النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة الزمر : الآيتان ٦٨ ، ٦٩ قال: ذُكِر لنا أن معاذَ بنَ جبلٍ سأَل نبيَّ اللَّهِ عَ لَّهِ: كيف يُتْعَثُ المؤمنون يومَ القيامةِ؟ قال : ((يُعَثون جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلين بنى ثلاثين سنةً))(١). وقولُه: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾. يقولُ: فإذا مَن صَعِقٍ عندَ النفخةِ التى قبلَها وغيرُهم، مِن جميع خلقِ اللَّهِ تعالى الذين كانوا أمواتًا قبلَ ذلك - قيامٌ مِن قبورِهم وأماكنهم مِن الأرضِ، أحياءٌ كهيئتِهم قبلَ ◌َماتِهم، يَنْظُرون أمرَ اللَّهِ فيهم . كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾ . قال: حينَ يُتْعَثون . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ اُلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجِأْىَّ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ يقولُ تعالى ذكره: فأضاءَت الأرضُ بنورِ ربِّها. يقالُ: أَشْرَقَت الشمسُ؛ إذا صَفَت وأضاءَت . وشرَقَت(٢)؛ إذا طلَعَت. وذلك حينَ يَتْرُزُ الرحمنُ لفصلِ القضاءِ بينَ خلقِه . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَشْرَقَتِ اُلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾. قال: فما يَتَضارُّون فى نورِه إلا كما يَتَضارُّون فى الشمسِ فى اليومِ الصَّحْوِ الذى لا دَخَنَ فيه (١) . (١) أخرجه أحمد ٢٣٢/٥ (الميمنية)، والبيهقى فى البعث والنشور (٤٦٧)، (٤٦٨) من طريق قتادة عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل به . (٢) فى م: ((أشرقت)). وينظر اللسان (شرق). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٢/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. ٢٦٢ سورة الزمر : الآية ٦٩ حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أشْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَأَشْرَقَتِ اُلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾. قال: أضاءت(١) . وقولُه: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَبُ﴾ . يعنى : كتابُ أعمالِهم لمحاسبتهم ومُجازاتِهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَوُضِعَ اُلْكِتَبُ﴾. قال : كتابُ أعمالهم. /حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَوُضِعَ اُلْكِنَبُ﴾ . قال : الحسابُ(١) ٣٣/٢٤ وقولُه: ﴿وَجِّهَ بِالنَّبْنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾. يقولُ(٢): وجِىء بالتَبيِّين لِيَسْأَلَهم ربّهم عما أجابَتَهم به أئمُهم، وردّت عليهم فى الدنيا، حينَ أتَتْهم رسالةُ اللَّهِ، ﴿ وَالشُّهَدَآءِ﴾. يعنى بالشهداءِ (١) أمةَ محمدٍ عَظِلّهِ، يَسْتَشْهِدُهم ربّهم على الرسلِ، فيما ذكّرَت مِن تبليغِها رسالةَ اللَّهِ التى أرْسَلَهم بها ربُّهم إلى أيمها، إذا ( جحَدَت أُمُهم أن يكونوا أَبْلَغوهم رسالةَ اللَّهِ. والشهداءُ جمعُ شهيدٍ، وهذا نظيرُ قولِ اللَّهِ: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [ البقرة: ١٤٣]. وقيل: عَنَى بقولِه: ﴿ وَالشُّهَدَآءِ﴾: الذين قُتِلوا فى سبيلِ اللَّهِ . وليس لما قالوا مِن ذلك فى هذا الموضع كبيرُ معنًى؛ لأَن عقيبَ قوله: ﴿ وَحِأْىّءَ بِالنَّبِيِّئِنَ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٢/٥ إلى المصنف . (٢) فى ص، ت١: ((وقبل))، وفى ت٢، ت٣: ((وقيل)). (٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((بالشهود)). (٤) فى م: ((إذ)). ٢٦٣ سورة الزمر : الآيات ٦٩ - ٧١ وَالشُّهَدَآءِ﴾؛ ﴿ وَقُضِىَ بَلْنَهُم بِالْحَقِّ﴾ . وفى ذلك دليلٌ واضحٌ على صحةٍ ما قُلْنا، مِن أنه إنما دُعِى بالنبيين والشهداءِ، للقضاءِ بينَ الأنبياءِ وأيمها ، وأن الشهداءَ إنما هی جمعُ شھیدٍ ، الذین یَشْهَدون للأنبياءِ علی أممهم، كما ذكرنا . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ . ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَحِأْىَّ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾. فإنهم لَيَشْهَدون للرسلِ بتبليغِ الرسالةِ، وبتکذیبِ الأمم إياهم . ذکرُ مَن قال ما حكَيْنا قولَه من القولِ الآخرِ حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿وَجِأَّْ بِالنَّبِيْنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾: الذين اسْتُشْهِدوا فى طاعةِ اللَّهِ. وقولُه: ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقُضِى بينَ النبيين وأيمها بالحقِّ، (وقضاؤُه بينَهم بالحقِّ ١) ألَّا يَحْمِلَ على أحدٍ ذنبَ غيرِهِ، ولا يُعاقِبَ نفسًا إلا بما كسَبَت . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا ٧٠ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًّا حَتَّىَ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا يَفْعَلُونَ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٢/٥ إلى المصنف وابن مردويه. (٢ - ٢) سقط من: ت٢، ت٣. ٢٦٤ سورة الزمر : الآيتان ٧٠ ، ٧١ وَقَالَ لَهُمْ [٧٣٧/٢ وآ خَزَنَهُهَا أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَيِّكُمْ وَيُنذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اٌلْعَذَابِ عَلَى اُلْكَفِرِينَ ٧١ يقولُ تعالى ذكرُه: ووفّى اللَّهُ حينئذٍ كلَّ نفسٍ جزاءً عملِها مِن خيرٍ وشرٍّ ، وهو أعلمُ بما يَفْعَلون فى الدنيا ، مِن طاعةٍ أو معصيةٍ ، ولا يَعْزُبُ عنه علمُ شىءٍ مِن ذلك ، وهو مُجازِيهم عليه يومَ القيامةِ ، فمثيبٌ المحسنَ بإحسانِهِ، والمسىءَ بما يَشاءُ(١). /وقولُه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًّا﴾. يقولُ: وحُشِر الذين كفَروا باللّهِ ، إلى نارِه التى أعَدَّها لهم يومَ القيامةِ جماعاتٍ ؛ جماعةٌ جماعةً ، وحزبًا حزبًا . ٣٤/٢٤ كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِه : . قال : جماعاتٍ . وقولُه: ﴿حَتََّ إِذَا جَءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ السبعةُ، ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَُهَا ﴾: قُوَّامُها: ﴿أَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَيِّكُمْ﴾ . يعنى: كتابَ اللَّهِ الْمُزَّلَ على رسلِه(١) ، وحججه التى بعَث بها رسلَه إلى أممهم، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. يقولُ: ويُنْذِرونكم ما تَلْقَوْن فى يومِكم هذا. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه: ويُنْذِرونكم مصيرَ كم إلى هذا اليوم، ﴿ قَالُواْ بَلَى﴾ . يقولُ: قال الذين كفروا مُجِيبِين لخَنةٍ جهنمَ: بلى، قد أَتَتْنا الرسلُ منا، فأنْذَرَتْنا (٣) لقاءَنا هذا اليومَ ، ﴿ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾. يقولُ: قالوا : (١) فى م: ((أساء)). (٢) فى ت١: ((رسوله)). (٣) فى ت١، ت٢، ت٣: ((فأنذروننا)). ٢٦٥ سورة الزمر : الآيات ٧١ - ٧٤ ولكن وجَبَت (١) كلمةُ اللَّهِ ، أن عذابَه لأهل الكفرِ به علينا ، بكفرِنا به . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾. بأعمالِهم (١). القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿قِيلَ أُدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكِينَ ٧٢ يقولُ تعالى ذكرُه: فيَقولُ خَزَنةُ جهنمَ للذين كفروا حينئذٍ: ﴿ أَدْخُلُوْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ السبعةَ، على قَدْرِ منازلِكم(٢) فيها، ﴿ خَلِينَ فِيهَا﴾. يقولُ : ماكِثين فيها ، لا تُنْقَلُون(٤) عنها إلى غيرِها. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكِّينَ﴾ . يقولُ : فبئس مسكنُ المتكبِّرِين على اللَّهِ فى الدنيا ، أن يُوَحِّدوه ويُفْرِدوا له الألوهةَ - جهنمُ يومَ القيامةِ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَقَّ إِذَا جَاءُ وهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِدِينَ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٧٤ اُلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٌ فَنَعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ يقولُ تعالى ذكره : وحُشِر الذين اتَّقَوا ربَّهم بأداءِ فرائضِه واجتنابِ مَعاصِیه فى الدنيا، وأخْلَصوا له فيها الألوهةَ، وأَفْرَدوا له العبادةَ، فلم يُشْرِكوا فى عبادتِهم إياه شيئًا - ﴿ إِلىَ الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. يعنى جماعاتٍ، فكان سَوْقُ هؤلاء إلى منازلهم من (١) فى ت ١: ((حقت)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٢/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد. (٣) فى ت٢، ت٣: ((منازلهم)). (٤) فى ص، م، ت٢، ت٣: ((ينقلون)). ٢٦٦ سورة الزمر : الآيتان ٧٣ ، ٧٤ الجنةِ وفدًا، على ما قد بيَّنا قبلُ فى سورةِ ((مريمَ))(١)، على نَجَائبَ مِن نجائبِ الجنةِ، وسَوقُ الآخرين إلى النارِ دَّا ووِرْدًا، كما قال اللَّهُ. /وبنحو الذی قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويل، وقد ذگونا ذلك فى أما کنِهِ مِن هذا الكتاب . ٣٥/٢٤ وقد حدَّثنی یونُسُ، قال : أُخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی قولِه : ﴿ وَسِيْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾. وفى قولِه: ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًّاً﴾. قال: كان سَوْقُ أولئك عُنْفًا وَتَعَبًّا ودَفْعًا. وقرَأَ : ﴿ يَوْمَ يُدَقُّونَ إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دَعًا﴾ [الطور: ١٣]. قال: يُدْفَعون دفعًا. وقرأ: ﴿ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ اُلْيَتِيِمَ﴾ [الماعون: ٢]. قال: يَدْفَعُه. وقَرَأْ: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنََّ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]. و﴿ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [ مريم: ٨٥]. ثم قال: فهؤلاء وفدُ اللَّهِ . حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : أخبرنا شَريكُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن أبى إسحاقَ، عن عاصم بنٍ ضَمْرةَ، عن علىِّ رضِى اللَّهُ عنه قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. حتى إذا انْتَهَوا إلى بابِها، إذا هم بشجرةٍ يَخْرُجُ مِن أصلِها [٧٣٧/٢ظ] عينان، فعمَدوا إلى إحداهما، فشربوا منها ، كأنما أُمِروا بها، فخرَج ما فى بطونهم مِن قَذَرٍ أو(٢) أذى أو قَدّى، ثم عمَدوا إلى الأخرى، فتوَضَّئوا منها كأنما أَمِروا بها(٢) ، فجرَت عليهم نَضْرةُ النعيم، فلن تَشْعَثَ رءوسُهم بعدَها أبدًا، ولن تَبْلَى ثيابُهم بعدَها، ثم دخَلوا الجنةَ، فتلَقَّتْهم الوِلْدانُ كأنهم اللؤلؤُ - (١) ينظر ما تقدم فى ٦٢٩/١٥ - ٦٣١ . (٢) فى ت٢: ((أى)). (٣) فى م: (( به)). ٢٦٧ سورة الزمر : الآيتان ٧٣ ، ٧٤ المكنونُ، فيقولون: أَبْشِرْ " عبدَ اللَّه١ِ)، أعَدَّ اللَّهُ لك كذا، وأعَدَّ لك كذا وكذا. ثم يَنْظُرُ إلى تأسيسٍ بنيانِه؛ جَنْدَلُ(٢) اللؤلؤّ الأحمرِ والأصفرِ والأخضرِ، يَتَلأْلأُ كأنه البرقُ، فلولا أن اللَّهَ قضَى ألا يَذْهَبَ بصرُه لَذَهَب ، ثم يَأْتِى بعضُهم إلى بعضٍ أزواجِه ، فيقولُ : أَبْشِرِى، قد قدِم فلانُ بنُ فلانٍ . فيُسَمِّيه باسمِه واسم أبيه، فتقولُ : أنت رأيْتَه؟ أنت رأيتَه؟ فيَسْتَخِقُّها الفرحُ حتى تقومَ، فَتَجْلِسُ على أُسْكُفَّةِ بابِها، فيَدْخُلُ فِيَتَّكِئُ على سريرِهِ، ويَقْرَأَ هذه الآيةَ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَمنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا الله﴾ [الأعراف: ٤٣]. الآية(١). حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: ذكَر أبو إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىِّ رضِى اللَّهُ عنه قال: يُساقُون إلى الجنةِ ، فَيَنْتَهُون إليها، فيَجِدون عندَ بابِها شجرةٌ، فى أصلِ ساقِها عينان تَجْرِيان ، فيَعْمِدون إلى إحداهما، فيَغْتَسِلون منها، فَتَجْرِى عليهم نضرةُ النعيم، فلن تَشْعَثَ رءوسُهم بعدَها أبدًا، ولن تَغْبَرَّ جلودُهم بعدَها أبدًا، كأنما دُهِنوا بالدِّهانِ ، ويَعْمِدون إلى الأخرى، فيَشْرَبون منها، فيَذْهَبُ ما فى بطونِهم مِن قَذِّى أو أذى ، ثم يأتون بابَ الجنةِ فِيَسْتَفْتِحون، فيُفْتَحُ لهم، فتَلَقَّاهم خزنةُ الجنةِ، فيقولون: ﴿سَلَامُ عَلَيْكُمُ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. قال: وتَتَلَقَّاهم (٤) الوِلْدَانُ المُخَلَّدون، يُطِيفون بهم كما يُطِيفُ وِلْدانُ أهلِ الدنيا بالحَميم إذا جاء مِن الغَيْبةِ، (١ - ١) زيادة من: ت١. (٢) فى م: ((جنادل)). (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٧٦/٢، وابن أبى شيبة ١١٢/١٣ والحسين المروزى فى زوائده على زهد ابن المبارك (١٤٥٠)، وابن أبى الدنيا فى صفة الجنة (٨)، وابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٧/ ١٤٤ - والبيهقى فى البعث (٢٧٢) من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٢/٥ إلى عبد بن حميد وإسحاق بن راهويه والضياء فى المختارة . (٤) فى ص، ت١: ((فتلقاهم)). ٢٦٨ سورة الزمر : الآيتان ٧٣ ، ٧٤ يقولون: أَبْشِرْ أَعَدَّ اللَّهُ لك كذا، وأعَدَّلك كذا. فيَنْطَلِقُ أحدُهم إلى زوجتِه، فيُبَشِّرُها به ، فيقولُ : قدِم فلانٌ. باسمِه الذى كان يُسَمَّى به فى الدنيا. قال: فيَسْتَخِفُّها الفرح، حتى تقومَ على أُسْكُفَّةِ بابِها، وتقولُ: أنت رأيْتَه؟ أنت رأيتَه؟ قال : فيقولُ: نعم. قال: فيَجِىءُ حتى يَأْتِىَ منزلَه، فإذا أصولُه مِن جَنْدلِ اللؤلؤ، مِن بينِ أصفرَ وأحمرَ وأخضرَ. قال: فَيَدْخُلُ، فإذا الأكوابُ موضوعةٌ، والنَّمارِقُ مصفوفةٌ، والزَّرابِىُّ مَبثوثةٌ. قال: ثم يَدْخُلُ إلى زوجتِه مِن الحُورِ العِينِ، فلولا أن اللَّهَ أَعَدَّها له، لَالْتُمِع(١) ٣٦/٢٤ بصرُه مِن نورِها وحسنِها. قال: فاتَّكَأُ عندَ ذلك، ويقولُ: /﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَمنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلاً أَنْ هَدَنَا الَهُ﴾. قال: فتُنادِيهم الملائكةُ: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: ٤٣]. حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، قال: ذكَر السدىُّ نحوَه أيضًا ، غيرَ أنه قال: لهو أهْدَى إلى منزلِه فى الجنةِ ، منه إلى منزلِه فى الدنيا . ثم قرأ السدىُّ: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]. واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى موضع جوابٍ ((إذا)) التى فى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءُ وهَا﴾؛ فقال بعضُ نحويىٌّ البصرةِ: يقالُ: إن قوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَُهَا﴾ . فى معنى : قال لهم، كأنه يُلْغِى الواوَ، وقد جاء فى الشعرِ شىءٌ يُشْبِهُ أن تكونَ الواوُ زائدةً ، كما قال الشاعرُ(٢): إلا توهُّمُ (٢) حالم بِخَيَالٍ فإذا وذلك يا كُبَيْشَةُ لم يَكُنْ فيُشْبِهُ أن يكونَ يُرِيدُ : فإذا ذلك لم يَكُنْ. قال : وقال بعضُهم : فأُضْمِر الخبرُ، وإضمارُ الخبرِ أيضًا أحسنُ فى الآيةِ ، وإضمارُ الخبرِ فى الكلامِ كثيرٌ. وقال آخرُ (١) التُمع: اختُلس. النهاية ٢٧١/٤. (٢) هو ابن مقبل . والبيت فى ديوانه ص ٢٥٩ . (٣) فى الديوان: ((كحلمة)). ٢٦٩ سورة الزمر : الآيتان ٧٣ ، ٧٤ منهم : هو مكفوفٌ(١) عن خبرِهِ. قال: والعربُ تَفْعَلُ مثلَ هذا، قال عبدُ مَنافٍ بنُ رِبْع فى آخرٍ قصيده(٢) : شَلَّا كما تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُّرُدا حتى إذا أُسْلَكُوهم فی قُتَائِدِ وقال الأخطلُ فى آخرٍ قصيده (٣): على الناسِ أو أنَّ الأكارمَ نَهشَلَا خَلَا أن حيًّا مِن قريشٍ تفَضَّلوا وقال بعضُ نحوبيِّ الكوفةِ: أَدْخِلَت فى ((حتى إذا)) وفى ((فلما)) الواوُ ، فى (٢) جوابِها، وأُخْرِجَت، فأما مَن أَخْرَجها فلا شىءَ فيه، ومَن [٧٣٨/٢و] أَدْخَلَها شبّه الأوائلَ بالتعجبِ ، فجعَل الثانىَ نسَقًّا على الأُولِ، وإن كان الثانى جوابًا، كأنه قال : أَتَعَجَّبُ لهذا وهذا . وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: الجوابُ متروكٌ . وإن كان القولُ الآخرُ غيرَ مدفوع، وذلك أن قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ . يَدُلَّ على أن فى الكلام متروكًا ، إذْ) كان عَقِيبَه ﴿ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ : حتى إذا جاءُوها ، وفُتِحَت أبوابُها ، وقال لهم خزنتُها : سلام عليكم طِبْتُم، فادْخُلوها / خالدين. دخَلوها وقالوا: الحمدُ للَّهِ الذى صَدَقنا وعدَه. وعَنَى ٣٧/٢٤ بقولِه: ﴿ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾: أمَنَةٌ من اللَّهِ لكم، أن ينالَكم بعدُ مكروةٌ أو أذِى (١) فى ت٢، ت٣: ((معكوف)). (٢) تقدم فى ٤٦٧/١ . (٣) البيت فى مجاز القرآن ٣٣١/١، ١٩٢/٢، والخزانة ٤٦١/١٠، ولم نجده فى ديوان الأخطل. (٤) فى ص، ت١، ت٢: ((وفى)). (٥) فى ت١، ت٢، ت٣: ((إذا)). ٢٧٠ سورة الزمر : الآيتان ٧٣ ، ٧٤ وقولُه: ﴿طِبْتُمْ﴾. يقولُ: طابَت أعمالُكم فى الدنيا، فطابَ اليومَ مَثْواكم . وكان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك، ما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿طِبْتُمْ﴾. قال: كنتم طيِّين فى طاعةِ اللَّهِ(١) . وقولُه: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾. يقولُ: وقال الذين سِيقوا زُمَرًا، وادَّخَلُوها(٢): الشكرُ خالصٌ للَّهِ تعالى، الذى صدَقَنَا وعدَه، الذى كان وعَدَناه فى الدنيا على طاعتِهِ، فحقَّقه بإنجازِه لنا اليومَ، ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾. يقولُ: وجعَل أرضَ الجنةِ التى كانت لأهلِ النارِ - لو كانوا أطاعوا اللَّهَ فى الدنيا ، فدَخَلُوها - لنا ميراثًا عنهم . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْرَثَنَا اُلْأَرْضَ﴾. قال: أرضَ الجنةِ (٣) . حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَأَوْرَثَنَا اُلْأَرْضَ﴾ أرضَ الجنةِ . حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا اُلْأَرْضَ﴾. قال: أرضَ الجنةِ. وقرَأ: ﴿ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾ [ الأنبياء: ١٠٥] . (١) تفسير مجاهد ص ٥٨١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٣/٥ إلى عبد بن حميد. (٢) فى م: ((دخلوها)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ٢٧١ سورة الزمر : الآيتان ٧٤، ٧٥ وقولُه: ﴿نَقَبَوَّأُ ( مِنَ الْجَنَّةِ) حَيْثُ نَشَاءٍ﴾. يقولُ: نَتَّخِذُ مِن الجنةِ بيتًا ، ونَشْكُنُ منها حيث نُحِبُّ ونَشْتَهِى . كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ◌ْ نَبَوَأُ " مِنَ الْجَنَّة٢ِ) حَيْثُ نَشٌَّ﴾ نَنْزِلُ منها حيث نشاءُ. وقولُه: ﴿فَنِعْمَ أَخْرُ الْعَمِلِينَ﴾. يقولُ: فنعم ثوابُ المُطِيعين للَّهِ، العامِلِين له فى الدنيا ، الجنةُ لمن أعطاه اللَّهُ إياها فى الآخرةِ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَئِكَةَ حَفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرَّشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ٧٥ يقولُ تعالى ذكره : وتَرَى يا محمدُ الملائكةَ مُحْدِقين مِن حولٍ عرشِ الرحمنِ، ويعنى بالعرشِ السريرَ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَتَرَى الْمَلَبِكَةَ حَفِّينَ مِنْ حَوّلِ الْعَرَشِ﴾. مُخْدِقِينَ(٣) . / حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وتَرَى ٣٨/٢٤ الْمَلَتِكَةَ حَآَفِينَ ( مِنْ حَوْلِ اٌلْعَرْشِ﴾. قالُ: مُخْدِقِين حولَ العرشِ. قال: العرشُ السريرُ. (١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((منها)). (٢ - ٢) فى النسخ: ((منها)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد. (٤ - ٤) سقط من: ت١، ت٢، ت٣. ٢٧٢ سورة الزمر : الآية ٧٥ واْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولٍ ﴿مِنْ﴾ فى قوله: ﴿حَفِينَ مِنْ حَوْلِ اٌلْعَرَّشِ﴾. والمعنى: حافِين حولَ العرشِ. وفى قولِه: ﴿ وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: ٦٥]؛ فقال بعضُ نحوِّى البصرةِ : أَدْخِلَت (( مِن)) فى هذين الموضعين توكيدًا، واللهُ أعلمُ، نحوَ قولِك: ما جاءنى مِن أحدٍ . وقال غيرُه: ((قبل)) و((حول)) وما أشبهَهما ظروفٌ تَدْخُلُ فيها ((مِن)) وتَخْرُجُ، نحوَ : أَتَيْتُك قبلَ زيدٍ، ومِن قبلِ زيدٍ ، وطُفْنا حولَك، ومِن حولِك. وليس ذلك مِن نوع: ما جاءنى مِن أحدٍ. لأن موضعَ ((مِن)) فى قولهم : ما جاءنى مِن أحدٍ . رفعً، وهو اسمٌ . والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن ﴿ مِنْ﴾ فى هذه الأماكنِ ، أعنى فى قولِه: ﴿مِّنْ حَوَّلِ الْعَرْشِ﴾. و﴿ مِن قَبْلِكَ﴾، وما أشْبَه ذلك، وإن كانت دخَلَت على الظروفِ ، فإنها بمعنى التو كيد . وقولُه: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ﴾. يقولُ: يُصَلُّون حولَ عرشِ اللَّهِ ؛ شكرًا له . والعربُ تُدْخِلُ الباءَ أحيانًا فى التسبيح، وتَحْذِفُها أحيانًا ، فتقولُ: سبح بحمدٍ اللَّهِ، وسبّع حمدَ اللَّهِ. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. وقال فى موضع آخرَ: ﴿فَيِّحْ بِأُسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ [الواقعة: ٧٤]. وقولُه: ﴿ وَقُضِىَ [٧٣٨/٢ظ] بَيَِّهُم بِالْحَقِ﴾. يقولُ: وقضَى اللَّهُ بِينَ النبيِّين الذين جىء بهم، والشهداءِ وأمِها بالعدلِ، فأشْكَن أهلَ الإِيمانِ باللَّهِ وبما جاءت به رسلُه، الجنةَ ، وأهلَ الكفرِ به وبما جاءت به رسلُه ، النارَ. ﴿ وَقِيلَ اْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: وخُتِمَت خاتمةُ القضاءِ بينُهم بالشكرٍ للذى ابْتَدَأْ خلقَهم، الذى له الألوهةُ، وملكُ جميع ما فى السماواتِ ٢٧٣ سورة الزمر : الآية ٧٥ والأرضِ مِن الخلقِ ، مِن مَلَكِ وجنٍّ وإنسٍ، وغيرِ ذلك مِن أصنافِ الخلقِ . وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَيِّهِمَّ﴾ الآيةَ كلَّها. قال: فتَح أولَ الخلقِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]. وختَم ١) بالحمدِ فقال: ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾(). آخرُ تفسير سورةِ ((الزُّمَر))، يتلوه سورةُ ((المؤمن)). والحمدُ للَّهِ وحدَه، وصلى اللَّهُ على محمدٍ . (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٧٧/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٤/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . ( تفسير الطبرى ١٨/٢٠ ) ، ٢٧٤ سورة غافر : الآيات ١ - ٣ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ / [١/٤٤ ] تفسيرٌ" سورةٍ حمّ المؤمنِ ٣٩/٢٤ القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿حَمَ ا تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى اُلْطَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ إِلَيْهِ الْعَلِمِ الْمَصِيرُ اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿حَمَ﴾؛ فقال بعضُهم: هى حروفٌ مُقَطَّعَةٌ مِن اسم اللَّهِ ، الذى هو الرحمنُ ، وهو الحاءُ والميمُ منه . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُويَهْ المَرْوَزِىُّ، قال: ثنا علىُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنى أبى، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس: ﴿الَرْ﴾، و ج و﴿تَّ﴾، حروفُ ((الرحمنٍ)) مُقَطَّعةٌ(٢). ، وقال آخرون : هو قسمٌ أقْسَمه اللَّهُ ، وهو اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىٍّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنی معاویةُ، عن علىّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿حَمَ﴾ قسم أقْسَمه اللَّهُ، وهو اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ(٣) . حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن * من هنا يبدأ الجزء الرابع والأربعون من مخطوط خزانة القروبين والمشار لها بالرمز ((الأصل)). (١) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الرحيم)) .. (٢) تقدم تخريجه فى ١٢ / ١٠٤، وسيأتى فى سورة ((القلم)) الآية (١). (٣) تقدم تخريجه فى ١/ ٢٠٧. ٢٧٥ سورة غافر : الآية ١ السدىِّ قوله: ﴿حَمَ﴾: مِن حروفٍ أسماءِ اللَّهِ(١). وقال آخرون: بل هو اسم من أسماءِ القرآنِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَمَ﴾. قال: اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ(٢) . وقال آخرون : هو حروفُ هجاءٍ . وقال آخرون : بل هو اسمٌ. واخْتَجُوا لقولِهِم ذلك بقولِ شُرَيْحِ بنِ أَوْفَى (٣) (٢): العَبْسیّ فهلاّ تلا حاميمَ قبلَ التَقَّدُّمِ ◌ُذَكِّرْنی حامِیمَ والُمْثُ شاجِرٌ / وبقولِ الكُمَّيْتِ (٤) : ٤٠/٢٤ تأَوَّلها منا تَقِىٌّ ومُعْرِبُ وجَدْنا لكم فى آلِ حامِيمَ آیةٌ وحُدِّثْتُ عن معمرٍ بنِ المثنى أنه قال: قال يونُسُ - يعنى يونسَ الجَزْميَّ - : ومَن قال هذا القولَ فهو مُنْكَرُ(٥) عليه؛ لأن السورةَ ((حم)) ساكنةُ الحروفِ، فخرَجَت مخرجَ التَّهَجِّى، وهذه أسماءُ سورٍ خَرَجَت متحركاتٍ ، وإذا سُمِّيَت سورٌ بشىءٍ مِن هذه الأحرفِ المجزومةِ ، دخَلَه الإعرابُ . (١) تقدم تخريجه فى ٢٠٨/١. (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٧٨/٢ عن معمر عن قتاده، وينظر ما تقدم تخريجه فى ٢٠٤/١، ١٠/ ٥٣، ١٠٤/١٢، ٤٥٢/١٥. (٣) البيت فى مجاز القرآن ٢/ ١٩٣، واللسان (ح م م). (٤) البيت فى مجاز القرآن ٢/ ١٩٣، وخزانة الأدب ٣١٤/٤. (٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منکسر)). ٢٧٦ سورة غافر : الآيات ١ - ٣ والقولُ فى ذلك عندى نظيرُ القولِ فى أخواتِها، وقد بيَّنا ذلك فى قولِه : ﴿الَّمَ﴾، ففى ذلك كفايةٌ عن إعادته فى هذا الموضع (١)، إذ كان القول فى ﴿حم﴾ ، وجميعِ ما جاء فى القرآنِ على هذا الوجهِ - أغْنى حروفَ التَّهَجِّى - قولًا واحدًا. وقولُه: ﴿ تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. يقول تعالى ذكره: مِن اللَّهِ العزيزِ فى انتقامِه مِن أعدائِه، العليم بما تَعْمَلون مِن الأعمالِ وغيرِه (٢) تنزيلُ هذا الكتابِ . فالتنزيلُ مرفوعٌ بقوله: ﴿مِنَ اَللَّهِ﴾. وفى قوله: ﴿غَافِ الذَّنْبِ﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ بمعنى: يَغْفِرُ ذنوبَ العبادِ . وإذا أُرِيد هذا المعنى كان خفضُ ﴿ غَافِ﴾ و ﴿وَقَابِلِ﴾ مِن وجهين ؛ أحدِهماً: مِن نيةِ تكريرِ ((مِن))، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ : تنزيلُ الكتابِ من اللهِ العزيزِ العليمِ، من غافرِ الذنبِ وقابل التوبٍ؛ لأن ﴿غَافِ الذَّنْبِ﴾ نكرةٌ ، ولیس بالأفصح أن يكونَ نعتًا للمعرفةِ وهو نكرةٌ . والآخرِ : أن يكونَ أُجْرِى فى إعرابِه، وهو نكرةٌ، على إعرابِ الأولِ، کالنعتِ له، لوقوعِه بينَه وبينَ قولِهِ : ﴿ذِى الطَّوْلِ﴾، وهو معرفةٌ. وقد يَجوزُ أن يكونَ أُتبع إعرابُه، وهو نكرةٌ ، إعرابَ الأولِ، إذ كان مدحًا، وكان المدحُ يُتْبَعُ إعرابُه ما قبلَه أحيانًا ، ويُعْدَلُ به عن إعرابِ الأوّلِ أحيانًا، بالنصبِ والرفعِ، كما قال الشاعرُ(٢): سَمُّ العُدَاةِ وَآفةُ الْجُزْرِ لا يَتْعَدَنْ قومى الذين هُمُ والطَّيِّبِين مَعاقِدَ الأزْرِ النازِلين بكلِ مُعْتَرَكٍ (١) ينظر ما تقدم فى ٢٠٤/١ - ٢٢٨. (٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((غيرها)). * من هنا خرم بالمخطوط الأصل ينتهى فى ص ٣٢٢ . (٣) البيتان لخرنق بنت بدر بن هفان، وقد تقدم تخريجهما فى ٣٤٦/١. ٢٧٧ سورة غافر : الآية ٣ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِدُ ٤١/٢٤ فَعَّالٌ ١٥ ١٤ / وكما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ لِمَا يُرِيدٌ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦]. فرفَع ﴿ فَعَالٌ﴾ وهو نكرةٌ محضةٌ، وَأَتْبِع إعرابَ(١) اُلْغَفُورُ الْوَدُورُ﴾. والآخرُ: أن يكونَ معناه أن ذلك مِن صفتِه تعالى ذكرُه، إذ كان لم يَزَلْ" الذنوبِ العبادِ غفورًا مِن قبلٍ نزولِ هذه الآيةِ ، وفى حالٍ نزولها، ومِن بعدِ ذلك، فيكونَ عندَ ذلك معرفةً صحيحةً، ونعتًا على الصحةِ. وقال: ﴿غَافِرِ اٌلَّتْبِ﴾، ولم يَقُلِ: ((الذنوبِ)). لأنه أُرِيد به الفعلُ. وأما قولُه: ﴿ وَقَائِلِ التَّوْبِ﴾. فإن التوبَ قد يكونُ جمعَ توبةٍ، كما يُجْمَعُ الدَّوْمةُ دَوْمًا، والعَومةُ عَوْمًا، مِن عَومةِ السفينةِ ، كما قال الشاعرُ(١): * عَوْمَ السَّفِينِ فلمَّا حالَ دونَهمُ * وقد يكونُ مصدرَ(٤) : تاب يَتوبُ توبًا . وقد حدَّثنى محمدُ بنُ عبيدِ المحاربِىُّ، قال: ثنا أبو بكرٍ بنُ عَيَّاشٍ، عن أبى إسحاقَ ، قال : جاء رجلٌ إلى عمرَ، فقال : إنى قتَلْتُ ، فهل لى من توبةٍ ؟ قال : تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ نعم، اعْمَلْ ولا تَيْأَسْ. ثم قرأ: ﴿حَمّ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ اَلْعَلِيمِ (١) فى ت ١: ((إعرابه)). (٢ - ٢) سقط من: ت ٢، ت ٣. (٣) صدر بيت لزهير بن أبى سلمى، وعجزه : * فيد القريات فالعتكان فالكرم » وهو فى شرح ديوانه ص ١٤٨. (٤) فى ص، ت ٣: (( مصدرا)). (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ١١٨/٧ - من طريق أبى بكر بن عياش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٥ إلى ابن المنذر. ٢٧٨ سورة غافر : الآية ٣ وقولُه: ﴿ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: شديدٌ عقابُه لمن عاقبه مِن أهلِ العِصيانِ له، فلا تَتَّكِلوا على سَعةِ رحمته، ولكن كونوا منه على حذرٍ ، باجتنابِ مَعاصيه، وأداءِ فرائضِه، فإنه كما أنه لا يُؤْيِسُ أهلَ الإجرامِ والآثامِ مِن عفوِه، وقبولٍ توبةِ مَن تاب منهم مِن جُرْمِه، كذلك لا يُؤَمِّنُهم مِن عقابِهِ وانتقامِه منهم، بما اسْتَحَلُّوا(١) مِن محارمِه، وركبوا مِن معاصِيه . وقولُه: ﴿ذِى اُلْطَّوْلِ﴾. يقولُ: ذى الفضلِ والنِّعم المبسوطةِ على مَن شاء مِن خلقِه. يقالُ منه: إن فلانًا لَذو طَوْلٍ على أصحابِهِ. إذا كان ذا فضلٍ عليهم . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ذِى اُلْطَّوَّلْ﴾. يقولُ: ذى الشَّعةِ والغِنى(١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ذِى الطَّوْلِ﴾ : الغِنى(٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذِى الطَّوْلِ﴾ : (١) فى ت ٢، ت ٣: (استحلوه)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤١/٢ - والبيهقى فى الأسماء والصفات (٦٩) من طريق عبد الله بن صالح، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٥ إلى ابن المنذر. (٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٥ إلى عبد بن حميد. ٢٧٩ سورة غافر : الآيات ٣ - ٥ أى: ذى النِّعَم(١) . وقال بعضُهم: الطَّوْلُ: القُدْرةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ ذِی اُلْطَوْلِ﴾. قال: الطولُ: القدرةُ، ذاك الطَّوْلُ(٢). / وقولُه: ﴿لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: لا معبودَ تَصْلُحُ له العبادةُ ٤٢/٢٤ إلا اللَّهُ العزيزُ العليمُ، الذى صفتُه ما وصَف جلَّ ثناؤُه، فلا تَعْبُدوا شيئًا سواه . إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إلى اللّهِ مصيركم ومَرْجِعُكم أيُّها الناسُ، فإياه فاعْبُدوا، فإنه لا يَنْفَعُكم شىءٌ عبَدْتُمُوه عندَ ذلك سواه . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمٌّ وَهَمَّتْ يَغْرُرْكَ تَقَلُُّهُمْ فِى الْبِلَدِ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ يقول تعالى ذكره : ما يُخاصِمُ فى حجج الله وأدلته على وحدانيته بالإنكار لها ، إلا الذين جحّدوا توحيدَه . وقولُه: ﴿فَلَ يَغْرُرَكَ تَقَلُُّهُمْ فِى [٧٣٩/٢ظ] اَلْبِلَدِ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤه: فلا يَخْدَعْك يا محمدُ تصرُّفُهم فى البلادِ ، وبقاؤُهم ومُكثُهم فيها ، مع كفرِهم بربِّهم ، (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٥ إلى عبد بن حميد. (٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٧/ ٤٤٩. ٢٨٠ سورة غافر : الآيتان ٤، ٥ فَتَحْسَبَ أنهم إنما أَمْهِلوا وتقَلَُّوا، فتصَرَّفوا فى البلادِ مع كفرِهم باللّهِ ، ولم يُعاجلوا بالّقْمةِ والعذابِ على كفرِهم ، لأنهم على شىءٍ مِن الحقِّ، فإنا لم نُمْهِلْهم لذلك، ولكن ليَتْلُغَ الكتابُ أجلَه ، ولتَحِقَّ عليهم كلمةُ العذابِ ؛ عذابٍ ربِّك . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلاَ يَغْرُرَ تَقَلُهُمْ فِى الْبِلَدِ﴾ : أسفارُهم فيها، ومجيئُهم وذَهابُهم(١). ثم قصَّ على رسولِ اللَّهِ عَظِّمِ قَصَصَ الأمم المكذِّبةِ رسلَها، وأخْبَرهُ(١) أنهم كانوا و مِن جدالِهم لرسلِهُ(١) على مثلِ الذى عليه قومُه الذين أَرْسِل إليهم ، وأنه أحَلِّ بهم مِن نقمته عند بلوغهم أمدهم ، بعدَ إِغْذارِ رسله إلیھم وإنذارهم بأسَه ، ما قد ذكر فى كتابِهِ ، إعلامًا منه بذلك نبيّه أن سنتَه فى قومِه الذين سلَكوا سبيلَ أولئك فى تكذيبِه وجدالِه ، سنتُه مِن إحلالٍ نقمتِه بهم ، وسَطْوتِه بهم ، فقال تعالى ذكرُه: كذَّبَت قبلَ قومِك المكذِّبِين لرسالتِك إليهم رسولًا ، المجَادِليك بالباطلِ، قومُ نوح والأحزابُ مِن بعدِهم؛ وهم الأُمُمُ الذين تحَّبوا وتجَمَّعوا على رسلِهم بالتكذيبِ لها، كعادٍ، وثمودَ ، وقومٍ لوط ، وأصحابٍ مَدْيَنَ ، وأشباهِهم. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَّبَتْ (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٧٨/٢ عن معمر عن قتادة، عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٦/٥ إلى عبد بن حميد . (٢) فى ت ٢، ت ٣: ((أخبرهم)). (٣) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((أرسله)).