النص المفهرس

صفحات 1-20

الطَّهُرَى
تفسِّيّ ◌ِ
جَامِعُ الْبَّيَّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرَآنِ
لأَنِّ جَعْفَر محمّد بن جَرِيْرِالطَّبَرِيّ
(٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ )
تحقيق
الدكتورعبد الَمد بن عبد الحسن التركي
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السنة حسن عامة
الجزء العشرون
م
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

=٧ ٩
تَفْسِِّيُ الطَّبِىُّ
جَامِعُ الْبَيَنِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ القُرآنِ

.

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السند حسن يمامة
مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
ت : ٣٢٥١٠٢٧
مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦

٥
سورة ص : الآيتان ٢،١
.3-
/تفسير سورةٍ (( ص ))
١١٧/٢٣
) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّقِ
القول فی تأويل قوله تعالى : ﴿ صّ وَالْقُرْءَانِ ذِی الذکْرِ
وَشِقَاقٍ
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿صَّ)؛
فقال بعضُهم : هو مِن المصاداةِ ، من : صادَيتُ فلانًا . وهو أمرٌ من ذلك ؛ كأن معناه
عندَهم : صادٍ بعملِك القرآنَ . أى : عارِضْه به . ومَن قال: هذا تأويلُه . فإنه يقرؤُه
بكسرِ الدالٍ ؛ لأنه أمرٌ، وكذلك رُوِى عن الحسن (١) .
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ :
(صادٍ). قال: حادِثِ القرآنَ(٢) .
وحُدِّثتُ عن علىٍّ بنِ عاصمٍ، عن عمرو بنِ عبيدٍ، عن الحسنِ فى قوله :
(صادٍ). قال : عارِضِ القرآنَ بعملِك.
حُدِّثتُ عن عبدِ الوهابِ ، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، فى قوله : (صادٍ
والقرآنِ ). قال: عارِضِ القرآنَ. قال عبدُ الوهابِ: يقولُ: اعرِضْه على عملِك،
(١) وكذا قرأ أُبى وابن أبى إسحاق وأبو السمال وابن أبى عبلة ونصر بن عاصم. ينظر مختصر الشواذ ص ١٢٩،
والبحر المحيط ٧/ ٣٨٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٦
سورة ص : الآيتان ٢،١
فانظُرْ أينَ عملُك من القرآنِ(١).
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال: ثنا القاسمُ ، قال : ثنا حجاجٌ، عن هارونَ ، عن
إسماعيلَ، عن الحسنِ، أنه كان يقرأُ : (صادٍ والقرآنِ) بخفضِ الدالٍ، وكان
يجعلُها من المصاداةِ ، يقولُ: عارِضِ القرآنَ(٣).
وقال آخرون : هى حرفُ هجاءٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: أما ﴿صَّّ﴾ فمن الحروفِ(٣) .
وقال آخرون: هو قَسَمٌ أقسم اللَّهُ به .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علیّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿صََّ﴾. قال: قَسَمْ أقسَمه اللَّهُ، وهو من أسماءِ اللَّهِ(٤) .
وقال آخرون : هو اسم من أسماءِ القرآنِ ، أقسم اللَّهُ به .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿صََّ﴾. قال : هو
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلى المصنف.
(٢) ينظر التبيان ٤٩٥/٨.
(٣) تقدم تخريجه فى ٢٠٨/١.
(٤) تقدم تخريجه فى ١/ ٢٠٧.

٧
سورة ص : الآيتان ١، ٢
اسم من أسماءِ القرآنِ، أقسم اللَّهُ به(١).
/ وقال آخرون : معنى ذلك: صدَق اللَّهُ .
١١٨/٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن المسيبِ بنِ شريكٍ، عن أبى روقٍ، عن الضحاكِ فى قولِه :
﴿صََّ﴾. قال: صدَق اللَّهُ(٢).
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا عبدَ اللَّهِ بنَ أبى
إسحاقَ وعيسى بنَ عمرَ ، بسكونِ الدالٍ ، فأما عبدُ اللَّهِ بنُ أبى إسحاقَ فإنه كان
يكسِرُها ؛ لاجتماع الساكِنَين، ويجعلُ ذلك بمنزلةِ الأداةِ؛ كقولِ العربِ : تركتُه
حاثٍ باثٍ، وخازٍ بازٍ. يُخفضانِ من أجلِ أن الذى يلى آخرَ الحروفِ ألفٌ،
فيَخفِضون مع الألفِ ، ويَنصِبون مع غيرِها، فيقولون: حيثَ بيثَ . و: لأَجعَلتَّك
فى حيصَ بيصَ . إذا ضيَّق عليه (١٢) . وأما عيسى بنُ عمرَ فكان يوفِّقُ بينَ جميع ما كان
قبلَ آخرِ الحروفِ منه ألفٌ، وما كان قبلَ آخرِهِ ياءٌ أو واوٌ، فيفتَحُ جميعَ ذلك
ويَنْصِبُه، فيقولُ: (صادَ)، و(قافَ)، و(نونَ)، و(ياسينَ)، فيجعلُ ذلك مثلَ
الأداةِ؛ كقولهم : ليتَ ، وأينَ. وما أشبه ذلك .
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا السكونُ فى كلِّ ذلك؛ لأن ذلك القراءةُ
التى جاءت بها قرأةُ الأمصارِ مستفيضةً فيهم ، وأنها حروفُ هجاءٍ لأسماءِ المسمياتِ ،
[٧٠٠/٢ظ] فيُعرَبْن إعرابَ الأسماءِ والأدواتِ والأصواتِ، فيُسلَكُ بهن مسالكهن.
فتأويلُها إذا كانت كذلك تأويلُ نظائرِها التى قد تقدَّم بيانُناها قبلُ فيما مضَى(٤).
(١) تقدم تخريجه فى ٢٠٤/١ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلى المصنف.
(٣) ينظر معانى القرآن ٣٩٦/٢.
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢١٣/١ - ٢٢٨. ومعانى القرآن ٩/١، ١٠.

٨
سورة ص : الآيتان ٢،١
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: ﴿صَّ﴾ فى معناها كقولك: وجَب واللَّهِ،
نزَل واللَّهِ، وحَقَّ واللّهِ. وهى جوابٌ لقوله: ﴿وَالْقُرْءَانِ﴾ كما تقولُ: حقًّا واللَّهِ،
نزَل واللَّهِ(١).
وقولُه: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾؛ وهذا قسَمٌ أقسَمه اللَّهُ تبارك وتعالى بهذا
القرآنِ، فقال: ﴿ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ذِى الذِّكْرِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه:
ذى الشرف .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن قيسٍٍ، عن أبى حَصينٍ، عن
سعيدٍ: ﴿صََّّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾. قال: ذى الشرف(١) .
حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا أبو أحمدَ ، عن مسعرٍ، عن أبى
حصين : ﴿ ذِى الذِّكْرِ ﴾ : ذى الشرف(٢) .
قال: ثنا أبو أحمدَ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبى صالحٍ أو(٣) غيرِه:
﴿ذِى الذِّكْرِ﴾: ذى الشرف(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَآلْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾. قال: ذى الشرفٍ(٢) .
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن يحيى بنِ
عُمارةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صَّّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾: ذى
(١) ينظر معانى القرآن ٣٩٦/٢، ٠٣٩٧
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٤٣.
(٣) فى ت ١: ((و)).

٩
سورة ص : الآيتان ١، ٢
الشرف(١).
وقال بعضُهم: بل معناه : ذى التذكيرِ؛ ذكّركم اللَّهُ به .
١١٩/٢٣
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن المسیبِ بنِ شریك ، عن أبی روقٍ ، عن الضحاك : ﴿ ذِی الذِّكْرِ
(٢
قال: فيه ذكرُ كم. قال: ونظيرتُها: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾
[ الأنبياء: ١٠] .
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿ذِى الذِّكْرِ﴾ . أى :
(٣)
ما ذَكَّر فيه(٣) .
وأولى القولَين فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : معناه : ذى التذكيرِ لكم ؛ لأن
اللَّهَ أتْبَع ذلك قولَه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةِ وَشِقَاقٍ﴾ . فكان معلومًا بذلك أنه إنما
أخبر عن القرآنِ أنه أنزله ذكرًا لعبادِه ذكّرهم به ، وأن الكفارَ من الإيمانِ به فى عِزَّةٍ
وشقاقٍ .
واختُلِف فى الذى وقَع عليه اسمُ القسم ؛ فقال بعضُهم : وقَع القسمُ على قولِه :
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ عِزَّةِ وَشِقَاقٍ ﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلى المصنف، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣/٧.
(٢) ينظر تفسير البغوى ٧/ ٢٦٩.
(٣) ينظر التبيان ٤٩٥/٨.

١٠
سورة ص : الآيتان ٢،١
عِزَّةٍ﴾. قال: هلهنا وقَع القَسَمُ(١).
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: ﴿بَلِ﴾ دليلٌ على تكذيبهم، فاكتُفِى
بـ﴿بَلٍ﴾ من جوابٍ القسم، وكأنه قيل: ﴿صَ﴾ ما الأمرُ كما قلتُم ، بل أنتم فى
عزَّةٍ وشقاقٍ .
وكان بعضُ نحوِّى البصرةِ(١) يقولُ: زعَموا أن موضعَ القسم فى قوله: ﴿ إِن
كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص: ١٤]. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: قد زعم قومٌ أن
جوابَ ﴿ وَالْقُرْءَانِ﴾ قولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌ تَخَاصُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ ص: ٦٤]. قال:
وذلك كلامٌ قد تأخّر عن قولِه: ﴿ وَالْقُرْءَانِ ﴾ تأخّرًا شديدًا، وجرَت بينَهما قصصٌ
مختلفةٌ ، فلا نجدُ ذلك مستقيمًا فى العربية ، واللَّهُ أعلمُ .
قال : ويقالُ: إِن قولَه: ﴿وَالْقُرْءَانِ ﴾ يمِيْنٌ، اعترَضَ كلامٌ دونَ موقعٍ جوابِها ،
فصار جوابُها جوابًا للمعترِضِ ولليمين، فكأنه أراد : والقرآنِ ذى الذكرِ، لَكُمْ
أهلَكنا . فلما اعترَض قولُه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ عِزََّ﴾ صارت ﴿كَمْ﴾ جوابًا للعزَّةِ
واليمينِ. قال: ومثلُه قولُه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾ [الشمس: ١]. اعترَض دونَ
فَأَلْمَهَا﴾. فصارَت ﴿قَدْ أَفَحَ﴾ تابعةٌ
٧
الجواب قولُه: ﴿ وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا
لقوله: ﴿فَهَمَهَا﴾. وكفى من جواب القسم، فكأنه قال: والشمس وضحاها
(٣)
لقد أفلَح(١) .
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى القولُ الذى قاله قتادةُ ، وأن قولَه: ﴿بَلِ﴾
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن الأنبارى فى المصاحف، وذكره
ابن كثير فى تفسيره ٤٣/٧.
(٢) فى م، ص، ت ١، ت٣: ((الكوفة)).
(٣) ينظر معانى القرآن للفراء ٣٩٧/٢.

١١
سورة ص : الآيتان ٢ ،٣
لما دلَّت على التكذيبِ، وحلَّت محلّ الجوابِ ، استُغْنِى بها من الجوابِ ، إذ عُرِف
المعنى ، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: ﴿صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾، ما الأمرُ
كما يقولُ هؤلاء الكافرون، بل هم فى عزَّةٍ وشقاقٍ .
وقولُه: ﴿ بَلِ اٌلَّذِينَ كَفَرُواْ فِ عِزَّةِ وَشِقَاقٍ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: بل الذين
كفروا باللهِ من مشركي قريشٍ فى حميةٍ ومُشاقَّةٍ وفراقٍ لمحمدٍ وعداوةٍ ، وما بهم ألّا
يكونوا أهلَ علمٍ بأنه ليس بساحرٍ ولا كذابٍ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١٢٠/٢٣
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: [٧٠١/٢ و] ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿فِى عِزَّةِ﴾. قال: مُعازِينَ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِ عِزَّ وَشِقَاقٍ﴾ .
أى: فى حميةٍ وفراقٍ(١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فِى عِزَّةِ وَشِقَاقٍ﴾. قال: يعادُونَ أمرَ اللَّهِ ورسلَه وكتابَه ويشاقُّون، ذلك عزةٌ
وشقاقٌ . فقلتُ له : الشقاقُ الخلافُ ؟ فقال : نعم .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنْ قَرْذٍ فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٧٢ ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٢٩٥/٤. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩٦/٥ إلى عبد بن حميد .
(٢) وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن الأنبارى فى المصاحف، وذكره
الحافظ فى الفتح ٥٤٥/٨ عن سعيد به وعزاه إلى المصنف .

١٢
سورة ص : الآية ٣
٣
مَنَاصِ
يقولُ تعالى ذكره: كثيرًا أهلَكنا من قبلٍ هؤلاء المشركين من قريشٍ، الذين
كذَّبوا رسولنا محمدًا عَ لَّهِ فیما جاءهم به من عندِنا من الحقِّ - ﴿مِّن قَرْذٍ﴾.
يعنى : من الأمم الذين كانوا قبلَهم، فسلكوا سبيلَهم فى تكذيبٍ رسلِهم فيما أتَوهم
به من عندِ اللَّهِ، ﴿فَنَادَواْ﴾. يقولُ: فَعَجُوا إلى ربِّهم، وضُوا واستغاثُوا بالتوبة إليه
حينَ نزَل بهم بأسُ اللَّهِ ، وعاينُوا به عذابه، فرارًا من عقابِهِ، وهربًا من أليمٍ عذابِهِ ،
﴿ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ . يقولُ : وليس ذلك حينَ فرارٍ ولا هربٍ من العذابِ بالتويةِ،
وقد حقَّت كلمةُ العذابِ عليهم، وتابوا حينَ لا تنفعُهم التوبةُ ، واستقالُوا فى غيرٍ
وقتِ الإقالةِ .
وقولُه: ﴿مَنَاصٍ﴾: مَفْعَلٌ من النَّوْصِ، والنوصُ فى كلامِ العربِ التأخرُ،
والمناصُ المَفَهُ(١)؛ ومنه قولُ امرئ القيسِ(٢):
أمِنْ ذكرٍ سَلمَى إِذْ نأَتْكَ تَنُوصُ فَتَقِصُرُ عنها خُطوَةً أو تبوصُ
يقولُ: أو تَقَدَّمُ. يقالُ من ذلك: ناصَنى فلانٌ. إذا ذهَب عنك، وباصَنى . إذا.
سبقك، وناض فى البلادِ . إذا ذهَب فيها، بالضادِ. وذكَر الفراءُ أن العقيلىَّ أَنشَده :
فَقِيدًا ولَمْ يَصْغُبْ عَلَىَّ مَناضُ
إذا عاشَ إِسْحَاقٌ وَشَيْخُهُ لِمْ أَبَلْ
لَقُلْتُ غَزَالٌ ما عَلَيْهِ خُضَاضُ
وَلَوْ أَشْرَفَتْ مِنْ كُفَّةِ السّتْرِ عاطِلًا
والخضاضُ : الحلىُّ .
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٢١/٢٣
(١) بعده فى ت ٢، ت ٣: ((يقال منه: قد ناص فلان ينوص نوصا فأما البوص فالتقدم)).
(٢) ديوانه ص ١٧٧.

١٣
سورة ص : الاية ٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن أبى إسحاقَ ،
عن التميمىّ ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ . قال : ليسَ بحین نَزوٍ ،
ولا حینِ فرارٍ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عليةً(٢) ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ،
عن التميمىٌّ ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أرأيتَ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال :
ليس بحينِ نَزوٍ ولا فرارٍ ؛ ضُبِط القومُ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكام، عن عنبسةً، عن أبى إسحاقَ الهمدانيّ،
عن التميمىِّ، قال: سأَلتُ ابنَ عباسٍ عن(٤) قولِ اللّهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال :
ليس حينَ نَزوٍ ولا فرارٍ(٥) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليسَ حينَ نَزوٍ ولا فرارٍ .
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: ليسَ حينَ مَغاثٍ(٦).
(١) تفسير الثورى ص ٢٥٦ .
(٢) فى النسخ: ((عطية)). وقد تقدم مرارا.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٦٠، والحاكم ٤٣٢/٢، ٤٣٣ من طريق إسرائيل به .
(٤) سقط من: ص، م.
(٥) أخرجه الطيالسى - كما فى تفسير ابن كثير ٤٤/٧ - من طريق أبى إسحاق به . وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسيره ١٦٠/٢ من طريق أبى إسحاق عن رجل من بني تميم أنه سأل ابن عباس ... ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤٠/٢ من طريق أبى صالح به بلفظ ((فرار)). وذكره
ابن كثير في تفسيره ٤٤/٧ عن على بن أبي طلحة به .

١٤
سورة ص : الآية ٣
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليسَ هذا بحينٍ فرارٍ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ
مَنَاصٍ﴾. قال: نادَى القومُ على غيرِ حينِ نداءٍ، وأرادُوا التوبةَ حينَ عايَنوا عذابَ
اللَّهِ ، فلم يُقبلْ منهم ذلك(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قوله: ﴿ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: حينَ نزَل بهم العذابُ لم يستطيعوا
الرجوعَ إلى التوبةِ ، ولا فرارًا من العذابِ .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ فَنَادَواْ وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: وليس حينَ فرارٍ(٣).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَاتَ
حِينَ مَنَاصٍ ﴾ : ولاتَ حینَ مَنْجی ینجُون منه .
ونُصِب ﴿ حِينَ﴾ فى قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ تشبيهًا لـ ((لات)) بـ
((ليس))، وأَضمِر فيها اسمُ الفاعلِ .
وحكَى بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ الرفعَ مع ((لاتَ)) فى ((حينُ))، زُعِم أن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٦٠/٢ عن معمر، عن قتادة إلى قوله: ((حين نداء)). وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلی عبد بن حميد .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٤٤.

١٥
سورة ص : الآية ٣
بعضَهم رفَع: ( وَلَاتَ حِينُ مَناصٍ) فجعَله فى قولِه مثلَ(١) ((ليس))، كأنه قال:
ليس. وأضمَر الخبرَ. قال: [٧٠١/٢ظ] وفى الشعرِ (١):
١٢٢/٢٣
فأجَبنا أن ليسَ حينَ بقاءٍ
/ طلَبوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ
فجرَّ ((أوان))، وأضمّر الحينَ، ("وأضاف٣) إلى ((أوان))؛ لأن ((لاتَ)) لا
تكونُ إلا مع الحين. قال: ولا تكونُ ((لات)) إلا مع ((حين))(٤).
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ(٥): من العربِ مَن يضيفُ ((لاتَ)) فيخفضُ بها،
وذكر أنه أُنْشِد :
* لاتَ ساعةٍ مَندَمٍ »
بخفضِ الساعةِ ، قال: والكلامُ أن يُنصبَ بها؛ لأنها فى معنى ((ليس)).
وذكر أنه أُنْشِد :
وأضحى الشیبُ قد قطع القرینا
تَذَكَّرَ حبَّ لیلی لاتَ حینا
قال : وأُنشَدنی بعضُهم :
فَأَجَبنا أن ليسَ حينَ بقاءٍ
طلَبوا صُلْحَنا ولات أوانٍ
بخفضِ ((أوان)). قال: وتكونُ ((لات)) مع الأوقاتِ كلِّها .
واختلفوا فى وجهِ الوقفِ على قولِهِ ﴾ ﴿ وَلَاتَ حِينَ﴾؛ فقال بعضُ أهلِ
(١) سقط من: ص، م، ت ١.
(٢) البيت لأبى زبيد الطائى، وهو فى شعره ص ٣٠.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١.
(٤) ينظر الكتاب لسيبويه ٥٨/١ - ٦٠، والبحر المحيط ٣٨٣/٧، ٣٨٤.
(٥) هو الفراء، ينظر معانى القرآن ٣٩٧/٢.
(٦) فى م، ت ١: ((قراءة)).

١٦
سورة ص : الآية ٣
العربيةِ: الوقفُ عليه ((ولاتْ)) بالتاءِ، / ثم يُبتدَأ: حينَ مناصٍ. قالوا: وإنما هى
((لا)) التى بمعنى ((ما)) و ((إن)) فى الجحدِ، وُصِلَت بالتاءِ، كما وُصِلت ((ثُمَّ)) بها،
فقيل: ((ثُمَّت))، وكما وُصِلَت ((ربَّ))، فقيل: ((رُبَّت)).
وقال آخرون منهم: بل هى هاءٌ زيدت فى ((لا))، فالوقفُ عليها ((لاه))؛ لأنها
هاء زيدت للوقف، كما زيدَت فى قولهم (١) :
العاطِفُونَةَ حِينَ ما مِنْ عاطِفٍ والمُطْعِمُونَةَ حِينَ أَيْنَ المُطِعِمُ
فإذا وُصِلت صارت تاءً.
وقال بعضُهم: الوقفُ على (( لا))، والابتداءُ بعدَها ((تحينَ))، وزعَم أن حكمَ
التاءِ أن تكونَ فى ابتداءِ ((حينَ))، و((أوانَ))، و ((الآنَ))؛ ويَسْتَشْهِدُ لقيلِه ذلك
بقولِ الشاعرٍ (٢):
نَوِّلِى قبلَ يومٍ سَبْي مجمانًا وصِلِينا كما زعَمْتِ تَلانا
وأنه ليس هلهنا ((لا))، فيُوصَلَ بها هاءٌ أو تاءٌ. ويقولُ: إِن قوله: ﴿لَاتَ
حِينَ﴾، إنما هى ليس ((حينَ))، ولم توجَدْ ((لاتَ)) فى شىءٍ مِن الكلامِ(١).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا، أن ((لا)) حرفُ جحدٍ كـ ((ما)) وإن
وُصِلت بهاءٍ تصيرُ فى الوصلِ تاءً، كما فعَلتِ العربُ ذلك بالأدواتِ ، ولم تستعملْ
ذلك(٤) للعلةِ التى اعتلَّ بها القائلُ أنه لم يجدْ ((لاتَ)) فى شىءٍ من كلامِ العربِ،
(١) البيت لأبى وجزة، وهو مركب من مصراعى بيتين. وهو فى اللسان (ل ی ت، ح ی ن)، وخزانة الأدب
٤/ ٠١٧٥
(٢) البيت لعمرو بن أحمر الباهلى. وهو فى اللسان (ح ی ن)، وخزانة الأدب ٤/ ١٧٩.
(٣) ينظر القرطبى ١٤٦/١٥ - ١٤٩.
(٤) بعده فى م: (( كذلك مع لا المدة إلا للأوقات دون غيرها، ولا وجه))، وبعده فى ت ٢، ت ٣: ( كذلك
مع (( لا )) الأوقات دون غيرها ولا وجه)).
١٢٣/٢٣

١٧
سورة ص : الآيات ٣ - ٥
فيجوزَ توجيهُ قولِه: ﴿ وَلَاتَ حِينَ﴾ إلى ذلك ؛ لأنها تستعملُ الكلمةً فى موضعٍ ، ثم
تستعمِلُها فى موضع آخرَ بخلافٍ ذلك ، وليس ذلك بأبعدَ فى القياسِ من الصحةِ من
قولهم : رأيتُ . بالهمزِ، ثم قالوا: فأنا أراه . بتركِ الهمزِ؛ لما جرَى به استعمالُهم،
وما أشبه ذلك من الحروفِ التى تأتى فى موضعٍ على صورةٍ ، ثم تأتى بخلافٍ ذلك
فى موضعٍ آخرَ ؛ للجارى من / استعمالِ العربِ ذلك بينها . وأما ما استشهد به من
قول الشاعرِ: ((كما زعَمتِ تَلانا)). فإن ذلك منه غلطٌ فى تأويل الكلمةِ، وإنما أراد
الشاعرُ بقولِه: ((وصِلِينا كما زعَمْتِ تَلانا)): وصِلينا كما زعَمتِ أنتِ الآنَ،
فأسقَط الهمزةَ من ((أنتِ))، فَلَقِيتِ التاءُ من ((زعمتٍ)) النونَ من ((أنت))، وهى
ساكنةٌ، فسقطَت من اللفظِ، وبقِيَتِ التاءُ من ((أنت))، ثم حُذِفت الهمزةُ من
((الآنَ))، فصارَت الكلمةُ فى اللفظِ كهيئةِ ((تلانَ))، والتاءُ الثانيةُ على الحقيقةِ
منفصلةٌ من ((الآنَ))؛ لأنها تاءُ (( أنتِ))، وأما زعمُه أنه رأَى فى المصحفِ الذى يقالُ
له: ((الإمامُ)). التاءَ متصلةً بـ ﴿حِينَ﴾(١)، فإن الذى جاءت به مصاحفُ المسلمين
فى أمصارِها، هو الحجةُ على أهلِ الإسلامِ، والتاءُ فى جميعِها منفصلةٌ عن
﴿حِينَ﴾؛ فلذلك اخترنا أن يكونَ الوقفُ على الهاءِ فى قوله: ﴿ وَلَاتَ حِينَ﴾ .
١٢٤/٢٣
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعِبُوْ أَنْ جََّهُمْ مُنْذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا
أَجَعَلَ اَلْأَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ
سَحِرُ كَذَابٌ
يقولُ تعالى ذكرُه: وعجِب هؤلاء المشركون من قريشٍ، أَنْ جاءهم منذرٌ
يُنذرُهم بأسَ اللَّهِ على كفرِهم به من أنفسِهم ، ولم يأتِهم بملَكِ من السماءِ بذلك،
﴿ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابٌ﴾. يقولُ: وقال المنكِرون وحدانيةَ اللَّهِ: هذا -
يعنون محمدًاً عَ لَه - ساحرٌ كذابٌ.
(١) هذا الزعم لأبى عبيد كما فى تفسير القرطبى ١٤٨/١٥ .
( تفسير الطبرى ٢/٢٠ )

١٨
سورة ص : الآيتان ٤ ،٥
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَعَبُوْ أَنْ جَآءَهُمْ مُنْذِرٌ
◌ٌ﴾: يعنى محمدًاً عَظ له، فـ﴿ قَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (١).
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قوله: ﴿سَحِرٌ
كَذَّابٌ﴾. يعنى محمدًا عَِّ .
وقولُه: ﴿ أَجَعَلَ الْأَلِمَةَ إَِهَا وَجِدًّا﴾ . يقولُ: وقال هؤلاء الكافرون الذين
قالوا : محمدٌ ساحرٌ كذابٌ: أجعَل محمدٌ المعبوداتِ كلَّها معبودًا(٢) واحدًا، يسمَغُ
دعاءَ جميعِنا، ويعلمُ عبادةَ كلٌّ عابدٍ عبَدَه منا؟! ﴿ إِنَّ هَذَا لَشَىْء عُجَابٌ﴾. أى: إن
هذا لشىءٌ عجيبٌ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ
إِلَهَا وَحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ﴾. قال: عجِب المشركون أن دُعُوا إلى اللَّهِ
وحدَه، وقالوا: يسمعُ لحاجاتِنا جميعًا إلهٌ واحدٌ؟! ما سمِعنا بهذا فى الملةٍ
الآخرة .
وكان سببَ قيلِ هؤلاء المشركين ما أخبر اللَّهُ عنهم أنهم قالوه من ذلك ، أن
رسولَ اللَّهِ مَّه قال لهم: «أسألُكم أنْ تُجيبونى إلى واحدةٍ تَدينُ لكم بها العربُ،
١٢٥/٢٣ وتُعطيكم بها / الخَرَاجَ العَجَمُ)). فقالوا: وما هى؟ فقال: ((تقولون: لا إله إلا
اللَّهُ)). فعندَ ذلك قالوا: ﴿ أَجَعَلَ اَلْأَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًا﴾؟! تعجبًا منهم من ذلك.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد مطولا.
(٢) سقط من: م.

١٩
سورة ص : الآيتان ٤، ٥
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيع، قالا: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا الأعمشُ ، قال : ثنا
عبّادٌ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما مرِض أبو طالبٍ دخَل عليه رهطٌ
من قريشٍ فيهم أبو جهلٍ بنُ هشامٍ ، فقالوا: إن ابنَ أخيك يشتُمُ آلهتنا، ويفعلُ
ويفعلُ، ويقولُ ويقولُ، فلو بعَثْتَ إليه فنهيتَه. فبعث إليه، فجاء النبيُّ عَّهِ، فدخَل
البيتَ ، وبينَهم وبينَ أبى طالبٍ قدرُ مجلسٍ رجلٍ. قال : فخشِى أبو جهلٍ إِن جَس
إلى جنبٍ أبى طالبٍ أن يكونَ أرقَّ له عليه، فوثَب فجلَس فى ذلك المجلسِ، ولم
يجِدْ رسولُ اللّهِ عَ لِ مجلسًا قربَ عمِّه، فجلَس عندَ البابِ ، فقال له أبو طالبٍ: أى
ابنّ أخى، ما بالُ قومِك يشكُونك؟ يزعمون أنك تشتُمُ آلهتهم ، وتقولُ وتقولُ !
قال: فأكثَروا عليه القولَ. وتكلّم رسولُ اللَّهِ وَظَّهِ، فقال: (( يا عَمِّ إنى أريدُهم على
كلمةٍ واحدةٍ يقولونها، تَدينُ لهم بها العربُ، وتؤدِّى إليهم بها العَجَمُ الجِزِيةَ)).
ففزِعوا لكلمتِه ولقولِه ، فقال القومُ: كلمةٌ واحدةً؟! نعم وأبيك عشرًا. فقالوا: وما هى؟
فقال أبو طالبٍ: وأىُّ كلمةٍ هى يا بنَ أخى؟ قال: ((لا إله إلا اللَّهُ)) . قال: فقاموا فزِعين
ينفُضُون ثيابَهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عُجَابٌ﴾! قال:
ونزَلَت من هذا الموضعِ إلى قوله: ﴿لَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ ﴾. اللفظُ لأبى كُرِيبٍ(١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشام، عن سفيانَ ، "عن الأعمش"،
عن يحيى بنِ عُمارةَ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : مرِض أبو طالبٍ ، فأتاه
رسولُ اللَّهِ عَظَهْلِ يعودُه، وهم حولَه جلوسٌ، وعندَ رأسِه مكانٌ فارعٌ، فقام أبو جهلٍ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٦/٧ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٩/١٤، وأحمد ٣٩٣/٥، ٣٩٤
(٣٤١٩)، والنسائى (١١٤٣٧ - كبرى)، والضياء فى المختارة (٤١٦، ٤١٧) من طريق أبى أسامة به .
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت من الطرق قبله وبعده. وينظر تهذيب الكمال ٤٧٥/٣١، ٤٧٦.

٢٠
سورة ص : الآيتان ٥،٤
فجلَس فيه، فقال أبو طالب: يا بنَ أخى، ما لقومِك يشكُونك؟ قال: (( يا عَمِّ،
أريدُهم على كلمةٍ تَدِينُ لهم بها العربُ، وتؤدِّى إليهم بها العَجَمُ الجزيةَ)) . قال : ما
هى؟ قال: ((لا إلهَ إلا اللَّهُ)). فقاموا وهم يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِ الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ
إِنْ هَذَآ إِلَّا أَخِلَقُ﴾. ونزل القرآنُ: ﴿صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾: ذى الشرفِ،
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَِّ وَشِقَاقٍ﴾ حتى قوله: ﴿أَجَعَلَ الْأَلِمَةَ إِلَهَا وَجِدًّا﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن سفيانَ ، عن الأعمشِ، عن
يحيى بنِ عُمارةَ ، عن سعيد بنٍ جبيرٍ ، عن ابن عباسٍ، قال : مرض أبو طالبٍ . ثم ذكر
نحوَه ، إلا أنه لم يقلْ: ذى الشرفِ. وقال: إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عُجَابٌ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الأعمشِ، عن
يحيى بنِ عُمارةً، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، ("عن ابنِ عباس٣ٍ) قال : مرِض أبو طالبٍ.
قال: فجاء النبيُّ عَّلِ يعودُه، فكان عندَ رأسِهِ مَقعَدُ رجلٍ، فقام أبو جهلٍ فجلس
فيه، فشكَوا النبىَّ مَّهِ إلى أبى طالبٍ، وقالوا: إنه يقعُ فى آلهتنا. فقال : يا بنّ
١٢٦/٢٣ أخرى، ما تريدُ إلى هذا؟ قال: ((يا عمّ، إنما (٥) أريدُهم على كلمةٍ تَدينُ / لهم بها
العربُ، وتؤدِّى إِليهم العَجَمُ الجزيةَ)). قال: وما هى؟ قال: ((لا إلهَ إلا اللَّهُ)). فقالوا:
﴿أَجَعَلَ الْأَِّهَةَ إِلَهَا وَحِدًاْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عُجَابٌ﴾(١)!
(١) أخرجه الضياء فى المختارة (٤١٤) من طريق أبي كريب به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٥٩/٣، وأحمد ٤٥٨/٣ (٢٠٠٨)، والترمذى عقب ح (٣٢٣٢)، والنسائى
(١١٤٣٦ - كبرى)، والضياء فى المختارة (٤١٦) من طريق يحيى بن سعيد به .
(٣ - ٣) سقط من: النسخ. والمثبت من الطرق قبله ومصدر التخريج.
(٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((له)).
(٥) فى م: ((إنى)).
(٦) أخرجه أبو يعلى (٢٥٨٣)، ومن طريقه الضياء فى المختارة (٤١٥)، من طريق عبد الرحمن بن مهدی به،
وأخرجه عبد بن حميد - كما فى الدر المنثور ٢٩٥/٥، وعنه الترمذى (٣٢٣٢)، والحاكم ٢/ ٤٣٢، والواحدى فى
أسباب النزول ص ٢٧٥ من طريق سفيان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه.