النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
سورة سبأ : الآية ٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ حَتََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، زعَم ابنُ
مسعودٍ أن الملائكةَ المُعقِّباتِ ، الذين يختلفون إلى الأرضِ يكتُبون أعمالهم ، إذا
أرسَلهم الربُّ فانحدَروا ، سُمِع لهم صوتٌ شديدٌ ، فيحسَبُ الذين هم أسفلَ منهم
مِن الملائكةِ، أنه مِن أمرِ الساعةِ ، فَيَخِرُّوا سُجَّدًا، وهذا كلما مَرُوا عليهم،
ويفعَلون [٣٤/٣٦ظ] ذلك مِن خوفٍ ربِّهم ".
وقال آخرون : بل الموصوفون بذلك المشركون، قالوا : وإنما يُفَزِّعُ الشيطانُ
عن قلوبهم. قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربّكم؟ عندَ نزولِ المنيَّةِ بهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا
فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ قال: فَزَّع الشيطانُ عن قلوبِهم وفارَقهم وأمانيَّهم، وما كان
يُضِلَّهم، ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ ﴾ قال : وهذا فى بنى
آدمَ، وهذا عندَ الموتِ، أقرُّوا به حينَ لم ينفعهم الإقرارُ(١).
وأولى الأقوال فى ذلك بالصوابِ (٣وأشبهُها بظاهرِ التنزيل٣ِ) ، القولُ الذى
ذكَره الشَّعْبىُ، عن ابن مسعودٍ ؛ لصحةِ الخبرِ الذى ذكرناه عن ابنِ عباسٍ، عن
رسولِ اللهِ عَّهِ بِتَأْيِيدِهِ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٠٢/٦ . وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٥ عن زيد بن أسلم، وعزاه
إلى ابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
,
٢٨٢
سورة سبأ : الآية ٢٣
٩٣/٢٢
فإذ كان ذلك كذلك ، فمعنى الكلام: ولا تنفعُ / الشفاعةُ عندَه، إلا لمن أذِن
له أن يشفعَ عندَه(١)، فإذا أذِن(٢) اللهُ لَمن أذِن له أن يشفعَ، فزِع لسماعِه إِذْنَه،
﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ فيجُلِىَ عنها، وكُشِف الفزعُ عنهم، ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ
رَبُّكُمْ "قَالُواْ الْحَقِّ)﴾. قالت الملائكةُ: الحقَّ. ﴿وَهُوَ اَلْعَلِىّ﴾ على كلٌّ شىءٍ،
آڵگیرُ ﴾ الذی لا شیء إلا هو دونه .
والعربُ تستعملُ ((فُرِّع)) فى معنيين، فتقولُ للشجاع الذى به تنزلُ الأمورُ
التى يُفزَعُ منها: هو مُفَرَّحْ. وتقولُ للجبانِ الذى يغزَُ مِن كُلِّ شىءٍ: إنه لمُفَرَّعٌ.
وكذلك تقولُ للرجلِ الذى يَقْضِى له الناسُ فى الأمورِ بالغَلَبةِ على مَن نازَله فيها :
هو [٣٥/٣٦و] مُغَلَّبٌ. وإذا أُريد به هذا المعنى كان غالبًا، وتقولُ للرجلِ أيضًا الذى
هو مغلوبٌ أبدًا : مُغَلَّبٌ(٤) .
وقد اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأَته قرأةُ الأمصارِ أجمعون : ﴿فُزِّعَ﴾
بالزاي والعین. على التأويل الذی ذکرناه عن ابن مسعودٍ ، ومَن قال نحو قولِه فی
ذلك. ورُوِى عن الحسن البصرىِّ أنه قرَأْ ذلك: (حَتَّى إِذَا فُرِّغ عن قُلُوبهم) بالراءِ
والغین . على التأويلِ الذى ذكرناه عن ابنِ زيدٍ .
وقد يُحتملُ توجيه معنی قراءة الحسن ذلك كذلك ، إلى : حتى إذا فُرّغ عن
قُلُوبِهم، فصارَت فارغةً مِن الفزع الذى كان حَلَّ بها. وذُكِر عن مجاهدٍ أنه قرَأ
ذلك: (فَزَّع ) بمعنى: كَشَف اللهُ الفَزَعَ عنها(١) .
(١) فى الأصل: (( له)).
(٢) فى الأصل: ((كان)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٤) ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٦١.
(٥) وهى قراءة شاذة .
(٦) ينظر المحتسب ٢/ ١٩١، ١٩٢، والبحر المحيط ٢٧٨/٧.
٢٨٣
سورة سبأ : الآ يتان ٢٣ ، ٢٤
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك القراءةُ بالزاي والعينِ ؛ لإجماع الحجةٍ مِن
القرأةِ وأهلِ التأويلِ عليها، ولصحةِ الخبرِ الذى ذكرناه عن رسولِ اللهِ عَ له بتأييدِها،
والدلالةِ على صحتها .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه : ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
٢٤
قُلِ اللَّهٌ وَإِنَّآ أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ
.
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ له: [٣٥/٣٦ظ]
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المشركين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ: ﴿مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ
السَّمَوَتِ﴾ (١)، بإنزالِه الغيثَ عليكم منها، حياةً لحُرُوثِكم، وصَلاحًا لمعايشِكم،
وتَشْخيرِه الشمسَ والقمرَ والنجومَ لمنافعِكم، ومنافع أقْواتِكم، ﴿ وَالْأَرْضِّ﴾
بإخراجِه منها أقواتكم وأقواتَ أنعامِكم . وترَك الخبرَ عن جوابِ القومِ استغناءً بدلالةٍ
الكلام عليه، ثم (١) ذكره وهو: فإن قالوا: لا نَدْرِى. فقُلْ: الذى يرزقُكم ذلك اللهُ.
﴿ وَإِنَّا أَوَ إِيَّاكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿لَعَلَى هُدِّى أَوْ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: قُلْ
لهم: إنا لعلى هُدًى أو فى ضلالٍ(٢) ، أو إنكم على ضلالٍ أو هُدِّى.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، ( قال: ثنا يزيدُُ)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَهُ(٥): ﴿قُلْ مَنْ
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢: ((والأرض)).
(٢) فى الأصل: ((من)).
(٣) بعده فى الأصل: (( مبين)).
(٤ - ٤) سقط من: م .
(٥) لیس فی : م، ت ١، ت ٢.
٢٨٤
سورة سبأ : الآية ٢٤
يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِ
ضَلَلٍ مُِّينٍ ﴾ . قال : قد قال ذلك أصحابُ محمدٍ للمشر کین : واللهِ ما نحن
(١)
وأنتم على أمرٍ واحدٍ ، إنَّ أحدَ الفريقَين مُهْتَدٍ (١).
وقد قال قومٌ: معنى ذلك: وإنا لعلى هُدِّى، وإنكم لفى ضلال مبينٍ.
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٩٤/٢٢
حدَّثنى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الشَّهيدىُّ، قال: ثنا عَتَّبُُ بنُ بشيرٍ، عن
خُصَيفٍ، عن عكرمةَ وزيادِ "بن أبى مريم ) فى قوله: ﴿ وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى
هُدَّى أَوْ فِ ضَلَلِ مُبِينٍ﴾. قال: إنا لعلى هُدًى، وإنكم لفى ضلال مبين.
واختلف أهلُ العربيةِ فى [٣٦/٣٦و] وَجْهِ دخولِ ((أو)) فى هذا الموضعِ؛ فقال
بعضُ نحومِّی البصرة : ليس ذلك لأنه شكٌ ، ولكن هذا فى كلام العرب على أنه هو
المُهْتدِى. قال: وقد يقولُ الرجلُ لعبدِه: أحدُنا ضاربٌ صاحبه. ولا يكونُ فيه
إشكالٌ على السامعِ، أن المولى هو الضاربُ .
وقال آخر منهم: معنی ذلك: إنا لعلی مُدّی، وإنکم إیا کم فى ضلالٍ
مبين؛ لأن العربَ تضعُ ((أو)) فى موضعٍ ((واوٍ)) الموالاةِ. قال جريرٌ":
(١) فى م، ت ١، ت ٢: (( أنا)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((لمهتد)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد
وابن أبى حاتم .
(٣) فى الأصل: ((غياث)). ينظر تهذيب الكمال ٢٨٦/١٩.
(٤ - ٤) ليس فى: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٥٠٥، وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٥ عن عكرمة وحده، وعزاه
إلى المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٦) فى الأصل: ((آخرون)). والقائل أبو عبيدة معمر بن المثنى فى مجاز القرآن ٢/ ١٤٨.
(٧) ذيل ديوان جرير ٢ / ٨١٤.
٢٨٥
سورة سبأ : الآية ٢٤
أَثَعْلَبَةَ الفَوارسِ أو رِياحًا عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا
قال : يعنى : أثعلبةً ورِیاحًا .
قال : وقد "قال قومٌ: قد يتكَلَّم١ُ) بهذا مَن لا يَشُكُّ فى دينِه ، وقد علموا أنهم
على هُدًى وأولئك فى ضلالٍ(٢) ، فيقالُ هذا وإن كان كلامًا واحدًا، على جهةٍ
الاسْتهزاءِ ، يقالُ هذا لهم. وقال(٣):
فإِنْ يَكُ محُجُهم رُشْدًا أُصِبْهُ
ولستُ بُمُخْطِئٍّ إن كان غَيّا
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: معنى ((أو)) معنى ((الواوٍ)) فى هذا الموضع (٤) ، غيرَ
أن العربيةً(٥) على / غيرِ ذلك؛ لا تكونُ ((أو)) بمنزلةِ((الواوٍ))، ولكنها تكونُ فى الأمرِ ٩٥/٢٢
المُفَوَّضِ(١)، كما تقولُ: إن شئتَ فخُذْ درهمًا أو اثنين. فله أن يأخُذَ اثْنَين أو
واحدًا، وليس له أن يأخذَ ثلاثةً. قال: وهو فى قولٍ مَن لا يبصرُ العربيةَ ويجعلُ ((أو))
بمنزلةِ ((الواوِ))(١)، يجوزُ له أن يأخذَ ثلاثةً؛ لأنه فى قولِهم بمنزلةٍ قولك: خُذْ درهمًا
واثنين. قال: والمعنى فى: ﴿ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾: إنا لضالون أو مُهْتَدون، وإنكم
أيضًا لضالون (٨ أو مهتدون٨)، وهو يعلمُ أن رسولَه المُهْتَدِى، وأن [٣٦/٣٦ظ] غيرَه
الضالُّ . قال: وأنت تقولُ فى الكلامِ للرجلِ يُكَذِّبُك: واللهِ إن أحدَنا لكاذبٌ.
(١ - ١) فى م: ((تكلم)).
(٢) بعده فى الأصل: ((مبين)).
(٣) البيت لأبى الأسود الدؤلى، وهو فى ديوانه ص ٣٢ ( ضمن المجموعة الثانية من نفائس المخطوطات بتحقيق
محمد حسن آل ياسين ) .
(٤) بعده فى م، ت ١، ت ٢: ((فى المعنى)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢: ((القرينة)).
(٦) فى الأصل: ((المعرض)).
(٧) بعده فى م: (( و)).
(٨ - ٨) سقط من: النسخ. والمثبت من معانى القرآن للفراء ٣٦٢/٢.
٢٨٦
سورة سبأ : الآيات ٢٤ - ٢٦
وأنت تَعْنِيه، وكذَّبْتَه تَكْذيبًا غيرَ مكشوفٍ(١) ، وهو فى القرآنِ وكلام العربِ كثيرٌ؛
أن يُوجَّهَ الكلامُ إلى أحسنِ مذاهبِه إذا عُرِف (٢)، كقولِ القائلِ) : واللهِ لقد قدِم
فلانٌ . وهو كاذبٌ ، فيقولُ : قُلْ: إن شاء اللهُ. أو قلْ: فيما أظُنُّ. فَيُكَذِّبُه بأَحسَنَ
من (٤) تَصْرِيحِ التَكْذيبِ ، قال : ومن كلامِ العربِ أن يقولوا : قاتَله اللهُ . ثم يستقبحُ
فيقولون: قاتَعهُ(٢) اللهُ، و: كاتَعه اللهُ. قال: ومِن ذلك: وَيْحَك، ووَيْسَك . إنما
هى فى معنى: وَيْلَك. إلا أنها دونَها (٦).
والصوابُ مِن القول فى ذلك عندى(٧)، أن ذلك أمرٌ مِن اللهِ نبئه بتگذیبِ مَن
أمره بخطابِه بهذا القول، بأحسنٍ(٨) التكذيبِ، كما يقولُ الرجلُ لصاحبٍ له
یخاطئه، وهو یریدُ تگذیہ فی خبر له : أحدُنا كاذبٌ . وقائلُ ذلك يعنى صاحبه لا
نفسَه؛ فلهذا المعنى صَيَّر الكلامَ بـ ((أو))(٤).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قُل لَّا تُسْتَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُشَلُ عَمَّا
٢٦
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ
٢٥
تَعْمَلُونَ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَّ ◌َه: قُلْ لهؤلاء
المشركين: أحدُ فريقَينا على هُدًى، والآخرُ [٣٧/٣٦و] على ضلالٍ، لا تُسْألون أنتم
(١) فى ت ٢: (( مكتوف)).
(٢) فى ت ٢: ((عرفه)).
(٣) بعده فى م: ((لمن قال))، وبعده فى ت ١، ت ٢: ((قال)).
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٥) فى م، ت ١، ت ٢: ((قاتله)).
(٦) ينظر معانى القرآن للفراء ٢/ ٣٦٢.
(٧) فى الأصل: (( عندنا)).
(٨) فى م، ت ١، ت ٢: (( بأجمل )).
(٩) فى الأصل: (( بالواو)).
٢٨٧
سورة سبأ : الآيات ٢٥ - ٢٧
عما أجْرَمْنا نحنُ مِن جزمٍ وركِبنا (١) مِن إثم، ولا نُسألُ نحن عما تعملون أنتم مِن
عملٍ. قُلْ لهم: يجمعُ بينَنا ربنا يومَ القيامةِ عندَه، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾.
يقولُ: ثم يَقْضِى بينَنا بالعدلِ ، فيتبينُ عندَ ذلك المُهْتدِى مِنَّا مِن الضالِ، ﴿ وَهُوَ
اٌلْفَشَّاحُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: واللهُ القاضى، العَلِيمُ بالقضاءِ بينَ خلقِه؛ لأنه لا تَخْفَى
عليه(٢) خافيةٌ، ولا يحتاجُ إلى شهودٍ تعرّفُه المُحِقَّ مِن المُطِلِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا
رَبُّنَا﴾ُ يومَ القيامةِ، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾. أى: يَقْضِى بينَنَا(٣).
حدّثنی علیٌّ ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاعُ الْعَلِمُ﴾. يقولُ: القاضى(٤).
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ أَرُوِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمبِهِ شُرَكَاءٍ كَلَّ ٩٦/٢٢
٢٧
بَلّ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّله : قُلْ يا محمدُ
لهؤلاء المشركين باللهِ الآلهةَ والأصنامَ: [٣٧/٣٦ظ] أُرُونى، أيُّها القومُ، الَّذين
(١) فى الأصل: (( ركبناه)).
(٢) فى م، ت ٢: ((عنه)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٠/٢ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٥ إلى
عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٣٨/٢ - والبيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٦) من طريق
أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٥ إلى ابن المنذر .
٢٨٨
سورة سبأ : الآيتان ٢٧، ٢٨
أَلْحَقْتُموهم باللهِ، فصَيَّوْتموهم له شركاءَ فى عبادَتِكم إياهم، ماذا خَلَقوا مِن
الأرضِ، أم لهم شِركٌ فى السماواتِ، ﴿كَلَّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: كذَبوا ، ليس
الأمرُ كما وَصَفوا ولا كما جَعَلوا وقالوا ، مِن أَنَّ للهِ شَريكًا ، بل هو المعبودُ الذى لا
شريكَ له ، ولا يَصْلُحُ أن يكونَ له شَريكٌ فى مُلْكِه، العزيزُ فى انتقامِهِ مِمَّن أَشْرَك به
معه مِن خَلْقِه، الحكيمُ فى تدبيرِهِ خَلْقَه .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَّةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًا
[٢٨
وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ : يقول تعالى ذكره : وما أرسلناك يا محمدُ إلى هؤلاء
المشركين باللهِ مِن قومِك خاصَّةً ، ولَكِنَّا أرسلناك كافَّةً للناس أجمعين؛ العربُ منهم
والعَجَمُ ، والأحمرُ والأسودُ ، بَشيرًا مَن أطاعَك، ونَذيرًا مَن كذَّبَك، ولكنَّ أكثرَ
النَّاسِ لا يعلَمُون أن اللهَ أَرْسَلَك كذلك إلى جميعِ البشرِ.
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ
إِلَّا كَافَّةٌ لِلنَّاسِ﴾. قال: أرْسَل اللهُ محمدًا إلى العرب والعجم، [٣٨/٣٦و]
فَأَكْرَمُهم على اللهِ أَطْوَعُهم له. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ مَّهِ قال: ((أنا سابِقُ العَرَبِ،
وصُهَيبٌ سابِقُ الرُّومِ، وبِلالٌ سابِقُ الخَبَشِ(١)، وسَلْمانُ سابِقُ فارِسَ))(٢).
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((الحبشة))، وهو لفظ ابن عدى فى الكامل.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٥ - قول قتادة فقط - إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم.
أما قول النبى ملته فقد أخرجه ابن عدى فى الكامل ٢٦٢٤/٧، وأبو نعيم فى تاريخ أصبهان ٤٩/١ من حديث
أنس مرفوعًا .
٢٨٩
سورة سبأ : الآيات ٢٩ - ٣١
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ ﴿ قُل لَّكُ مِيعَادُ يَوْمٍ لَّا نَسْتَعْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ
٣٠
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ : يقولُ تعالى ذكره : ويقولُ هؤلاء المشركون باللهِ ، إذا
سَمِعوا وعيدَ اللهِ للكفارِ وما هو فاعِلٌ بهم فى مَعادِهم مما أَنْزَلَه فى كتابِهِ: ﴿ مَتَى هَذَا
اَلْوَعْدُ﴾ جائِيًّا، وفى أىِّ وقتٍ هو كائِنٌ ﴿إِن كُنتُمْ﴾ فيما تَعِدُوننا مِن ذلك
◌ْ صَدِقِينَ﴾ أنه كائِنٌ. قال اللهُ لنبيّه: ﴿قُل﴾ لهم يا محمدُ: ﴿َّكُ﴾ أيُّها
القومُ ﴿مَِّعَادُ يَوْمٍ﴾ هو آتِيكُم، ﴿لَّا تَسْتَعْخِرُونَ عَنْهُ﴾ إذا جاءَكم ﴿سَاعَةٌ﴾
فتُنْظَرُوا للتوبةِ والإنابةِ ، ﴿ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ قبلَه بالعذابِ؛ لأن اللهَ جعَل ( لكم
ذلك١) أجلاً.
/ القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن [٣٨/٣٦ظ] ٩٧/٢٢
تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيَّةٍ وَلَوْ تَرَّ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُونُونَ عِندَ
رَبِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلَاً
أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مِن
مُشْرِكى العربِ: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ﴾ الذى جاء(١) به محمدٌ عَِّ،
ولا بالكتابِ الذى جاء به "مِنْ قَبْلِه" غیرُه مِن بینِ يَدَيْه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَن
(١ - ١) فى الأصل: ((ذلك))، وفى ت ١: (( ذلك لكم)).
(٢) فى م: ((جاءنا)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
( تفسير الطبرى ١٩/١٩ )
٢٩٠
سورة سبأ : الآيات ٣١ - ٣٣
تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. قال: قال المشركون : لن تُؤْمِنَ بهذا
القرآنِ ، ولا بالذى بينَ يَدَيْهِ مِن الكُتُبِ والأنبياءِ(١) .
وقولُه: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِهِمْ﴾. (١ يقولُ تعالى
ذكرُه: ولو تَرَى يا محمدُ الظالمين إذ هم مَوْقوفون عندَ ربِّهم يَتَلاوَمُون ؛ يُحاوِرُ
بعضُهم بعضًا ، يقولُ الْمُسْتَضْعَفون الذين كانوا فى الدنيا ، للذين كانوا عليهم فيها
يَسْتَكْبِرون: لولا أنتم أيُّها الرُّؤَساءُ والكُبَراءُ فى الدنيا ، لَكُنَّا مؤمنين باللهِ وآياتِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَحْنُ
صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَ كُرُ بَلْ كُنْتُم تُجْرِمِينَ
٣٢
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره: ﴿قَالَ الَّذِينَ [٣٩/٣٦و]
اُسْتَكْبرُواْ﴾ فى الدنيا ، فتَرَأْسُوا (٣) فى الضلالةِ والكفرِ بِاللهِ، ﴿لِلَِّينَ اسْتُضْعِفُواْ﴾
فيها فكانوا أتْباعًا لأهلِ الضلالةِ منهم - إذ قالوا لهم: لولا أنتم لكنَّا مؤمنين - :
﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ ومَنَعْناكم٢) مِن أتِّباع الحقِّ ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَ هُمْ﴾
مِن عندِ اللهِ فَتَبَيَّنَ لكم، ﴿ بَلْ كُنْتُم تُجْرِمِينَ ﴾ فمنَعَكم إيثارُ كم الكفرَ باللهِ على
الإيمانِ ، مِن أتِّباعِ الهدى والإيمانِ باللهِ ورسوله .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ بَلْ
مَكْرُ الَّلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآَ أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادَّاً وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا
رَأَوْأْ الْعَذَابَ وَحَعَلْنَا الْأَغْلَلَ فِىَّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلََّ مَا كَانُواْ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٥، ٢٣٨ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٣) فى م، ت ٢: ((فرأسوا)).
(٤) فى الأصل: (( منعنا)).
(٥) فى م: ((يبين))، وفى ت ١: ((نبين))، وفى ت ٢: (( لنبين)).
٢٩١
سورة سبأ : الآية ٣٣
يَعْمَلُونَ
٣٣
قال أبو جعفرِ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ﴾ مِن
٩٨/٢٢
الكفرة باللهِ فى الدنيا ، فكانوا أتباعًا لرُؤَسائِهم / فى الضلالة ، ﴿ لِلَّذِينَ آستگبرُواْ﴾
فيها فكانوا لهم(١) رؤساءَ: بل مكرُكم بنا (١) بالليل والنهارِ صَدَّنا عن الهدى، " ﴿إِذْ
تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَكْفُرَ بَاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُدْ أَنْدَادًا ﴾: أمثالًا وأشباهًا فى [٣٩/٣٦ظ] العبادةِ
والأُلُوهَةِ .
" وَأُضِيف" المكرُ إلى الليلِ والنهارِ، والمعنَى ما ذَكَوْنا مِن مكرِ المُسْتَكْبِرِين
بالْمُسْتَضْعَفِين فى الليلِ والنهارِ، على اتِّساعِ العربِ فى الذى قد عُرِف مَعْناها فيه(٥)
مِن مَنْطِقِها؛ مِن نَقْلِ صفةِ الشىءٍ إلى غيرِهِ، فتقولُ للرجلِ : يا فلانُ ، نهارُك صائمٌ ،
وليلُك قائمٌ. وكما قال الشاعر(١):
* ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِئِّ(٢) بنائِمِ »
وما أُشْبَهَ ذلك، مما قد مضَى تِبيانُنا له فى غيرِ مَوْضِعٍ مِن كتابنا هذا (٨).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
(١) فى الأصل، ت٣: ((بهم).
(٢) فى م: ((لنا)).
(٣ - ٣) سقط من: ت ١. وفى م، ت٢ جاءت العبارة تامة عدا قوله: ((أندادا)).
(٤ - ٤) فى م: (( فأضيف)).
(٥) ليس فى : الأصل .
(٦) تقدم تخريجه فى ٢٢٨/١٢.
(٧) المَطِيَّة من الدَّواب: التى تَخْطُو فى سَيْرِها. وجمعها: مَطَايا ومَطِىّ. اللسان (م ط و).
(٨) ينظر ما تقدم فى ٢٢٨/١٢.
٢٩٢
سورة سبأ : الآية ٣٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ بَلْ
مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَآ أَنْ تَكْفُرَ بَاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادَأَ﴾. قال: يقولُ:
بل مكُكم بنا فى الليل والنهارِ، أيُّها العُظَماءُ الرُؤَسَاءُ، حتى أَزَلْتُمونا عن عبادةٍ
(١)
اللهِ (١).
وقد ذُكِر فى تأويلِه عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، ما حدّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ
يَمَانٍ، عن أشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿بَلْ مَكْرُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
قال: مَهُ(٢) الليلِ والنهارٍ ().
وقولُه: ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: حينَ تَأْمُرُونَنا أن نكفرَ باللهِ .
وقولُه: ﴿ وَنَجْعَلَ لَهُْ أَنْدَادًا﴾. يقولُ: شُركاءَ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ وَنَجْعَلَ لَهُدْ أَنْدَادَّاً ﴾: شُركاءً.
وقولُه: ﴿ وَأَسَرُواْ التَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْأ الْعَذَابَ ﴾. يقولُ: ونَدِموا على ما
فَرَّطوا فيه (٢) مِن طاعةِ اللهِ فى الدنيا، حينَ عايَنوا عذابَ اللهِ الذى أَعَدَّه لهم .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُْ، [٤٠/٣٦و] قال: ثنا سعيدٌ، عن
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٠٧/٦ مختصرا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٥ إلى المصنف وابن
أبی حاتم .
(٢) فى الأصل: ((أمر)). والمثبت موافق لما فى مصنف ابن أبى شيبة وتفسير القرطبى.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٣٩/١٣ عن يحيى - وهو ابن يمان - به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٥ إلى ابن
المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) لیس فى: م، ت ١، ت ٢.
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ٢. وهذا إسناد دائر عند المصنف.
٢٩٣
سورة سبأ : الآيتان ٣٣، ٣٤
قتادةَ: ﴿ وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ﴾ بينَهم ﴿لَمَّا رَأَوَأْ اُلْعَذَابَ﴾.
وقولُه: ﴿ وَجَعَلْنَا الْأَغَْلَ فِىَ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يقولُ (١) : غُلَّتْ أَيْدِى
الكافرين باللهِ فى جهنمَ إلى أعناقِهم، فى جَوامِعَ مِن نارٍ جهنمَ ؛ جَزاءً بما كانوا
باللهِ) فى الدنيا يَكْفُرون. يقولُ جلَّ ثناؤه: ما يَفْعَلُ اللهُ ذلك بهم إِلَّ ثوابًا لأعمالهم
الخبيثةِ، التى كانوا فى الدنيا يَعْمَلونها، ومُكافَأةً لهم عليها .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَمَّ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ ٩٩/٢٢
مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَآ أَرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ
٣٤
قال أبو جعفرِ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: وما بَعَثْنا إلى أهلِ قريةٍ نَذيرًا،
يُنْذِرُهُم بَأْسَنا أن يَنْزِلَ بهم، على مَعْصِيَتِهم إيانا، إلا قال مُتْرَفوها(٢)؛ كُبَرَاؤُها
ورُؤَساؤُها فى الضَّلالةِ، كما قال قومُ محمدٍ (٤) مِن المشركين له: إنَّا بما أُرْسِلْتُم به مِن
النِّذارَةِ ، ويُعِثْتُم به مِن توحيدِ اللهِ ، والبَرَاءَةِ مِن الآلهةِ والأَنْدادِ ، كافِرون .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: [٤٠/٣٦ظ] ﴿ وَمَآ
أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَا بِمَا أَرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾. قال: هم
رُءُوسُهم وقادتُهم فى الشَّرَ(٥).
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((و)).
(٢ - ٢) سقط من: الأصل .
(٣) لیس فی : م، ت ١، ت ٢.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢: ((فرعون)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٥/٢ عن معمر عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٥ إلى
عبد بن حميد وابن أبى حاتم ، وتقدم بنحوه ١٤/ ٥٣١.
٢٩٤
سورة سبأ : الآيتان ٣٥ ، ٣٦
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ
بِمُعَذَّبِينَ
قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ
٣٦
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ : يقولُ تعالى ذكره: وقال أهلُ الاسْتِكْبَارِ على اللهِ
مِن كلِّ قريةٍ أَرْسَلْنا فيها نَذيرًا ، (١ لأنبيائِها ورُسُلِها): نحن أكثرُ منكم(٢) أموالًا
وأولادًا، وما نحنُ فى الآخرةِ بمُعَذَّبِينَ؛ لأن اللهَ لو لم يَكُنْ راضِيًا ما نحن عليه
مِن المِلَّةِ والعملِ، لم يُخَوِّلْنا الأموالَ والأولادَ، ولم يَبْشِطْ لنا فى الرّزْقِ، وََّا
أعطانا ما أعطانا مِن ذلك؛ لرضاه أعمالنا، وآثرَنا بما آثرَنا على غيرِنا؛ لفَضْلِنا،
وزُلْفَةً لنا عِندَه. يقولُ اللهُ لنبيّه محمدٍ عَ لَه: قُلْ يا محمدُ لهم: ﴿إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ
الرِّزْقَ﴾ مِن المَعَاشِ والرّياشِ فى الدنيا ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ مِن خَلْقِه، ﴿ وَيَقْدِرُ﴾
فِيُضَيِّقُ على مَن يشاءُ، لا لفَضْلٍ(٢) فيمَن يَتشطُ ذلك له ولا خيرٍ فيه، ولا زُلْفَةٍ له
اسْتَحَقّ بها منه، ولا لُغْضِ(٤) منه لمنْ قدَر عليه ذلك، [٤١/٣٦ و] ولا مَقْتٍ ،
ولكنَّه يَفْعَلُ ذلك مِحَنًا (٥) لعبادِه وابتلاءً، وأكثرُ الناسِ لا يَعْلَمون أن اللهَ يَفْعَلُ
ذلك اخْتِبارًا لعبادِه، ولكنَّهم يَظُنُّون أن ذلك منه محبةٌ لَمَنْ يَتِسْطُ له، ومَقْتُ
منه(٦) ◌ِمَنْ قدَر عليه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١ - ١) فى م، ت ١: ((لأنبيائنا ورسلنا))، وفى ت ٢: ((لأنبيائها ورسلنا)).
(٢) سقط من : م.
(٣) فى م: ((لمحبة)).
(٤) فى الأصل: ((ينقص))، وفى ت ١: (لنقص))، وفى ت ٢: (( نقص).
(٥) فى م: ((محنة))، وفى ت ١: ((مخبرا))، وفى ت ٢: ((محبة)).
(٦) سقط من: م.
٢٩٥
سورة سبأ : الآيات ٣٥ - ٣٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَمَآ
أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُفَرِّيَّكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَ ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: قالوا: ﴿ نَحْنُ
أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا﴾. فأخْبَرَهم اللهُ أنه ليستْ أموالكم ولا أولادُكم بالتى
تُقَرِّبُكم عندَنا زُلْفَى، ﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾. قال: هذا(١) قولُ المشركين
لرسولِ اللهِ عَ لَه وأصحابِهِ؛ قالوا: لو لم يَكُنِ اللهُ عنا راضِيًّا، لم يُعْطِنا هذا، كما
قال / قارونُ : لولا أن اللَّهَ رَضِى بى وبحالى، ما أعْطانى هذا. قال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعَاً﴾
[ القصص : ٧٨] .
١٠٠/٢٢
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَآ أَمَّوَلُكُمْ وَلَآ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا
زُلْفَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَبِّكَ لَهُمْ جَزَّهُ الْضِعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ
٣٧
فِي الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره: وما أموالكم [٤١/٣٦ظ] التى
تَفْتَخِرون بها ، أيُّها القومُ، على الناسِ، ولا أولادُ كم الذين تَتَكَبَّرون (١ بهم ، بالتى
تُقَرِّبُّكم منا قُرْبَةً .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
(١) فى م، ت ١: ((وهذا)).
(٢) فى ت ١: (( تتكثرون)).
٢٩٦
سورة سبأ : الآية ٣٧
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿عِنْدَنَا زُلْفَ﴾ قال: قُرْتَى(١) ..
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ
وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّئُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىَ﴾. لا يُعْتَبَرُ الناسُ بِكَثْرَةِ المالِ أو(١) الولدِ ؛ فإن
الكافرَ(٤) يُعْطَى المالَ، وربما محيِس عن المؤمنِ ).
وقال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَآ أَوْلَدُكُمْ بِلَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَ﴾ . ولم
يَقُلْ: ((باللَّتَيْنِ)). وقد ذكَر الأموالَ والأولادَ، وهما نَوْعان مُخْتَلِفانٍ؛ لأنهذُكِرمِن
كلِّ نوعٍ منهما جمعٌ يَصْلُحُ فيه ((التى))، ولو قال قائلٌ: أُرِيدَ(٦) بذلك أحدُ
النَّوْعَيْن. لم يُتْعِدْ فى قولِه، وكان ذلك كقولِ الشاعرِ (١) :
نحنُ بما عندَنا، وأنت بما عندَك راضٍ والرَّأَىُ مُخْتَلِفُ
ولم يَقُلْ : راضِیانٍ .
وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى
ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وما أموالكم ولا أولادُكم بالتى تُقَرّبُكم
عندَنا زُلْفى، إلا مَن آمَن وعمِل صالحًا، فإنه تُقَرِّيُهم أموالُهم وأولادُهم،
(١) تفسير مجاهد ص ٥٥٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) فى الأصل: ((تغضوا))، وفى ت ١: ((يغتر))، وفى الدر المنثور: ((تعتبروا)). والاعتبار: الاسْتِذلال
بالشىء على الشىء. واعتبر فلانًا: اعتد به . ينظر اللسان والوسيط (ع ب ر).
(٣) فی م، ت ١، ت٢: (( و)).
(٤) بعده فى م، ت ١، ت ٢: ((قد ).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم.
(٦) فى م: ((أراد)).
(٧) تقدم فى ٤٣٥/١١، ٤٣٦.
٢٩٧
سورة سبأ : الآية ٣٧
بطاعتِهم [٤٢/٣٦ و] اللَّهَ فى ذلك وأدَائِهم فيه حَقَّه، إلى اللَّهِ زُلْفَى، دُونَ أهلِ الكفرِ
باللّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا
مَنْ ءَمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾. قال: لم تَضُرَّهم(١) أموالُهم ولا أولادُهم فى الدنيا؛
للمؤمنين. وقرّأ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [ يونس: ٢٦]، فالحُشْنى: الجنةُ .
والزِّيادةُ: ما أعطاهم اللَّهُ فى الدنيا؛ لم يُحاسِبْهم به، كما حاسَب الآخَرِين.
فـ﴿ مَنْ﴾(١) / على هذا التأويلِ نَصْبٌ بوقوعِ ((تُقَرّبُ)) عليه .
١٠١/٢٢
وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ﴿ مَنْ﴾ فى موضعِ رفعٍ، فيكونَ كأنه قيل: وما هو إلا
مَن آمن وعمل صالحاً .
وقولُه: ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ اَلْضِّعْفِ﴾. يقولُ: فهؤلاءِ لهم مِن اللَّهِ على
أعمالِهم الصالحةِ ، الضِّعْفُ مِن الثوابِ ؛ بالواحدةِ عَشْرٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ
لَهُمْ جَزَاءُ الْضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾. قال: بأعمالِهم؛ ("قال: بالواحدةِ" عشرٌ، وفى
(١) فى ت ١: ((تقربهم))، وفى ت ٢: ((يضرهم)).
(٢) بعده فى م: ((حملًا)). وبعده فى ت ١: ((عمل)). وبعده فى ت ٢: ((حل)).
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢: (( الواحد)).
٢٩٨
سورة سبأ : الآيات ٣٧ - ٣٩
سبيلِ اللهِ بالواحدةِ(١) سبعمائةٍ .
وقولُه: ﴿وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَاِمِنُونَ﴾. يقولُ: وهم فى غرفاتِ الجناتِ آمِنون
مِن عذابِ اللهِ .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَالَّذِينَ [٤٢/٣٦ظ] يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا مُعَلِجِزِينَ
قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،
أُوْلَئِكَ فِىِ الْعَذَابِ مُخْضَرُونَ لِّ
٣٩
وَيَقْدِرُ لَهُمْ وَمَآَ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِنَ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ : يقولُ تعالى ذكره : والذين يعملون فى آياتِنا . يَعْنى:
فى حُجَجِنا وآي كتابِنا، يَبْتَغُون إبْطالَه، ويريدون إطفاءَ نورِهِ مُفَاوِتِينَ ، يَحْسَبون
أنهم يَقُوتُونَنا بأنفسِهم ويُعْجِزونَنا، ﴿أُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ . يَعْنِى: فى
عذابٍ جهنمَ مُحْضَرون يومَ القيامةِ .
وقولُه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه : قُلْ يا محمدُ : إن ربى يَتْسُطُ الرزقَ لمن يشاءُ مِن خَلْقِهِ، فَيُؤَسِّعُه عليه ،
تَكْرِمَةً له وغيرَ تكرمةٍ ، ويَقْدِرُ على مَن يشاءُ منهم فيُضَيِّقُه ويُقَتِّرُه ، إهانةً له وغيرَ
إهانةٍ ، بل مِحْنَةً واخْتِبارًا. ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. يقولُ: وما
أنفقتُم أيُّها الناسُ مِن نفقةٍ فى طاعةِ اللَّهِ، فإن اللَّهَ يُخْلِفُها عليكم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، ("عن عمرو بنٍ قيسٍ)،
(١) فى م، ت ٢: ((بالواحد)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((معاونين)). ومفاوتين: مُسابِقِين. ينظر تاج العروس (ف وت).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢. وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٠٠، ٢٨ /٥٦٨.
٢٩٩
سورة سبأ : الآيات ٣٩ - ٤١
عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ: ﴿وَمَآ أَنَفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ
يُخْلِفُهٌ﴾. [٤٣/٣٦ و] قال: ما كان فى غيرِ إسرافٍ ولا تَقْتِيرٍ (١).
وقولُه: ﴿وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِينَ﴾. يقولُ: وهو خيرُ مَن قيل: إنه يَرْزُقُ .
ووُصِف به ، وذلك أنه قد يُوصَفُ بذلك مَن دُونَه ، فيُقالُ: فلانٌ يَرْزُقُ أهلَه وعيالَه .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ(٢) جميعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَتِكَةِ ١٠٢/٢٢
قَالُواْ سُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ
أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ
يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ : يقولُ تعالى ذكره : ويومَ نَحْشُرُ هؤلاء الكفارَ باللَّهِ
جميعًا، ثم نقولُ للملائكةِ: أهؤلاء كانوا يَعْبُدونَكم مِن دُونِنا؟ فَتَبَرَّأَ منهم
الملائكةُ، ﴿ قَالُواْ سُبْحَنَكَ ﴾ رَبَّنا، تَنْزِيهًا لك وتَبْرِئَةً مِمَّا أضاف إليك هؤلاء مِن
الشُّرَكاءِ والأنْدادِ ، ﴿ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ لا نَّخِذُ وَلِيًّا دونَك، ﴿ بَلْ كَانُواْ
يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه : ( ويومَ نَحْشُرُهم
جميعًا ثم نقولُ للملائكةِ أهؤلاءِ إِيَّكم كانوا يَعْبُدونَ) ؟ استفهامٌ، كقولِه لعيسى :
(١) تفسير سفيان ص ٢٤٤. وأخرجه ابن أبى شيبة ٩٥/٩ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣٨/٥ إلى عبد بن حميد.
(٢) فى الأصل جاءت الكلمة غير منقوطة. وفى ت ١، ت ٢: ((نحشرهم)). بالنون، وهى قراءة نافع وابن
كثير وأبى عمرو وابن عامر وأبى بكر عن عاصم وحمزة والكسائى، والياء قراءة حفص عن عاصم . ينظر
السبعة ص ٥٣٠ ، والحجة فى القراءات ص ٥٩٠.
٣٠٠
سورة سبأ : الآيات ٤٠ - ٤٣
ءَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأُنِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾(١) [المائدة: ١٦.
وقولُه: [٤٣/٣٦ ظ] ﴿أَكْثَرُهُم بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ : أكثرُهم بالجِنِّ
مُصَدِّقون، فَرَعَموا(٢) أنهم بناتُ اللَّهِ، ( تعالى اللَّهُ عما يقولون علُوًّا كبيرًا".
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرّاً
٤٢
وَيَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِ كُم بِهَا تُكَذِبُونَ
قال أبو جعفرِ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ﴾،
أيُّها الملائكةُ، للذين كانوا فى الدنيا يَعْبُدونكم، ولا الذين كانوا يَعْبُدونكم
لكم٢، نفعًا يَتْفَعونَكم به، ولا ضَرًّا يَنالُونكم به، أو تَنالونَهم به. ﴿ وَنَقُولُ لِلَّذِينَ
ظَلَمُواْ ﴾. يقولُ: ونقولُ للذين عَبَدوا غيرَ اللَّهِ، فوَضَعوا العبادةَ فى غيرِ مَوْضِعِها،
وجَّعَلوها لغيرٍ مَن تَنْتَغى أن تكونَ له : ذُوقُوا عذابَ النارِ التى كُنْتم بها فى الدنيا
تُكَذِّبون، فقد وَرَدْتُوها .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَيَُّنَا بِغَتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا
رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ إِنٌْ مُفْتَرَىَّ وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا [٤٤/٣٦ و] سِحْرٌ مُّبِينٌ
٤٣
١٠٣/٢٢
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: / يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا تُتْلَى على هؤلاء المشركين
آياتُ كتابِنا ﴿ بَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ: واضحاتٍ أَنَّهُنَّ حقٌّ مِن عندِنا، ﴿ قَالُواْ مَا هَذَآ
إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمُ عَمَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُكُمْ﴾. يقولُ: قالوا عندَ ذلك: لا تَتَّبِعوا
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٤٠٤/٦ بلفظ: ((هذا استفهام تقرير))، وذكره القرطبى فى تفسيره ٣٠٨/١٤،
٣٠٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٩/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((يزعمون)).
(٣ - ٣) ليست فى: الأصل، ت٣.
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.