النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة ص : الآية ٣٩
أعطَيْناك من المُكِ، وتسخيرِنا ما سخَّرنا لك - عطاؤُنا، وهِبَتُنا (١) لك ما سأَلْتَنا أن
نَهِبَه لك من المُلكِ الذى لا يَنْبَغى لأحدٍ من بعدِك، ﴿فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿فَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ؛ فقال
بعضُهم : معنى ذلك : فأَعْطِ مَن شئْتَ ما شئتَ من المُكِ الذى آتيناك، وامنَعْ من
شئتَ منه ما شئتَ ، لا حسابَ عليك فى ذلك(٢) .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ :
﴿ فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: المُلُكُ الذى أعطَيْناك، فَأَعْطِ ما شئْتَ وامنَعْ ما
شئْتَ ، فليس عليك(٢) تَبِعَةٌ ولا حسابٌ(٤).
حُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَبِيرٍ، عن الضَّاكِ: ﴿فَمَنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾: سأل مُلكًا هنيئًا)، لا يُحاسَبُ به يومَ القيامةِ، فقال: ما أُعطيتَ وما
أَمْسَكْتَ، فلا حرَّجَ عليك(٦).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿ فَأَمْنُنْ أَوْ
أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: أَعْطِ أو أَمْسِكْ، فلا حسابَ عليك(٧).
(١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((وهبنا)).
(٢) بعده فى ت ١: ((ولا حرج)).
(٣) فى ص: ((عليه)).
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٩٩ .
(٥) فى ص، ت ١، ت٢: ((هينا)).
(٦) ذكره الطوسى فى التبيان ٥١٧/٨.
(٧) تفسير الثورى ص ٢٥٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٥ إلى عبد بن حميد.

١٠٢
سورة ص : الآية ٣٩
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿فَمَنُنْ﴾. قال: أَعْطِ أو أَمسِكْ بغيرِ حسابٍ (١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك: أَعْتِقْ مِن هؤلاء الشياطين - الذين سخّرناهم لك
من الخدمة أو من الوثاقِ ، ممن كان منهم مُقَوّنًا فى الأصفادِ - مَن شئتَ ، واحبِسْ مَن
شئتَ ، فلا حرج عليك فى ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾. يقولُ: هؤلاء الشياطينُ، احبِسْ مَن شئْتَ منهم فى وثاقِك وفى
عذابك ، وسرّخ مَن شْتَ منهم تتخذْ عندَہ یدًا ، اصنغ ما شئْتَ لا حسابَ علیك فى
(٢)
ذلك(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ: أَعتِقْ من الجنِّ مَن
شِئْتَ، وأَمسِكْ مَن شئتَ(٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قوله: ﴿ فَاَمنُنْ أَوْ
أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: تَمُنُّ على مَن تشاءُ منهم فتُعْتِقُه، وتُمْسِكُ مَن شئتَ
فَتَسْتَخْدِمُه . ليس عليه فى ذلك حسابٌ(٤) .
(١) تفسير مجاهد ص ٥٧٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٧/ ٣٩٩.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٠٧/١٥.

١٠٣
سورة ص : الآيتان ٣٩، ٤٠
١٦٤/٢٣
/وقال آخرون: بل معنى ذلك: هذا الذى أعطَيْناك من القوَّةِ على الجماع
عطاؤُنا، فجامِعْ مَن شئْتَ من نسائِك وجَوَارِيك، ما شئْتَ بغيرِ حسابٍ ، واترْ
جِماعَ مَن شئتَ منهنَّ .
وقال آخرون: بل(١) ذلك من المقدَّمِ والمؤخَّرِ، ومعنى الكلامِ: هذا عطاُنا بغيرِ
حسابٍ، فامْنُنْ أَو أَمْسِكْ. وذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ : ( هذا فامنن أو أمسك
عطائنا بغير حساب ).
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من البصريِّين يقولُ(٢): فى قوله: ﴿ بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾(١) وجهان؛ أحدُهما: بغيرِ جزاءٍ ولا ثوابٍ، والآخرُ: منةٍ ولا قلةٍ .
والصوابُ من القول فى ذلك ما ذكَرْتُه عن أهلِ التأويل من أن معناه : لا
يُحاسبُ على ما أُعطى من ذلك الملكِ والسلطانِ .
وإنما قلْنا ذلك هو الصوابُ؛ لإجماعِ الحجةِ من [٧١٣/٤ ظ] أهلِ التأويلِ عليه.
وقولُه: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾. يقولُ: وإن لسليمانَ عندَنا لقُربةً ؛
بإنابتِه إلينا وتوبتِه وطاعتِهِ لنا. ﴿ وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾. يقولُ: ومحُسنَ مَرْجِعٍ ومصيرٍ فى
الآخرةِ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا
لُلْفَ وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾. أى: مصيرٍ(٤) .
إن قال لنا قائلٌ: وما وَجْهُ رغبةِ سليمانَ إلى ربِّه فى الملكِ وهو نبيٌّ من الأنبياءِ ،
(١) سقط من: ص، ت ١.
(٢) هو أبو عبيدة. ينظر مجاز القرآن ١٨٤/٢.
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((له)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

١٠٤
سورة ص : الآيات ٤٠ - ٤٢
وإنما يَرْغَبُ فى الملكِ أهلُ الدنيا المؤثِرُون لها على الآخرةِ؟ أم ما وَجْهُ مسألتِه إياه إذ
سأَلَه ذلك مُلْكًا لا يَنْبَغى لأحدٍ من بعدِه؟ وما كان يَضُرُّه أن يكونَ كلُّ مَن بعدَه
يُؤْنَى(١) مثلَ الذى أُوتى من ذلك؟ أكان به بخلٌ بذلك، فلم يَكُنْ من مُلكِه، يُعْطَى
ذلك مَن يُعْطاه أم حسدٌ للناسِ؟ ! - كما ذُكِر عن الحجاج بن يوسفَ(١)؛ فإنه ذُكِرَ
أنه قرأ قوله: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَتْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾. فقال: إن كان لَحَسودًا -
فإن ذلك ليس من أخلاقِ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم؟! قيل: أمَّا رغبَتُه إلى ربِّه فيما
رغِب إليه من المُكِ، فلم تكُنْ إن شاء اللهُ به رغبةٌ فى الدنيا ، ولكن إرادةٌ منه أن يَعْلَمَ
منزلتَه من اللهِ، فى إجابتِه فيما رغِبَ إليه فيه ، وقبوله توبتَه وإجابتِه دعاءَه .
وأما مسألتُه ربَّه مُلكًا لا يَنْتَغى لأحدٍ من بعدِه ؛ فإنا قد ذكَوْنا فيما مضى قبلُ
قولَ مَن قال: إن معنى ذلك: هبْ لى مُلكًا لا أُسْلَئُه كما سُلِبتُه قبلُ(٢). وإنما معناه
عندَ هؤلاءِ: هبْ لى مُلْكًا لا يَنْبغى لأحدٍ من بعدِى أن يَسْلُبَنيه . وقد يَتَّجِهُ ذلك أن
يكونَ بمعنى: لا يَنْبَغنى لأحدٍ سِواىَ من أهلِ زمانى، فيكونَ حجةً وعلَمًا لى على
تُبُوَّتِى، وَأَنِّى (٢رسولٌ لكُ" إليهم مبعوثٌ؛ إذ كانت الرسلُ لابدَّلها من أعلامِ تُفارقُ
بها سائرَ الناسِ سواهم. ويتَّجِهُ أيضًا لأن يكونَ معناه: وهبْ لى مُلْكَا تَخُصُّنى به،
لا تُعْطِيه أحدًا غيرِى، تشريفًا منك لى بذلك وتكرمةً ؛ لتُبيِّنَ منزلتى منك به من
منازلٍ مَن سِواىَ. وليس فى وجهٍ من هذه الوجوهِ مما ظنَّه الحجاج فى معنى ذلك
شىءٌ .
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِى مَسَّنِىَ
١٦٥/٢٣
(١) فى ص، ت ١: ((أوتى)).
(٢) تاريخ دمشق ١٢ / ١٦١.
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٩٣.
(٤ - ٤) فى م: ((رسول)).

١٠٥
سورة ص : الآيتان ٤١، ٤٢
أَرَكُضْ بِرِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
٤١
الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ
٤٢
يقولُ تعالى ذكرُه النبيِّه محمدٍ مِّهِ: ﴿ وَأَذْكُرُ﴾ أيضًا يا محمدُ ﴿عَبْدَنَا أَيُبَ
إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ مستغيثًا به فيما نزَل به من البلاءِ: يا ربِّ، إنِّى مسَنىَ الشيطانُ
بنُصْبٍ .
واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ بِنُصْبٍ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا أبى
جعفرٍ القارئِّ: ﴿بِنُصْبٍ﴾، بضمِّ النونِ وسكونِ الصادِ . وقرأْ ذلك أبو جعفرٍ بضمٌّ
النونِ والصادِ كليهما، وقد حُكِى عنه بفتح النونِ والصادِ (١) . والنُّصْبُ والتَّصَبُ
بمنزلةِ الْحُزْنِ والخَزَنِ ، والعُدْمِ والعَدَمِ ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ ، والصُّلْبِ والصَّلَبِ.
وكان الغرّاءُ(٢) يقولُ: إذا ضُمَّ أولُه لم يُتَقَّلْ؛ لأنهم جعَلوهما على سَمْتَين؛ إذا
فتَحوا أولَه تَقَّلُوا ، وإذا ضَمُوا أولَه خفَّقُوا . قال: وأَنشَدنى بعضُ العربِ :
لئن بَعَثتْ أمُّ الْحُمَيدَينِ مائِرًا
لقد غَنِیَتْ فی غیرِ بُؤْسٍ ولا مُحْدِ
من قولهم: جحِد عيشُه. إذا ضاق واشتدَّ، قال: فلما قال: ((جُحْد)) خفَّف .
وقال بعضُ أهلِ العلم بكلام العربِ من البصريين (١) : النُّصْبُ من العذابِ .
وقال : العربُ تقولُ: أَنْصَبنى. عذَّبنى وبرَّح بى. قال: وبعضُهم يقولُ: نَصَبَنِى.
واستشهَد لقيلِه ذلك بقولِ بشرِ بنِ أبي خازم :
تعَنَّكَ نُصْبٌ مِن أَمَيْمَةَ مُنْصِبُ
كذِى الشَّجْو(٥) لمّ يَسْلُه وَسَيَذْهَبُ
(١) ينظر النشر فى القراءات العشر ٢/ ٢٧٠.
(٢) فى معانى القرآن ٢/ ٤٠٦.
(٣) هو أبو عبيدة. ينظر مجاز القرآن ٢/ ١٨٤.
(٤) دیوانه ص ٧.
(٥) فى الديوان: ((الشوق)).

١٠٦
سورة ص : الآيتان ٤١، ٤٢
وقال : يعنى بالنُّصْبِ البلاءَ والشرّ.
ومنه قولُ نابغةِ بنى ذُبيانَ(١) :
١٦٦/٢٣
كِلِينِى لِهَمَّ يا أمَيْمَةَ ناصِبٍ وليلِ أُقَاسِيهِ بَطِىءِ الكَوَاكِبِ
/قال: والنَّصَبُ إذا فُتحت ومحرّكت حروفُها كانت من الإعياءِ، والنَّصْبُ إذا
فُتِح أولُه وسُكَّن ثانيه واحدةُ أنصابِ الحرم، وكلُّ ما نُصِب علمًا. وكأن معنى
النُّصْبِ فى هذا الموضِع العلةُ التى نالته فى جسدِه، والعناءُ الذى لاقَى فيه، والعذابُ
فی ذهابٍ ماله .
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا(٢) ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك الضُّ فى
النونِ ، والسكونُ فى الصادِ .
وأما التأويلُ ، فبنحوِ الذى قلْنا فيه قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَاً
أَيُبَ﴾، حتى بلَغ: ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾: ذهابِ المالِ والأَهلِ، والضرِّ الذى أصابه
فى جسدِه، قال : ابتُلى سبعَ سنينَ وأشهرًا، مُلْقَى على كُناسةٍ لبنى إسرائيلَ،
تخْتَلِفُ الدوابُّ فى جسدِهِ، ففرَّج اللهُ عنه، وعظّم له الأجرَ، وأحسَن عليه
(٣)
الثناءَ ().
(١) تقدم تخريجه فى ٥٩٥/١٣.
(٢) القراءتان كلتاهما الصواب .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٦٧/٢ عن معمر عن قتادة، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق
١٠/ ٦٥. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٥ إلى عبد بن حميد.

١٠٧
سورة ص : الآيتان ٤١، ٤٢
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قولَه: ﴿ مَسَّنِىَّ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾. قال: نُصْبٍ فى جسدى،
وعذاپ فی مالی (١).
حُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَيبٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَنِى مَسَِّىَ الشَّيْطَانُ
بِنُصْدٍ﴾. يعنى: البلاءَ فى الجسدِ، ﴿وَعَذَابٍ﴾، قوله: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن
◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ ﴾ [الشورى: ٣٠].
وقولُه: ﴿ أَرَّكُضْ بِجْلِكَ﴾ ، ومعنى الكلامِ: إذ نادى ربَّه مُستغِيثًا به، أَنِّي
مشنی الشيطانُ بیلاءٍ فی جسدی، وعذابٍ بذهابٍ مالی وولدی، فاستجبنا له ،
وقلنا له: اركُضْ برجلِك الأرضَ. أى حرِّكْها وادفَعْها برجلِك. والرَّكْضُ حركةُ
الرّجلِ . يقالُ منه: رُكِضَت(٢) الدابةُ. و: لا تَرْكُضْ ثوبَك برجلِك.
وقيل: إن الأرضَ التى أُمِر أيوبُ أن يركُضَها برجلِه الجابيةُ(٢).
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَرَكُضْ بِرِحْلِكَ
الآية، قال: ضرَب برجلِه الأرضَ؛ أرضًا يقالُ لها: الجابيةُ(٤).
وقولُه: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدُ وَشَرَابٌ﴾. ذُكِر أنه نبَعَت له حينَ ضرَب برجله
الأرضَ عينان ، فشرِب من إحداهما ، واغتَسَل من الأخرى .
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٤٠٠/٧ .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ركضته)).
(٣) الجابية: قرية من أعمال دمشق. معجم البلدان ٣/٢.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

١٠٨
سورة ص : الآيات ٤٢ - ٤٤
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، قال : ضرَب برجله
الأرضَ، فإذا عينان تَنْبُعان ، فشرِب من إحداهما، واغتَسَل من الأخرى(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وهبٍ بِنِ مُتَبِّهِ: ﴿ أَكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قال: فركَض برجلِه ،
فانفجَرت له عينٌ ، فدخَل فيها واغتَسَل ، فأَذهَب اللهُ عنه كلَّ ما كان به من البلاءِ .
١٦٧/٢٣
/ حدَّثنى بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ ، قال: سمِعتُ
الحسنَ فى قولِ اللهِ: ﴿ أَرَكُضْ بِرِجْلِكٌ﴾: فركَض برجلِهِ، فنبَعت عينٌ، (٢ فاغتَسَل
منها ، ثم مشى نحوًا من أربعين ذراعًا، ثم ركَض برجلِه ، فنبَعت عينٌ ، فشرِب
منها، فذلك قوله: ﴿ أَرَكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَرِدٌ وَشَرَابٌ﴾(١).
وعُنِى بقولِه: ﴿ مُغْتَسَلٌ﴾: ما يُغتَسَلُ به من الماءِ، يقالُ منه: هذا مُغْتَسَلٌ
وغَسُولٌ . للذى(٤) يُغْتَسلُ به من الماءِ .
وقولُه: ﴿وَشَرَابٌ﴾. يعنى: ويَشْرَبُ منه. والموضِعُ الذى يُغْتَسَلُ فيه يُسَمَّی
مُغْتَسَلًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمَثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِ
الأَلْبَبِ
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَثُّ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَاِرَأَ نِعْمَ الْعَبْدِّ إِنَّهُهُ
٤٣
٤٤
أَوَّابُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١.
(٣) ينظر ما تقدم فى ١٦/ ٣٦٤.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الذى)).

١٠٩
سورة ص : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه: ﴿ وَوَهَنَا لَهُدْ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ . وقد
ذكَرْنا اختلافَهم فى ذلك والصوابَ من القولِ عندَنا فيه فى سورةِ ((الأنبياءِ))، بما
أغنَى عن إعادته فى هذا الموضع (١) .
فتأويلُ الكلام : فاغتَسَل وشرب ، ففرّجنا عنه ما كان فيه من البلاءِ، ووهَبنا له
أهلَه من زوجةٍ وولدٍ: ﴿ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا﴾ لهُ ورأفةً، ﴿ وَذِكْرَى﴾. يقولُ:
وتذكيرًا لأولى العقولِ ؛ ليعتَبِروا بها فيتَّعِظوا .
وقد حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنی نافُ بنُ یزیدَ ، عن
عُقيلٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، أن رسولَ اللهِ عَ لَّمِ قال: ((إن نبيَّ اللهِ
أيوبَ لِث به بلاؤُه ثمانىَ عشْرةَ سنةً، فرفَضه القريبُ والبعيدُ إلا رجلان(٣) من
إخوانِه، كانا من أخصِ إخوانِه به، كانا يَعْدُوَان إليه ويَرُوحان ، فقال أحدُهما
لصاحبِه : تَعْلَمُ والله لقد أذنَب أيوبُ ذَنْتًا ما أذنبه أحدٌ من العالمين . قال له صاحبُه:
وما ذاك ؟ قال : ثمانىَ عشرةَ سنةً لم يَرْحِمْهُ اللهُ ، فيَكْشِفَ ما به . فلما راحا إليه لم
يَصبرِ الرجلُ حتى ذكر ذلك له، فقال أيوبُ: لا أَدْرِى ما تَقولُ، غيرَ أن اللهَ يَعْلَمُ أنى
كُنْتُ أَمُرُ على الرجلين يَتَنازَعان فِيَذْكُران اللهَ فَأَرجِعُ إلى بيتى فَأَكَفِّرُ عنهما ،
كراهيةَ أن يُذْكَرَ اللهُ إلا فى حقٌّ. قال: وكان يَخرُجُ إلى حاجتِه، فإذا قضاها
أَمْسَكَت امرأته بيدِه حتى يَتْلُغَ ، فلما كان ذاتَ يومٍ أَبطَأْ عليها ، وأُوحِىَ إلى أيوبَ فى
مكانِه: أن ﴿ أَرَكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. فاستبطَأَته، فتلقَّته تَنْظُرُ،
وأقبَل عليها قد أذهَب اللهُ ما به من البلاءِ، وهو على أحسن ما كان، فلما رأَتَه
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٦٥/١٦ - ٣٦٧.
(٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٣) كذا بالنسخ؛ وفى معظم مصادر التخريج: ((رجلين)).

١١٠
سورة ص : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
قالت: أَىْ بارَك اللهُ فيك، هل رأيتَ نبيَّ اللهِ هذا المُبتَلَى؟ فواللهِ على ذلك ما
رَأَيتُ أحدًا أشبهَ [٧١٤/٢ظ] به منك إذ كان صحيحًا. قال: فإنى أنا هو. قال :
وكان له أَنْدَرانٍ (١)؛ أندرّ للقمح، وأندرّ للشعيرِ، فبعث اللهُ سحابَتَينِ، فلما كانت
إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى فى
أندرِ الشعيرِ الورِقَ حتى فاض)»(٢).
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: أَهْلَهُ
وَمَثّلَهُم مَّعَهُمْ﴾. قال: قال الحسنُ وقتادةُ: فأحياهم(٣) اللهُ بأعيانِهم، وزاده(٤) مثلَهم
(٥)
١٦٨/٢٣
معهم
حدَّثنى محمدُ بنُ عوفٍ ، قال: ثنا أبو المغيرةِ ، قال : ثنا صفوانُ ، قال : ثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ جبيرٍ، قال: لما ابتُلى أيوبُ النبىُّ مَ ◌ّمِ بمالِهِ وولدِه وجسدِه، وطُرح
فى المزبلةِ، جعَلتِ امرأتُه تَخْرُجُ تَكْسِبُ عليه ما تُطْعِمُه، فحسَده الشيطانُ على
ذلك، وكان يأتى أصحابَ الخبزِ والشّواءِ الذين كانوا يَتَصدَّقون عليها، فيقولُ:
اطرُدوا هذه المرأةَ التى تَغْشَاكم، فإنها تُعالِجُ صاحبَها وتَلْمَسُه بيدِها، فالناسُ
يَتَقَذَّرون طعامَكم من أجلِ أنها تأتيكم وتَغْشَاكم على ذلك، وكان يَلْقاها إذا
خرَجت كالمحزونِ لما لقِىَ أيوبُ، فيقولُ: لجَّ صاحبك، فأبى إلا ما أتى ، فواللهِ لو
(١) الأَنْدَرُ: البَيْدَرُ. وهو الموضع الذى تُداس فيه الحبوب. القاموس المحيط (ن در).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى البداية والنهاية ٥١٠/١ -، وابن عساكر فى تاريخه ١٠/ ٧١، ٧٢ من
طريق يونس به . وأخرجه البزار (٢٣٥٧ - كشف)، وأبو يعلى (٣٦١٧) - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه
٧٣/١٠، ٧٤ - وابن حبان (٢٨٩٨)، والحاكم ٢/ ٥٨١، ٥٨٢، وأبو نعيم في الحلية ٣٧٤/٣، ٣٧٥ من
طريق نافع به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٠/٤ إلى ابن أبى الدنيا وابن مردويه .
(٣) فى ت ١: ((قد خباهم)). وبدون نقط فى ص.
(٤) فى م: ((زادهم)) .
(٥) سقط من: م، ت ٢، ت ٣. والأثر تقدم تخريجه فى ٣٦٧/١٦.

١١١
سورة ص : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
تَكَلَّمَ بكلمةٍ واحدةٍ لكُشِف عنه كلُّ ضرٍّ، ولرجَع إليه ماله وولده. فتَجِىءُ فتُخْبِرُ
أيوبَ ، فيقولُ لها : لَقِيَكِ عدوُّ اللهِ فلقَّك هذا الكلامَ، ويَلَكِ إنما مثلُك كمثلِ المرأةِ
الزانيةِ إذا جاء صديقُها بشىءٍ ، قبّلته وأدخلته ، وإن لم يَأْتِها بشىءٍ طرَدته وأغلَقت
بابَها عنه؛ لمَّا أعطانا اللهُ المالَ والولدَ آمنًا به ، وإذا قبَض الذى له منا نَكْفُرُ به، ونُبَدِّلُ
غيرَه؛ إن أقامنى اللهُ من مرضى هذا لأجْلِدَنَّك مائةً. قال: فلذلك قال اللهُ: ﴿ وَخُذْ
بِيَدِكَ ضِغْئًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾(١).
وقولُه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا﴾. يقولُ: وقلْنا لأيوبَ: خُذْ بيدِك ضغثا. وهو ما
يُجْمَعُ من شىءٍ، مثلُ حُزْمَةِ الرُّطْبَةِ، وكملءِ الكفِّ من الشجرِ أو الحشيشِ
والشماريخ، ونحوِ ذلك مما قام على ساقٍ ، ومنه قولُ عوفٍ بنِ الخَرِعِ(٣) :
وَأَلْقَيتُ ضِعْتًا من خَلَىَّ(٢) مُتَطَيِّبٍ
وأسفلَ مِنِّى نَهْدةٌ قد ربطتُها
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىٌّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا﴾. يقولُ: حُزْمةً(٤).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾. قال: أُمِرِ أن
(١) أخرجه أحمد فى الزهد ص٨٩ عن أبى المغيرة به. وستأتى تتمته فى ص ١١٣.
(٢) البيت فى مجاز القرآن ١٨٥/٢.
(٣) الخلى : هو الرطب من النبات . الوسيط (خ ل ى).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤٠/٢ - من طريق أبى صالح به .

١١٢
سورة ص : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
يَأْخُذَ ضِعْتًا من رُطبةٍ بقدرِ ما حلَف عليه، فيَضْرِبَ به .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ فى قولِه :
﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا﴾ . قال: عِيدانًا رَطْبةً .
/ حدَّثنا أبو هشام الرّفاعُّ، قال: ثنا يحيى، عن إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ
١٦٩/٢٣
المهاجرِ، عن أبيه، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا﴾ . قال: هو
گەھ (١)
الأَثْلُ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا﴾
الآية، قال : كانت امرأتُه قد عرَضت له بأمرٍ ، وأرادها إبليسُ على شىءٍ ، فقال: لو
تكلَّمتِ بكذا وكذا. وإنما حمَلها عليها الجزَعُ، فحلَفُ(١ لئن شفاه اللهُ ليَجْلِدَنَّها
مِائَةَ جلدةٍ ، قال : فأُمِر بغصنٍ فيه تسعةٌ وتسعون قضيبًا، والأصلُ تكملةُ المائةِ ، فضرَبها
ضربةً واحدةً ، فأبرَّ نبُ اللهِ، وخفَّف اللهُ عن أَمَتِه، واللهُ رحيمٌ(٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا﴾. يعنى: ضِغْتًا من الشجرِ الرَّطْبِ،
كان حلَف على يمينٍ، فأخَذ من الشجرِ عددَ ما حلَف عليه، فضرَب به ضربةً واحدةً
فبرَّت يمينُه، وهو اليومَ فى الناسِ يمينُ أيوبَ ، مَن أَخَذ بها فهو حسنٌ .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَخُذْ
بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا تَحْنَثُ﴾. قال: ضِغْتًا واحدًا من الكلاَّ فيه أكثرُ من مائةٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: ((نبى الله)) .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢ / ١٦٧، ١٦٨ عن معمر عن قتادة بنحوه . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣١٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

١١٣
سورة ص : الآيات ٤٤ - ٤٧
عودٍ ، فضرَب به ضربةً واحدةً ، فذلك مائةُ ضربةٍ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ ، قال : ثنا صفوانُ ، قال : ثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ مُبَيرٍ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِبِ بِّهِ﴾. يعنى بالضِّغْثِ القبضةَ من
١)(٢)
المكانس )(٧).
" وقولُه: ﴿فَأَضْرِبِ بِّهِ﴾). يقولُ: فاضرِبْ زوجتَك [٧١٥/٢و]
بالضِّغْثِ ، لِتَبَرَّ فى يمينِك التى حلَفت بها عليها أن تَضْربَها. ﴿ وَلَا تَحْنَثْ
يقولُ : ولا تحنثْ فى يمِينِك .
وقولُه: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَدِرَا نِعْمَ الْعَبْدٌّ﴾. يقولُ: إنا وجَدْنا أيوبَ صابرًا على
البلاءِ، لا يحمِلُه البلاءُ على الخروج عن طاعةِ اللهِ والدخولِ فى معصبتِه: ﴿ نِعْمَ
الْعَبْدٌ إِنَّهُ: أَوَابٌ﴾. يقولُ: إنه إلى طاعةِ اللهِ مقبلٌ، وإلى رِضاه رَجَّاتٌ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَا (٤) إِنَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى
إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الَّارِ
وَأُلْأَبْصَرِ
٤٥
وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ
٤٦
٤٧
اُلْأَخْیَارِ
اختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿عِبَدَنَا﴾؛ فقرأته قرأةُ الأمصارِ: ﴿ وَأَذَكُرْ
عِبَدَنَا﴾. على الجماع غيرَ ابنِ كثيرٍ، فإنه ذُكِر عنه أنه قرَأَه: (واذكُرْ عبدَنا). على
التوحيدِ (٥) ، كأنه يُوجّهُ الكلامَ إلى أن إسحاقَ ويعقوبَ من ذرِّيةِ إبراهيمَ، وأنهما
(١ - ١) سقط من: النسخ. والمثبت من مصدر التخريج، وهو ما يقتضيه السياق .
(٢) تتمة الأثر المتقدم تخريجه فى ص ١١١.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت٢، ت٣.
(٤) فى ت ٢، ت ٣: ((عبدنا)). وهى قراءة كما سيأتى.
(٥) ينظر التيسير ص ١٥٢.
( تفسير الطبرى ٨/٢٠ )

١١٤
سورة ص : الآيات ٤٥ - ٤٧
ذُكِرا من بعده .
حدَّثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابنُ عيينةً ، عن عمرو ، عن عطاءٍ ، سمِع ابنَ عباسٍ
يَقْرَأُ: (واذكُرْ عبدَنا إبراهيمَ (١). قال: إنما ذكِر إبراهيمُ، ثم ذُكِر ولدُه بعدَه(٢).
والصوابُ عندَنا فى ذلك من القراءةِ (١) قراءةُ مَن قرَأَه على الجماع، على أن
إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ بيانٌ عن العبادٍ ، وترجمةٌ عنهم (٤)؛ لإجماع الحجةِ من
القرأة عليه .
١٧٠/٢٣
/ وقولُه: ﴿أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ﴾. ويعنى بالأيدى القوَّةَ، يقولُ: أهلَ
القوة على عبادةِ اللهِ وطاعتِهِ . ويعنى بالأبصارِ أنهم أهلُ أبصارِ القلوبِ ، يعنى به :
أولى العقولِ للحقِّ .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم فى ذلك نحوًا مما قلْنا
فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ﴾. يقولُ: أولى القوةِ والعبادةِ، ﴿ وَالْأَبْصَرِ﴾ .
يقولُ: الفقهِ فی الدینِ(٥) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
(١) سقط من: ص، ت ١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٥، ٣١٨ إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبى حاتم.
(٣) القراءتان كلتاهما صواب .
(٤) فى م، ت٢، ت٣: ((عنه )) .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٢٩٦/٤، والإتقان ٤٠/٢ - من طريق أبى
صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٥ إلى ابن المنذر.

١١٥
سورة ص : الآيات ٤٥ - ٤٧
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿أُوْلِ اٌلْأَيْدِى وَالْأَبْصَارِ﴾. قال: فُضِّلوا بالقوّةِ
والعبادةِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
منصورٍ أنه قال فى هذه الآية: ﴿أُوْلِ الْأَيْدِى﴾. قال: القوَّةِ (١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عنبسةً، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ،
عن القاسم بن أبي بَزَّةً، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿أُوْلِ الْأَيْدِىِ﴾. قال : القوةِ فى أمرٍ
الله .
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا حگامٌ، عن عمرو، عن منصورٍ ، عن مجاهد :
﴿ أُوْلِ اٌلْأَيْدِى﴾. قال: الأيدى: القوةُ فى أمرِ اللهِ، ﴿ وَالْأَبْصَرِ﴾: العقولِ ).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ :
﴿ أُوْلِ اٌلْأَيْدِى﴾. قال: القوةِ فى طاعةِ اللهِ. ﴿وَالْأَبْصَرِ﴾: قال : البصرِ فى
الحقِّ(٢).
( (٣)
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُوْلِىِ اْأَيْدِى
وَالْأَبْصَرِ﴾. يقولُ: أُعطوا قوةً فى العبادةِ، وبصرًا فى الدينِ(٤).
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ قوله: ﴿ أُوْلِى
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قوة)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٧٣، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٦٧.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٦٨/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٥ إلى
عبد بن حميد .

١١٦
سورة ص : الآيات ٤٥ - ٤٧
اُلْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ﴾. قال: الأيدى: القوةُ فى طاعةِ اللهِ . ﴿ وَالْأَبْصَرِ﴾: البصرِ
(١)
بعقولِهم فى دينِهم
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ فى قوله : ﴿ أُوْلِ
اُلْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ﴾. قال: الأيدى: القوةُ، والأبصارُ : العقولُ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما الأيدى من القوة ، والأيدى إنما هى جمعُ يدٍ ، واليدُ
جارحةٌ ؟ وما العقولُ من الأبصارِ ، وإنما الأبصارُ جمعُ بصرٍ؟ قيل : إن ذلك مَثَلٌ .
وذلك أن باليدِ البطشَ، وبالبطشِ تُعرَّفُ قوَّةُ القَوِىِّ ؛ فلذلك قيل للقوىِّ: ذو یَدٍ .
وأما البصرُ فإنه عنَى به بصرَ القلبِ ، وبه تُنالُ معرفةُ الأشياءِ، فلذلك قيل للرجلِ
العالمِ بالشىءٍ : بصيرٌ به . وقد يُمكِنُ أن يكونَ عنَى بقولِه: ﴿ أُوْلِ الْأَيْدِى﴾ : أولى
الأيدى عندَ اللهِ بالأعمالِ الصالحةِ. فجعَل اللهُ أعمالَهم الصالحةَ التى عمِلوها فى
الدنيا أيديًا لهم عندَ اللهِ، تمثيلًا لها باليدِ تكونُ عندَ(٢) الرجلِ لآخرَ.
١٧١/٢٣
/ وقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرؤُه: (أُولى الأَيدِ) بغيرِ ياءٍ(٢). وقد يحتمِلُ
أن يكونَ ذلك من التأييدِ ، وأن يكونَ بمعنى الأيدى، ولكنه أسقَط منه الياءَ، كما
قيل: ﴿ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]. بحذفِ الياءِ(٤) .
وقولُه: ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا خصَصْناهم بخاصةٍ
ذکری الدارِ .
واختلفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾؛ فقرَأَته عامَّةُ قرأةٍ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٦٧.
(٢) فى ص، ت ١: ((قبل)).
(٣) البحر المحيط ٧/ ٤٠٢.
(٤) ينظر معانى القرآن ٤٠٦/٢، ٤٠٧.

١١٧
سورة ص : الآيات ٤٥ - ٤٧
المدينةِ: (بخالِصَةِ ذِكرَى الدَّارِ) (١). بإضافةِ ((خالصةٍ)) إلى ((ذكرى الدارِ)).
بمعنى أنهم أَخلِصوا بخالصةٍ(٢) الذكرى، و((الذكرى)) إذا قُرِئ كذلك غيرُ
((الخالصةِ))، كما ((المتكبرُ)) إذا قُرِئ: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَّرٍ ﴾ [غافر: ٣٥].
بإضافةِ ((القلبٍ)) إلى ((المتكبرِ))، هو الذى له القلبُ وليس بالقلبِ. وقرَأْ ذلك عامَّةُ
قرأةٍ العراقِ: ﴿ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ . بتنوينِ قوله: ((خالصةٍ))، وردّ
﴿ ذِكْرَى﴾ [١١٥/٢ظ] عليها١) . على أن الدارَ هى الخالصةُ، فردُّوا ((الذكرى))
وهى معرفةٌ على ((خالصةٍ)) وهى نكرةٌ، كما قيل: ﴿َشَرَّ مَثَابٍ
٥٥
[ص: ٥٥، ٥٦]. فردَّ ((جهنمَ)) وهى معرفةٌ على ((المآَبِ)) وهى نكرةٌ(٤).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندِى أنهما قراءتان مستفيضتان فى قرأةٍ
الأمصارِ ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إِنَّا أخلَصْناهم
بخالصةٍ هى ذكرى الدارٍ ، أى أنهم كانوا يُذَكّرون الناسَ الدارَ الآخرةَ ، ويَدْعُونهم
إلى طاعةِ اللهِ ، والعملِ للدارِ الآخرةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ
ذِكْرَى النَّارِ﴾. قال: بهذه أخلَصَهم اللهُ، كانوا يَدْعون إلى الآخرةِ وإلى اللهِ() .
وقال آخرون : معنى ذلك أنه أخلَصهم بعملهم للآخرةِ وذِكْرِهم لها .
(١) وهى قراءة نافع وابن عامر فى رواية هشام. التيسير ص ١٥٢.
(٢) فى ت ١: ((الخالصة)).
(٣) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر - فى رواية ابن ذكوان - وعاصم وحمزة والكسائى. المصدر السابق.
(٤) ينظر معانى القرآن ٤٠٧/٢ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٦٨/٢ عن معمر عن قتادة .

١١٨
سورة ص : الآيات ٤٥ - ٤٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علئُ بنُ الحسن الأزْدیُّ، قال : ثنا یحیی بنُ یمانٍ ، عن ابن جريج، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: بذكرِ الآخرةِ،
فليس لهم همِّ غیرُها .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿إِنََّ أَغْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الَّارِ ﴾. قال: بذكرِهم الدارَ الآخرةَ
وعملهم للآخرةِ(٢).
وقال آخرون : معنى ذلك: إنا أُخْلَصناهم بأفضل ما فى الآخرةِ . وهذا التأويلُ
على قراءةٍ من قرَأَه بالإضافةِ ، وأما القولان الأوَّلان فعلى تأويلِ قراءةٍ من قرَأه
بالتنوينٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: (إِنَّا
أَخْلَصْناهُم بخالِصَةِ ذِكرَى الدَّارِ). قال: بأفضلٍ ما فى الآخرةِ ، أخلَصْناهم به
وأعطَيْناهم إياه . قال: والدارُ: الجنةُ. وقرَأ: ﴿ِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا
لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَّا فِ اُلْأَرْضِ﴾ [ القصص: ٨٣]. قال: الجنةُ. وقرَأ: ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ
الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. قال: هذا كلُّه الجنةُ. وقال: أَخْلَصناهم بخيرِ الآخرةِ (١).
/ وقال آخرون : بل معنى ذلك : بخالصة عقبى الدارِ .
١٧٢/٢٣
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٧/٧.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٧/٧ مختصرا جدًّا.

١١٩
سورة ص : الآيات ٤٥ - ٤٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن شريك، عن سالم الأفطسِ ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ: ﴿يِخَالِصَةٍ ذِكْرَى النَّارِ﴾. قال: عُقْبَى الدارِ (١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : بخالصةِ أهلِ الدارِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن ابنٍ أبى زائدةً، عن ابنٍ جريجٍ، قال : ثنى ابنُ أبي نجيحٍ ، أنه سمِع
مجاهدًا يقولُ: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾: هم أهلُ الدارِ، وذو الدارِ، كقولك:
ذو الگلاع، وذو یَزَنِ .
وكان بعضُ أهلِ العلم بكلام العربِ من البصريين يَتَأوَّلُ ذلك على القراءةِ
بالتنوينِ: ﴿ِخَالِصَةٍ﴾: عملٍ فى ذكرى الآخرةٍ(٢) .
وأولى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك على قراءةٍ من قرَأَه بالتنوينٍ - أن يُقالَ :
معناه: إنَّا أَحْلَصْنَاهُم بخالصةٍ، هى ذكرى الدارِ الآخرةِ، فعمِلوا لها فى الدنيا،
فأطاعوا اللهَ وراقبوه، وقد يَدْخُلُ فى وصفِهم بذلك، أن يكونَ من صفتِهم أيضًا
الدعاءُ إلى اللهِ ، وإلى الدار الآخرةِ ؛ لأن ذلك من طاعةِ اللهِ والعملِ للدارِ الآخرةِ ،
غيرَ أن معنى الكلمةِ ما ذكَرْتُ .
وأما على قراءةٍ من قرَأه بالإضافةِ ، فأن يُقالَ: معناه: إنا أَخْلَصْناهم بخالصةٍ ما
ذُكِر فى الدارِ الآخرةِ؛ فلمَّا لم تُذْكَوْ ((فى)) أَضيفت ((الذكرى)) إلى ((الدارِ))، كما
قد بيَّنا قبلُ فى معنى قوله: ﴿لَّا يَسْعَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ ﴾ [فصلت: ٤٩].
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) ينظر مجاز القرآن ١٨٥/٢.
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٦١.

١٢٠
سورة ص : الآيات ٤٧ - ٤٩
وقولِه: ﴿ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾.
وقولُه: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ اُلْأَخْيَارِ ﴾. يقولُ: وإن هؤلاء الذين
ذكَرْنا، عندَنا، لمن الذين اصطفيناهم لذكرى الآخرةِ ، الأخيارِ ، الذين اخترناهم
لطاعتِنا ورسالتنا إلى خلقِنا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَذَكُرْ إِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلُّ مِّنَ
٤٩
هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ
٤٨
اُلْأَخْيَارِ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّه: واذكُرْ يا محمدُ إسماعيلَ واليسعَ وذا
الكفلِ ، وما أَبلَوْا فى طاعةِ اللهِ ، فتأسَّ بهم واسلُكْ مِنهاجَهم فى الصبرِ على ما نالَك
فى اللهِ ، والنفاذِ لبلاغ رسالته . وقد بيّنا قبلُ من أخبارِ إسماعيلَ واليسَعَ وذى الكفلِ
فيما مضى من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع .
والكِفلُ فى كلامِ العربِ: الحظُّ والجَدُّ .
وقولُه: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا القرآنُ الذى أنزلناه إليك
یا محمدُ ذِ کژ لك ولقومك، ذگّرناك وإیاهم به .
/ وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
١٧٣/٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا [٧١٦/٢و]
أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾. قال: القرآنُ(٢).
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٥٤/٢ وما بعدها، ٩/ ٣٨٤، ٣٦٨/١٦ - ٣٧٣.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٧/٧.