النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١
سورة غافر : الآيات ٤٦ - ٤٨
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ : إِنهما قراءتانِ معروفتانِ ،
متقارِبتا المعنى ، قد قرَأَ بكلٍ واحدةٍ منهما جماعةٌ مِن القرأةِ ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ
فمصيبٌ . فمعنى الكلام إذن : ويومَ تقومُ الساعةُ يقالُ لآلٍ فرعونَ : ادخلوا يا آلَ
فرعونَ أشدَّ العذابِ. فهذا على قراءةٍ مَن وصَل الألفَ مِن ﴿أَدْخِلُواْ﴾ ولم يقطَعْ،
ومعناه على القراءةِ الأخرى: ويومَ تقومُ الساعةُ يقولُ اللهُ لملائكتِهِ: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ .
٧٣/٢٤
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُونَ فِ النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَوْاْ
لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ
٤٧
[٤٨
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّمِ: ﴿ وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى
اٌلْخَنَاجِرِ كَظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨]، ﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُونَ فِىِ النَّارِ﴾. يقولُ: وإذ
يَتخاصَمون فى النارِ. وُنِى بذلك: إذ يتخاصَمُ الذين أمَر رسولُ اللهِ عَمِ بإنذارِهم
مِن مُشْرِكى قومِه فى النارِ، ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَتَوَّا﴾ منهم فى الدنيا ، وهم
التَُّّائعُ(١) " ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوّ﴾ منهم وهم المتبوعون) على الشرك باللهِ: ﴿إِنَّا
كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾. تقولُ لرؤسائِهم الذين اتَّبَعوهم على الضلالةِ: إنا كنا [٦/٤٤ و]
لكم فى الدنيا تبعًا على الكفرِ باللهِ، ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ﴾ اليومَ ﴿عَنَّا نَصِيبًا
مِّنَ النَّارِ﴾. يَعْنُون: حَظًّا، فَتُخَفّفونه(٤) عَنَّا، فقد كُنَّا نسارُ فى محبتكم فى
الدنيا ، ومِن قِبَلِكم أَتِينا ، لولا أنتم لكنَّا فى الدنيا مؤمنين، فلم يُصِبْنا اليومَ هذا البلاءُ.
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المبتدعون))، وفى م: ((المتبعون)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م: (( فتخففوه)).
٣٤٢
سورة غافر : الآيات ٤٧ - ٥٠
والتَّبَعُ يكونُ واحدًا وجماعةً فى قولٍ بعضٍ نحونِّى البصرة ، وفى قولٍ بعضٍ
نحوِّى الكوفةِ جمعٌ لا واحدَ له؛ لأنه كالمصدرِ. قال : وإن شئتَ كان واحدُه
((تابع))، فيكونُ مثلَ خائلٍ وخَوَلٍ، وغائبٍ وغَيْبٍ (١) .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنه جمعٌ، واحدُه تابعٌ، وقد يجوزُ أن
يكونَ واحدًا، فيكونَ جمعُه ((أتباع)) .
فأجابَهم المتبوعون(١٢) بما أخبر اللهُ عنهم؛ ﴿ قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ﴾ وهم
الرؤساءُ المَّجُوعون(١) على الضلالةِ فى الدنيا: إنَّ أَيُّها القومُ وأنتم، كُلُّنا فى هذه النارِ
مُخَلَّدون ، لا خلاصَ لنا منها، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ بِفَضْلٍ
قضائه ، فأسگن أهلَ الجنة الجنةَ ، وأهل النارِ النارَ، فلا نحن مما نحن فيه مِن البلاءِ
خارجون، ولا هم مما هم فيه مِن النعيمِ مُنْتَقِلون .
». بقولِه: ﴿فِيهَا﴾. ولم يُنْصَبْ على النعتِ .
ورُفِع قولُه: ﴿
وقد اختُلف فى جوازِ النصبِ فى ذلك فى الكلام. وكان بعضُ نحوِی
البصرة يقولُ: إذا لم تُضَفْ ((كلّ)) لم يَجْزِ الإتباعُ .
وكان بعضُ نحوِى الكوفةِ يقولُ : ذلك جائزٌ فى الحذفِ وغيرِ الحذفِ؛ لأن
أسماءَها إذا محُذفت اكتُفِى بها منها .
وقد بَيَّنا الصوابَ مِن القولِ فى ذلك فيما مضَى، بما أغنى عن إعادته(٣).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِِ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ
قَالُواْ أَوْلَمْ تَكُ تَأْتِكُمْ رُسُلُكُمْ
٤٩
رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ اُلْعَذَابِ
(١) ينظر اللسان ( ت ب ع ).
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((المتبعون)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٦ / ١٦٨.
٣٤٣
سورة غافر : الآيات ٤٩ - ٥٢
٥٠
بِالْبَيِّنَتِّ قَالُواْ بَلَىَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَدُواْ الْكَافِرِينَ إِلَّ فِي ضَلَالٍ
يقولُ تعالى ذكرُه : وقال أهلُ جهنمَ لخزنِها وقُوَّامِها ؛ استغاثةً بهم مِن عظيم ما
هم فيه مِن البلاءِ، / ورجاءً أن يجدوا مِن عندِهم فَرَجًا: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ﴾ لنا، ٧٤/٢٤
﴿ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ واحدًا، يعنى: قَدْرَ يومٍ واحدٍ مِن أيام الدنيا، ﴿مِّنَ
اُلْعَذَابِ ﴾ الذی نحن فيه .
وإنما قلنا: معنى ذلك: قَدْرَ يومٍ مِن أيامِ الدنيا؛ لأن (١) الآخرةَ يومٌ لا ليلَ بعدَه(٢)
فيقالَ : خَفِّفْ عنهم يومًا واحدًا .
وقولُه: ﴿قَالُواْ أَوْلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِلْبَيْنَتِ﴾ . يقولُ تعالى
ذكرُه: قالت خَزَنةُ جهنمَ لهم: أو لم تَكُ تَأْتِيكم فى الدنيا رُسُلُكم بالبيناتِ مِن
الحججِ على توحيدِ اللهِ ، فتُوحِّدوه وتؤمِنوا به وتَتَبرَُّوا مما دونَه مِن الآلهةِ ؟ قالوا :
بلى ، قد أَتَتْنا رُسُلُنا بذلك .
وقولُه: ﴿قَالُواْ فَأَدْعُواْ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: قالت الخَنةُ لهم: فَادْعُوا إذن
ربّكم الذى أتتكم الرسلُ بالدعاءِ إلى الإيمانِ به .
وقولُه: ﴿وَمَا دُعَلَوُاْ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾. يقولُ: فدَعَوا(٣)، وما
دعاؤُهم إلا فى ضلالٍ؛ لأنه دعاءٌ لا ينفعُهم ولا يجابُ(٤) لهم، بل يقالُ لهم:
﴿ أَخْسَنُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
[٦/٤٤ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَآمَنُواْ فِى
(١) بعده فى م: (( يوم)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((فيه)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((قد دعوا)).
(٤) فى م: ((يستجاب)).
٣٤٤
سورة غافر : الآيتان ٥٢،٥١
٥١
يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
٥١
وَلَهُمْ سُوَهُ الدَّارِ
يقولُ القائلُ: وما معنى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ
الدُّنیا﴾ وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه ومَثَّلوا به؛ کشغیا() ویحیی بن ز کریا
وأشْباهِهما، ومنهم مَن هَمَّ بقَتلِهِ(٢) قومُه، فكان أحسنَ أحوالِهِ أَن تَخلَّص(٢) منهم
حتى فارَقهم ناجِيًّا بنفسِه ؛ كإبراهيمَ الذى هاجَر إلى الشام مِن أرضِهِ، مُفارقًا لقومِه،
وعيسى الذى رُفع إلى السماءِ إذ أراد قومُه قتلَه؟ فأين النُّصْرةُ التى أخبرنا أنه ينصُرُها
رُسُلَه والمؤمنين به فى الحياة الدنيا ، وهؤلاء أنبياؤُه قد نالَهم مِن قومِهم ما قد علِمتَ،
وما نُصِرُوا على مَن نالَهم بما نالَهم به ؟
قيل: إن لقولِه: ﴿ إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾.
وجهَين، كلاهما صحيحٌ معناه؛ أحدُهما : أن يكونَ معناه: إنا لنَنْصُرُ رُسُلَنا والذين
آمَنوا فى الحياةِ الدنيا؛ إما بإعْلائِناهم على مَن كَذِّبَنا وإِظفارِناهم بهم، حتى
يَفْهَروهم غَلَبةٌ(٥)، ويُذِلُّوهم بالظَّفَرِ ذِلَّةٌ - كالذى فعَل مِن ذلك بداودَ وسليمانَ ،
فأعْطَاهما مِن الْمُلْكِ والسلطانِ ما قَهَرا به كلَّ كافرٍ، وكالذى فعَل بمحمدٍ عَلِّ من
إظهارِهِ على مَن كذَّبه مِن قومِه - وإمَّا بانتقامِنا ممن حادَّهم وشاقّهم ؛ بإهْلا کِهم
وإنجاءِ الرسلِ ممن كذّبهم وعاداهم - كالذى فعَل تعالى ذكرُه بنوحٍ وقومِه مِن تَغْرِيقِ
قومِه وإنْجائِه منهم، وكالذى فعَل بموسى وفرعونَ وقومِه إذ أهلَكهم غَرَقًا، ونجَى
موسى ومَن آمَن به (١ مِن بنى إسرائيلَ وغيرِهم، ونحوِ ذلك - أو باْتقامِنا فى الحياةِ
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((كشعيبا)).
(٢) فى ت ٢، ت ٣: (( به)).
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((يخلص)).
(٤) فى م: ((وإظفارنا))، وفى ت ٢، ت ٣: ((وأظفرناهم)).
(٥) فى الأصل: ((عليه))، وسقط من: ت٢، ت٣.
(٦) فى ت٢، ت٣: ((معه)).
٣٤٥
سورة غافر : الآية ٥١
الدنيا مِن مُكَذِّبِيهم بعد وفاةِ رسولِنا مِن بعدِ مَهْلِكِهم، كالذى فعَلنا مِن نُصْرتِنَا شَعْيا
بعدَ مَهْلِكِه، بتَسْليطِنا على قَتَلِهِ مَن سلِّطْنا حتى انتصرنا بهم مِن قَتَلتِه، وكفعلِنا
بقَتَلةِ يحبى، مِن تَسْليطِنا بُخْتَنَصَّرَ عليهم حتى انتصَرنا به وبجندِه من قتَلتِه(٢) له،
وكانتصارٍنا / لعيسى مِن مُريدِى قتلِه بالرومِ حتى أهلكناهم بهم.
٧٥/٢٤
فهذا أحدُ وجهَيه . وقد كان بعضُ أهلِ التأويلِ يُوجَّهُ معنى ذلك إلى هذا الوجهِ .
ذكرُ مَن قالَ ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشدئِّ قولَ اللهِ: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾. قال:
قد كانت الأنبياءُ والمؤمنون يُقْتَلون فى الدنيا، وهم مَنْصُورون، وذلك أن تلك الأمةَ
التى تفعلُ ذلك بالأنبياءِ والمؤمنين لا تذهبُ حتى يبعثَ اللهُ قومًا، فينتصرَ بهم
لأولئك الذين قُتِلوا منهم(٣) .
والوجهُ الآخرُ أن يكونَ هذا الكلامُ على وجهِ الخبرِ عن الجميعِ مِن الرسلِ
والمؤمنين، " والمعنىُ به خاصٍّ من الرسلِ والمؤمنين"، فيكونَ تأويلُ الكلام حينئذٍ :
إنا لننصُرُ رسولَنا محمدًا عَ لِ والذين آمنوا [٧/٤٤و] به فى الحياة الدنيا، ويومَ يقومُ
الأشهادُ ، كما قد بَيَّنا فيما مضَى أن العربَ تُخرجُ الخبرَ بلفظِ الجميع ، والمرادٌ واحدٌ
إذا لم تَنْصِبْ للخبرِ شخصًا بعَيْنِهِ (١) .
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((قتله)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٢/٥ إلى ابن أبى حاتم .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: (( والمراد واحد)).
(٥) فى ت١، ت٢، ت٣: ((رسلنا)).
(٦) ينظر ما تقدم فى ٥٣٤/١ .
٣٤٦
سورة غافر : الآيتان ٥٢،٥١
يَوْمَ لَا يَنفَعُ
٥١
واختلفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
الَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمٌّ﴾؛ فقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ﴾
بالياءِ، و: ﴿يَنْفَعُ﴾ أيضًا بالياءِ (١) . وقَرأ ذلك بعضُ أهلِ مكةً وبعضُ قرأةِ البصرةِ :
(تَقُومُ) بالتاءِ، و: (تَنْفَعُ) بالتاءِ() .
والصوابُ مِن القول فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، بمعنى واحدٍ ، فبأيَّتِهما
قَرأ القارئُ فمصيبٌ . وقد بيَّنا فيما مضى أن العربَ تذكَّرُ فعلَ جمع الرجلِ وتُؤَنِّثُ
إذا تقدَّم، بما أغنَى عن إعادتِه(١) .
وعُنى بقولِه: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾: يومَ يقومُ الأشهادُ مِن الملائكةِ
والأنبياءِ والمؤمنين على الأمم المُكَذِّةِ رُسُلَها، بالشهادةِ بأن الرسلَ قد بلَّغَتهم رسالاتٍ
ربِّهم، وأن الأُمَمَ كذَّبَتهم. والأشهادُ جمعُ شهيدٍ، كما الأشرافُ جمعُ شريفٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ
اُلْأَشْهَدُ﴾ : مِن ملائكةِ اللهِ وأنبيائه والمؤمنين به (٤) .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشّدئِّ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ
اُلْأَشْهَدُ﴾ (٥) : يومَ القيامةِ.
(١) وهى قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائى . السبعة لابن مجاهد ص ٥٧٢ .
(٢) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر. المصدر السابق.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٦٣/٥ - ٣٦٥.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٨٢/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٢/٥ إلى عبد بن حميد.
(٥) بعده فى ت٢، ت٣: (( من ملائكة الله وأنبيائه والمؤمنين)).
٣٤٧
سورة غافر : الآيات ٥١ - ٥٥
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الأعمش ، عن مجاهد
فى قولِ اللهِ : ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾. قال: الملائكةُ(١).
وقولُه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَبُهُمّ ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : ذلك يومَ لا
ينفعُ أهلَ الشركِ اعتذارُهم؛ لأنهم لا يعتَذِرون إن اعتذروا إلا بباطلٍ، وذلك أن اللهَ
قد أعذَر إليهم فى الدنيا، وتابع عليهم الحُجَجَ فيها ، فلا حُجَّةً لهم فى الآخرةِ إلا
الاعتصامُ بالكذبِ، "وأن" يقولوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
وقولُه: ﴿ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾. يقولُ: وللظالمين اللَّعْنَةُ، وهى البُعْدُ مِن رحمةٍ
اللهِ ، ﴿ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾. يقولُ: ولهم مع اللَّعنةِ مِن اللهِ شَرُ ما فى الدارِ
الآخرةِ، وهو العذابُ الأليمُ .
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ ٧٦/٢٤
هُدَى وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ
الْكِتَبَ
٥٣
فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ
٥٤
٥٥
[٧/٤٤ظ] وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِنْكَرِ
يقولُ تعالى ذكرُه : ولقد آتينا موسى البيانَ للحقِّ الذى بعَثناه به ، كما آتَينا
ذلك محمدًا عَّهِ، فكذَّب به فرعونُ وقومُه، كما كذَّبَت قريشٌ محمدًا عَاهِ،
﴿ وَأَوْرَتْنَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ الْكِتَبَ﴾. يقولُ: وأورَثنا بنى إسرائيلَ التوراةَ ،
فعَلَّمنا هموها ، وأنزَلْناها إليهم، ﴿هُدَى﴾. يعنى: بيانًا لأمرِ دينِهم، وما ألزَمْناهم
مِن فرائضِنا(٣)، ﴿ وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾. يقولُ: وَتَذْكيرًا مِنَّا لأهلِ الحِجا
والعقولِ منهم بها .
(١) تفسير سفيان ص ٢٦٣، ومن طريقه أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٣٤٢).
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: (( بأن)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((فرائضها)).
٣٤٨
سورة غافر : الآيتان ٥٥ ، ٥٦
وقولُه: ﴿فَأَصْبِرْ إِّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَلَّه:
فاصبِرْ يا محمدُ لأمرٍ رَبِّك، وانْقُذْ لما أرسَلك به مِن الرسالةِ ، وبلِّغْ قومَك ومَن أَمرتَ
بإبلاغِه ما أُنزل إليك، وأَيقِنْ بحقيقةِ وعدِ اللهِ الذى وعَدك؛ مِن نُصْرتِك ونُصْرةِ مَن
صدَّقَكَ وَآمَن بك، على مَن كذَّبك وأنكر ما جئتَه به مِن عندٍ ربِّك ، إن وعدَ اللهِ حقٌّ
لا خُلْفَ له، وهو منجِزُه لك)، ﴿ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَئِكَ﴾. يقولُ: وسَلْه غفرانَ
ذنبِك، وعَقْوَه لك عنه، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: وصَلِّ بالشكرِ منك
لربِّك، ﴿ بِالْعَشِيِّ﴾، وذلك مِن زوالِ الشمسِ إلى الليلِ، ﴿ وَالْإِنْكَرِ﴾،
وذلك مِن طلوعِ الفجرِ الثانى إلى طلوعِ الشمسِ .
وقد وَجَّه قومٌ الإبكارَ إلى أنه مِن طلوع الشمسٍ إلى ارتفاعٍ الضُّحَى، وخُرُوجِ
وقتِ الضُّحَى ، والمعروفُ عندَ العربِ القولُ الأولُ.
واختلف أهلُ العربيةِ فى وَجْهِ عطفِ الإبكارِ ، والباءُ غيرُ حسنٍ دخولُها فيه ؛
على العَشِىِّ، والباءُ تحسُنُ فيه؛ فقال بعضُ نحوِّى البصرة: معنى ذلك : وسبّخْ
بحمدِ ربِّك بالعشىِّ وفى الإبكارِ. وقال: قد يقالُ: بالدارِ زيدٌ . يرادُ: فى الدارِ
زيدٌ. وقال غيره: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأن معنى الكلام: صلِّ بالحمدِ بهذين
الوقتَين، وفى هذين الوقتَين. فإدخالُ ((الباءِ)) و((فى)) واحدٌ فيهما .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِّلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَنْهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّاهُم بِبَلِغِيَةٍ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ
٥٦
هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
يقولُ تعالى ذكره : إن الذين يُخاصِمونك يا محمدُ فيما أتيتَهم به من عندِ ربِّك
مِن الآياتِ ، ﴿يِغَيِّرِ سُلْطَانٍ أَتَنَهُمٌ ﴾ . يقولُ : بغيرِ ◌ُمَّةٍ جاءَتْهم مِن عندِ اللهِ
(١ - ١) فى ص، م، ت٢، ت٣: ((منجز له)).
٣٤٩
سورة غافر : الآية ٥٦
بمُخاصمتِك فيها، ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾. يقولُ: ما فى صُدُورِهم إلا
كبرٌ [٨/٤٤و] يَتَكَبَّرون مِن أجلِه عن اتباعِك وقَبولِ الحقِّ الذى أتيتَهم به؛ حسدًا منهم
على الفضلِ الذى آتاك اللهُ، والكرامةِ التى أُكرَمك بها مِن النُّبُوةِ، ﴿مَّا هُم
يِبَلِغِيةٍ﴾. يقولُ: الذى حسدوك عليه أمرٌ / ليسوا بُدْركِيه ولا نائِليه؛ لأن ذلك ٧٧/٢٤
فضلُ اللهِ يُؤْتيه مَن يشاءُ، وليس بالأمرِ الذى يُدْرَكُ بالأمانيّ .
وقد قيل : إن معناه : إِنْ فى صدورِهم إلا عظمةٌ ، ما هم ببالِغِى تلك العظمةِ ؛
لأن اللهَ مُذِلُّهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾. قال: عَظَمةٌ(١).
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِّلُونَ فِيِّ ءَايَتِ اللَّهِ
بِغَيِّرِ سُلْطَانٍ أَتَنَهُمٌ﴾ . قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُجَدِلُونَ فِيٌّ ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَهُمْ﴾ : لم يأتِهم بذلك سلطانٌ .
وقولُه: ﴿ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ تعالى
ذكره: فاشْتَجِرْ باللهِ یا محمدُ ، مِن شرّ هؤلاء الذین یُجادلون فی آیاتِ اللهِ بغیرِ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٨٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٣٥٠
سورة غافر : الآيات ٥٦ - ٥٨
سلطانٍ، ومِن الكِبْرِ؛ أن يَعْرِضَ فى قلبِك منه شىءٌ، ﴿إِنَّثُ هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾. يقولُ: إن اللهَ هو السميعُ لما يقولُ هؤلاء المجادِلون فى آياتِ اللهِ
وغيرُهم مِن قولٍ ، البصيرُ بما تعمَلُه جوارحهم، لا يخفَى عليه مِن ذلك شىءٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ
(٥٧
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: لَابْتِدائُ السماواتِ والأرضِ وإنشاؤُها مِن غيرِ شىءٍ،
أعظمُ أيُّها الناسُ عندَكم - إن كنتم مُسْتَعْظِمى خلقِ الناسِ وإنشائِهم مِن غيرِ شىءٍ -
مِن خلقِ الناسِ ، ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون أن خلقَ جميعِ ذلك هَيِّنٌ على اللهِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيْرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
(٥٨
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَلَا الْمُسِىُّ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ(١)
يقولُ تعالى ذكره : وما يَشْتَوِى الأَعْمَى الذى لا يُصِرُ شيئًا، وهو مَثَلُ الكافرِ
الذى لا يتأمَّلُ حُجَجَ اللهِ بعَيْنَيه فيتَدبَّرَها ويعتبرَ بها ، فيعلمَ وحدانيته وقُدْرتَه على
خلقٍ ما شاء مِن شىءٍ، ويؤمِنَ به ويُصدِّقَ، ﴿وَالَْصِيرُ ﴾ الذى يَرى بعينيه ما
شَخَص لهما ويُصِرُه ، وذلك مَثَلٌ للمؤمنِ الذی یری بعینیه حُجَجَ اللهِ، فیفگرُ
* (٢)
فيها ويتَّعِظُ بها(٢)، ويعلمُ ما [٨/٤٤ظ] دلَّت عليه مِن توحيدٍ صانعِه، وعظيم
سلطانِهِ ، وقُدْرتِه على خلقٍ ما يشاءُ. يقولُ جلَّ ثناؤه: كما لا يَشْتَوِى هذا الأعمى
الذى وصَفْنا صفتَه وهذا البصيرُ، كذلك لا يَسْتَوى الكافرُ والمؤمنُ.
﴿ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ولا يَشتوى أيضًا
كذلك المؤمنون باللهِ ورسولِه المُطِيعون لربِّهم، ﴿وَلَا الْمُسِىَُّ﴾، وهو الكافرُ
(١) هنا وفيما يأتى فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣: ((يتذكرون))، وسيأتى بيان القراءة بها.
(٢) فى م، ت٣: (( فيتفكر)).
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
٣٥١
سورة غافر : الآيات ٥٨ - ٦٠
بربِّه، العاصِى له، / المخالفُ أمرَه، ﴿قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: قليلا ٧٨/٢٤
ما تتذكَّرون أيُّها الناسُ حُجَجَ اللهِ ، فتعتَبرون وتتَّعِظون. يقولُ: لو تَذَكَّرتم آياتِه
واعتَبَوتم ، لعرَفتم خطأ ما أنتم عليه مُقِيمون مِن إنكارٍ كم قدرةَ اللهِ على إحيائِهِ مَن فَنِىَ
مِن خلقِهِ مِن بعدِ الفَناءِ، وإعادتِهُ ١١ لحياتِهم مِن بعدٍ وفاتهم، وعلِمتم قُنح شرککم
مَن تُشْرِ کون فی عبادة ربِّكم .
واختلفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ نَتَذَكَّرُونَ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ
والبصرةِ: (يَتَذَكَّرون) بالياءِ على وجهِ الخبرِ(٢). وقرأته عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿نَتَذَّكَّرُونَ﴾
بالتاءِ على وجهِ الخطابِ(٣) ، والقولُ فى ذلك عندَنا أن القراءةَ بهما صوابٌ.
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ
٥٩
وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ
ج
يَسْتَكْيُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِینے
يقولُ تعالى ذكرُه : إن الساعةَ التى يُحيِى اللهُ فيها الموتَى للثوابٍ والعقابِ لجائيةٌ
أيُّها الناسُ، لا شكَّ فى مجيئها. يقولُ: فأيقِنوا بَمَجيئِها، وأنكم مبعوثون مِن بعد
ماتِكم، ومُجازَوْن بأعمالِكم، فتُوبوا إلى ربِّكم، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثرَ قريشٍ لا يُصَدِّقون بمَجيئها .
ج
وقولُه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ
ربّكم أيُّها الناسُ لكم: ﴿ أُدْعُونِيِّ﴾. يقولُ: اعتُدونى وأخلصوا لىَ العبادةَ، دونَ
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((إعادتهم)).
(٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وأبى جعفر ويعقوب. النشر ٢٧٣/٢ .
(٣) هى قراءة عاصم وحمزة والكسائى وخلف . المصدر السابق.
٣٥٢
سورة غافر : الآية ٦٠
ما(١) تعبدون مِن دونى؛ مِن الأوثانِ والأصنامِ وغيرِ ذلك، ﴿أَسْتَجِبّ لَكُمْ﴾
ج
يقولُ : أَجِبْ دعاءً كم، فأعفُو عنكم وأرحمُكم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
ج
قوله : ﴿ ادعُونِ أَسْتَجِبْ لگمْ﴾ . يقولُ: وَحدونی أغفزلکم(٢).
حدَّثنا عمرُو بنُ علىّ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ، عن الأعمشِ، عن ذَرِّ(٣)،
عن يُسَيْعِ الحَضْرَمِيِّ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ عَّهِ: ((الدُّعاءُ هو(
ج
العبادةُ)). وقَرأ رسولُ اللهِ عَّهِ: ((﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٥٩/٤٤]
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكُْونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾))).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصور
والأعمش، عن ذَرِّ(١)، عن يُسَيْعِ الحَضْرَمِىِّ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سمِعتُ النبىَّ
سَاجٍ يقولُ: ((الدعاءُ هو " العبادةُ، ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَّكُمْ﴾))(٦).
(١) فى ص، م، ت١: ((من)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤١/٢ - من طريق أبى صالح به ، وأبو الشيخ فى
العظمة (١٦٩) من طريق آخر عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٥/٥ إلى ابن المنذر.
(٣) فى م: ((زر)). وينظر تهذيب الكمال ٥١١/٨.
(٤) فى الأصل: ((هى)).
(٥) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٤٦٤)، والطبرانى فى الدعاء (٤)، (٦) من طريق عبد الله عن الأعمش به، وأخرجه
ابن أبى شيبة ٢٠٠/١٠، وأحمد ٣٨٠/٣٠ (١٨٤٣٢)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، والترمذى (٢٩٦٩، ٣٣٧٢)،
والطبرانى فى الصغير (٩٧/٢)، وأبو نعيم في الحلية ١٢٠/٨، والبزار (٣٢٤٢) من طريق الأعمش عن ذر به .
(٦) أخرجه أحمد ٣٨٢/٣٠ (١٨٤٣٦)، والبزار (٣٢٤٣)، والحاكم ٤٩٠/١، ٤٩١، والبيهقى فى شعب
الإيمان (١١٠٥) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨٢/٢، ١٨٣ - ومن طريقه أحمد
٢٩٧/٣٠ (١٨٣٥٢) - والطبرانى فى الدعاء (١)، والبغوى فى السنة (١٣٨٤) وغيرهم من طريق سفيان به.
٣٥٣
سورة غافر: الآية ٦٠
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن
منصورٍ، عن ذَرِّ(١)، عن يُسَيْعٍ،/ قال أبو موسى: هكذا قال غُنْدَرّ، عن شعبةً(٢) ، عن
منصورٍ، عن ذَرٍّ، عن يُسَيِعِ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ عَله: ((إن
الدعاءَ هو (١) العبادةُ، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِي أَسْتَجِبَ لَكُمْ﴾))(٤).
٧٩/٢٤
حدَّثنا ابنُّ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدِئٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن
منصورٍ، عن ذَر١ٍّ، عن يُسَيِعٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، عن النبيِّ ◌َه بمثلِه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا يوسفُ بنُ الغَرِقِ (٥) الباهلىُّ، عن الحسنِ بنِ أبى
جعفرٍ، عن محمدِ بنِ جُحادَةً، عن يُسَبْعِ الحَضْرمىِّ ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ ، قال : قال
رسولُ اللهِ مِ العِ: (("قال الله تبارك وتعالى: إن عِبادَتى دعائى)). ثم تَلا هذه الآيةً:
ج
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ . قال :
( عن دعائى)).
حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا عُمارةُ، عن ثابتٍ ، قال : قلتُ
لأنسٍ : يا أبا حمزةَ، أَبْلَغَك أن الدعاءَ نصفُ العبادةِ؟ قال: لا، بل هو (٧) العبادةُ كلُّها.
(١) فى م: ((زر)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((سعيد))، والمثبت هو الصواب.
(٣) فى الأصل: (( هى)).
(٤) أخرجه أحمد ٣٨٢/٣٠ (١٨٤٣٧) عن محمد بن جعفر به، وابن المبارك فى الزهد (١٢٩٨)،
والطيالسى (٨٣٨)، والبخارى فى الأدب المفرد (٧١٤) وأبو داود (١٤٧٩)، والطبرانى فى الدعاء (٢)،
والبيهقى فى الشعب (١١٠٥) من طريق شعبة عن منصور به، وأخرجه ابن حبان (٨٩٠)، والطبرانى فى
الدعاء (٣) وغيرهم من طريق منصور به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٥/٥ إلى سعيد بن منصور وعبد
ابن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) فى م: ((العرف)). وينتظر، الإكمال ١٠/٧، والجرح والتعديل ٢٢٧/٩.
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، وفى ت٢: ((قال)).
(٧) فى الأصل، ت١، ت٢، ت٣: ((هى).
( تفسير الطبرى ٢٣/٢٠ )
٣٥٤
سورة غافر : الآية ٦٠
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال ثنا أسباطُ (١) ، قال: أخبرنا منصورٌ، عن
ذَرِّ(٢)، عن يُسَيْعِ الحَضْرمِيِّ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ عَه :
((الدعاءُ هو العبادةُ)). ثم قرأ هذه الآيةَ: ((﴿ وَقَالَ رَبُِّكُمُ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ
ج
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾)).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا هاشمُ بنُ القاسم ، عن الأشجَعيِّ ، قال :
قيل لسُفْيانَ: ادعُ اللهَ. قال: إنَّ تركَ الذنوبِ هو الدعاءُ(١).
وقولُه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾. يقولُ: إن الذين يَتَعظَّمون
عن إفْرادى بالعبادةِ وإخلاصٍ () الألوهةِ لى، ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
بمعنى : صاغرِين. وقد دلَّلنا فيما مضى قبلُ على معنى الدَّخَرِ بما أغنَى عن إعادتِه فى
هذا الموضعِ .
وقد قيل : إن معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾: إِن الذین
يَسْتکیرون عن دعائی .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشدىِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾. قال: عن دُعائى. " وقولُه) .
﴿ْ دَاخِرِينَ﴾. قال: صاغِرِين".
(١) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((عن السدى)). وينظر تهذيب الكمال ١٣٢/٣.
(٢) فى م: ((زر)).
(٣) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٩٣/٦ من طريق أبى النضر هاشم بن القاسم به.
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت ٣: ((إفراد)).
(٥) ينظر ما تقدم فى ٢٤٢/١٤، ٢٤٣.
(٦ - ٦) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط عن السدى)).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٥/٥، ٣٥٦ إلى المصنف.
٣٥٥
سورة غافر : الآيات ٦١ - ٦٣
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيَّلَ لِتَسْكُنُوا [٩/٤٤ظ]
فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًاْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَشْكُرُونَ
يقولُ تعالى ذكره : اللهُ الذى لا تصلُحُ الألوهةُ إلا له، ولا تنبغى العبادةُ لغيرِهِ ،
الذى صفتُه أنه جعَل / لكم أيُّها الناسُ الليلَ سَكَنًا لتَشْكُنوا فيه، فتَهْدَئُوا مِن التصرّفِ ٨٠/٢٤
والاضطراب للمعاشِ، والأسبابِ التى كنتم تتصرَّفون لها فى نهارٍكم،
﴿ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. يقولُ: وجعَل النهارَ مُبْصِرًا لمن(٢) اصطَرف(٢) فيه لمعاشِه،
وطلَبِ حاجاتِه؛ نعمةً منه بذلك عليكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ .
يقولُ : إن الله لمتفضّلٌ عليكم أيُّها الناسُ بما لا كُفْءَ له مِن الفضلِ، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولكن (٤أكثرَكم لا تشكرونه" بالطاعةِ له، وإخلاصٍ
الألوهةِ والعبادةِ له، ° ولكنه يَعْبُدُ معه ما يَضُرُّه ولا يَنْفَعُه، من غيرِ نعمةٍ قد سلَفت له
إليهْ) ، ولا يدٍ تقدَّمَت له عنده استوجَب بها منه الشكرَ عليها .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ
لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
يَجْحَدُونَ
يقولُ تعالى ذكره : الذى فعَل هذه الأفعالَ، وأنعَم عليكم هذه النعمَ أيُّها
الناسُ، اللهُ مالِكُكم ومُصْلِحُ أمورٍكم، وهو خالقُكم وخالقُ كلِّ شيءٍ، ﴿لَّ إِلَهَ
(١) فى م: ((فيها)).
(٢) فى ص، م، ت٢، ت٣: ((من)).
(٣) فى م: ((اضطرب))، وفى ت ١: ((اضطر))، ويقال: فلان يصرف ويتصرف ويصطرف لعياله . أى:
یکتسب لهم . ينظر اللسان (ص رف) .
(٤ - ٤) فى م: ((أكثرهم لا يشكرون)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ٣٥.
٣٥٦
سورة غافر : الآيات ٦٢ - ٦٥
إِلَّا هُوَّ﴾. يقولُ: لا معبودَ تصلُحُ له العبادةُ غيرُه، ﴿فَ تُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: فَأَىَّ
وجه تأخذون ؟ وإلى أين تذهبون عنه فتعُدون سِواه ؟
وقولُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ . يقولُ:
كذَهابِكم عنه أيُّها القومُ ، وانصرافِكم عن الحقِّ إلى الباطلِ ، والرشدِ إلى الضلالِ ،
ذهَب عنه الذين كانوا مِن قبلكم مِن الأمم ﴿ بِئَايَتِ اَللَّهِ﴾ - يعنى: بحُجَجِ اللهِ
وأدلتِه - يُكذِّبون فلا يؤمنون. يقولُ : فسَلَكثُم أنتم معشر قريشٍ مسلكهم ، وركِيتُم
مَحَجَّهم فى الضلالِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا
وَالسََّلَّةَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ
هُوَ اُلْحَىُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
٦٤
رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
فَأَدَّعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
(٦٥
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ﴾ الذى له الألوهةُ خالصةً أيُّها الناسُ، ﴿ الَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ التى أنتم على ظهرِها سكانٌ، ﴿قَرَارًا﴾ تستقرُّون
عليها ، وتسگنون فوقها ، ﴿ وَالسَّمَآ پِنَآءُ ﴾، بناها فرفعها فوقكم [ ١٠/٤٤ و] بغیرِ
عَمَدٍ تَرَونها، لمصالحِكم، وقوامٍ دُنيا كم إلى بلوغٍ آجالِكم، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
صُوَرَكُمْ﴾ . يقولُ: وخلَقكم فأحسَن خلقَكم، ﴿ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَِّبَتِّ﴾.
يقولُ : ورزَقكم من حلالِ الرزقِ ولذيذاتِ المطاعمِ والمشاربِ .
وقولُه: ﴿ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فالذى فعَل هذه
الأفعالَ، وأَنعَم عليكم أيُّها الناسُ هذه النعمَ، هو اللهُ الذى لا تَنْبَغى الألوهةُ إلا له،
وربّكم الذى لا تصلُحُ الربويةُ لغيرِهِ، لا الذى لا ينفعُ ولا يضُرُّ، ولا يخلُقُ ولا
يرزُقُ، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: فتبارَكُ اللهُ مالكُ جميع
٣٥٧
سورة غافر : الآية ٦٤، ٦٥
/ الخلقِ؛ جنِّهم وإنسِهم، وسائرِ أجناسِ الخلقِ غيرِهم، ﴿هُوَ الْحَىُّ﴾. يقولُ: ٨١/٢٤
هو الحىُّ الذى لا يموتُ ، الدائمُ الحياةِ، وكلُّ شىءٍ سِواه فمنقطعُ الحياةِ غيرُ دائمِها ،
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ(١) تجوزُ عبادتُه، وتصلُحُ الألوهةُ له، إلا اللهُ
الذى هذه الصفاتُ "صفته، ﴿فَأَدْعُ(١) مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ،
فاعْبُدوا الإِله الذى هذه الصفاتُ صفاتُه ( أيُّها الناسُ) مخلصين له الطاعةَ،
مُفْرِدِين له الألوهةَ ، لا تُشْركوا فى عبادتِه شيئًا سِواه؛ مِن وَثَنِ وصنم ، ولا تجعَلوا له
نِدًّا ولا عِدْلًا .
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: الشكرُ للهِ الذى هو مالكُ جميع أجناسٍ
الخلقِ ؛ مِن مَلَكِ وجنٍّ وإنسٍ وغيرِهم، لا للآلهةِ والأوثانِ التى لا تملكُ شيئًا ، ولا تقدرُ
على ضُرِّ ولا نفعٍ، بل هو مملوكٌ، إن نالَه نائلٌ بسوءٍ لم يقدر له عن نفسِه دَفْعًا .
وكان جماعةٌ مِن أهلِ العلم يأمُرون مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ. أن يُتبِعَ
ذلك : الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. تأؤُلًا منهم هذه الآيةَ بأنها أمرٌ مِن اللهِ بقيلٍ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ علىٌّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال : سمعتُ أبى، قال : أخبرنا
الحسينُ بنُ واقدٍ ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مَن قال : لا إله
إلا اللهُ. فليَقُلْ على إِثْرِها: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. قال: فذلك قوله: ﴿فَأَدْعُوهُ(٥)
(١) بعده فى م: ((بحق)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) فى الأصل: (( فادعوا الله )) . وهو سهو .
(٤ - ٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((ادعوا الله أيها الناس مخلصين له الدين))، وفى م: ((فادعوه أيها
الناس مخلصين له الدين )) .
(٥) فى الأصل: ((فادعوا الله))، وفى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((ادعوا الله)).
٣٥٨
سورة غافر : الآيتان ٦٦،٦٥
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(١).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ الشّكّرِىُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ ،
عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال: إذا قال أحدُكم: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له . فليقُلْ:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. ثم قَرأ: ﴿فَادْعُوهُ(١) مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَلَمِينَ﴾(٣).
حدَّثنى موسى (٤) بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال: ثنا محمدُ بنُّ بشرٍ، قال : ثنا إسماعيلُ
ابنُ أبى خالدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أنه كان يَسْتَحِبُّ إذا قال: لا إلهَ إلا اللهُ. ° أن
يُبعَها: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. ثم قَرأ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ الْحَىُّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ
فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى ، قال : أخبرنا إسماعيلُ
ابنُّ أبى خالدٍ ، عن عامٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: إذا قال أحدُكم: لا إله إلا اللهُ
وحدَه. فليَقُلْ بإِثْرِها: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. ثم قَرأ: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِنِّيّ نُهِيتُ [٠/٤٤ ١ ظ] أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ لَّمَّا جَآءَنِىَ الْبَغِنَتُ مِن رَّبِّ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
(٦٦
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: قُلْ يا محمدُ لُشْرٍكى قومِك مِن قريش:
﴿إِ نُهِيتُ﴾ أيُّها القومُ، ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من الآلهةِ
(١) أخرجه الحاكم ٤٣٨/٢، والبيهقى فى الأسماء والصفات (١٩٤) عن على بن الحسن بن شقيق به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٢) فى ت١، ت٢، ت٣: ((فادعوا الله)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٤٥/٧ عن إسماعيل بن أبى خالد ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/٥
إلی عبد بن حميد .
(٤) فى م: ((محمد))، وينظر تهذيب الكمال ٩٨/٢٩ ، ٩٩.
(٥ - ٥) فى ص، م: ((يتبعها الحمد لله)).
٣٥٩
سورة غافر : الآيات ٦٦ - ٦٩
والأوثانِ، ﴿لَمَّا جَآءَ فِىَ الْبَيِّنَتُ / مِن رَّبِ﴾. يقولُ: لمّ جاءنىَ الآياتُ الواضحاتُ ٨٢/٢٤
مِن عندٍ ربِّى. وذلك آياتُ كتابِ اللهِ الذى أنزله عليه(١)، ﴿ وَأُمِّرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: وأمَرنى ربى أن أَذِلَّ لربِّ "العالمين ربِّ) كلِّ شىءٍ، ومالكِ
كلِّ خلقٍ بالخضوعِ، وأَخْضَعَ له بالطاعةِ دونَ غيرِهِ مِن الأشياءِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ
مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخَاً وَمِنَكُمْ
٦٧
مَّن يُنَوَنَّى مِن قَبْلُ وَلَِبْلُغُواْ أَجَلًاً مُسَنَّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
يقول تعالى ذكره ، آمرًا نبيّه محمدًا قل بتنبیهِ مُشْرِ کی قومِه علی حجچه علیھم فی
وحدانيته: قُلْ يا محمدُ لقومِك: أُمِرتُ أن أَسلِمَ لربِّ العالمين، الذى صفتُه هذه
الصفاتُ، وهى أنه خلق أباكم آدمَ من ترابٍ، ثم خلَقكم من نُطفَةٍ ، ثم من علَقَةٍ بعدَ أن
كنتم نُطَفًّا، ثم يُخْرِ بُكم طفلاً مِن بُطُونِ أمهاتِكم صغارًا، ثم لتَبْلُغوا أَشُدَّكم، فتتكاملَ
قُوَاكم ، ويَتناهَى شبابكم وتمامُ خلقِكم، "ثم لِتَكونوا من بعدِ ما تَنَاهَى كمالُ قُواكم
وتمامُ خلقِكم٢١ شُيُوخًا، ومنكم من يُتَوفّى من قَبَلِ أن يبلُغَ الشيخوخةَ، ﴿ وَلِنَبْلُغُواْ
أَجَلَا مُسَمَّى﴾. يقولُ: ولَبْلُغُوا مِيقاتًا مؤقًّا لحياتِكم، وأجَلًا محدودًا لا تُجاوزُونه،
ولا تَتقدَّمون قبلَه، ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: وكى تَعْقِلوا محُجَجَ اللهِ
عليكم بذلك ، وتَتَدبَّروا آياتِه ، فتعرِفوا بها أنه لا إلهَ غيرُه فعَل ذلك .
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِى يُحِى، وَيُمِيثٌ فَإِذَا قَضَىّ أَمْرًا فَإِنَّمَا
يَقُولُ لَهُرْ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٨َ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىَّ ءَايَتِ اللَّهِ أَّ
يُصْرَفُونَ
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
٣٦٠
سورة غافر : الآيتان ٦٨ - ٦٩
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ ◌ِّ: قُلْ لهم يا محمدُ: ﴿هُوَ أَلَّذِى يُحِىء
وَيُمِيثٌ﴾. يقولُ: قُلْ لهم: ومِن صفتِه جلَّ ثناؤه أنه هو الذى يُخْبِى مَن يشاءُ بعدَ
مماتِه، ويُميثُ مَن يشاءُ مِن الأحياءِ بعدَ حياتِه، ﴿فَإِذَا قَضَىَ أَمْرًا﴾. يقولُ: وإذا
قضَى كونَ أمرٍ مِن الأُمورِ التى يريدُ تكوينَها، ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُمْ﴾. يعنى: للذى
يريدُ [١/٤٤ ١و] تكوينَه: ﴿كُنْ﴾. فيكونُ ما أراد تكوينَه موجودًا بغيرِ مُعاناةٍ ولا
کلفةٍ مُؤْنٍ .
وقولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ◌َيَتِ اَللَّهِ﴾. يقولُ لنبيُّه محمدٍ عالٍ :
ألم تَرَيا محمدُ إلى(١) هؤلاء المشركين مِن قومِك، الذين يُخاصِمونك فى حُجَجِ اللهِ
وآياتِه، ﴿ أَ يُصْرَفُونَ﴾. يقولُ: أَىَّ وجهٍ يُصْرَفون عن الحقِّ، ويَعْدِلون عن الرُّشْدِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ أَنَّ
يُصْرَفُونَ﴾: أنى يُكَذِّبون ويَعْدِلون(٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ أَنَّ
يُصْرَفُونَ﴾. قال: يُصْرَفون عن الحقِّ .
/واختلف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنُوا بهذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها أهلُ القَدَرِ.
٨٣/٢٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنى ، قالا: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال : ثنا سفيانُ ،
عن داود بنِ أبی هندٍ ، عن محمد بنِ سیرین، قال : إن لم تكن هذه الآيةُ نزلت فى
القَدَرِيةِ فإنى لا أدرى فيمَن نزَلت: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ أَنَّ
(١) سقط من: م، ت٢، ت٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٧/٥ إلى عبد بن حميد.