النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة يس : الآية ٤٠
وَكُلُّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال: فى فَلَكِ كَفَلَكِ المِغْزَلِ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ ، قال: ثنا شعبةُ ، قال: ثنا الأعمشُ،
عن مسلم البَطِينِ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ،
قال: مَجْرَى كلِّ واحدٍ منهما - يعنى الليلَ والنهارَ - ﴿فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ :
(٢)
يَجْزُون(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلُّ فِ فَلَكٍ
يَسْبَحُونَ﴾. أى: فى فَلَكِ السماءِ يَشْبَحون(٣).
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَكُلَّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾(٤). يقولُ: دَورَانٍ، ﴿يَسْبَحُونَ﴾. يقولُ:
يَجْرُون(٥) .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكُلُّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. يعنى: كلٌّ فى فلكٍ فى
(٦)
السماواتِ
(١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٦٥٤)، وإبراهيم الحربى فى غريبه - كما فى تغليق التعليق ٢٥٨/٤ -
من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٦٧/١٦.
(٣) تقدم تخريجه فى ١٦/ ٢٦٦.
(٤) بعده فى م، ت ٢: (( دورانا)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٢٩/٢ - من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣١٨/٤ إلى ابن المنذر.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٤ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٤٤٢
سورة يس : الآيات ٤١ - ٤٤
/ القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: ﴿ وَمَيَّةٌ لَُّمْ أَنَا حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ(١) فِ الْفُلْكِ
وَإِن ◌َّشَأْ تُغْرِقْهُمْ فَلَ صَرِخَ لَمْ وَلَا
٤
وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ، مَا يَكَبُونَ
٤١
الْمَشْخُونِ
٤٤
إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَنَعًا إِلَى حِينٍ
هُمْ يُقَذُونٌ
[١١١/٣٦ظ] قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُّه: ودليلٌ لهم أيضًا ،
وعلامةٌ على قُدْرتِنا على كلِّ ما نشاءُ، ﴿حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. يعنى: مَن نَجًا مِن ولدِ
آدمَ فى سفينة نوح ، وإِيَّها عنَى جلَّ ثناؤُه بالفُلْكِ المشحونِ ، والفلكُ: هى السفينةُ،
والمشحونُ : المملوءُ المُوقَرْ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيََّهُمْ فِىِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. يقولُ: الممتلئُ(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِىِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. يعنى: المُثَقَّلِ(١).
حدَّثْنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ ، قال : ثنا محمدُ بنُ الصلتِ ، قال ثنا أبو كُدَينةً،
عن عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿اٌلْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: المُوقَرِ(٤).
حدَّثْنا عِمرانُ بنُّ موسى، قال : ثنا عبدُ الوارثِ ، قال : أخبرنا يونسُ، عن
(١) هنا وفيما سيأتى فى الأصل: ((ذرياتهم)). وهى قراءة نافع وابن عامر. وقرأ الباقون؛ وهم ابن كثير وأبو
عمرو وعاصم وحمزة والكسائى ﴿ذريتهم﴾ على التوحيد. ينظر حجة القراءات ص ٥٩٩، ٦٠٠.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٣٩/٢ - من طريق أبى صالح به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٥ إلى المصنف.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٥٦٥.
٩/٢٣

٤٤٣
سورة يس : الآيتان ٤١، ٤٢
الحسنِ فى قولِه: ﴿الْمَشْحُونِ﴾. قال : المحمولِ .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ أَنَّا حَلْنَا ذُرِيَّتَهُمْ فِىِ الْفُلَكِ الْمَشْحُونِ ﴾. يعنى سفينةَ
نوحٍ عليه السلامُ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَءَايَّةٌ لَهُمْ أَنَّاً
حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴾: المُوقَرِ، يعنى سفينةَ نوحٍ .
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال [١١٢/٣٦ و]: قال ابنُ زيدٍ فى قوله:
﴿ اَلْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: الفلكُ المشحونُ: المَرَكَبُ الذى كان فيه نوعٌ،
والذرّيةُ: التى كانت فى ذلك المَرْكَبِ ، قال: والمشحونُ: الذى قد شُحِن ، الذى
قد جعل فيه ليَرْكَبَه أهلُه، جعَلوا فيه ما يُريدون ، فرَّما امتَلأ، وربما لم يَمْتَلِئُ .
حدَّثنا الفضلُ بنُ الصّاح، قال : ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ
جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَتَدْرون ما الفُلْكُ المشحونُ؟ قلنا: لا . قال: هو
. (٢)
المُوقَُّ(٢) .
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلىُ، قال: ثنا مَرْوانُ (١) ، عن مُوَييرٍ، عن
الضحاكِ فى قولِه: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: المُوقَرِ.
/وقولُه: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَرَّكَبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وخلَقْنا ١٠/٢٣
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٦٥/٦ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٩١/٨ من طريق ابن فضيل به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٥
إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر. ونقله الحافظ فى تغليق التعليق ٢٩٢/٤ عن المصنف وقال: هذا إسناد حسن
وتقدم تخريجه ٦٠٥/١٧.
(٣) فى م: ((هارون)). وينظر تهذيب الكمال ٤٠٣/٢٧.

٤٤٤
سورة يس : الآية ٤٢
لهؤلاء المشركين المُكَذِّبيك يا محمدُ ، تَفَضُّلاً منا عليهم، مِن مثلِ ذلك الفُلْكِ
الذی کنا حملْنا مِن ذرية آدمَ من حملنا فیه ، الذی یؤْگبونه مِن المراکبِ .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى الذى عُنِى بقولِه: ﴿ مَا يَرَّكَبُونَ﴾؛ فقال بعضُهم:
هی السفنُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّاح، قال: ثنا محمدُ بنُّ فُضَيلٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ
جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: أتَدْرُون ما: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَزْكَبُونَ﴾؟ قلنا:
لا . قال: هى السفنُ، مجُعِلت لهمُ مِن بعدِ سفينة نوح على مِثْلِها (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ(١)، قال: ثنا سفيانُ، عن الشّدِّىِّ، عن
أبى مالكٍ: ﴿ وَخَلَقْنَا [١١٢/٣٦ ظ] لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَّكَبُونَ﴾. قال: السفنَ الصغارَ(٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن الشُّدِّىِّ، عن أبى مالكٍ
فى قوله: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِثْلِهِ، مَا يَّكَبُونَ﴾. قال: السفنَ الصغارَ، أَلَا تَرَى أنه
قال: ﴿وَإِ نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَ صَرِيخَ لَمُمْ﴾؟
حدَّثنا ابنُّ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن منصورِ بنِ
زاذانَ، عن الحسنِ فى هذه الآيةِ: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ، مَا يَرَّكَبُونَ﴾. قال: السفنَ
(٥)
الصغار(٥).
(١) سقط من: م، ت ٢.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٦٦/٦ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) بعده فى م: (( قال ثنا يحيى)).
(٤) ينظر تفسير القرطبى ١٥/ ٣٥، وتفسير ابن كثير ٦/ ٥٦٦.
(٥) ينظر تفسير القرطبى ٣٥/١٥.

٤٤٥
سورة يس: الآية ٤٢
حدَّثنا حاتمُ بنُ بكرِ الضَّبِّىّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، عن شعبةً، عن
إسماعيلَ، عن أبى صالح: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَرَّكَبُونَ﴾. قال: السفنَ
(١)
الصغارَ(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ ، يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال:
سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ، مَا يَرَّكَبُونَ﴾. يعنى: السفنَ
التى أُتُّخِذَت بعدَها ، يعنى بعدَ سفينة نوحٍ (١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ،
مَا يَكَبُونَ﴾. قال: هى السفنُ التى يُنتفعُ بها(١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَخَلَقْنَا
لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَكَبُونَ﴾. قال: وهى هذه القُلُوكُ(٤) .
حدَّثنی یونسُ ، قال : ثنا محمدُ بنُ عُبیدٍ ، عن إسماعيلَ بنِ أُبی خالدٍ ، عن أبى
صالح فى قوله: ﴿وَخَلَفْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ، مَا يَرْكَبُونَ﴾. قال: نعم مِن مِثْلِ سفينةٍ
(٥)
نوحٍ () .
وقال آخرون : بل عنى بذلك الإبلَ .
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٦ / ٥٦٦.
(٢) ينظر تفسير القرطبى ١٥/ ٣٥، وتفسير ابن كثير ٥٦٦/٦ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) كذا فى الأصل، ت ١، ت ٢. وفى م: ((الفلك)). ولفظة الفلك تطلق على المفرد والجمع والمذكر
والمؤنث. وذكر سيبويه أنها تجمع على ((أفلاك)). ولم نجد فيما بين أيدينا من مراجع أنها تجمع على ((فلوك)).
ينظر اللسان وتاج العروس ( ف ل ك)، وليس فى كلام العرب لابن خالويه ص ٢٦٨، ٢٦٩.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٤٤٦
سورة يس : الآية ٤٢
ذكرُ مَن قال ذلك
١١/٢٣
[١١٣/٣٦و] حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال:
ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ / قوله: ﴿وَخَفْنَا لَهُم مِّن مِثْلِ مَا يَرْكَبُونَ﴾.
يعنى: الإبلَ خَلَقها اللهُ كما رأيتَ: فهى سفنُ البَرّ، يَحْمِلون عليها ويَرْكَبونها (١).
حدَّثنا نِصرُ بنُ علىٍّ، قال: ثنا غُنْدَرّ، عن عثمانَ بنِ غِياثٍ، عن عكرمةَ:
﴿ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ مَا يَكَبُونَ﴾. قال: الإبلَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشّدِّىِّ، قال:
قال عبدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَّكَبُونَ﴾ هى الإبلُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ، مَا يَكَبُونَ﴾. قال: من الأنعامِ(٣) .
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال : قال الحسنُ : هى
و (٤)
الإبلُ(٤) .
وأشبهُ القولَين بتأويل ذلك قولُ مَن قال: عُنِى بذلك السفنُ. وذلك لدلالةِ
قوله: ﴿ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَ صَرِيخَ لَمْ﴾. على أن ذلك كذلك، وذلك أن الغَرَقَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥ / ٢٦٤، ٢٦٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن
أبى حاتم .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٦٠، ومن طريقه الفريابى فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٢٩١/٤ - وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٤/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٤٤٧
سورة يس: الآيات ٤٢ - ٤٦
معلومٌ أنه لا يكونُ إلا فى الماءِ، ولا غَرَقَ فى البرّ.
وقولُه: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَ صَرِيخَ لَمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن نَشَأْ
نُغْرِقْ هؤلاء المشركين إذا ركبوا القُلْكَ فى البحرِ، ﴿فَلَ صَرِيحَ لَهُمْ﴾ . يقولُ : فلا
مُغِيثَ لهم إذا نحن غَرَّقْناهم يُغِيثُهم فيُنَجِّيهم مِن الغرقِ .
كما حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِن نَّشَأْ
تُغْرِقَهُمْ فَلاَ [١١٣/٣٦ ] صَرِيخَ لَمْ﴾. أى: فلا مُغِيثَ لهم(١).
وقولُه: ﴿ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونٌ﴾. يقولُ: ولا هو يُنْقِذُهم مِن الغَرَقِ شىءٌ إن نحن
أغرَقْناهم فى البحرِ ، إلا أن نُنْقِذَهم نحن رحمةً مِنَّ لهم، فتُتَجِّيَهم منه .
وقولُه: ﴿وَمَنَعًا إِلَى حِينٍ﴾. يقولُ: ولِنُمَنِّعَهم إلى أجلِ هم بالغوه . فكأنه
قال: ولا هم يُنْقَذون، إلا أن نَرْحَمَهم فتُمَتِّعَهم إلى أجلٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ .
أى : إلى الموتِ(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزّ وجلّ: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا
وَمَا تَأْتِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا
خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْجَمُونَ
٤٦
مُعْرِضِينَ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٤/٢ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٤٤٨
سورة يس : الآية ٤٥
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء المشركين باللهِ ،
المُكذِّبين رسولَه محمدًا عَّهِ: / اخذَروا ما مضى بين أيديكم مِن نِقَمِ اللهِ ومَثُلاتِه
بَن حلَّ ذلك(١) به مِن الأمم قبلكم، أن يَحِلَّ مثلُه بكم، بشِرککم وتكذبیکم
رسولَه، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾. يقولُ: وما بعدَ هَلاكِكم، مما أنتم لاقُوه إن هَلَكتُم على
كفرٍ كم الذى أنتم عليه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْهُمُونَ﴾. يقولُ: [١١٤/٣٦ و] ليَرْ حَمَكم ربُّكم إن
أنتم حذِرُم ذلك، واتَّقيتُموه بالتوبةِ مِن شِرْكِكم، والإيمانِ به، ولُزُوم طاعتِه فيما
أوجب عليكم مِن فرائضِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ
أَتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: وقائعَ اللهِ فيمَن خَلا قبلَهم مِن الأمم، وما خلفَهم مِن أمرٍ
(٢)
الساعةِ(٢) .
وكان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمِ،
قال : ثناعيسى، وحدَّثنى الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ
أبى نَجِيحِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾(١). قال: ما مضَى مِن ذنوبِهم،
(٦) ٤)
(٤
﴿وَمَا خلفگت ﴾() . قال: ذنوبھم .
(١) سقط من: الأصل، ت ١.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٤/٢ عن معمر عن قتادة به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥
إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) فى الأصل، ت ١، ت ٢: (( أيديهم )).
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) فى الأصل، ت ١، ت ٢: ((خلفهم)).
(٦) تفسير مجاهد ص ٥٦٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
١٢/٢٣

٤٤٩
سورة يس : الآيات ٤٥ - ٤٧
وهذا القولُ قريبُ المعنى مِن القولِ الذى قلنا؛ لأن معناه: اتَّقُوا عقوبةً ما بينَ
أيديكم مِن ذنوبِكم، وما خلفَكم مما تَعْمَلون مِن الذنوبِ ولم تَعْمَلوه بعدُ ، فذلك
بعدَ تخويفٍ لهم العقابَ على كفرهم .
وقولُه: ﴿ وَمَا تَأْتِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِنْ ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. يقولُ
تعالى ذكره : وما تَجِىءُ هؤلاء المشركين من قريشٍ آيةٌ . يعنى حجةً مِن حجج اللهِ ،
وعلامةٌ مِن علاماتِه على حقيقةٍ توحيدِه، وتَصْديقِ رسولِه، ﴿إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا
مُعْرِضِينَ﴾: لا يتفكرون فيها، [١٤/٣٦ ١ظ] ولا يَتَدَبَّرونها، فيَعْمَلوا بها، ما احتجّ
اللهُ عليهم بها .
فإن قال قائلٌ: وأين جوابُ قولِه: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا
خَلْفَكُمْ﴾؟ قيل: جوابُه وجوابُ قولِهِ: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ﴾
قولُه: ﴿ إِلَّا كَانُوْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾؛ لأن الإعراضَ منهم كان عن كلِّ آيةٍ للهِ،
فاكْتُفِى بالجوابِ عن قولِه: ﴿ أَتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيَكُمْ﴾، وعن قوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ
ءَايَةٍ﴾. بالخبرِ عن إعراضِهم عنها لذلك؛ لأن معنى الكلام: وإذا قيل لهم: اتَّقوا
ما بينَ أيديكم وما خلفَكم أعرَضوا، وإذا أَتَتْهم آيةٌ أعرَضوا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزّ وجلّ: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْطْعِمُ مَن لَّوْ بَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ فِي ضَلَلٍ
مُبِينٍ
(٤٧
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ : يقولُ تعالى ذكره : وإذا قيل لهؤلاء المشركين بالله :
أنفقوا مِن رزقِ اللهِ الذی رزَقکم ، فأدُّوا منه ما فرض اللهُ علیکم فیه لأهلِ حاجتِکم
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((فيعلموا)).
( تفسير الطبرى ٢٩/١٩ )

٤٥٠
سورة يس : الآيات ٤٧ - ٥٠
ومَسْكَنَتِكم. قال الذين أنكروا وحدانيةَ اللهِ وعبَدوا مَن دونَه، للذين آمنوا باللهِ
ورسوله: أَنُطْعِمُ أموالَنا [١٥/٣٦ ١و] وطعامَنا مَن لو يشاءُ اللهُ أَطْعَمه؟!
١٣/٢٣
وفى قوله: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ وجهان؛ أحدُهما ، أن يكونَ مِن
قيلِ الكفارِ للمؤمنين/، فيكونَ تأويلُ الكلام حينئذٍ : ما أنتم أيُّها القومُ فى قيلِكم لنا :
أنفقوا مما رزَقكم اللهُ على مساكينِكم إلا فى ذَهابٍ عن الحقِّ، وجَوْرٍ عن الرُّشْدِ،
مُبِينٍ لَمَنْ تَأْمَّلَه وتَدَبرَه أنه فى ضلالٍ . وهذا أولى وجهَيه بتأويلِه .
والوجهُ الآخرُ، أن يكونَ ذلك مِن قيلِ اللهِ للمشركين، فيكونَ تأويلُه حينئذٍ :
ما أنتم أيُّها الكافرون فى قيلِكم للمؤمنين: أَنُطْعِمُ مَن لو يشاءُ اللهُ أطعَمه . إلا فى
ضلالٍ مبينٍ، عن أن قيلَكم ذلك لهم ضلالٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُمْ
صَدِقِينَ
٤٨
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره: ويقولُ هؤلاء المشركون
المُكذِّبون وعيدَ اللهِ ، والبعثَ بعدَ المماتِ، يَسْتَعْجِلون ربَّهم بالعذابِ: ﴿ مَتَى هَذَا
اٌلْوَعْدُ﴾. أى: الوعدُ بقيامِ الساعةِ: ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ أيُّها القومُ، وهذا
قولُهم لأهل الإيمان بالله ورسوله .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: [١١٥/٣٦ ظ] ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ
وَهُمْ يَخِصِمُونَ ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةٌ وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ
٥٠
قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ : يقولُ تعالى ذكرُه: ما يَنْتَظِرُ هؤلاء المشركون الذين
يَسْتعجلون بوعيدِ اللهِ إِيَّهم إلا صيحةً واحدةً تأخُذُهم. وذلك نفخةُ الفَزَعِ عندَ قيامِ
الساعةِ .
.

٤٥١
سورة يس : الآية ٤٩
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ (١وجاءت الآثارُ(١) .
ذكرُ مَن قال ذلك، وما فيه مِن الأثر
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى عَدِىٌّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ ، قالا: ثنا عوفُ بنُ
أبى جميلةَ ، عن أبى المغيرةِ القوَّاسِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: لَيْفَخَنَّ فى الصورِ
والناسُ فى طُرُقِهِم وأسواقِهم ومجالسِهم، حتى إن الثوبَ لَيَكونُ بينَ الرجلَين
يَتَساوَمان، فما يُؤْسِلُه أحدُهما مِن يدِه حتى يُنْفَخَ فى الصورِ، وحتى إن الرجلَ
لِيَغْدُو مِن بيتِه، فما يَرْجِعُ " إلى بيتِه حتى يُنْفَخَ فى الصُّورِ، وهى التى قال اللهُ:
فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
٤٩
﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخْصِمُونَ
تَوْصِيَةٌ﴾ الآية(٣) .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ [١١٦/٣٦و]، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً:
﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِمُونَ﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ عَلَّم
كان يقولُ: ((تَهِيجُ الساعةُ بالناسِ؛ والرجلُ يَشْقِى ماشيته، والرجلُ يُصْلِحُ
حوضَه ، والرجلُ يُقِيمُ سِلْعتَه فى سوقِه ، والرجلُ يَخْفِضُ مِيزَانَه ويَرْفَعُه ، وتَهِيجُ بهم
وهم كذلك، فلا يَشْتطيعون تَوْصِيةً ولا إلى أَهْلِهم يَرْجِعون)) (٤).
/ حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ١٤/٢٣
﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً﴾. قال: النفخةُ نفخةٌ واحدةٌ .
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربىُّ، عن إسماعيلَ
(١ - ١) سقط من: الأصل، ت١.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ٢.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم.

٤٥٢
سورة يس : الآية ٤٩
ابنِ رافعٍ، عمَّن ذكره، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظِيِّ، عن أبى هريرةَ ، قال: قال
رسولُ اللهِ عَّهِ: ((إن اللهَ لَّ فَرَغْ مِن خَلْقِ السماواتِ والأرضِ، خلَق الصُّورَ
فأعْطاه إسرافيلَ، فهو واضِعُه على فِيهِ، شاخِصٌ ببصرِه إلى العرشِ، يَنْتَظِرُ متى
يُؤْمَرُ)). قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، وما الصورُ؟ قال: ((قَوْنٌ)). قال: وكيف
هو؟ قال: ((قَوْنٌ عظيمٌ يُنْفَخُ فيه ثلاثُ نَفَخاتٍ؛ الأُولَى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانيةُ
نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثالثةُ نَفْخَةُ القيامِ لرِبِّ العَالَمين، يأمُرُ اللهُ إسرافيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولَى ،
فيقولُ : انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَع. فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأرضِ إلَّا مَن شاءَ اللهُ،
ويأمُرُه اللهُ فَيَدِيُها ويُطَوِّلُها، فلا يَفْتُرُ، وهى التى يقولُ اللهُ: ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا
صَيْحَةٌ وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]، ثم يأمُرُ اللهُ [١١٦/٣٦ ظ] إسرافيلَ بنَفْخَةِ
الصَّعْقِ، فيقولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ. فَيَصْعَقُ أهلُ السماواتِ وَ(١)الأرضِ إلا مَن
شاءَ اللهُ، فإذا هم خامِدُون ثم يُمِيتُ مَن بَقِىَ، فإذا لم يَبْقَ إلا اللهُ الواحدُ الصَّمَدُ،
بَدَّل الأرضَ غيرَ الأرضِ والسماواتِ، فَيَبْسُطُها ويَسْطَحُها، ويَمُدُّها مَدَّ الأَدِيم
العُكَاظِيِّ، لا تَرَى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا، ثم يَزْجُرُ اللهُ الخَلْقَ زَجْرَةً، فإِذا هُمْ فى هذه
الْبَدَّلَةِ فى مِثْلِ مواضعِهِم مِن الأَولَى ، ما كان فى بَطْنِها كان فى بَطْنِها ، وما كان
على ظَهْرِها كان على ظهْرِها))(٢).
واختلفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ ؛ فَقَرأ ذلك بعضُ قرأةٍ
المدينةِ: (وهم يَخْصِّمُون ) بسكونِ ((الخاءِ)) وتشديدِ الصادِ، فجمَع بينَ
الساكنين، بمعنى: يَخْتَصِمون، ثم أدغَم التاءَ فى الصادِ ، فجعَلها صادًا مشددةً ،
وترَكَ الخاءَ على سكونِها فى الأصلِ.
(١) بعده فى الأصل، ت ١: ((أهل)).
(٢) جزء من حديث طويل تقدم تخريجه فى ٦١١/٣ - ٦١٣.

٤٥٣
سورة يس : الآيتان ٤٩ ، ٥٠
وقرَأَ ذلك بعضُ المكيِّين والبصريِّين: ( وهم يَخَصِّمونَ ). بفتح الخاءِ وتشديد
الصادِ، بمعنى: يَخْتَصِمون، غيرَ أنهم نقَلوا حركةَ التاءِ ، وهى الفتحةُ التى فى
((يَفتَعِلون)) إلى الخاءِ منها، فحَرَّكوها بتَحْرِيكِها، وأدغَموا التاءَ فى الصادِ
وشدَّدوها .
وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ يَخِصِمُونَ﴾ بكسرِ الخاءِ، وتشديدِ الصادِ ،
فكسر (١) الخاءَ بكسرٍ الصادِ، وأدغَم التاءَ فى الصادِ وشدَّدها .
وقرَأْ ذلك آخرون منهم : (يَخْصِمُونَ ) بسكونِ الخاءِ وتخفيفِ الصادِ ، بمعنى
((يَفْعِلون))، مِن الخصومةِ(١) ، وكأن معنى قارئُّ ذلك كذلك: كأنهم يتكلَّمون،
[١١٧/٣٦و] أو يكونُ معناه عندَه: كان وهم عندَ أنفسِهم يَخْصِمون مَن وعَدَهم
مجىءَ الساعةِ ، وقيامَ القيامةِ ، ويَغْلِبونه بالجَدَلِ فى ذلك .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن هذه قراءاتٌ مشهوراتٌ معروفاتٌ فى
قرأةِ الأمصارِ ، متقارباتُ المعانى ، فبأيَّتهن قرأ القارئُ فمصيبٌ .
وقولُه : ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : فلا يستطيعُ هؤلاء
المشركون عندَ النفخ / فى الصُّورِ أن يُوصُوا فى أموالِهم(١) أحدًا، ﴿ وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ
يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: ولا يستطيعُ مَن كان منهم خارجًا عن أهلِه أن يَرجِعَ إليهم ،
لأنهم لا يُمْهَلون بذلك، ولكن يُعَجَّلون بالهلاكِ.
١٥/٢٣
(١) فى م، ت ٢: ((فكسروا)) بضمير الجمع، وكذلك فى ((أدغم))، و((شددها)) الآتيين.
(٢) قرأ قالون وأبو عمرو بإخفاء حركة الخاء، والتشديد، وروى عن أبى عمرو الاختلاس، وقرأ ابن كثير
وهشام وورش (يَخَصِّمون) بفتح الخاء وتشديد الصاد . وقرأ ابن ذكوان وعاصم والكسائى: ﴿ يخَصِّمون﴾
بكسر الخاء وتشديد الصاد . وقرأ حمزة : ( يَخْصِمون ) بسكون الخاء وتخفيف الصاد . ينظر حجة القراءات
ص ٦٠٠، والكشف ٢١٧/٢، ٢١٨.
(٣) فى الأصل: ((أمرهم))، وفى ت ١: ((أمورهم)).

٤٥٤
سورة يس : الآيات ٥٠ - ٥٣
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
تَوْصِيَّةٌ﴾. أى: فيما فى أيدِيهم، ﴿ وَلَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: أَعْجِلوا
(١)
عن ذلك(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿مَا
يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً﴾ الآية. قال: هذا مبتدأُ يومِ القيامةِ. وقرأ: ﴿فَلَ
يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةٌ﴾، حتى بلَغ: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}
القولُ فى تأويل قولِه عزّ [١١٧/٣٦ظ] وجلّ: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ
قَالُواْ يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَاْ هَذَا مَا وَعَدَ
اُلْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ یَنِلُون
إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ
٥٢
الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
٥٣
لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ : يقول تعالی ذ کژه : ﴿ وَنُفِخَ فِی الضُّورِ﴾، وقد ذكرنا
اختلافَ المختلفين فى معنى الصُّورِ)، والصوابَ مِن القول فيه، بشواهدِه فيما
مضَى قبلُ، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضع ، ويَعْنِى بهذه النفخةِ نفخةً
البعث .
وقولُه: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ اُلْأَجْدَاثِ﴾ . يعنى: مِن أحداثِهم. وهى قبورُهم،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن أبى حاتم.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) ينظر ما تقدم فى ٣٣٩/٩ وما بعدها .

٤٥٥
سورة يس : الآية ٥١
واحدُها جَدَثٌ، وفيها لغتان ؛ فأما أهلُ العاليةِ فتقولُه بالثاءِ: جَدثٌ ، وأما أهلُ
السافلةِ فتقولُه بالفاءِ: جَدَفٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. يقولُ: مِن القبورِ(١).
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ
اُلْأَحْدَاثِ﴾. أى: مِن القبورِ(١).
وقولُه: ﴿ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. يقولُ: إلى ربِّهم يَخْرُجون سِراعًا .
والنَّسَلانُ: الإسرائُ فى المَشْي .
وبنحوِ الذى قلنا فى [١١٨/٣٦ و] ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿ يَنْسِلُونَ﴾. يقول: يخرجون(٣).
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ
١٦/٢٣
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٣٩/٢ - من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى ابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٢٩٢/٤ - من طريق أبى صالح به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى ابن المنذر.

٤٥٦
سورة يس : الآيتان ٥٢،٥١
يَنْسِلُونَ﴾. أى: يخرجون(١).
وقولُه: ﴿قَالُواْ يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّأْ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ
الْمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال هؤلاء المشركونَ لمّ نُفِخ فى الصورِ نفخةُ
البعثِ لموقفِ القيامةِ ، فرُدَّت أرواحُهم إلى أجسامِهم ، وذلك بعدَ نومةٍ نامُوها :
﴿ يَوَبِلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنّاً﴾. وقد قيل: إن ذلك نومةٌ بينَ النفختين.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ ، عن
منصورٍ، عن خَيْئمةً، عن الحسنِ، عن أُتَىٌّ بنِ كعبٍ فى قوله: ﴿يَوَيِلَنَا مَنْ بَعَثَنَا
مِن مَّرْ قَدِنَّأُ﴾ . قال: نامُوا نومةً قبلَ البعثِ(٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا مُؤْمَّلٌ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن رجلٍ
يقالُ له: خَيْئَمةُ. فى قوله: ﴿يَوَّيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنٌَّ﴾. قال: يَنامُون نومةً
قبلَ البعثِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: [١١٨/٣٦ ظ] ﴿قَالُواْ
يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّْ﴾: هذا قولُ أهلِ الضلالةِ. والرَّقْدةُ: ما بينَ
(٣)
النفختین
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٥ إلى عبد بن حميد.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦ / ٥٦٧.

٤٥٧
سورة يس : الآ ية ٥٢
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّأْ هَذَا﴾. قال: الكافرون يقولونه (١).
ويعنى بقولِه: ﴿ مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَاْ هَذَا﴾: مَن أَيقَظَنا مِن مَنامِنا. وهو مِن
قولهم : بَعَث فلانٌ ناقتَه فانبعَثَت. إذا أثارَها فثارَت . وقد ذُكر أن ذلك فى قراءة ابنٍ
مسعودٍ : (مَن أَهَبَّنا (٢) مِن مَرْقَدِنا هَذَا ).
وفى قولِه ﴿هَذَا﴾ وجهان؛ أحدُهما، أن تكونَ إشارةً إلى ﴿مَا﴾، ويكونَ
ذلك كلامًا مبتدأُ بعدَ تَناهى الخبرِ الأوَّلِ بقوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾، فتكونَ
﴿مَا﴾ حينئذٍ مرفوعةً بـ ﴿هَذَا﴾، ويكونَ معنى الكلامِ: هذا وعدُ الرحمنِ،
وصدَق المرسلون. والوجهُ الآخرُ: أن تكونَ مِن صفةِ ((المَرْقَدِ))، وتكونَ خفضًا،
ردًّا على ((المرقدِ))، وعندَها(١) تمامُ الخبرِ عن الأوَّلِ، فيكونَ معنى الكلامِ: مَن بعَثنا
مِن مَرْقَدِنا هذا. ثم يَبْتَدِئُ الكلامَ فيقالُ: ما وعَد الرحمنُ. بمعنى: بَعْتُكم وعدُ
الرحمنِ. فتكونَ ﴿مَا﴾ حينئذٍ رفعًا على هذا المعنى .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى الذى يقولُ حينئذٍ : ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾؛
فقال بعضُهم : يقولُ ذلك أهلُ الإِيمانِ باللهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن
(١) تفسیر مجاهد ص ٥٦٠.
(٢) بياض فى الأصل، والقراءة فى تفسير الثورى ص ٢٥٠ .
(٣) فى م: ((عند)).

٤٥٨
سورة يس : الآية ٥٢
مجاهدٍ: [١١٩/٣٦و] ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾: (ما بَيَن، المؤمنون يقولونه" ، هذا
حينَ البعثِ(٢) .
١٧/٢٣
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ هَذَا مَا
وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: قال أهلُ الهدى: هذا ما وعَد الرحمنُ
وصدَق المرسَلون(٣) .
وقال آخرون: بل كلا القولين - أعنى: ﴿يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّأْ هَذَا مَا
وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ - من قولِ الكفارِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُّ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ يَوَيَلَنَا
مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّْ﴾: ثم قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ
الْمُرْسَلُونَ﴾، كانوا أخبَرونا أنا نُبعَثُ بعدَ الموتِ، ونحاسَبُ ونُجازَى(٤).
والقولُ الأوَّلُ أشبهُ بظاهرِ التنزيلٍ، وهو أن يكونَ مِن كلامِ المؤمنين؛ لأن
الكفارَ فى قيلِهم: ﴿ مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنّا﴾. دليلٌ على أنهم كانوا بمَن بعَثهم مِن
مَرْقَدِهم جُهَّالًا؛ وذلك مِن جَهْلِهِم استثْبتوا، ومحالٌ أن يكونوا استئْبتوا ذلك إِلَّ مِن
(١ - ١) فى م: ((مما سر المؤمنون يقولون))، وفى ت ١: ((ما سر المؤمنون يقولون))، وفى ت ٢: (( مايتين
المؤمنون يقولونه))، وفى تفسير مجاهد ص٥٦١ كما فى الحاشية: ((ماسر المؤمنين يقولون)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٦٠، ٥٦١.
(٣) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الأهوال (٨٧) من طريق سعيد بمعناه . وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٤/٢
عن معمر، عن قتادة بمعناه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن
أبى حاتم .
(٤) ينظر البحر المحيط ٧/ ٣٤١.

٤٥٩
سورة یس : الآيات ٥٢ - ٥٥
غيرِهم، ممن خالفَت صفتُه صفتَهم فى ذلك .
وقولُه: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره : إن كانت إِعادتُهم أحياءٌ بعدَ تَماتِهم إلا صيحةٌ واحدةٌ، وهى
النفخةُ الثالثةُ فى الصورِ ، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: فإذا هم
و
مُجتمِعون لدينا قد أَخْضِروا، فأَشْهِدوا مَوْقفَ العرضِ والحسابِ ، لم يَتَخَلَّفْ عنه
منهم أحدٌ .
وقد بَيَّنَّا اختلافَ المختلفِين فى قراءتهم: ﴿إِلَّ صَيْحَةً﴾ [١١٩/٣٦ظ]
(١)
بالنصبِ والرفع، فيما مضى، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: ﴿ فَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ
٠٠
٥٥
إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ
٥٤٦
إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿فَالْيَوْمَ﴾. يعنى يومَ القيامةِ، ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسُ
شَيْئًا﴾، كذلك ربُّنَا لا يَظْلِمُ نفسًا شيئًا، فلا يوفِّيها جزاءَ عملها الصالحِ، ولا
يَحْمِلُ عليها وِزْرَ غيرِها ، ولكنه يُوَفِّى كلُّ نفسٍ أجرَ ما عمِلت مِن صالحٍ ، ولا يُعاقِبُها
إلا بما اجتَرَمت واكتَسَبت مِن شىءٍ، ﴿ وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
يقولُ: ولا تُكافَّئُون إلا مكافأةً أعمالِكم التى كنتم " تَعْمَلون بها" فى الدنيا .
وقولُه: ﴿ إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلِ فَكِهُونَ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ
فى معنى الشُّغُلِ الذى وصَف اللهُ جلَّ ثناؤه أصحابَ الجنةِ أنهم فيه يومَ القيامةِ ؛ فقال
بعضُهم : ذلك افتضاضُ العَذارَى .
(١) تقدم فى ص ٤٢٨.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((تعملونها)).

٤٦٠
سورة يس : الآية ٥٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ بنِ محُمَيدٍ، عن شِمْرٍ
١٨/٢٣ [١٢٠/٣٦ و] ابن عطيةَ، عن شَقِيقٍ بِنِ سَلَمةَ، / عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ فى قوله: ﴿ إِنَّ
أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾. قال: شَغَلَهم اقتضاضُ العَذارَى(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ، عن أبيه، عن أبى عمرٍو، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾. قال :
اقتضاضِ الأبكارِ().
حدَّثنَى عُبَيَدُ بنُ أسْباطِ بنِ محمدٍ ، قال: ثنا أبى، عن أبيه ، عن عكرمةً ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِىِ شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾ . قال: افتضاضٍ
(٣)
الأبکارِ .
حدَّثنى الحسنُ بنُ زُرَيْقِ الطُّهَوِىُّ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ ، عن أبيه ، عن
عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ مثلُه .
حدَّثنى الحسينُ بنُ علىِّ الصُّدَائِىُّ، قال: ثنا أبو النضرِ، عن الأُشجعىِّ، عن
وائلٍ بن داودَ ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ فى قولِه: ﴿ إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلٍ
فَكِّهُونَ﴾. قال: فى اقتضاضِ العَذارَى(٤).
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة الجنة (٢٧٦)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد الزهد - كما فى حادى الأرواح
ص١٨٢ - عن ابن حميد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة الجنة (٢٧٧) من طريق سليمان التيمى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٦٦/٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه.
(٣) أخرجه هناد فى الزهد (٨٩) عن أسباط ، عن أبيه ، عن عكرمة من قوله .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٥٦٩.