النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة الزمر : الآية ٤٩
ما أصابه من الضرِّ، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا﴾. يقولُ: ثم إذا أعطَيناه فرَجًا مما
كان فيه من الضرّ؛ بأن أبدَلْناه بالضرِّ رخاءً وسَعَةٌ، وبالسَّقَم صحة وعافيةً ، فقال :
إنما أُعطِيتُ الذى أُعطِيتُ؛ من الرخاءِ والسَّعَةِ فى المعيشةِ، والصحةِ فى البدنِ
والعافية، ﴿عَلَى عِلْمٍ عِندِيٌّ﴾ [القصص: ٧٨]. يعنى: على علم من اللَّهِ بأتى له
أهلٌ؛ لشرفى ورضاه بعملى ، ﴿عِندِىّ﴾. يعنى: فيما عندى، كما يقالُ: أنت
محسنٌ فى هذا الأمرِ عندى. أى : فيما أظنُّ وأحسَبُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ
◌َّ(١) ﴾. أى: على خيرٍ عندى".
نِعْمَةٌ مِّنَا﴾. حتى بلَغ: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِىّ
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا﴾. قال: أعطَيناه(٢) .
وقولُه: ﴿أُوِيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ (٤)﴾. أى: على شرفٍ أعطانيه .
وقولُه: ﴿بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بل عَطِيَّتُنا إياهم تلك النعمةَ
(١) ليست لفظة ((عندى)) ضمن هذه الآية التى يفسرها المصنف. وإنما هى جزء من آية فى سورة القصص.
ولعل ما وقع، فى هذا الموضع وما سيأتى ، هو سبق قلم من المصنف رحمه الله .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٧٤/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٠/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر . وليس فيه لفظة : ﴿عندى﴾ .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٩، ٥٨٠، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٢٩٨/٤ - وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٠/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((عندى).

٢٢٢
سورة الزمر : الآيات ٤٩ - ٥١
من بعدِ الضّرِّ الذى كانوا فيه فتنةٌ لهم . يعنى : بلاءٌ ابتلَيْناهم به ، واختبارٌ اختبرناهم
به، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ لجهلِهم وسوءِ رؤياهم، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ لأىِّ سببٍ أَعْطُوا
ذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکر مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ﴾ .
أى: بلاءً(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَدْ قَالَمَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْفَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ
فَأَصَابَهُمْ سَبِّئَاتُ / مَا كَسَبُواْ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبُصِيبُهُمْ
يَكْسِبُونَ
١٣/٢٤
سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ
٥١
يقولُ تعالى ذكرُه: قد قال هذه المقالةَ - يعنى قولَهم لنعمةِ اللَّهِ التى خوَّلهم
وهم مشرِكون : أوتيناه على علم عندَنا - ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾. یعنی : الذین من
قبلٍ مشركى قُريشٍ من الأمم الخالية لرسلِها؛ تكذيبًا منهم لهم، واستهزاءً بهم.
وقولُه: ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ . يقولُ: فلم يُغنِ عنهم حينَ
أتاهم بأسُ اللَّهِ على تكذبيهم رسلَ اللَّهِ ، واستهزائِهم بهم - ما كانوا يكسبون من
الأعمالٍ ، وذلك عبادتُهم الأوثانَ. يقولُ: لم ينفَعْهم خدمتُهم إياها، ولم تشفَعْ
آلهتُّهم لهم عندَ اللهِ حينئذٍ، ولكنها أسلَمَتهم، وتبرّأَت منهم .
وقولُه: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ . يقولُ: فأصاب الذين قالوا هذه
المقالةً من الأمم الخالية ، وبال سيئاتٍ ما کسبوا من الأعمال ، فعوچلوا بالخزي فى دار
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٠/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، وتقدم أوله فى الصفحة السابقة.

٢٢٣
سورة الزمر : الآيتان ٥١، ٥٢
الدنيا؛ وذلك كقارونَ الذى قال حينَ وُعِظ: ﴿ إِنَّمَا أُوِيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىٌّ﴾
[ القصص: ٧٨]. فخسَف اللَّهُ به وبدارِهِ الأرضَ، ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ
مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١]. يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤه:
﴿ وَلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ عَظَهِ: والذين كفروا باللَّهِ يا
محمدُ من قومِك، وظلموا أنفسهم وقالوا هذه المقالةَ، ﴿سَبُصِيبُهُمْ﴾ أيضًا وبالُ
سيئاتٍ ما كسبوا، كما أصاب الذين مِن قبلهم بقيلهموها، ﴿ وَمَا هُم
بِمُعْجِزِينَ﴾. يقولُ: وما يُقُوتون ربَّهم، ولا يسبِقونه هربًا فى الأرضِ من عذابِهِ إذا
نزّل بهم، ولكنه يصيبهم، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَّةِ اَللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، ففعَل اللَّهُ ذلك بهم ، فأحلَّ بهم خِزْيَه فى
عاجلِ الدنيا، فقتلهم بالسيفِ يومَ بدرٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:
﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾: الأممُ الماضيةُ، ﴿ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَكُلَاءِ﴾ .
قال: من أُمةِ [٧٣١/٢ و] محمدٍ عٍَّ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ
٥٢
وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقولُ تعالى ذكره : أو لم يَعلَمْ يا محمدُ هؤلاء الذين كشَفْنا عنهم ضُرَّهم ،
فقالوا : إنما أُوتِيناه على علم منا . أن الشدَّةَ والرخاءَ والسَّعَةَ والضيقَ والبلاءَ بيدِ اللَّهِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٠/٥ إلى المصنف.

٢٢٤
سورة الزمر: الآيتان ٥٢، ٥٣
دونَ كلِّ مَن سواه، يَتِسطُ الرزقَ لَمن يشاءُ، فيوسِّعُه عليه، ويَقدِرُ ذلك على مَن يشاءُ
من عبادِه فيضيقُه، وأن ذلك من حجج اللَّهِ على عبادِه؛ ليعتبروا به ويتذكّروا،
فيعلَموا أن الرغبةَ إليه والرهبةَ دونَ الآلهةِ والأندادِ ، ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ﴾.
يقولُ: إن فى بسطِ اللَّهِ الرزقَ لَمن يشاءُ، وتقتيرِه على مَن أراد، ﴿لَيَتٍ﴾. يعنى:
دلالاتٍ وعلاماتٍ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ . یعنی: يصدِّقون بالحقِّ، فيُقرُّون به إذا
تبيّوه وعلِموا حقيقته، أن الذى يفعلُ ذلك هو اللَّهُ دونَ كلِّ ما (١) سواه .
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا
نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
١٤/٢٤
اختلف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنُوا بهذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: مُنِىَ بها قومٌ من
أهلِ الشركِ ، قالوا لما دُعوا إلى الإيمانِ باللَّهِ: كيف نؤمنُ وقد أشرَ كنا وزنَينا، وقتلنا
النفسَ التى حرَّم اللَّهُ، واللَّهُ عِدُ فاعلَ ذلك النارَ، فما ينفعُنا مع ما قد سلف منا
الإيمانُ؟! فنزلت هذه الآيةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَّ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ
اللَّهِ ﴾: وذلك أن أهلَ مكةً قالوا: يزعمُ محمدٌ أنه مَن عبَد الأوثانَ، ودعَا مع اللَّهِ
إلهًا آخرَ، وقتل النفسَ التى حرَّم اللَّهُ ، لم يُغفَرْ له، فكيف نهاجرُ ونُسلِمُ ، وقد عبَدنا
الآلهةَ، وقتلنا النفسَ التى حرَّم اللَّهُ، ونحنُ أهلُ الشركِ؟! فأنزل اللَّهُ: ﴿يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللهِ ﴾ . يقولُ : لا تيأسوا من رحمتى،
(١) فى ت١: ((من)).

٢٢٥
سورة الزمر : الآية ٥٣
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. قال: ﴿ وَأَنِبُوْ إِلَى رَبَّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾
[الزمر: ٥٤]، وإنما يعاتبُ اللَّهُ أولى الألبابِ، وإنما الحلال والحرامُ لأَهلِ الإِيمانِ ،
فإياهم عاتَب ، وإياهم أمَر إن أسرَف أحدُهم على نفسِه، أن لا يُقْتَطَ من رحمةِ اللَّهِ،
وأن يُنِيبَ ولا يُطىءَ بالتوبةِ من ذلك الإسرافِ والذنبِ الذى عمِل، وقد ذكَر اللَّهُ
فى سورةِ ((آلٍ عمرانَ)) المؤمنين، حينَ سألوا اللَّهَ المغفرةَ فقالوا: ﴿ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىَّ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]. فينبَغي أن يُعلمَ أنهم قد
كانوا يُصيبون الإسرافَ ، فأمَرهم بالتوبةِ مِن إسرافِهم.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثْنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللّهِ: ﴿ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: قَتْلُ النفسِ فى الجاهليةِ(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال : ثنا ابنُ إسحاقَ ، عن بعضِ أصحابِهِ ،
عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، قال : نزَلت هذه الآياتُ الثلاثُ بالمدينةِ فى وحشىٍّ وأصحابِهِ :
﴿ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ
بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾(٣).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى أبو صخرٍ ، قال : قال زيدُ
ابنُّ أسلمَ فى قولِه تعالى: ﴿ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ
اللَّهِ﴾. قال: إنما هى للمشركين .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣١/٥ إلى المصنف وابن مردويه، وينظر أسباب النزول ص ٢٧٧.
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٠ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣١/٥ إلى المصنف.
( تفسير الطبرى ١٥/٢٠ )

٢٢٦
سورة الزمر : الآية ٥٣
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ حتى بلَغ: ﴿الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. قال: ذُكِر لنا أن ناسًا أصابوا
ذنوبًا عظامًا فى الجاهلية، فلما جاء الإسلامُ أشفَقوا أن لن يُتَابَ عليهم، فدعاهم
اللَّهُ بهذه الآية: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية(١).
١٥/٢٤
أحدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه:
﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: هؤلاء المشركون من أهلِ مكةً .
قالوا : كيف نجيبُك وأنت تزعُمُ أنه من زَنَى ، أو قَتَل ، أو أشرَك بالرحمن، كان هالكًا
من أهلِ النارِ، فكلُّ هذه الأعمالِ قد عملناها؟! فأُنزِلت فيهم هذه الآيةُ:
يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ .
حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، [٧٣١/٢ظ] قال : قال ابنُ زيدٍ فی
قوله: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾ الآية . قال:
كان قومٌ مسخوطون (١٢) فى أهلِ الجاهليةِ، فلما بعث اللَّهُ نبيَّه قالوا: لو أتَينا
محمدًا عَاهِ، فَآمَنًا به واتَّبَعْناه . فقال بعضُهم لبعضٍ: كيف يقبلُكم اللَّهُ ورسولُه فى
دينِه؟ فقالوا: أَلَا نبعثُ إلى رسولِ اللَّهِ عَه رجلً؟ فلما بعثوا نزَل القرآنُ: ﴿قُلْ
يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾، فقرَأ حتى بلَغ:
فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الشعبىِّ، قال: ◌َّجَالَس
شُتَيْرُ بنُ شَكَلٍ ومسروقٌ ، فقال شُتَيرٌ: إما أن تحدِّثَ ما سمعتَ من ابنٍ مسعودٍ
فأصدِّقَك، وإما أن أُحدِّثَ فتصدِّقَتى. فقال مسروقٌ: لا ، بل حدِّثْ فأصدِّقَك.
(١) فى م: (( لا)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٧٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى م: ((مسخوطين)): والمسخوط: المكروه. التاج (س خ ط) .

٢٢٧
سورة الزمر : الآية ٥٣
فقال: سمِعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: إِنَّ أكبرَ آيةٍ فَرَحًا (١) فى القرآنِ: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ الهَّ﴾. فقال مسروقٌ: صدَقْتَ(٢).
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك أهلُ الإسلامِ. وقالوا : تأويلُ الكلام: إِنَّ اللَّهَ يغفِرُ
الذنوبَ جميعًا لمن يشاءُ. قالوا: وهى كذلك فى مصحفِ عبدِ اللَّهِ. وقالوا: إنما نزَلَتْ
هذه الآيةُ فى قومٍ صدَّهم المشركون عن الهِجْرةِ وفتَنوهم ، فأشفَقوا ألّا يكونَ لهم توبةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا إبراهیمُ بنُ سعیدِ الجوهرىّ ، قال : ثنا يحيى بنُ سعیدِ الأموىُّ ، عن ابنِ
إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال - يعنى عمرَ - : كنا نقولُ: ما لمن افتتن
من توبةٍ. وكانوا يقولون: ما اللَّهُ بقابلِ منا شيئًا، ترَكْنا الإسلامَ ببلاءٍ أصابَنا بعدَ
معرفتِه . فلما قدِم رسولُ اللَّهِ مَّهِ المدينةَ، أَنزَل اللَّهُ فيهم: ﴿ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ
عَلَى أَنفُسِهِم ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال ◌ُمُ: فكتبتُها بیدی ، ثم بعثتُ بها إلى هشامِ بنِ
العاصِ. قال هشامٌ: فلما جاءتنى جعلتُ أقرَؤُها ولا أفهمُها ، فوقَع فى نفسى أنها
أُنْزلت فينا؛ لما كنا نقولُ، فجلستُ على بعيرى، ثم لحِقِتُ بالمدينةٍ(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن نافعٍ،
عن ابنِ عمرَ، قال : إنما أُنزِلت هذه الآياتُ فى عَيَّاشِ بنِ أبى ربيعةً، والوليدِ بنِ
الوليدِ، ونفرٍ من المسلمين، كانوا قد أسلموا ثم قُتِنوا وعُذِّبوا، فافتُتِنوا، كنا نقولُ:
لا يقبَلُ اللَّهُ من هؤلاء صرفًا ولا عَدْلًا أبدًا؛ قوم أسلَموا ثم ترَكُوا دينهم بعذابٍ
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((فرجا)).
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى حسن الظن بالله (٧٥) من طريق جرير به. والطبرانى (٨٦٥٨) من طريق
منصور به مطولا ، وفى (٨٦٥٩، ٨٦٦٠) من طريقين آخرين عن الشعبى .
(٣) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٧٧ ، ٢٧٨ من طريق ابن إسحاق به ، بنحوه .

٢٢٨
سورة الزمر : الآية ٥٣
فنزلت هؤلاءالآياتُ ، و کان عمر بنُ الخطابِ کاتبًا ، قال : فكتبها بيده ، ثم بعث بها
إلى عَيّاشِ بنِ أبى ربيعةً، والوليدِ بنِ الوليدِ، وإلى أولئك النفرِ، فأسلموا وهاجروا(١).
١٦/٢٤
/حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةَ، قال: ثنا يونسُ، عن ابنِ سيرينَ، قال :
قال علىّ رضى اللهُ عنه: أىُّ آيةٍ فى القرآنِ أوسعُ؟ فجعلوا يذْكُرون آياتٍ من القرآنِ:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
[ النساء: ١١٠]. ونحوَها. فقال علىّ: ما فى القرآنِ آيةٌ أوسعَ من قوله: ﴿يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَّ أَنفُسِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ(٢) .
حدَّثنا أبو السائبِ ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمش، عن أبى سعدٍ (٢)
الأزدىِّ، عن أبى الكَنودِ، قال: دخَل عبدُ اللَّهِ المسجدَ، فإذا قاصٌ يُذَكِّرُ النارَ
والأغلالَ، قال: فجاء حتى قام على رأسِه، فقال: (*يا مُذَكِّرُ) أتقنْطُ الناسَ؟
﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية(٥) .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى أبو صخرٍ، عن القُرَظِىّ،
أنه قال فى هذه الآية: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةٍ
اللَّهِ ﴾ . قال: هى للناس أجمعين .
حدَّثنى زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةً ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣١/٥ إلى المصنف، وينظر تفسير البغوى ١٢٦/٧، وأسباب النزول
للواحدى ص ٢٧٧ .
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى حسن الظن بالله (٦٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم به .
(٣) فى م، ت٣: ((سعيد))، وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال ٣٤٤/٣٣.
(٤ - ٤) فى م: ((ما يذكر)).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١٨٥/١٣ من طريق أبى معاوية به، وابن أبى الدنيا فى حسن الظن بالله (٥٠)، وابن أبى
حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٩٩/٧ - والبيهقى فى الشعب (١٠٥٣) من طريق الأعمش به ، والطبرانى
(٨٦٣٥) من طريق الأعمش عن ابن مسعود به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣١/٥ إلى عبد بن حميد.

٢٢٩
سورة الزمر : الاية ٥٣
عن أبى قَبِيلٍ(١)، قال: سمعتُ أبا عبد الرحمنِ المرادى(٢) يقولُ: ثنى أبو
عبدِ الرحمنِ الجُبْلانِئُ(١)، أنه سمِعِ ثَوْبانَ مولى رسولِ الَّهِ وَفِ يقولُ: سمِعتُ
رسولَ اللَّهِ [٧٣٢/٢ و] ◌َِّمِ يقولُ: ((ما أُحِبُ أَنَّ لىَ الدُّنْيا وما فيها بهذه الآيةِ:
﴿ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ الآية. فقال رجلٌ:
يا رسولَ اللَّهِ، ومَن أشرَك؟ فسكت النبيُّ عَ له، ثم قال: «ألا ومَن أَشْرَك، ألا ومَن
أَشْرَك )) . ثلاثَ مَرَّاتٍ(٤) .
وقال آخرون : نزَل ذلك فى قومٍ كانوا يَرَوْن أهلَ الكبائرِ من أهلِ النارِ،
فأعلَمَهم اللَّهُ بذلك أنه يغفرُ الذنوبَ جميعًا لمن يشاءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى ابنُ البرقيّ ، قال : ثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ ، قال : ثنا أبو معاذٍ الخراسانيُ ،
عن مقاتلٍ بنِ حيانَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: كنا معشرَ أصحابٍ رسولٍ
اللَّهِ مَلَهِ نرى أو نقولُ: إنه ليس شيءٌ من حسناتِنا إلا وهى مقبولةٌ ، حتى نزلت هذه
الآيةُ: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [ محمد: ٣٣]. فلما نزلت
هذه الآيةُ قُلْنا: ما هذا الذى يُطلُ أعمالَنا؟ فقلنا: الكبائرُ والفواحشُ. قال: فكنا إذا
(١) فى م: ((قنبل)). ينظر تهذيب الكمال ٤٩٠/٧.
(٢) سقط من: ت ١، وفى ص، م، ت٢، ت٣: ((المزنى)). وينظر كنى البخارى ٥١/٩، والجرح ٣٢٣/٧،
٤٠٣/٩، والتعجيل ٤٩٤/٢ .
(٣) فى ص: ((الجلانى)). وفى ت١: ((الجيلانى))، وفى ت٢، ت٣: ((الحلالى))، وفى م: ((الجلائى)).
ينظر تهذيب الكمال ٤١٥/٤ .
(٤) أخرجه أحمد ٢٧٥/٥ (الميمنية)، وابن أبى الدنيا فى حسن الظن (٤٩)، والبيهقى فى الشعب
(٧١٣٧) من طريق حجاج به، والطبرانى فى الأوسط (١٨٩٠) من طريق ابن لهيعة به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٣١/٥ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه.
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((الكتاب)).

٢٣٠
سورة الزمر : الآ ية ٥٣
رأينا مَن أصاب شيئًا منها قلنا: قد هلك. حتى نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ
أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨]. فلما نزلت هذه الآيةٌ
كَفَفْنا عن القولِ فى مثلٍ(١) ذلك، فكُنَّا إذا رأَيْنا أحدًا أصاب منها شيئًا خِفْنا عليه، وإن
لم يُصِبْ منها شيئًا رجَونا له (٢).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عَنِى اللَّهُ تعالى ذكرُه بذلك
جميعَ مَن أسرّف على نفسِه من أهلِ الإِيمانِ والشركِ ؛ لأَن اللَّهَ عمَّ بقولِه:
﴿ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ جميعَ المسرفين، فلم يخصُصْ به مسرفًا
دونَ مسرفٍ .
١٧/٢٤
/ فإن قال قائلٌ: يغفرُ اللَّهُ الشركَ؟ قيل: نعم، إذا تاب منه المشركُ. وإنما عنَى
بقوله : ( إن الله يغفرُ الذنوبَ جميعًا لمن يشاءُ)(١)، كما قد ذكرنا قبلُ أنَّ ابنّ مسعودٍ
كان يقرؤه، وأنَّ اللَّهَ قد استثنى منه الشركَ إذا لم يتُبْ منه صاحبُه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، فأخبر أنه لا يغفرُ الشركَ إلا
بعدَ توبةٍ بقولِه: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
فأما ما عداه ، فإن صاحبه فى مشيئةِ ربِّه ، إن شاء تفضَّل عليه ، فعفا له عنه ، وإن شاء
عدل عليه ، فجازاه به .
وأما قولُه: ﴿لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ . فإنه يعنى: لا تيأسوا من رحمةٍ
اللهِ ، کذلك حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی
أبی، عن أبيه، عن ابنِ عباس .
(١) زيادة من : ت١، ت٢ .
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ١٢٦/٧ عن مقاتل به .
(٣) ينظر مختصر الشواذ ص ١٣٢.

٢٣١
سورة الزمر : الآيات ٥٣ - ٥٥
وقد ذكّرنا ما فى ذلك من الرواياتِ قبلُ ، فيما مضى، وبيَّنا معناه .
وقولُه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً﴾ . يقولُ: إن اللَّهَ يستُو على الذنوبِ
كلِّها ، بعفوه عن أهلِها ، وتَركِه عقوبتَهم عليها إذا تابوا منها ، إنه هو الغفورُ الرحيمُ
بهم، أن يعاقبهم عليها بعدَ توبتهم منها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَنِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ
وَأَتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن
٥٤
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ
زَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْنَةٌ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
٥٥
يقولُ تعالى ذكرُه : وأقبِلوا أيُّها الناس إلى ربِّكم بالتوبةِ ، وارجِعوا إليه بالطاعةِ
م
له، واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيدِه، وإفرادِ الألوهة له، وإخلاص العبادةِ له.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَأَنِبُواْ
إِلَى رَبِّكُمْ﴾: أى أَقْبِلوا إلى ربّكم(١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَأَنِيبُواْ﴾ .
قال : أچِیبوا .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَنِيبُواْ
إِلَى رَبِّكُمْ﴾. قال: الإنابةُ الرجوعُ إلى الطاعةِ ، والنزوعُ عما كانوا عليه، ألا تراه
يقولُ: ﴿مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣١].
وقولُه: ﴿وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾. يقولُ: واخْضَعوا له بالطاعةِ والإقرارِ بالدينِ؛
الحنيفيةِ ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ من عندِه علی کفرِ کم به، ﴿ثُمَّ لَا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٢/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢٣٢
سورة الزمر : الآيات ٥٥ - ٥٧
تُصَرُونَ﴾. يقولُ: ثم لا ينصُرُكم ناصرٌ، فينقِذُكم من عذابِه النازلِ بكم .
وقولُه: ﴿ وَأَتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. يقولُ تعالى
ذكره: واتَّبعوا أيُّها الناسُ ما أمَركم به ربُّكم فى تنزيلِه، واجْتَنِبوا ما نهاكم فيه عنه ،
وذلك هو أحسنُ ما أُنزِل إلينا من ربّنا.
فإن قال قائلٌ : ومِن القرآنِ شىءٌ هو أحسنُ مِن شىءٍ؟ قيل له : القرآنُ كلُّه
حسنٌ، وليس معنى ذلك / ما توهَّمْتَ، وإنما [١٣٢/٢ظ] معناه: واتَّبِعوا مما أُنزِلَ
إليكم من ربِّكم من الأمرِ والنهي والخبرِ والمثّلِ والقَصَصِ والجَدَلِ والوعدِ والوعيدِ ،
أحسنَه، وأحسنُه أن تَأْثَمِروا لأمرِه، وتنتَهوا عما نهى عنه؛ لأن النهىَ مما أُنزِل فى
الكتاب ، فلو عمِلوا بما نُهوا عنه كانوا عاملين بأقبحِه، فذلك وجهُه .
١٨/٢٤
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَأَتَّبِعُواْ
أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّيِّدِكُمْ﴾. يقولُ: ما أُمِرْتُم به فى الكتابِ، ﴿مِّن قَبْلٍ
أَنْ يَأْثِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾(١).
وقولُه: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ . يقولُ: من قبلِ أن يأتيكم
عذابُ اللَّهِ فجأةً، ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وأنتم لا تَعْلَمون به حتى يَغْشاكم
فجأةً .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرََ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبٍ
٥٦
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ
اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ١٢٨/٧ .

٢٣٣
سورة الزمر : الاية ٥٦
OV
اُلْمُثَّقِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: وأنيبوا إلى ربِّكم، وأسلِموا له ؛ ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ﴾ .
بمعنى: لئلَّ تقولَ نفسٌ: ﴿بَحَسْرَ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِ جَنْبِ اللَّهِ﴾. وهو نظيرُ
قوله: ﴿ وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. بمعنى: ألَّ تميدَ
بكم، فـ ((أن)) - إذ) كان ذلك معناه - فى موضعٍ نصبٍ.
وقولُه: ﴿بَحَسْرَفَى﴾. يعنى أن تقولَ: يَا نَدَما.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدىِّ فى قوله: ﴿ بَحَسْرَ﴾. قال: الندامةُ(٢).
والألفُ فى قوله: ﴿بَحَسْرَنَ﴾. هى ياءُ كناية المتكلم (١)، وإنما أريد : یا
حسرتى ، ولكن العربُ تحوّلُ الياءَ التى فى كنايةِ اسمِ المتكلم فى الاستغاثةِ ألفًا ،
فتقولُ: يا ويلتا، ويا ندما. فيُخرِجون ذلك على لفظِ الدعاءِ، وربما قيل: يا
حسرتٍ(٤) على العبادِ. كما قيل: يا لَهْفٍ عليه (٢)، ويا لهفَا عليه. وذكَر الفرَاءُ أنَّ أُبا
ثَرْوانَ أُنشَدَه(٢) :
أَلَهْفِ لأولادِ الإماءِ الحواطِبِ
تَزُورُونها ولا أزورُ نساءًکمْ
خفضًا كما يُخفضُ فى النداءِ إِذا أضافه المتكلمُ إلى نفسِه، وربما أدخلوا الهاءَ
(١ - ١) فى ت٢، ت٣: ((فأراد)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٢١٥/٩.
(٣) فى ت١: ((بالكناية))، وفى ص، ت٢، ت٣: ((ياء الكناية)).
(٤) فى ص، ت١: ((يالحسرة))، وفى ت٢، ت٣: ((بالحسرة))، وفى م: ((ياحسرة)). والمثبت من معانى
القرآن ٤٢١/٢ .
(٥) سقط من : م .
(٦) معانى القرآن للفراء ٤٢١/٢.

٢٣٤
سورة الزمر : الآية ٥٦
١٩/٢٤ بعد هذه الألفِ، فيخفِضونها / أحيانًا ، ويرفعونها أحيانًا؛ وذكَر الفرَّاءُ أَنَّ بعضَ بنى
(١)
أسدٍ أنشده (١) :
يا رَبِّ يَا رَبَّهِ إِيَّكَ أَسَلْ
عَفْرَاءَ يا رَبَّه مِنْ قَبْلِ الأجَلْ
خفضًا، قال: والخفضُ أكثرُ فى كلامِهم، إلا فى قولهم: يا هنَاهُ، ويا هَنْتَاهُ.
فإن الرفع فيهما أكثرُ من الخفض؛ لأنه کثیرٌ فى الكلام، حتى صار كأنه حرفٌ
واحدٌ .
وقولُه: ﴿عَلَى مَا فَرَّطتُ فِ جَنْبِ اللَّهِ ﴾. يقولُ : على ما ضيَّعْتُ من العملِ بما
أَمَرنى اللَّهُ به، وقصَّْتُ فى الدنيا فى طاعةِ اللَّهِ .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال(١) : ثنا حكام، عن عنبسةً، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ،
عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿بَحَسْرَ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبٍ
اللَّهِ﴾. يقولُ: فى أمرِ اللَّهِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد
فى قولِ اللَّهِ: ﴿عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾. قال: فى أمرِ اللَّهِ(١).
(١) المصدر السابق ٤٢٢/٢.
(٢) بعده فى ت١: (( ثنا سلمة قال)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٠، ومن طريقه أخرجه البيهقى فى الأسماء الصفات (٧٧٢)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٣٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر بلفظ: ((فى ذكر الله)).

٢٣٥
سورة الزمر : الآيات ٥٦ - ٥٨
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله : ﴿ عَلَى
مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ ﴾. قال: تركتُ من أمرِ اللَّهِ .
وقولُه: ﴿ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السََّخِرِينَ﴾. يقولُ: وإن كنتُ لمن المستهزئين بأمرٍ
اللَّهِ و کتابه ورسوله والمؤمنين به .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ
نَفْسُ بَحَسْرَ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ﴾. قال: فلم
يكفِهِ أَنْ ضيَّع طاعةَ اللَّهِ ، حتى جعَل يَشْخرُ بأهلِ طاعةِ اللَّهِ . قال: هذا قولُ صِنْفٍ
(١)
منهم(١).
/ حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِن كُنتُ ٢٠/٢٤
لَمِنَ اُلسَّخِرِينَ﴾. يقولُ: من المستهزئينَ بالنبيِّ، وبالكتابِ، وبما جاء به (١) .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ
اُلْمُتَّقِينَ
٥٨
الْمُحْسِنِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: وأنيبوا إلى ربّكم أيُّها الناسُ، وأَسْلِموا له، ألَّ تقولَ نفسٌ
يومَ القيامةِ : يا حسرتا على ما فرَّطتُ فى أمرِ اللَّه . وألَّا تقولَ نفسٌ أخرى: لو أنَّ اللَّهَ
هدانى للحقِّ، [٧٣٣/٢و] فوقَّقَنى للرشادِ ، لَكُنْتُ ممن اتَّقاه بطاعتِه واتِّباع رضاه . أو
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٩/٩.

٢٣٦
سورة الزمر : الآيتان ٥٧، ٥٨
أَّ تقولَ أخرى حينَ تَرى عذابَ اللَّهِ فتُعاينُه: ﴿لَوَ أَنَّ لِ كَرَّةً ﴾. تقولُ:
لو أنَّ لى رَجعةٌ إلى الدنيا، ﴿فَأْكُونَ مِن المُحسنينَ ﴾ الذين أحْسَنوا فى طاعتِهم
ربَّهم ، والعملِ بما أمرَتْهم به الرسلُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَحَسْرَتَى عَلَى مَا
فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ ﴾. الآية. قال: هذا قولُ صِنْفٍ منهم، ﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ
اللَّهَ هَدَينِ﴾ الآية. قال: هذا قولُ صِنْفٍ آخرَ)، ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ ﴾
الآية. يعنى بقولِه: ﴿لَوَ أَنَّ لِ كَرَّةً﴾ : رَجْعةً إلى الدنيا. قال: هذا صِنفٌ
(٢)
آخر(٢).
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ ﴾. قال: أخبَرِ اللَّهُ ما
العبادُ قائلوه قبلَ أنْ يقولوه، وعملَهم قبلَ أن يعمَلوه، قال - ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ
خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] -: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَفَ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنْبٍ اُللَّهِ﴾ ،
﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِ﴾ إلى: ﴿فَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: من
المهتدين. فأخبر اللَّهُ سبحانَه أنَّهم لو رُدّوا لم يَقْدِروا على الهدى، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ
لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [الأنعام: ١١٠]. وقال: ولو رُدُّوا إلى الدنيا
(١ - ١) سقط من: ت٢، ت٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢٣٧
سورة الزمر : الآيتان ٥٨ ، ٥٩
الحِيلَ بينَهم وبينَ الهدى، كما حُلْنا بينَهم وبينَه أوَّلَ مرّةٍ وهم فى الدنيا(١) .
وفى نصبٍ قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾. وجهان ؛ أحدُهما : أن يكونَ نصبُه على
أنه جوابُ ﴿لَوْ﴾. والثانى: على الردِّ على موضع الكرّةِ، وتوجيهُ الكرّةِ فى المعنى
إلى: لو أنَّ لى(٢) أن أكِرَّ، كما قال الشاعرُ":
فما لك منها غيرُ ذِكْرَی وحَسْرةٍ (*)
وتَسْأَلَ عن رُكْبانِها أينَ يَمَّمُوا
/فنصَب ((تسأل)) عطفًا بها على موضع الذكرى؛ لأن معنى الكلام: فما لك(٥)
بـ: ((يرسل)) على موضعٍ ((الوحى)) فى قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١].
٢١/٢٤
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلَ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأُسْتَكْبَرْتَ
٥٩
وَكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه مكذِّبًا للقائل: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ
اٌلْمُتَّقِينَ﴾. وللقائلِ: ﴿لَوَ أَنَّ لِ كَرَّةُ فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ما
القولُ كما تقولون، ﴿ بَلَى قَدْ جَآءَتَّكَ﴾ - أيُّها المتمنِّى على اللَّهِ الرَدَّ إلى الدنيا؛
لتكون فيها من المحسنین - ﴿ ءايتي ﴾ . يقول : قد جاءتك حججی من بين رسول
أرسلْتُه إليك ، وكتابٍ أنزلتُه يتلى عليك ما فيه من الوعد والوعيدِ والتذكيرِ، فكذَّبت
(١) تقدم تخريجه فى ٤٩١/٩ .
(٢) بعده فى ت١: ((كرة لى)).
(٣) معانى القرآن ٤٢٣/٢.
(٤) فى ص، ت١: ((حسية))، وفى ت٢: ((حينه))، وفى ت٣: ((حديثه)). والمثبت موافق لما فى البحر
المحيط ٤٣٦/٧ .
(٥) كذا فى النسخ، ولعل سقطا وقع من النسخ، لعله: ((فمالك غير أن تذكر وتسأل، كما عطف)). وينظر
معانى القرآن ٤٢٢/٢، ٤٢٣ .

٢٣٨
سورة الزمر : الآيتان ٥٩، ٦٠
بآياتى، واستكبرت عن قَبولِها واتِباعِها، ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾. يقولُ:
وكنتَ ممن يعملُ عملَ الكافرين، ويستنُّ بسنتِهم، ويتبعُ منهاجَهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: يقولُ اللَّهُ ردًّا لقولِهم،
وتكذيًا لهم - يعنى لقولِ القائلين: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِ﴾. والصنفِ الآخرِ -
﴿قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَتِ﴾ الآية(١).
وبفتحِ الكافٍ والتاءِ من قولِه: ﴿قَدْ جَاءَتْكَ ءَايَتِى فَكَذَّبْتَ﴾ على وجهِ
المخاطبةِ للذكورِ، قرأه القرأةُ فى جميعِ أمصارِ الإسلامِ. وقد رُوِى عن رسولِ
اللَّهِ عَهِ، أنه قرَأ ذلك بكسرٍ جميعِه، على وجهِ الخطابِ للنفسِ، كأنه قال : أن
تقولَ نفسٌ: يا حسرتا على ما فرّطتُ فى جنبِ اللَّهِ. بلى قد جاءتكِ أيُّها النفسُ
آياتى، فكذَّبتِ بها. أجرى الكلامَ كلَّه على النفسِ، إذ كان ابتداءُ الكلامِ بها
جرى، والقراءةُ التى لا أَستجيزُ خلافَها، ما جاءت به قرأةُ الأمصارِ مُجْمِعةً علیه به ،
نقلًا عن رسول اللّهِ مَّتله ، وهو الفتح فى جميع ذلك .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ
وُجُوهُهُم ◌ُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَنْوَى لِلْمُتَكَِّينَ
/يقولُ تعالى ذكره : ويومَ القيامَةِ تَرَى يا محمدُ ، هؤلاء الذين كَذَبوا على اللَّهِ
من قومِك، فزعَموا أنَّ له ولدًا، وأنَّ له شركاءً(٢) ، وعبَدُوا آلهةً من دونِه،
٢٢/٢٤
(١) وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) فى م، ت٢، ت٣: ((شريكا)).

٢٣٩
سورة الزمر : الآية ٦٠
٠٠٠٠٠
﴿ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾.
والوجوهُ وإن كانت مرفوعةٌ ب﴿ مُسْوَدَّةٌ﴾ ، فإن فيها معنى نصبٍ ؛ لأنها مع
خبرِها تمامُ ﴿ تَرَى﴾، ولو تقدَّم قوله : ﴿ مُسْوَدَةٌ ﴾ قبلَ الوجوهِ، کان نصبًا ، ولو
نصَبَ ((الوجوه المسودَّةَ))، ناصبٌ فى الكلام لا فى القرآنِ، [٧٣٣/٢ظ] إذا كانت
المسودّةُ متأخرةً، كان جائزًا، كما قال الشاعرُ(١):
ذَرِينى إنَّ أمرَكِ لن يُطاعَا وما ألفيتِنِى حلمى(٢) مُضاعا
فنصَبَ الحلمَ والمضاعَ على تكريرِ ((ألفيتِنى))، وكذلك تفعلُ العربُ فى كلِّ
ما احتاج إلى اسم وخبرٍ، مثلَ ((ظنَّ وأخواتِها)).
وفى ﴿ مُسْوَدَّةٌ﴾ للعربِ لغتان: ((مسودّةٌ))، و((مسوادّةٌ))، وهى فى أهلِ
الحجازِ، يقولون فیما ذُکِر عنھم: قد اسوادًّ وجهُه، واحمارًّ، واشهاب. وذكّر
بعضُ نحوِّى البصرةِ عن بعضِهم، أنه قال: لا يكونُ ((افعالَّ)) إلا فى ذى اللونِ(٣)
الواحدِ ، نحوَ الأشهبِ(٤). قال: ولا يكونُ فى نحوِ الأحمرِ؛ لأن الشهَبَ(9) لونٌ
يحدُثُ ، والأحمرَ لا يحدثُ .
وقولُه: ﴿أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِلْمُتَكَبِينَ﴾. يقولُ: أليس فى جهنمَ
مَأْوَى ومسكنٌ لمن تكبّر على اللَّهِ، فامتنَع من توحيدِه، والانتهاءِ إلى طاعتِهِ، فيما
أمره ونهاه عنه ؟
(١) هو عدى بن زيد العبادى، وقد تقدم البيت فى ٦٢٢/١٣ .
(٢) فى ص، ت١: ((حكمی)).
(٣) فى ص، ت١: ((النون)).
(٤) فى ت١: (( شهاب)).
(٥) فى ت٢: ((أشهب)) وفى م، ت٣: ((الأشهب)).

٢٤٠
سورة الزمر : الآيتان ٦١، ٦٢
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيُنَجِى اَللَّهُ الَّذِينَ أُنَّقَوْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُهُمُ
اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
الشُّهُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ
وَكِيلٌ
يقولُ تعالى ذكره : ويُتَجِّى اللَّهُ من جَهنَّمَ وعذابِها الذين اتَّقَوه بأداءِ فرائضِه ،
واجتنابِ معاصيه فى الدنيا، ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾. يعنى: بفوزِهم. وهى ((مَفْعَلَةٌ)) منه.
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالفَت ألفاظُ بعضِهم
الألفاظَ (١) التى قلناها فى ذلك.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه :
وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾. (قال: بفضائلهم.
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَيُنَچِى
اللَّهُ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾٢. قال: بأعمالِهم. قال: والآخَرُون يحمِلُون
أوزارَهم يومَ القيامةِ ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَ سَآءَ مَا
يَزِرُونَ﴾(١) [النحل: ٢٥]
٢٣/٢٤
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ قرأةٍ مكةً
والبصرةِ: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾. على التوحيدِ(٤). وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ:
(١) فى ص، م، ت٢، ت٣: ((اللفظة)).
(٢ - ٢) سقط من: ت٢، ت٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٥ إلى المصنف.
(٤) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم وأبى جعفر ويعقوب. النشر ٢٧٢/٢ .