بِْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾. معنَى؛ لأنه معلومٌ أنَّ مَن لا يشهدُ ألّا إلهَ إلَّ اللهُ لا يؤمِنُ
بالآخرة، وفى إتباع اللَّهِ قولَه: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾. قوله: ﴿ الَّذِينَ لَا
يُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾. ما يُنِىُّ عن أن الزكاةَ فى هذا الموضعِ معنىٌ بها زكاةُ الأموالِ.
وقولُه: ﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾. يقولُ: وهم بقيامِ الساعةِ وبِعْثٍ
اللَّهِ خلْقَه أحياءً من قبورِهم مِن بعدِ بلائِهم وفنائِهم(١ - منكِرُون.
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((تغصب)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((منعونى)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨٤/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٠/٥ إلى
عبد بن حميد .
(٤) فى ت ٢، ت ٣: ((قيامهم).