النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة غافر : الآية ١٨ حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ وَأَنَذِرُهُمْ يَوْمَ اُلْأَزِفَةِ﴾. قال: يومَ القيامةِ . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ﴾. قال: يومَ القيامةِ. وَقَرَأ: ﴿ أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ ﴿﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧، ٥٨]. وقولُه: ﴿ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْخَنَاجِرِ كَظِمِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إذ قلوبُ العبادِ مِن مخافةِ عقابِ اللَّهِ لَدَى حناجِرِهم، قد شَخَصَتْ مِن صُدورِهم فَتَعَلَّقَتْ بِحُلوقِهم، كاظِمِيها ، يَرومون رَدَّها إلى مَواضِعِها مِن صدورِهم فلا تَرْجِعُ، ولا هى تَخْرُجُ مِن أبدانهم فيموتوا . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى اَلْخَنَاجِرِ ﴾. قال: قد وَقَفَتِ (١) القلوبُ فى الحناجرِ مِن المخافةِ، فلا هى تَخْرُجُ ، ولا تعودُ إلى (٣) أَمْكِنَتِها(٤). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ إِذِ الْقُلُوبُ (١) ينظر البحر المحيط ٧ / ٤٥٦. (٢) فى النسخ: ((وقعت))، والمثبت من تفسير ابن كثير ٧/ ١٢٦، والدر المنثور (المخطوطة المحمودية) ص ٣٦٨. (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى)). (٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨٠/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٥ إلى عبد بن حميد . ٣٠٢ سورة غافر : الآية ١٨ لَدَى الْحَتَّاجِرِ كَظِمِينٌ﴾. قال: شَخَصَتْ أَقِْدَتُهم عن أمْكِنَتِها، فتشبَّئتْ(١) فى حُلوقِهم، فلم تَخْرُجْ مِن أجوافِهم فيموتوا، ولم تَرْجِعْ إلى أمكنتِها فتَسْتَقِرَّ. ٥٣/٢٤ / واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبٍ ﴿ كَظِمِينٌّ﴾؛ فقال بعضُ نَحْوِّی البصرة : انْتِصابُه على الحالِ . كأنه أراد : إذ القلوبُ لدى الحناجرِ فى هذه الحالِ . وكان بعضُ نَحْوِّى الكوفةِ يقولُ: الألفُ واللامُ بَدَلٌ مِن الإضافةِ ، كأنه قال : إذ قلوبُهم لدى حناجرِهم فى حالٍ كَظْمِهم. وقال آخَرُ منهم (١) : هو نصبٌ على القطعِ مِن المَغْنى الذى يَرْجِعُ مِن ذكرِهم فى القلوبِ والحناجرِ، المغنى : إذ قلوبُهم لدى حناجِرِهم كاظِمينَ. قال: فإن شئتَ جعَلتَ قَطْعَه مِن الهاءِ التى فى قولِه : ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ ﴾. قال: والأوَّلُ أْوَدُ فى العربيةِ. وقد تَقَدَّم بيانُ وجهِ ذلك. وقولُه: ﴿مَا لِلَّالِمِينَ مِنْ خَمِيرٍ وَلَا شَفِيعِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ما للكافرين باللّهِ يومَئذٍ مِن حميمٍ يُحِمُّ لهم، فيَدْفَعَ عنهم عظیمَ ما نزل بهم مِن عذابٍ اللَّهِ ، ولا شفيعٍ يَشْفَعُ لهم عندَ ربِّهم، فيُطاعَ فيما شفَع، ويُجابَ فيما سأَل . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ خَمِيٍ وَلَا شَفِيعِ﴾. قال: مَن يَعْنِيه أمرُهم، ولا شفيعَ لهم. وقولُه: ﴿ يُطَاعُ﴾. صلةٌ للشفيعِ، ومعنى الكلامِ: ما للظالمين مِن حميمٍ، ولا شفيعٍ إذا شفَع أَطِيعَ فيما شفَع، فأُجِيب وقُبِلَتْ شَفاعتُه(٣). (١) فى م: ((فنشبت)). (٢) هو الفراء فى معانى القرآن ٦/٣. (٣) بعده فى م: (( له)) . ٣٠٣ سورة غافر : الآية ١٩ وقولُه: ﴿ يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه مُخْبِرًا عن صفةِ نفسِه: يَعْلَمُ ربُّكم ما خانتْ أعيُنُ [٧٤٣/٢و] عبادِه، وما أَخْفَتْه صدورُهم. يعنى: وما أَضْمَرَتْه قلوبُهم. يقولُ: لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن أُمورِهم، حتى ما تُحَدِّثُ به نفسُه، ويُضْمِرُه قلبُه؛ إذا نظَر ماذا يُريدُ بنَظَرِهِ، وما يَنْوِى ذلك بقلبِهِ، ﴿ وَاَللّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: واللَّهُ تعالى ذكرُه يَقْضِى فى الذى خانَتْه الأَعْيُنُ بنظرِها، وأحْفَتْه الصُّدورُ عندَ نظرٍ العيونِ، بالحقِّ ؛ فيَجْزِى الذين أُغْمَضوا أبصارَهم وصرَفوها عن محارمِه، حِذَارَ الموقِفِ بينَ يَدَيْه، ومَسْأَلَتِه عنه، بالحُسنى، والذين ردُّوا (١) النظرَ، وعَزَمتْ قلوبُهم على مُوافَعَةِ الفَواحشِ إذا قَدَرَتْ، جزاءَها . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی عبدُ اللهِ بنُ أحمد المروزِىُّ ، قال : ثنا علىُ بنُ حسین بن واقِدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا سعيدُ بنُّ بجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ اُلْأَعْيُنِ﴾: إذا نَظَرْتَ إليها؛ تُريدُ الخيانةَ أم لا؟ ﴿ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾: إذا قَدَرْتَ عليها؛ أَتَزْنى بها أم لا؟ قال: ثم سكَت ، ثم قال : ألا أُخبِرُكم بالتى تَلِيها ؟ قلتُ : نعم. قال: واللَّهُ يَقْضى بالحقِّ، قادرٌ على أن يَجْزِىَ بالحسنةِ الحسنةَ، وبالسيئةِ السيئةَ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال الحسينُ(٢): فقلتُ للأعمشِ: حدَّثنى به الكَلْبىُ، إلا أنه قال: إن اللَّهَ قادرٌ / على أن يَجْزِىَ بالسيئةِ ٥٤/٢٤ السيئةَ، وبالحسنةِ عَشْرًا. فقال الأعمشُ: لو (١) أن الذى عندَ الكلبىّ عندى، ما خرَج (١) فى م: ((رددوا)). وهما بمعنّى. (٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((الحسن)). والحسين هو ابن واقد . (٣) سقط من: م. ٣٠٤ سورة غافر : الآيتان ١٩ - ٢٠ منى إلا بخفير (١) . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ : ﴿ يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾. قال: نَظَرَ الأعينِ إلى ما نهَى اللَّهُ عنهُ(٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿خَابِنَةَ اُلْأَعْيُنِ﴾: أى يَعْلَمُ هَمْزَه بعينِه وإغْماضَه، فيما لا يُحِبُّ اللَّهُ ولا يَزْضاه(٣). وقولُه : ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ ﴾. يقولُ: والأوثانُ والآلهةُ التى يَعْبُدُها هؤلاء المشركون باللّهِ مِن قومِك مِن دونِه ، لا يَقْضون بشىءٍ ؛ لأنها لا تَعْلَمُ شيئًا ، ولا تَقْدِرُ على شىءٍ. يقولُ جلَّ ثناؤه لهم: فاعْبُدوا الذى يَقْدِرُ على كلِّ شىءٍ، ولا يَخْفَی علیه شىءٌ مِن أعمالكم، فیَجْزِی مُخْسِنکم بالإحسانِ ، والمسىءَ بالإساءةِ، لا ما لا يَقْدِرُ على شىءٍ، ولا يَعْلَمُ شيئًا، فَيَعْرِفَ المحسنَ مِن المسىءٍ، فيُثيبَ المحسنَ، ويُعاقِبَ المسىءَ. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ هو السميعُ لِمَا تَنْطِقُ به ألسنتكم أيها الناسُ ، البصيرُ بما تَفْعلون مِن الأفعالِ، مُحيطٌ بكلٌ ذلك، مُخْصِيهِ (١) فى م: ((بحقير))، وفى ت ٢، ت ٣: ((بحفر)). والمثبت كما تقدم فى ١/ ٨٧. والأثر أخرجه الطبرانى فى الأوسط (١٢٨٣) من طريق عبد الله بن أحمد به، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ١/ ٣٢٣، والبيهقى فى الشعب (٥٤٤٣)، من طريق على بن الحسين به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٥ إلى ابن أبى حاتم. وقوله: ((قال الحسين: فقلت للأعمش .. إلخ)) تقدم فى ١ / ٨٧. (٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٣) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١٧٤) من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨٠/٢ عن معمر عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٥ إلى عبد بن حميد. ٣٠٥ سورة غافر : الآيتان ٢٠، ٢١ عليكم ، ليُجازِىَ جميعَكم جزاءَه يومَ الجزاءِ . واخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، ﴾؛ فقَرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ : ( وَالَّذِينَ تَدْعُون مِن دُونِهِ). بالتاءِ على وجهِ الخِطابِ، وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ بالياءِ على وجهِ الخبرِ (١). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قِراءَتان مَعْروفَتان، صحيحتا المَغْنَى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِذَّ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِىِ الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اُللَّهِ مِنْ وَاقٍ يقولُ تعالى ذكره : أو لم يَسِرْ هؤلاء المُقِيمون على شركِهم باللّه، المُكَذِّبون رسولَه مِن قُريشٍ، فى البلادِ، ﴿فَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾. يقولُ: فيَرَوْا ما الذى كان خاتمةَ أُتَم الذين كانوا مِن قبلهم ، مِن الأمم الذين سَلَكوا سبيلَهم؛ فى الكفرِ باللَّهِ وتكذيبٍ رُسُلِه، ﴿كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةَ﴾. يقولُ: كانت تلك الأممُ الذين كانوا مِن قبلِهم ، أَشَدَّ منهم بطشًا ، وأبْقَى فى الأرضِ آثارًا ، فلم تَنْفَعْهم شِدَّةُ قُواهم ، وعِظَمُ أجسامِهم ، إذ جاءَهم أمرُ اللَّهِ، وأَخَذَهم بما أْرَموا مِن مَعاصِيهِ واكْتَسَبوا مِن الآثامِ ، ولكنَّه أبادَ جَمْعَهم، وصارتْ مساكنُهم خاويةً منهم بما ظَلَموا، ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ ﴾ . يقولُ : وما كان لهم مِن عذابِ اللَّهِ إذ جاءَهم ، مِن واقٍ يَقِيهم، فيَدْفَعَه عنهم . (١) قرأ نافع وابن عامر: (والذين تدعون). بالتاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائى: ﴿ والذين يَدْعون﴾. بالياء، ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٦٨. ( تفسير الطبرى ٢٠/٢٠ ) ٣٠٦ سورة غافر : الآيات ٢١ - ٢٤ ٥٥/٢٤ / كالذى حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اُللَّهِ مِن وَاقٍ﴾: [٧٤٣/٢ظ] يَقِيهم ولا يَنْفَعُهم(١) . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتَ تَّأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ ٢٢ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَُّ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ يقولُ تعالى ذكره: هذا الذى فَعَلْنا(٢) بهؤلاء الأُتَ الذين مِن قبلٍ مشركى قُريشٍ، مِن إهلاكِناهم بذُنوبِهم، فَعْنا بهم بأنهم كانتْ تأتيهم رسلُ اللَّهِ إليهم بالبِّنَاتِ؛ يَعْنى بالآياتِ الدَّالّاتِ على حقيقةِ ما تَدْعوهم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، والانْتِهاءِ إلى طاعتِهِ، ﴿فَكَفَرُواْ﴾. يقولُ: فأَنْكَرُوا رِسالَتَها، وجحَدوا توحيدَ اللَّهِ، وأَبَوْا أن يُطِيعوا اللَّهَ، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: فأخذهم اللّهُ بعذابِه فأهْلَكهم، ﴿ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو قوةٍ ، لا يَقْهَرُه شىءٌ ولا يَغْلِبُه، ولا يُعْجِزُه شىءٌ أرادَه، شديدٌ عقابُه مَن عاقَب مِن خَلْقِه. وهذا وعيدٌ مِن اللَّهِ مشركى قُريشٍ، المُكَذِّبين رسولَه محمدًا عَه، يقولُ لهم جلَّ ثناؤه: فاخذَروا أيُّها القومُ أن تَسْلُكوا سبيلَهم فى تكذيبٍ محمدٍ عَّهِ ، وجحودِ توحيدِ اللَّهِ ومخالفةٍ أمرِه ونهيِهِ، فيَسْلُكَ بكم فى تَعْجيلِ الهلاكِ لكم مَسْلَكُهم . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَاِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِیپٍ ٢٤ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ ٢٣ يقولُ تعالى ذكرُه مُسَلًِّا نبيَّه محمدًا عَلّه ، عمَّا كان يَلْقَى مِن مشركى قومِه مِن قريشٍ، بإعلامِه ما لَقِى موسى مَّن أَرْسِل إليه مِن التكذيبِ، ومُخْبِرَه أنه مُعْلِيهِ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٥ إلى عبد بن حميد. (٢) فى م: ((فعلت)). ٣٠٧ سورة غافر: الآيتان ٢٤، ٢٥ عليهم، وجاعِلٌ دائرةَ السَّوْءِ على مَن حادَّه وشاقُّه، كشنَتِه فى موسى صلواتُ اللَّهِ عليه ، إذ أعلاه وأهْلَك عدوّه فرعونَ: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَا ﴾ - يَغْنى بأدِلَّتِهِ - ﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسُلْطَانٍ تُبِينٍ﴾. أى: عُذْرٍ مبينٍ(١). يقولُ: وحُجَجُه المُبِينةُ لمَن يَرَاها أنها حُجَّةٌ مُحَقِّقَةٌ ما يَدْعو إليه موسى ، ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ﴾. يقولُ: فقال هؤلاء الذين أَرْسِل إليهم موسى لموسى: هو ساحرٌ يَسْحَرُ العصا، فيَرَى الناظِرُ إليها أنها حَيَّةٌ تَسْعَى، ﴿كَذَّابُ﴾. يقولُ: يَكْذِبُ على اللَّهِ، ويَزْعُمُ أنه أرْسَلَه إلى الناسِ رسولًا . / القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَاءَ ٥٦/٢٤ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَلٍ ٢٥ يقولُ تعالى ذكره: فلمَّا جاء موسى هؤلاء الذين أَرْسَلَه اللَّهُ إليهم بالحقِّ مِن عندِنا ؛ وذلك مجيتُه إياهم بتوحيدِ اللَّهِ والعملِ بطاعتِه ، مع إقامةِ الحُبَّةِ عليهم ، بأن اللَّهَ ابْتَعَثَه إليهم بالدعاءِ إلى ذلك، ﴿ قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ بِاللَّهِ ﴿مَعَلُ﴾ مِن بنى إسرائيلَ، ﴿ وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَ هُمْ﴾. يقولُ: واسْتَثْقُوا نساءَهم للخدمةِ . فإن قال قائلٌ : وكيف قيل: فَلَمَّا جاءَهم موسى بالحقِّ مِن عندِنا قالوا اقْتُلوا أبناءَ الذين آمنوا معه، واسْتَحْيوا نِساءَهم؟ وإنما كان قتلُ فرعونَ الوِلْدَانَ مِن بنى (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨٠/٦ من طريق سعيد به . ٣٠٨ سورة غافر: الآيتان ٢٥ ، ٢٦ إسرائيلَ، حِذارَ المولودِ الذى كان أَخْبِرِ أنه على رأسِه ذَهابُ مُلْكِه وهلاكُ قومِه ، وذلك كان - فيما يقالُ - قبلَ أن يَبْعَثَ اللَّهُ موسى نبيًّا؟ قيل: إن هذا الأمرَ بقتلٍ أبناءِ الذين آمنوا مع موسى ، واستحياءِ نسائِهم، كان أمرًا من فرعونَ ومَلَئِهِ مِن بعد الأمرِ الأوَّلِ الذى كان مِن فرعونَ قبَل مَوْلدِ موسى . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِأَلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمَّ﴾ . قال : هذا قتلٌ(١) غيرُ القتلِ(٢) الأوَّلِ الذى كان(٣). وقولُه: ﴿ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾. يقولُ: وما احتيالُ أهلِ الكفرِ لأهلِ الإِيمانِ باللَّهِ إلا فى جَوْرٍ عن سبيلِ الحقِّ، وصَدِّ عن قَصْدِ المَحَجَّةِ، وأَخْذٍ علی غیرٍ هُدًى . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيِّ أَقْتُلٌ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهٌُ إِّيِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ (٤) أَن يُظْهِرَ فِ الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ ٢٦ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لمَلَئِهِ: ﴿ ذَرُونِ أَقْتُلْ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَّهٌُ﴾ الذى [٧٤٤/٢ و] يَزْعُمُ أنه أَرْسَله إلينا، فَيَمْنَعَه منا، ﴿إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾. يقولُ: إنى أخافُ أن يُغَيِّرَ دينَكم الذى أنتم عليه بسحره . (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قيل)). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((القيل)). (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨٠/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٥ إلى عبد بن حميد . (٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((و)). وينظر الصفحة القادمة . ٣٠٩ سورة غافر : الآية ٢٦ واخْتَلَفَتِ القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿أَقْ (١) أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ : (وأنْ يُظْهِرَ فى الأرضِ الفسادَ). بغيرِ ألفٍ ، وكذلك ذلك فى مصاحف أهلِ المدينةِ . وقرأ ذلك عامّة قرأةِ الكوفةِ: ﴿أَوْ أَنْ﴾ بالألفِ، وكذلك ذلك فى مصاحفِهم ، ( يَظْهَرَ فى الأرضِ) بفتحِ الياءِ ورفعِ الفسادٍ (). / والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قِراءَتان مَشْهورَتان فى قَرَأَةٍ ٥٧/٢٤ الأمصارِ، مُتَقارِبَتا المعنى؛ وذلك أن الفسادَ إذا أَظْهَرَه مُظْهِرٌ، كان ظاهرًا ، وإذا ظھَر فيإظهارِ مُظْهِرٍ (٢) يَظْهَرُ، ففى القراءةِ بإحدى القراءتَيْنْ فى ذلك دليلٌ على صحةٍ معنى الأُخرى . وأمَّا القراءةُ فى ﴿ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ ﴾ بالألفِ وبحذفِها ، فإنهما أيضًا مُتَقارِبَتا المعنى ؛ وذلك أن الشىءَ إذا بُدِّل إلى خِلافِهِ، فلا شكَّ أن خِلافَه المبدَّلَ إليه الأوَّلُ هو الظاهرُ دُونَ المبدَّلِ، فسَوَاءٌ مُطِفَ على خبرِه عن خوفِهِ مِن موسى أن يُبَدِّلَ دينَهم، بالواوٍ أو بـ ((أو))؛ لأن تبديلَ دينِهم كان عندَه هو ظهورَ الفسادِ ، وظهورُ الفساد کان عنده هو تبدیلَ الدينِ . فتأويلُ الكلام إذن : إنى أخافُ مِن موسى أن يُغيِّرَ دينكم الذى أنتم عليه ، أو أن (١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((و)). (٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ( وأنْ يظهرَ) بغير ألفٍ قبل واو. وقرأ عاصم وحمزة والكسائى: (أو أن يظهرَ) بألف قبل الواو. وقرأ نافع وأبو عمرو: (يُظْهِرَ) مضمومة الياء، (الفسادَ) نصبًا. وقرأ ابن كثير وابن عامر: ( يَظْهَرَ) منصوبة الياء، ( الفسادُ) رفعًا. وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر وحمزة والكسائى: ( يَظْهَرَ) بفتح الياء، (الفسادُ) رفعًا. وقرأ حفص عن عاصم: ( يُظْهِرَ) برفع الياء، (الفسادَ) نصبا . ينظر السبعة فى القراءات ص ٥٦٩. (٣) فى م: ((مظهره)). (٤) بعده فى م: ((واضح)). ٣١٠ سورة غافر : الآية ٢٦ - ٢٨ يُظهِرَ فى أرضِكم، أرضٍ مصرَ، عبادةَ ربِّه الذى يَدْعوكم إلى عبادتِه. وذلك كان عندَه هو الفسادَ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك ، قال أهلُ التأويلِ . (١ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾. أى: أمْرَكم الذى أنتم عليه، ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِىِ الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ﴾. والفسادُ عندَه: أن يُعْمَلَ بطاعةِ اللَّهِ (٢) . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ عَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ (٢٧ مُتَكَبٍِّ لَا يُؤْمِنُ بِيَّوْمِ الْحِسَابِ إِيمَنَهُ، أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيْنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِنِ يَكُ محبط كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا ٢٨ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يقولُ تعالى ذكره : وقال موسى لفرعونَ ومَلَئِهِ : إنى اسْتَجَرْتُ ، أيُّها القومُ ، بربى وربِّكم مِن كلِّ مُتَكبّرٍ عليه؛ تَكَبَّر عن توحيدِه والإقرارِ بألوهِيَّتِه وطاعتِه ، لا يؤمنُ بيومٍ يُحاسِبُ اللّهُ فيه خَلْقَه، فيُجازِى المحسنَ بإحسانِهِ، والمسىءَ بما أساء(١) . وإنما خصَّ موسى صلواتُ اللَّهِ وسلامه عليه الاستعاذةَ باللَّهِ مَّن لا يُؤْمِنُ بيومٍ الحسابِ؛ "لأن مَن لم يُؤْمِنْ بيوم الحسابِ" مُصدِّقًا، لم يكنْ للثوابٍ على (١ - ١) سقط من: ت ٣. (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨٠/٢ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . (٣) فى ص، ت ١، ت ٣: ((شاء))، وفى ت ٢: ((ساء)). (٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. . ٣١١ سورة غافر : الآيتان ٢٧، ٢٨ الإحسانِ راجيًا، ولا للعقابِ على الإساءةِ وقبيح ما يَأتى من الأفعالِ خائفًا، ولذلك كانت اسْتِجارَتُه مِن هذا الصِّنْفِ مِن الناسِ خاصَّةً . وقولُه: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ ﴾ . اخْتَلَف أهلُ العلم فى هذا الرجلِ المؤمنِ ؛ فقال بعضُهم: كان مِن قومٍ فرعونَ غيرَ أنه كان قد آمن بموسى، وكان يُسِرُّ إيمانَه مِن فرعونَ وقومِه خوفًا على نفسِه . / ذكرُ مَن قال ذلك ٥٨/٢٤ حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾. قال: هو ابنُ عمِّ فرعونَ ، ويُقالُ: هو الذى نَجَا مع (١) موسى(١). فمن قال هذا القولَ وتَأوَّل هذا التأويلَ ، كان صوابًا الوقفُ - إذا أراد القارئُّ الوقوفَ(٢) - على قوله: ﴿مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾؛ لأن ذلك خبرٌ مُتَنَاهٍ قد تَمَّ . وقال آخرون: بل كان الرجلُ إسرائيليًّا، ولكنَّه كان يَكْتُمُ إيمانَه مِن آلٍ فرعونَ . والصوابُ على هذا القولِ، لمن أراد الوقفَ، أَن يَجْعَلَ وقفَه على قولِه: ﴿يَكْتُ إِيمَنَهُ﴾؛ لأن قولَه: ﴿مِّنْ عَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ صلةٌ لقوله: ﴿يَكُمُ إِيمَنَهُمْ﴾، فتمامُه قولُه: ﴿يَكْثُ إِيمَنَهُ﴾. وذُكِر أن اسمَ هذا الرجلِ المؤمنِ مِن آلٍ فرعونَ: خبرك (١) . كذلك حدَّثنا ابنٌ (١) ذكره البغوى فى تفسيره ١٤٦/٧، والقرطبى فى تفسيره ٣٠٦/١٥، وابن كثير فى تفسيره ١٢٩/٧. (٢) فى م: ((الوقف)). (٣) فى م: ((جبريل))، وفى ت ٢، ت ٣: ((حمويل)). وفى مصدر التخريج: ((حبرك)). ٣١٢ سورة غافر : الآية ٢٨ حميدٍ ، قال : ثنا سَلَمَةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ (١). وأَوْلَى القولَيْنِ فى ذلك بالصوابِ عندى القولُ الذى قاله الشّدىُّ، مِن أن الرجلَ المؤمنَ كان مِن آلٍ فرعونَ، قد أصْغَى لكلامِه واسْتَمَع منه ما قاله، وتَوَقَّف عن قتلٍ موسى عندَ نَهْيِهِ عن قتلِه وقِيلِه ما قال، وقال له: ما أريكم إلا ما أَرَى، وما أَهدِيكم إلَّا سبيلَ الرشادِ . ولو كان إسرائيليًّا لكان حَرِيًّا أن يُعاجِلَ هذا القائلَ له ولمَلَئِهِ ما قال، بالعقوبةِ على قولِه؛ [٧٤٤/٢ظ] لأنه لم يكنْ يَسْتَنْصِحُ بنى إسرائيلَ؛ لاغْتدادِه إياهم أعداءً له، فكيف بقولِه عن قتلِ موسى لو وَجَد إليه سبيلاً، ولكنَّه لَّ كان مِن مَلاَّ قومِه ، اسْتَمَع قولَه وكفَّ عمَّا كان همَّ به فى موسى . وقولُهُ: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ ﴾. يقولُ: أَتَقْتُلون ، أيُّها القومُ، موسى؛ لِأَنْ يقولَ ربيَ اللَّهُ؟! فـ((أَنْ)) فى موضع نصبٍ؛ لِمَا وَصَفْتُ، ﴿ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَتِ ﴾. يقولُ: وقد جاءَكم بالآياتِ الواضحاتِ على حقيقةٍ ما يقولُ مِن ذلك، وتلك البيناتُ مِن الآياتِ يدُه وعصاه . كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ وَقَدْ جَاءَ كُمْ بِالْبَيْنَتِ مِن زَبِّكُمْ﴾: بعصاه وبيده(١). وقولُه: ﴿ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾. يقولُ : وإِن يَكُ موسى كاذبًا فى قِيلِه أن اللَّهَ أرْسَله إليكم يَأْمُرُ كم بعبادتِه، وتركِ دينِكم الذى أنتم عليه ، فإنما إِثْمُ كَذِبِه عليه دونَكم، ﴿وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾ . يقولُ : وإن يَكُ صادقًا فى قِيلِه ذلك، أصابكم الذى وعَدَكم مِن العقوبةِ على (١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٠٧/١ عن ابن حميد به، لكن عنده أن ابن إسحاق قال: حُدِّثت عن وهب . ٣١٣ سورة غافر : الآية ٢٨ مُقامِکم علی الدین الذی أنتم علیه مُقِیمون ، فلا حاجةً بكم إلى قتله ، فتزِيدوا ربّكم بذلك إلى سُخْطِه عليكم بكفرٍ كم سُخْطًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ لا يُوَفِّقُ للحقِّ مَن هو مُتَعدُّ (١) إلى فِعْلِ ما ليس له فِعلُه ، كَذَّابٌ﴾ : عليه يَكْذِبُ ، ويقولُ عليه الباطلَ وغيرَ الحقِّ . وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى الإسرافِ الذى ذكره المؤمنُ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عَنَى به الشركَ ، وأراد: إن اللَّهَ لا يهدى مَن هو مشركٌ به، مُفْتَرٍ عليه. ٥٩/٢٤ / ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾: مشركٌ أسرّف على نفسِه بالشركِ(١). وقال آخرون : عَنَى به مَن هو قَتَّالٌ سَفَّاكٌ للدماءِ بغيرٍ حقٌّ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. قال: المسرفُ هو صاحبُ الدم. ويُقالُ: هم المشركون(٣). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إن اللَّهَ أَخْبَر عن هذا المؤمنِ أنه عَمَّ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. والشركُ مِن الإسرافِ، (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ( معتد). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٣) ينظر البحر المحيط ٧/ ٤٦١. ٣١٤ سورة غافر: الآيات ٢٨ - ٣١ وسفكُ الدم بغيرٍ حقٌّ مِن الإسرافِ، وقد كان مُجْتَمِعًا فى فرعونَ الأمران كلاهما، فالحقُّ أن يُعَمَّ ذلك، كما أخبَر جلَّ ثناؤه عن قائِلِه، أنه عَمَّ القولَ بذلك. القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَّوْمَ ظَهِرِينَ فِ اُلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اَللَّهِ إِن جَآءَنَاْ قَالَ فِرْعَوْنُ مَّآ أُرِيَكُمْ إِلَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ٢٩ يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِ المؤمنِ مِن آلٍ فرعونَ لفرعونَ ومَلَئِهِ: ﴿يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظَهِرِينَ فِ اَلْأَرْضِ ﴾. يَغْنى أرضَ مصرَ. يقولُ: لكم السلطانُ اليومَ والملكُ، ظاهرين أنتم على بنى إسرائيلَ فى أرضٍ مصرَ، ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فمن يَدْفَعُ عنا بَأْسَ اللَّهِ وسَطْوَتَه إن حَلَّ بنا، (١ وعقوبته) إن جاءَتْنا؟ ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى﴾. يقولُ: قال فرعونُ مجيبًا لهذا المؤمنِ الناهى عن قتلٍ موسى : ما أُرِيكم، أيُّها الناسُ، مِن الوَأْيِ والنصيحةِ إلا ما أَرَى لنفسى ولكم صلاحًا وصوابًا، ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. يقولُ: وما أَدْعُوكم إلا إلى طريقِ الحقِّ والصوابِ فى أمرٍ موسى وقتلِه، فإنكم إن لم تَقْتُلوه بَدَّل دينكم ، وأُظْهَر فى أرضِكم الفساد . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَخْزَابِ مِثْلَ دَأَبٍ قَوٍّ نُوُجٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا ٣٠ ٣١ للعبادِ يقولُ تعالى ذكرُه: وقال المؤمنُ مِن آلٍ فرعونَ لفرعونَ ومَئِهِ : يا قومٍ ، إنى أخافُ عليكم بقتلِكم موسى ، إن قَتَلْتُموه، مِثْلَ يوم الأحزابِ الذين تَحَّبوا (١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((وعقوبة منه)). ٣١٥ سورة غافر: الآيتان ٣٠، ٣١ على رُسُلِ اللَّهِ؛ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ، فأهْلَكَهم اللَّهُ بَتَحَزَّبِهم(١) عليهم، فیھْلِكُكم كما أَهْلَگھم . / وقولُه: ﴿مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحٍ﴾. يقولُ: يَفْعَلُ ذلك بكم فيُهْلِكُكُم مِثْلَ ٦٠/٢٤ سُتّته فی قوم نوح وعاد وثمودَ وفِعْلِه بهم . وقد بَيَّنا مَعْنَى الدَّأَبِ فيما مضى بشواهدِه المُغْنِيَةِ عن إعادتِهِ ، مع ذكرٍ أقوالٍ أهلِ التأويلِ فيه (٢). وقد حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن على ، عن ابنٍ عباسٍ: ﴿مِثْلَ دَأَبٍ قَوْمِ نُوحٍ﴾. يقولُ: مثلَ حالٍ (٢). حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ [٧٤٥/٢ و] فى قوله : ﴿ مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحٍ﴾. قال : مثلَ ما أصابَهم . وقولُه: ﴿ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. يَعْنى قومَ إبراهيمَ، وقومَ لوطٍ ، وهم أيضًا مِن ج الأحزاب . كما حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهٍ﴾. قال: هم الأحزابُ (٤). وقولُه: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُهُ مُخْبِرًا عن قِيلِ المؤمنِ مِن آلٍ فرعونَ لفرعونَ ومَلَئِه : وما أَهْلَك اللَّهُ هذه الأحزابَ مِن هذه الأمم ظُلمًا منه (١) فى م: ((بتجرئهم)). (٢) ينظر ما تقدم فى ٢٣٥/٥ - ٢٣٧. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤١/٢ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٥ إلى ابن المنذر. (٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨١/٢ عن معمر عن قتادة . ٣١٦ سورة غافر: الآيات ٣١ - ٣٣ لهم، بغيرِ جُرْمِ اجْتَرَموه بينَهم وبينَه؛ لأنه لا يُريدُ ظلمَ عبادِه ولا يَشاؤُه، ولكنَّه أُهْلَكُهم بإجرامِهم وكفرِهم به وخِلافِهم أمْرَه. القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ يَوْمَ ٤ تُوَلُونَ مُدْبِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اُللَّهِ مِنْ عَاصِةٍ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٣ يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قِيلٍ هذا المؤمنِ لفرعونَ وقومِه: ﴿ وَيَقَوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ بقَتْلِكم موسى إن قَتَلْتُموه عقابَ اللَّهِ ﴿ يَوْمَ النَّنَادِ﴾. واختلفتِ القرأَةُ فى قراءةِ قولِهِ: ﴿ يَوْمَ النَّنَادِ﴾؛ فقرأ ذلك عامَّةُ قرأَةِ الأمصارِ: يَوْمَ الثَّنَادِ ﴾ بتخفيفِ الدالِ ، وتركِ إثباتِ الياءِ ، بمعنى التَّفاعُلِ، مِن: تَنادَى القومُ تَنادِيًا. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَنَادَى أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَّدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ ﴾ [الأعراف: ٤٤]. وقال: ﴿ وَنَادَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ ﴾ [الأعراف: ٥٠]. فكذلك(٢) تَأَوَّلَه قارئو ذلك . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصارىُّ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أنه قال فى هذه الآية: ﴿ يَوْمَ النَّنَادِ﴾. قال: يومَ يُنادِى (١) أهلُ النارِ أَهلَ الجنةِ ﴿أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيَِّنَا مِنَ الْمَآءِ﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَقَوْمِ إِنَِّ (١) قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى وخلف بغير ياء . السبعة لابن مجاهد ص ٥٦٨، والنشر ٢٧٤/٢. (٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((فلذلك)). (٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ينادون)). ٣١٧ سورة غافر : الآية ٣٢ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ﴾: يومَ ينادى أهلُ الجنةِ أهلَ النارِ ﴿ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبِّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم / ◌َا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾. ويُنادِى أهلُ النارِ أهلَ الجنةِ ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ ٦١/٢٤ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾(١). حدَّثنى يونسُ، قال: أُخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ يَوْمَ النَّنَادِ ﴾ . قال: يومَ القيامةِ ، يُنادى أهلُ الجنةِ أهل النارِ(٢) . وقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ عِلّهِ فِى مَعْنَى ذلك على هذه القراءةِ ، تأويلٌ آخرُ على غيرِ هذا الوجه . وهو ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمد المحاربىُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافعِ المدنيِّ، عن يزيدَ بنِ زيادٍ ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرظىِّ ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ وَمِ قال: ((يأمُرُ اللَّهُ إسرافِيلَ بالتَّفْخَةِ الأُولى فيقولُ: انْفُعْ نَفْخَةَ الفزعِ. ففَزِع أهلُ السماواتِ وأهلُ الأرضِ إلَّ مَن شاء اللَّهُ، ويَأْمُرُه اللَّهُ فِيْدِيُها (٢) ويُطَوِّلُها فلا يَقْتُرُ، وهى التى يقولُ اللَّهُ: ﴿ وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةُ وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] . فَيُسيِّرُ اللَّهُ الجبالَ فتكونُ سَرابًا ، فَتُرَجُ الأرضُ بأهلِها رَتَجًا، وهى التى يقولُ اللّهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ ٦ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاحِفَةٌ ﴾ [النازعات: ٦- ٨]. فتكونُ كالسفينةِ تَنْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨١/٢ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلی عبد بن حميد . (٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٩/ ٧٣، ٧٤. (٣) فى م، ت ١: ((أن يديمها))، وفى ت ٢، ت ٣: ((يديمها)). وفى الأهوال والبعث والنشور والبداية والنهاية: ((فيمدها))، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((فيمد بها))، وفى الدر المنثور: ((أن يمدها)). والمثبت موافق لما فى الأحاديث الطوال والعظمة . ٣١٨ سورة غافر : الآية ٣٢ المُرَنَّقَةِ(١) فى البحرِ ، تَضْرِبُها الأمواجُ(٢) تَكَفَّأُ بأهلِها، أو كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ بِالعَرْشِ تَرْمُه(١) الأرْوَاحُ(٤) ، فيَمِيدُ الناسُ على ظَهْرِها، فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الحوامِلُ، وتشِيبُ الوِلْدانُ، وتطيرُ الشياطينُ هاربةً حتى تأتىَ الأقطارَ، فَتَلَقَّاها الملائكةُ فتَضْرِبُ وُجُوهَها فتَرْجِعُ، ويُوَلَّى الناسُ مُدبِرِين، يُنادى بعضُهم بعضًا، وهو الذى يقولُ اللَّهُ: ﴿ يَوْمَ النَّنَادِ ﴿ يَوْمَ تُوُلُّونَ هُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِرٍ﴾()() فعلی هذا التأويل معنی الکلام : ویا قوم إنی أخافُ علیکم یومَ يُنادى الناسُ بعضُهم بعضًا مِن فَزَعِ نَفْخَّةِ الفَزَعِ . وقرأ ذلك آخرون : ( يومَ التَّادِّ). بتشديدِ الدالِ (١) ، بمعنى التَّفاعُلِ مِن النَّدِّ، وذلك إذا هرَبوا فتَدُّوا فى الأرضِ، كما تَنِدُّ الإبلُ إذا شَرَدَتْ على أربابِها . ذكرُ مَن قال ذلك كذلك، وذكرُ المَغْنَى الذى قَصَد بقراءته ذلك كذلك حدَّثنى موسى بنُ عبد الرحمنِ المَسْروقىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأَجْلَح، (١) فى م: ((المرتعة))، وفى الأهوال: ((المرفأة))، وفى الأحاديث الطوال والبداية والنهاية: ((الموبقة))، وفى العظمة: ((المرتفعة))، وفى البعث والنشور: ((الموقرة))، وفى الدر المنثور: ((الموسقة)). والمُرُنَّقَة: يقال رَنْقَتِ السفينةُ. إذا دارتْ فى مكانها ولم تَسِرْ. النهاية ٢/ ٢٧٠. (٢) فى الدر المنثور: ((الرياح)). (٣) فى ص: ((نرححه))، وفى ت ١، وتفسير ابن أبى حاتم: ((ترججه))، وفى ت ٣: ((ترحبه)). وفى الأحاديث الطوال، والعظمة، والبعث والنشور، والبداية والنهاية: ((ترجحه)). وفى الدر المنثور: ((تميلها)). (٤) فى ت ١، ت ٣: ((الأرياح)). وفى الأحاديث الطوال: ((الرياح الأزواح))، وفى الدر المنثور: ((الرياح)). وتُجمع الرِّيح على أرواح، كما تجمع على رياح. ينظر تاج العروس (روح). (٥) تقدم تخريجه فى ٦١٣/٣. (٦) هى قراءة ابن عباس والضحاك وأبى صالح والكلبى. ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٣، والمحتسب ٢٤٣/٢. ٣١٩ سورة غافر : الآ ية ٣٢ قال : سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحِم، قال: إذا كان يومُ القيامةِ ، أَمَر اللَّهُ السماءَ الدنيا [٧٤٥/٢ظ] فتشقَّقَتْ بأهلِها، ونزَل مَن فيها مِن الملائكةِ فأحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصَقُّوا صَفًّا دونَ صفٍّ، ثم يَنْزِلُ المَلِكُ الأعلى، على مُجَنِّبَتِهِ اليُسرى جَهَنمُ ، فإذا رآها أهلُ الأرضِ نَدُّوا، فلا يَأْتُون قُطرًا مِن أقطارِ الأرضِ إلا وجَدوا سبعةً صفوفٍ مِن الملائكةِ ، فَيَرْجِعون إلى المكانِ الذى كانوا فيه ، فذلك قولُ اللَّهِ: (إنى أخافُ عليكم يوم الثَّنادِّ * يومَ تولّون مُدْبرِين). وذلك قولُه: ﴿وَجَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفًّا وَسِأْىَّهَ يَوْمَيِذٍ بِجَهَنَّمْ﴾ [الفجر: ٢٢، ٢٣]. وقوله: ﴿يَمَعْشَرَ أَلِنْ صَفَا ◌َّ وَاَلْإِسِ إِنِ / أُسْتَطَعْتُمْ أَن تَنْفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَأَنْفُذُواْ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّ ٦٢/٢٤ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]. وذلك قوله: ﴿وَأَنشَقَّتِ السَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاحِيَةٌ ١٦ وَالْمَلَكُ عَلَىَ أَرْجَابِهَا﴾ [الحاقة: ١٦، ١٧]. حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ قولَه: (يومَ التنادٌ ). قال: يَنِدُون(٢). ورُوِى عن الحسنِ البصرىِّ أنه قرَأْ ذلك : ( يومَ التَّادِى) یإثباتِ الياءِ وتخفيفٍ (٣) الدالِ(٣). والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو تخفيفُ الدالِ ، وبغيرِ إثباتِ الياءِ. وذلك أن ذلك هو القراءةُ التى عليها الحُجَّةُ مُجْمِعةٌ مِن قرأةٍ (١) أخرجه نعيم فى زوائده على الزهد لابن المبارك (٣٥٤) من طريق جوبير عن الضحاك نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٠/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) فى م: ((تندون)) . (٣) أثبت الحسن الياء فى الوصل فقط، وأثبتها وصلاً أيضًا ورش وابن وردان وقالون بخُلف عنه . وأثبتها وصلاً ووقفًا ابن كثير ويعقوب، وكلهم يخفف الدال. النشر ٢٧٤/٢، والإتحاف ص ٢٣٣. ٣٢٠ سورة غافر: الآيتان ٣٢ ، ٣٣ الأمصارِ، وغيرُ جائزٍ خِلافُها فيما جاءتْ به نَقْلًا. فإذْ كان ذلك هو الصوابَ، فمعنى الكلام: ويا قومٍ إنى أخافُ عليكم يومَ يُنادِى الناسُ بعضُهم بعضًا؛ إمَّا مِن هَوْلٍ ما قدُ(١) عَايَنوا مِن عظيم سلطانِ اللَّهِ ، وفَظَاعةِ ما غَشِيتهم مِن كَوْبِ ذلك اليومِ ، وإمَّا لتذكيرِ بعضِهم بعضًا إنجازَ اللَّهِ إياهم الوعدَ الذى وعَدهم فى الدنيا، واسْتِغاثةً مِن بعضِهم ببعضٍ، مما لَقِى مِن عظيم البلاءِ فيه . وقولُه: ﴿يَوْمَ تُوُلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾. فتأويلُه على التأويلِ الذى ذَكَرْنا مِن الخبرِ عن رسولِ اللهِ عَهِ: يومَ يُؤَلُّون(٢) هارِبين فى الأرضِ؛ حِذَارَ عذابِ اللَّهِ وعقابِهِ عندَ مُعایَنَتِهم جهنمَ . وتأويلُه على التأويلِ الذى قاله قتادةُ فى معنى: ﴿ يَوْمَ النَّنَادِ ﴾: يومَ تولُّون مُنصرِفين عن موقفِ الحسابِ إلى جهنمَ . وبنحوِ ذلك رُوِى الخبرُ عنه وعمَّن قال نحوَ مقالتِه فى معنى: ﴿ يَوْمَ النَّنَادِ﴾ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾. أى: مُنْطَلَقًا بكم إلى النارِ(١). وأَوْلَى القولَيْنِ فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى رُوِى عن رسولِ اللَّهِ صَ لِّ، وإن كان الذى قاله قتادةُ فى ذلك غيرَ بعيدٍ مِن الحقِّ، وبه قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. (١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((به)). (٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تولون)). (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨١/٢ عن معمر عن قتادة .