النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
سورة سبأ : الآية ١٨
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مُجاهدٍ
قولَه: ﴿اَلْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِهَا﴾. قال: الشامِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيِّنَ
الْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامِ .
٣حدَّثنى علىُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن مجاهدٍ :
الْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامِ ".
/ وقيل: عنَى بالقُرَى التى بُورِك فيها بيتَ المقدسِ.
٨٤/٢٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اُلْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا قُرَّى
ظُهِرَةٌ﴾. [٢٥/٣٦ظ] قال: الأرضُ التى بارَكْنا فيها هى الأرضُ المقدَّسةُ(٤).
وقولُه: ﴿قُرَُّ ظَهِرَةً ﴾. يعنى قُرَى مُتَّصِلةً، وهى قُرَى عربيةٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا ابنُ عليةً، عن أبى رجاءٍ، قال : سمِعتُ الحسنَ فى
(١) تفسير مجاهد ص ٥٥٤، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٩/٢ عن معمر، عن أبى يحيى ، عن مجاهد .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى عبد بن حميد.
(٣ - ٣) سقط من: الأصل.
(٤) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٥٤/٨، وأبو حيان فى البحر المحيط ٧/ ٢٧٢، وابن كثير فى تفسيره ٦/ ٤٩٦.
٢٦٢
سورة سبأ : الآية ١٨
قولِهِ: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اُلْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَا فِيَهَا قُرَى ظَاهِرَةً﴾. قال: قُرَّى
مُتواصِلةً . قال: كان أحدُهم يَعْدُو فيَقيلُ فى قريةٍ ، وتَرُوحُ فِيَأْوى إلى قريةٍ أُخرَى.
قال: وكانت المرأةُ تَضَعُ زِئْبِيلَها(١) على رأسِها، ثم تَمْتَهِنُ بِمِعْزَلِها ، فلا تَأْتِى بيتَها
حتى يَمْتَلَّ من كلِّ الثمارِ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُرَُّ ظَاهِرَةً ﴾ : أى
.(٣)
مُتَوَاصِلةٌ(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُرْىٌ ظَاهِرَةً ﴾. يعنى قرّى عربيةٌ بينَ المدينةِ
(٤)
والشام(٤) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مُجاهدٍ
قولَه: ﴿قُرَُّ ظَاهِرَةً﴾. قال : الشَّرَواتِ(٥).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿قُرَُّ ظَاهِرَةً﴾. يَغْنى قرّى عربيةٌ، وهى بينَ
[٢٦/٣٦و] المدينةِ والشامٍ.
(١) الرّنبيلُ: القُفَّةُ. الوسيط ( زب ل).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٣٠/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٣/٥ إلى عبد بن
حميد .
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٤/ ٢٨٩، وابن كثير فى تفسيره ٦/ ٤٩٦.
(٥) السروات جمع سراة: ما ارتفع من كل شىء وعلا. اللسان (س رو). والأثر فى تفسير مجاهد
ص ٥٥٤.
٢٦٣
سورة سبأ : الآية ١٨
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اُلْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِهَا قُرَىُ ظَاهِرَةً﴾. قال: كان بينَ قريتِهم وبينَ
الشامِ قرّى ظاهرةٌ . قال: إن كانت المرأةُ لَتخرُجُ معها مغزَلُها ، ومِكْتَلُها على رأسِها ،
تَرُوحُ مِن قريةٍ وتَعْدُو(١) وتَبِيتُ فى قريةٍ، لا تَحْمِلُ زادًا ولا ماءً؛ لما (١) بينَها وبينَ
الشامِ .
وقولُه: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلْنا السيرَ بينَ قراهم
والقرى التى بارَ كْنا فيها سيرًا مقدَّرًا مِن منزلٍ إلى منزلٍ، وقريةٍ إلى قريةٍ، لا يَنْزِلون إلَّا
فى قريةٍ، ولا يَغْدون إلا من قريةٍ .
وقولُه: ﴿ سِيْرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَاِنِينَ﴾. يقولُ: وقلْنا لهم: سِيروا فى
هذه القرى - ما بينَ قراكم والقُرى التى بارَكْنا فيها - لياليَ وأيامًا آمنين، لا تَخافون
مُجُوعًا ولا عَطَشًا، ولا من أحدٍ ظُلْمًا .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سِيرُواْ فِيهَا
لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ﴾: / لا تَخافون ظلمًا ولا جوعًا، إنما تَغْدون فتَقِيلون فى قريةٍ، ٨٥/٢٢
وتَرُوحون فَتَبِيتون فى قريةٍ ، أهلُ جنةٍ ونَهَرٍ ، حتى لقد ذُكِر لنا أن المرأةً كانت تَضَعُ
مِكْتَلَها على رأسِها، وَمْتَهِنُ بيدِها، فيَمْتَلَىُّ مِكْتَلُها من الثمرٍ (٢) قبلَ أن تَرْجِعَ إلى
(١) فى م، ت ١، ت ٢: (( تغدوها).
(٢) فى الأصل: ((الماء فيما)).
(٣) فى الأصل: ((التمر)).
٢٦٤
سورة سبأ : الآيتان ١٩،١٨
أهلِها، من غيرٍ أَن تَخْتَرِفَ(١) بيدِها(٢) شيئًا، وكان الرجلُ يُسَافِرُ لا يَحْمِلُ
[٢٦/٣٦ظ] معه زادًا ولا سِقاءً، مما بُسِط للقومِ".
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَيَّامًا
ءَامِنِينَ﴾. قال : ليس فيها خوفٌ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَالُواْ رَبََّا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ
أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ
شَكُورٍ !
١٩
قال أبو جعفرٍ رحِمَه اللهُ: اختلفت القرَأَةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ
أَسْفَارِنَا﴾ ؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ . على وجهِ
الدعاءِ والمسألةِ بالألفِ. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ مكةً والبصرةِ: (بعِّد)، بتشديد
العينِ، على الدعاءِ أيضًا. وذُكِر عن بعضِ المتقدِّمين أنه كان يقرؤه: ( رَبُّنا باعَدَ بينَ
أسفارِنا) على وجهِ الخبرِ عن(٤) اللهِ، أن اللهَ فعَل ذلك بهم(٥). وحكى عن آخرَ أنه
قرَأَه: (ربَّنا بَعُدَ) على وجهِ الخبرِ أيضًا، غيرَ أن الربَّ منادَى(١).
(١) فى الأصل، ت ١، ت ٢: ((تحترف)). وفى ت ٣: ((تخترق)). وخرَف الثمار جناها. التاج (خ رف).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٠/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٤/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) فى م: ((من)).
(٥) قراءة تشديد العين من غير ألف هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر فى رواية هشام، وقراءة فتح
العين والدال وألف على وجه الخبر هى قراءة يعقوب الحضرمى، وقراءة كسر العين وألف على وجه الدعاء
هى قراءة نافع، وابن عامر فى رواية ابن ذكوان ، وعاصم وحمزة والكسائى وأبى جعفر المدنى وخلف .
ينظر النشر ٢٦٢/٢، ٢٦٣، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٢١.
(٦) وهى قراءة سعيد بن أبى الحسن وسفيان بن حسين وابن السميفع. ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٧٣.
٢٦٥
سورة سبأ : الآية ١٩
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا: ﴿رَبَّنَا بَعِدْ﴾ و (بَعِّدْ)؛ لأنهما
القراءتان المعروفتان فى قرَأةِ الأمصارٍ (١) ، وما عداهما فغيرُ معروفٍ فيهم، على أن
التأويلَ من أهلِ التأويلِ أيضًا يُحَقِّقُ [٢٧/٣٦و] قراءةَ مَن قَرَأَه على وجهِ الدعاءِ
والمسألةِ، وذلك أيضًا مما يَزِيدُ القراءةَ الأخرى بُعدًا من الصوابِ.
فإذا كان ذلك كذلك وهو الصوابُ من القراءةِ ، فتأويلُ الكلامِ : فقالوا : يا
ربَّنا، باعدْ بينَ أسفارِنا، فاجعَلْ بيننا وبينَ الشامِ فَلَواتٍ ومفاوزَ؛ لتَرْكَبَ فيها
الرواحلَ، ونتَزَوَّدَ معنا فيها الأزوادَ. وهذا من الدَّلالةِ على بَطَرِ القومِ نعمةَ اللهِ
عليهم وإحسانَه إليهم، وجهلِهم بمقدارِ العافيةِ، ولقد عجَّل لهم ربُّهم الإجابةَ،
كما عجّل للقائلين: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال: ٣٢]: أعطاهم ما رغِبوا
إليه فيه وطلبوا من المسألةِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أبو حُصَينِ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا
محُصَيْنٌ، عن أبى مالكِ فى هذه الآيةِ: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ . قال :
كانت لهم قُرَى متصلةٌ باليمنِ، كان بعضُها يَنْظُرُ إلى بعضٍ ، فبَطِروا ذلك وقالوا :
﴿ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. قال: فأرسَلَ اللهُ عليهم سيلَ العرمِ، وجعَل طعامَهم
أَثْلًا وخَمْطًا وشيئًا من سدٍ قليل(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
(١) القراءات كلها صواب .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٦/٦ بنحوه.
٢٦٦
سورة سبأ : الآية ١٩
٨٦/٢٢ أبيه، عن ابنِ عباسٍ / قولَه: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ}
قال: فإنهم بطِروا عيشَهم، وقالوا: لو كان [٢٧/٣٦ظ] جَنَى جناتِنا أبعدَ مما هى،
كان أجدرَ أن نشتهيَه. فمُزِّقوا بينَ الشامِ وسباً، وبُدِّلوا بجنتَيْهم جنتين ذواتَىْ أَكُل
خمط وأثلٍ وشىءٍ من سدرٍ قليلٍ .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ
أَسْفَارِنَا﴾: بطِرِ القومُ نعمةَ اللهِ، وغَمِطوا(١) كرامةَ اللهِ، قال اللهُ: ﴿وَظَلَمُوْاْ
(٢)
أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَقَالُواْ
رَبََّا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ حتى نَبِيتَ فى الفَلواتِ والصحارَى: ﴿وَظَلَمُواْ
أَنْفُسَهُمْ﴾ .
وقولُه: ﴿وَظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ﴾: وكان ظلمُهم إيَّها عَمَلَهم بما يُسْخِطُ اللهَ
عليهم مِن معاصيه؛ مما يُوجِبُ "لها عذابَ اللهِ، ﴿فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ﴾ .
يقولُ: صَّرناهم أحاديثَ للناسِ، يَضْرِبون بهم المثلَ فى التَّشْتِيتِ(٤)، فيُقالُ:
تَمزَّق (٥) القومُ أيادِىَ سَبَا، وَأَيْدِىَ سَبًا. إذا تفرّقوا وتقطّعوا(٩).
وقولُه: ﴿ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلّ مُمَزَّنَّ﴾ . يقولُ: قطّعناهم فى البلادِ كلَّ تَقَطُعِ.
كما حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿ وَظَلَمُوْاْ.
(١) الغَمْط: البطر والتحقير. تاج العروس (غ م ط).
(٢) تتمة الأثر المتقدم تخريجه فى ص ٢٦٢.
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((لهم عقاب)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((السب)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( تفرق)).
(٦) ينظر مجمع الأمثال للميدانى ٢/ ٤.
٢٦٧
سورة سبأ : الآية ١٩
أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍّ ﴾ . قال قتادةُ: قال عامرٌ الشَّعْبِىُّ :
أما غسّانُ فقد لحِقوا بالشام، وأما الأنصارُ فلحِقوا بيَثْرِبَ، وأما خزاعةُ فلحِقوا
بتهامةَ، وأما الأزدُ فلحِقوا بِعُمانَ(١).
(٢)
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثناسلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: يَزْعُمون أن عمرَوُ
ابنَ عامٍ، وهو عمّ القوم، كان كاهنًا، فرأَى [٢٨/٣٦ و] فى كَهانتِه أن قومَه
سيُمَزَّقون (" ويُساعدُ بينَ أسفارِهم ٢، فقال لهم: إنى قد علِمتُ أنكم سَتُمَزَّقون، فمَن
كان منكم ذا همّ بعيدٍ ، وجملٍ شديدٍ ، ومَزادٍ جديدٍ، فليَلْحَقْ بكأسٍ أو كرود .
قال: فكانت وادعةُ بنُ عمٍو. ومَن كان منكم ذا همّ مُدْنٍ، () وَأَمْرٍ ذُغْر٤ٍ) ، فليَلْحَقْ
بأرض شنٍّ(٥)، فكانت عوفُ بنُ عمرو، وهم الذين يُقالُ لهم: بارقٌ . ومَن كان
منكم يُرِيدُ عيشًا آيًا (٢)، وحَرَمًا آمنًا، فليُلْحَقْ بالأرزِينِ(٢)، فكانت خزاعةٌ ، ومَن
كان يُريدُ الراسياتِ فى الوَحْلِ، الْمُطْعِماتِ فى المحّلِ(٨)، فليَلْحَقْ بِيَثْرِبَ ذاتٍ
النخل ، فكانت الأوسُ واخررجُ ، وهما هذان الحیَّانِ من الأنصارِ ، ومن كان منكم
يُريدُ خَمرًا وخميرًا، وذهبًا وحريرًا، ومُلْكًا وتأميرًا، فلميَلْحَقْ بِكُوثَى(٦) وبُصرَى،
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٠/٢ من طريق معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٣٤/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى النسخ: ((عمران)). وسيأتى على الصواب. وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٣١.
(٣ - ٣) فى م: ((يتباعدون))، وفى ت ١: ((تتباعد))، وفى ت٢، ت٣: ((تباعد)).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( أمرد عن)).
(٥) شَنّ: ناحية بالشّراة وهى الجبال المتصلة بعضها ببعض الحاجزة بين تهامة واليمن. معجم البلدان ٣٢٩/٣.
(٦) العيش الآين : الرافه الوادع. القاموس المحيط (أو ن).
(٧) فى ت ٢: ((بالاردين))، وفى ت ٣: ((بالادرين)).
(٨) المحل : الجوع الشديد وإن لم يكن جدب. اللسان (م ح ل).
(٩) كُونى: ثلاثة مواضع بسواد العراق ، وقيل: كوثى العراق كوثيان، كوثى الطريق،، والآخر: كوثی رَبَّى.
معجم البلدان ٤ /٣١٧.
٢٦٨
سورة سبأ : الآيتان ١٩، ٢٠
فكانت غسّانُ بنو جَفْنةً (١) ملوكُ الشام ومَن كان منهم بالعراقِ. قال ابن إسحاقَ:
وقد سمِعتُ بعضَ أهلِ العلم يقولُ : إنما قالت هذه المقالةَ طُرَيْفةُ امرأةٌ عمرو (١) بن
عامٍ، وكانت كاهنةً فرأت فى كهانتِها ذلك ، فالله أعلمُ أنَّ ذلك كان . قال : فلما
تفرَّقوا، نزَلوا على كهانةٍ عمرٍو (٢) بنِ عامٍ(٣) .
وقولُه: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ تعالى ذكره :
إن فى تمزيقِناهم كلَّ ممَّقٍ، ﴿ لَيَتٍ﴾. يقولُ: لعظةً وعِيْرةً ودَلالةٌ على
واجبٍ حقِّ اللهِ عل عبدِه من الشكرِ على نِعمِه إذا أنعمَ عليه، وحقُّه من الصبرِ
على محنتِه إذا امتحَنه بيلاءٍ [٢٨/٣٦ظ] ﴿لَكُلِّ صَبَّارٍ﴾ " على مِحَنِه"
﴿ شَكُورٍ ﴾ على نعمِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٨٧/٢٢
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. قال: كان مُطرّفٌ يقولُ: نِعم العبدُ الصَّبَّارُ الشَّكُورُ، الذى
إذا أُعطِى شكَر، وإذا ابتُلِىَ صَبَر (٥) .
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ فَتَّبَعُوهُ إِلَّا
فَرِيقًا مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَ
٢٠
(١) فى الأصل: ((حنيفة)). وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٣٣١.
(٢) فى م: ((عمران)). وهو مما قيل فى اسمه، والمثبت كما تقدم هو الصواب.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٤٩٩.
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٤/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم .
٢٦٩
سورة سبأ : الآية ٢٠
قال أبو جعفرِ رحِمَه اللهُ: اختلفت القرَأةُ فى قراءة قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ
عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الكوفيين: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾
بتشديدِ الدالِ من ﴿ صَدَّقَ﴾، بمعنى أنه قال ظنًّا منه: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
◌َهَ إِلَّا عِبَادَكَ
شَئِكِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]. وقال: ﴿فَبِعِزَّنِكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌ
﴾. [ص: ٨٢، ٨٣] ثم صدَّق ظنَّه ذلك فيهم، فحقَّقه
٨٣
مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
بفعلِه ذلك بهم، واتِباعِهم إياه . وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ :
( ولقد صَدَق عليهم ) بتخفيفِ الدالٍ، بمعنى: ولقد صدَق عليهم فى ظنّه(١).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى ،
وذلك [٢٩/٣٦و] أن إبليسَ قد صدَّق على كفَرةٍ بنى آدمَ فى ظنّه، وصدَق
عليهم ظنُّه الذى ظنَّ حينَ قال: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنّ
أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمَّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾. وحينَ قال: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
وَلَأُمَّنِّيَنَّهُمْ وَلَ مُرَنَّهُمْ ﴾ [النساء: ١١٩] الآية، قال ذلك عدوُّ اللهِ ، ظنًا منه أنه يفعلُ
ذلك لا علمًا ، فصار ذلك حقًّا باتباعِهم إياه . فبأىِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام على قراءةٍ مَن قرَأ بتشديدِ الدالِ : ولقد
ظنَّ إِبليسُ بهؤلاء الذين بدَّلناهم بجنتَيهم جنتَين ذواتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ، عقوبةً منَّالهم -
ظنًّا غيرَ يقينٍ ؛ عَلِم أنهم يَتَّبِعونه ويُطِيعونه فى معصيةِ اللهِ ، فصدَّق ظنَّه عليهم ،
بإغوائِه إياهم، حينَ (١) أطاعُوه وعَصَوا ربَّهم ، إلا فريقًا مِن المؤمنين باللهِ ، فإنهم ثبتوا
على طاعةِ اللهِ ومعصيةِ إِبليسَ .
(١ - ١) فى م، ت ٢: ((فحقق))، وفى ت ١، ت ٣: ((محققه)).
(٢) قراءة تشديد الدال هى قراءة عاصم وحمزة والكسائى ، وقراءة تخفيف الدال هى قراءة نافع وابن كثير
وأبى عمرو وابن عامر. السبعة ص ٥٢٩، والكشف عن وجوه القراءات ٢٠٧/٢، والتيسير ص ١٤٧.
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: (( حتى)).
٢٧٠
سورة سبأ : الآيتان ٢٠ ، ٢١
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال: ثنا القاسمُ ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ ،
قال: أخبرنى عمرُو بنُ مالكِ، عن أبى الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ: ﴿ وَلَقَدْ
صَدَقَ عَلَّهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ ﴾ مُشدَّدةً، وقال: ظنَّ ظنًّا، فصدَّق ظنَّه(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا يحيى، عن سفيانَ ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ :
( وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ﴾. [٢٩/٣٦ظ] قال: ظنَّ ظنًّا، فاتبعوا ظنَّه(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ
عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. قال: واللهِ ما كان إلا ظنًّا ظنّه، وإنَّ اللهَ لا يُصدِّقُ كاذبًا، ولا
يُكذِّبُ صادقًا .
٨٨/٢٢
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ
صَدَّقَ عَلَيْهِمْ / إِبْلِسُ ظَنَّهُ﴾ . قال: أرأيتَ هؤلاء الذين كرّمتَهم علىَّ، وفضَّلتَهم
وشرَّفَتَهم؟ لا تَجِدُ أكثرَهم شاكرين. وكان ذلك ظنًّا منه بغيرِ علم، فقال اللهُ:
﴿ فَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن
يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَظُ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره: وما كان لإبليسَ على هؤلاء القومِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٤/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٥ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
٢٧١
سورة سبأ : الآية ٢١
الذين وصَف جلّ ثناؤه صفتَهم من حُجةٍ يُضِلَّهم بها ، إلا بتسليطِناه عليهم، لنَعْلَمَ
حزبَنا وأولياءَنا)، ﴿ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ﴾. يقولُ: مَن يُصَدِّقُ بالبعثِ والثوابِ
والعقابِ، ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَائٍ﴾ [٣٠/٣٦و]. يقولُ: ممن هو مِن الآخرةِ فى
شكٌّ(٢) فلا يُؤْمِنُ(٣) بالمعادِ ، ولا يُصَدِّقُ بثوابٍ ولا عقابٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ
عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ﴾. قال: قال الحسنُ: واللهِ ما ضرَبهم بعضًا ولا سيفٍ ولا
سوطٍ ، إلا أمانىَّ وغرورًا دعاهم إليها(٤).
(" حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ )، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ
مَن يُؤْمِنُ بِالْأَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِىِ شَاءٍ﴾. قال: وإنما كان بلاءُ ؛ ليعلمَ اللهُ
الكافرَ مِن المؤمنِ().
وقيل: عُنِى بقولِه: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ﴾: إلا لنَعْلَمَ ذلك موجودًا
ظاهرًا، ليُسْتَحقَّ به الثوابُ أو العقابُ .
(١ - ١) فى م: ((ليعلم حزينا وأولياؤنا)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((يوقن)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٠/٢ عن معمر عن قتادة. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥ - ٥) لیس فی: م، ت ٢، ت ٣.
(٦) بعده فى الأصل: ((ذلك)).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
٢٧٢
سورة سبأ : الآيتان ٢٢،٢١
وقولُه: ﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيُظُ ﴾ . يقول تعالى ذكره : وربُّك يا
محمدُ على أعمالِ هؤلاءِ الكفرةِ به، وغيرِ ذلك مِن الأشياءِ كلِّها ﴿حَفِيَظُ﴾، لا
يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، وهو مجازٍ جمیعهم يومَ القيامةِ ، بما كسبوا فی الدنیا مِن
خیرِ وشرٌّ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن [٣٠/٣٦ظ]
دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن
شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ
قال أبو جعفرِ رحِمه اللهُ : يقولُ تعالى ذكره : فهذا فعلُنا بوليّنا ومَن أطاعَنا داودَ
وسليمانَ الذى (١) فَعَلنا بهما؛ مِن إنعامِنا عليهما النعمَ التى لا كِفاءَ لها إذ شكرانا ،
وذاك فِعْلُنا بسبأ الذى(٢) فعلنا بهم، إذ بَطِروا نعمتَنَا، وكذَّبوا رسلَنا، وكفَروا
أياديَنا ، فقلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين بربِّهم مِن قومِك ، الجاحدين نعمَنا عندهم :
ادعوا أيُّها القومُ الذين زعمتم أنهم للهِ شريكٌ مِن دونِه، فسلوهم أن يَفْعَلوا بكم بعضَ
أفعالِنا بالذين وصَفنا أمرّهم ؛ مِن إنعامٍ أو إياسٍ، فإن لم يقدِروا على ذلك ، فاعْلَموا
٨٩/٢٢ أنكم مُبْطِلون؛ لأن الشركةَ فى الربوبيةِ لا تَصْلُحُ ولا تجوزُ. ثم / وصَف الذين
يَدْعون مِن دونِ اللهِ، فقال: إنهم لا يَمْلِكون ميزانَ () ذرّةٍ فى السماواتِ ولا فى
الأرضِ ؛ مِن خيرٍ ولا شرٌّ، ولا ضرّ ولا نفعٍ، فكيف يكونُ إِلهَا مَن كان كذلك؟!
وقولُه: ﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِّرْكٍ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: ولا هم إذ لم
يَكُونوا يَمْلِكُون مثقال ذرّةٍ فى السماواتِ ولا فى الأرضِ منفردين بملكِه مِن
(١) فى الأصل: ((اللذين)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((الذين)).
(٣) فى م: (( مثقال)).
٢٧٣
سورة سبأ : الآيتان ٢٢ ، ٢٣
دونِ اللهِ ، يملكونه على وجهِ الشَّرِكةِ ؛ لأن الأملاكَ فى المملوكاتِ، لا [٥٣١/٣٦]
تكونُ لمالكيها (١) إلا على أحدٍ وجهين؛ إما مقسومًا، وإما مُشَاعًا . يقولُ: فآلهتُهم
التى يَدْعون مِن دونِ اللهِ لا يَمْلِكون وزنَ ذَرَّةٍ فى السماواتِ ولا فى الأرضِ، لا
مُشَاعًا ولا مقسومًا ، فكيف يكونُ مَن كان هكذا شريكًا لمن له ملكُ جميع ذلك؟
وقولُه: ﴿ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ﴾. يقولُ: وما للهِ مِن الآلهةِ التى يَدْعُون مِن
دونِه مُعِينٌ على خلقِ شىءٍ مِن ذلك ، ولا على حفظِه ، إذ لم يَكُنْ لها ملكُ شيءٍ منه
مُشاعًا ولا مقسومًا ، فيقالَ: هو له (١) شريكٌ مِن أجل أنه أعان ، وإن لم يكنْ له ملكُ
شىءٍ منه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلِ أَدْعُواْ
الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ
وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾. يقولُ: ما للهِ مِن شريكٍ فى السماواتِ ولا فى الأرضِ،
وَمَا لَهُ مِنْهُمْ﴾: مِن الذين يَدْعون مِن دونِ اللهِ ، ﴿مِّنْ ظَهِيرٍ﴾. مِن عونٍ
(٣)
بشیء
.
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا نَفَعُ الشَّفَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ
حَتَّىَ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ [٣١/٣٦ظ] وَهُوَ الْعَلِىُّ
(١) فى م، ت ١: ((لمالكها)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((لك)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
( تفسير الطبرى ١٨/١٩ )
٢٧٤
سورة سبأ : الآية ٢٣
٢٣
الْكِيرُ
قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره: ولا تَنْفَعُ شفاعةُ شافعِ (عندَ اللهِ(١)
كائنًا مَن كان الشافعُ، لمن شَفَع له، إلا أن يَشْفَعَ لمن أذِن اللهُ فى الشفاعةِ له (٢) . يقولُ
تعالى : فإذا كانت الشفاعةُ(١) لا تَنْفَعُ عندَ اللهِ أحدًا، إلا لمن أذِن اللهُ(٤) فى الشفاعةِ
له ، واللهُ لا يأذَنُ لأحدٍ مِن أوليائه فى الشفاعةِ لأحدٍ مِن أَهلِ الكفرِ" به، وأنتم أهلُ
كفرٍ به أيُّها المشركون ، فكيف تَعْبُدون مَن تَعْبُدونه مِن دونِ اللهِ ، زعمًا منكم أنکم
تعبدونه ليقرّبَكم إلى اللهِ زُلْفَى، وليَشْفَعَ لكم عندَ ربِّكم؟ فـ ((مَن)) - إذ كان هذا
معنى الكلامِ - التى فى قوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَمْ﴾ للمشفوع(٢) له.
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ أَذِنَ لَهُمْ﴾ ؛ فقرَأ ذلك عامةُ القرأةِ بضمٌ
ج
الألفِ من: ﴿أَذِنَ لَهُمْ﴾ على وجهِ ما لم يسمَّ فاعلُهُ(١) . وقرَأَه بعضُ الكوفيين:
أَذِنَ لَهُ﴾ على اختلافٍ أيضًا عنه فيه (٨)، بمعنى أذن اللهُ له .
وقولُه: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: حتى إذا جُلِى عن قلوبِهم،
وكُشِف عنها الفزَعُ وذَهَب .
(١ - ١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢: ((الشفاعات)).
(٤) بعده فى الأصل: (( له)).
(٥ - ٥) فى م: (( الكفرة)).
(٦) فى م: ((المشفوع)).
(٧) هى قراءة أبى عمرو وحمزة والكسائى وعاصم فى رواية الكسائى عن أبى بكر عنه . السبعة لابن مجاهد
ص ٥٢٩، ٥٣٠، والتيسير ص ١٤٧.
(٨) هى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم فى رواية يحبى وحسين وابن أبى أمية عن أبى بكر عنه وحفص
عنه . المصدران السابقان .
٢٧٥
سورة سبأ : الآية ٢٣
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٩٠/٢٢
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿حَتَّىَ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾. يعنى: جُلِى(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ [٣٢/٣٦و] عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى،
وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّىَ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: كُشِف عنها الغطاءُ يومَ
(٢)
القيامةِ(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: إذا جُلِى عن
(٣)
قلوبهم(٢).
واختلف أهلُ التأويلِ فى الموصوفين بهذه الصفةِ ؛ مَن هم؟ وما السببُ الذى
مِن أجلِه فُرِّع عن(٤) قلوبِهم؟ فقال بعضُهم: الذين(٥) فرِّع عن قلوبِهم الملائكةُ .
قالوا : وإنما يُفَزَُّ عن قلوبِهم مِن غَشْيةٍ تصيبُهم عندَ سماعِهم كلامَ اللهِ بالوحي .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٣٨/٢ من طريق أبى صالح به.
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٠/٢ عن معمر، عن قتادة والكلبى مطولا ، وذكره السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣٦/٥، ٢٣٧ عن قتادة والكلبى مطولا ، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٤) فى الأصل: (( من)).
(٥) فى م: ((الذى)).
(٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٢٧٦
سورة سبأ : الآية ٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن داودَ، عن الشَّعبىّ ، قال : قال ابنُ
مسعودٍ فى هذه الآيةِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: إذا حدث أمرٌ عندَ ذى
العرشِ، سَمِع مَن دونَه مِن الملائكةِ صوتًا كجرٌّ السلسلةِ على الصفا، فيُغْشِى
عليهم، فإذا ذهَب الفزعُ عن قلوبهم تنادَوا : ﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ قال: فيقولُ مَن
شاء اللهُ: قال الحقَّ، وهو العلىُّ الكبيرُ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعت داودَ، عن عامٍ، عن
مسروقٍ ، قال : إذا حدَث عندَ ذى العرشِ أمرٌ، سمِعَت الملائكةُ له(١) صوتًا، كجرّ
السلسلةِ على الصفا، قال: فيُغْشَى عليهم ، فإذا فُزِّع عن قلوبِهم ، قالوا : ماذا قال
ربّكم؟ قال. فيقولُ مَن شاء اللهُ: [٣٢/٣٦ظ] الحقَّ، وهو العلىُّ الكبيرُ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامٍ، عن ابنٍ
مسعودٍ ، أنه قال: إذا حدث أمرٌ(١) عندَ ذى العرشِ. ثم ذكَر نحوَ معناه ، إلا أنه قال:
فيُغْشَى عليهم مِن الفزع، حتى إذا ذهَب ذلك عنهم، تنادَوا : ماذا قال ربُّكم ؟
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: يُتَزَّلُ الأمرُ
مِن عندِ ربِّ العزَّةِ إلى السماءِ الدنيا، (" فيَسْمعون مثلَ وقع الحديدِ على الصفاء) ،
فيفْزَعُ أهلُ السماءِ الدنيا، حتى يَشْتَبِينَ لهم الأمرُ الذى نُزِّل فيه، فيقولُ بعضُهم
لبعضٍ: ماذا قال ربُّكم؟ فيقولون: قال الحقَّ، وهو العلمىُّ الكبيرُ. فذلك قولُه:
حََّ إِذَا فُرِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الفتح ٤٥٧/١٣ من طريق الشعبى به .
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) بعده فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من)).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
٢٧٧
سورة سبأ : الآ ية ٢٣
/ حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّى، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عمرٍو بنِ دينارٍ، ٩١/٢٢
عن عكرمةَ، قال: ثنا أبو هريرةَ، عن النبىِّ مَّ الَّهِ، قال: ((إن اللهَ إذا قضَى أمرًا فى
السماءِ ضَرَبتِ الملائكةُ بأجْنِحَتِها خُضْعانًا(١) ، لقولِه صوتٌ كصوتِ السلسلةِ على
الصَّفا الصَّفْوانِ)). فذلك قوله: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ
قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
مسعودٍ فى قولِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾. قال: إن الوحىَ إذا أَلقى سمِع أهلُ
السماواتِ صَلْصَةٌ كصَلْصَلةِ السلسلةِ على الصَّفْوانِ، قال: فيتنادَون فى
السماواتِ : ماذا قال ربُّكم؟ قال: فيتنادون : الحقَّ، وهو العلىُّ الكبيرُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن [٣٣/٣٦و] منصورٍ، عن أبى الضُّحَى،
عن مسروقٍ ، عن عبدِ اللهِ مثلَه(٣) .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن هشام، عن (٤) عُزوةَ
قال: قال الحارثُ بنُ هشامٍ لرسولِ اللهِ عٍَّ: كيف يأتيك الوحى؟ قال:
(١) فى الأصل، م، ت ٢، ت ٣: ((جميعًا و)). وفى ت ١: ((جمعاو)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣١/٢، والبخارى (٧٤٨١)، وأبو داود (٣٩٨٩)، والترمذى
(٣٢٢٣)، وابن ماجه (١٩٤)، وابن خزيمة فى التوحيد ص ٩٧، وابن حبان (٣٦)، والبيهقى فى الأسماء
والصفات (٤٣١) ودلائل النبوة ٢٣٥/٢ من طريق سفيان به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٥ إلى
سعید بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٥، وتفسير الثورى ص ٢٤٣، ٢٤٤، وأخرجه ابن خزيمة فى التوحيد ص ٩٦ من
طريق منصور به ، وأخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد ص ١٣٨، وأبو داود (٤٧٣٨)، وعبد الله بن أحمد
فى السنة (٥٣٦)، وابن حبان (٣٧)، وأبو الشيخ (١٤٦)، والبيهقى فى الأسماء (٤٣٢ - ٤٣٤)،
والخطيب فى تاريخه ٣٩٢/١١، ٣٩٣ من طريق أبى الضحى به وجاء عند بعضهم مرفوعًا. وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢٣٦/٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه.
(٤) فى النسخ: ((بن)). والمثبت من مصادر التخريج.
٢٧٨
سورة سبأ : الآية ٢٣
((يَأْتِينى فى صَلْصَلةٍ كَصَلْصَلِ الجَرَسِ، فَيَقْصِمُ عنى حينَ يَفْصِمُ وقد وَعَيْتُه،
ويأتينى(١) أحيانًا فى مِثْلِ صورةِ الرجلِ، فيُكَلِّمُنى به كلامًا، وهو أهونُ علىَّ))(٢).
حدَّثنى زكريا بنُ " يحيى بنِ" أبانٍ المصرىُّ، قال: ثنا نعيمٌ، قال : ثنا الوليدُ بنُ
مسلم، عن عبد الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، عن ابنٍ أبى زكريا، عن رجاءٍ(٤) بنِ
حَيْوَةَ، عن النَّوَّاسِ بنِ سِمْعانَ، قال: قال رسولُ اللهِ عَمِ: ((إذا أرادَ اللهُ أن يُوجِىَ
بالأمرِ ، تَكَلَّمَ بالوَحْىِ ، أَخَذَتِ السَّمَاوَاتِ منه رَجْفَةٌ - أو قال : رِعْدَةٌ - شديدةٌ؛
(٥ خَوْفًا مِنْ) اللهِ، فإذا سَمِع بذلك(١) أهلُ السماواتِ صَعِقوا، وخَرُّوا للهِ سُجَّدًا ،
فيكونُ أولَ مَن يَرْفَعُ رْسَه جبريلُ، فيُكَلِّمُه اللهُ(٢ مِن وَخِه بما ٢)(٨) أرادَ، ثم يَمُ جبريلُ
على الملائكةِ، كُلَّمَا مَرَّ بسماءٍ سألَهُ(١) ملائكتُها : ماذا قال ربّنا يا جبريلُ؟ فيقولُ
جبريلُ : قال الحقَّ، وهو العلىُّ الكبيرُ. قال: فيقولون كلُّهم مثلَ ما قال جبريلُ،
فيَنْتَهِى جبريلُ بالوَحْيِ حيثُ أَمَرِهِ اللهُ))(١٠).
(١) فى م: ((یأتی )).
(٢) أخرجه الطبرانى (٣٣٤٤) من طريق أيوب به. وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٥١/٤، ٥٢ عن أيوب
به. وأخرجه البخارى (٢)، ومسلم (٢٣٣٣)، وغيرهما من طريق هشام بن عروة عن عائشة عن الحارث.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م، ت ٢: ((جابر)).
(٥ - ٥) فى م: ((خوف أمر)).
(٦) فى الأصل: (( ذلك)).
(٧ - ٧) فى الأصل: (( بوحيه ما)).
(٨) فى ت ١، ت ٢، ت٣: ((لما)).
(٩) فى الأصل: ( سما له)).
(١٠) أخرجه ابن خزيمة فى التوحيد ص ٩٥ - ومن طريقه البغوى فى تفسيره ٣٩٨/٦ - من طريق زكريا بن
يحيى بن أبان المصرى به . وأخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (٥١٥)، وابن أبى حاتم، كما فى تفسير ابن كثير
٥٠٤/٦ - ومن طريقه أبو الشيخ فى العظمة (١٦٥)، والآجرى فى الشريعة (٦٦٨)، والبيهقى فى الأسماء
والصفات (٤٣٥) من طريق نعيم به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/٥ إلى الطبرانى وابن مردويه.
٢٧٩
سورة سبأ : الآية ٢٣
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدٌ ، قال:
سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ حَتََّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية . قال : كان
ابنُ عباسٍ يقولُ: إن اللهَ لِمَّ أرادَ أن يُوحِىَ إلى محمدٍ ، دعا جبريلَ، فلما تكلَّمَ ربّنا
بالوَحْي، كان صوتُهُ كصَوتِ الحديدِ على الصَّفا، فلمَّا سمِع أهلُ السماواتِ
[٣٣/٣٦ظ] صوتَ الحديدِ، خَرُّوا سُجَّدًا، فلما أتَى عليهم جبريلُ بالرسالةِ ، رفَعوا
رُؤُوسَهم، فقالوا: ﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾. وهذا قولُ
الملائكة .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿حَتَّىَ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ الْعَلِىّ
الْكَبِيرُ﴾. قال: لمَّ أوحَى اللهُ تبارك وتعالى إلى محمدٍ عَ لَه، دَعا الرسولَ مِن
الملائكةِ، فبعَث بالوَحْى، سمِعَتِ الملائكةُ صوتَ الْجَارِ يتكلمُ بالوحي، فلما
كُشِف عن قلوبهم، سألوا عما قال اللهُ، فقالوا: الحقَّ. وعلموا أن اللهَ لا يقولُ إلا
حقًّا ، وأنه مُنْجِزٌ ما وعَد ، قال ابنُ عباسٍ : وصوتُ الوحي كصوتِ الحديدِ على
الصَّفا، فلما سمِعوه خرُّوا سُجَّدًا، فلما رَفعوا رءوسَهم ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ
اَلْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾. ثم أمَر اللهُ نبيّه أن يسألَ الناسَ: ﴿قُلّ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ
السَّمَوَتِ ( وَاَلْأَرْضِّ﴾ إِلى ﴿أَوْ فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾(١).
/ حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا أبو عامرٍ ، قال: ثناقُرَّةُ، عن عبدِ اللهِ بنِ القاسم فى ٩٢/٢٢
قولِهِ: ﴿ حَتَّىَ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية(١). قال: الوحى ينزلُ (٤) مِن السماءِ، فإذا
(١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إلى قوله)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ٢٣٥، ٢٣٧ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه.
(٣) فى الأصل: ((قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير)).
(٤) بعده فى الأصل : الله .
٢٨٠
سورة سبأ : الآية ٢٣
قَضاه، ﴿قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَّكُمْ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغیرةَ ، عن إبراهیم ، عن عبدِ اللهِ فی
قولِهِ: ﴿حَتََّ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: إن الوحىَ إذا قُضِى فى زَوَاياً ) السماءِ،
كان(٢) مثلَ وقع الفُولاذِ على الصخرةِ(٢) ، قال: فيُشْفِقون، لا يَدْرُون ما حَدَث ،
فيفزَعون، [٣٤/٣٦و] فإذا مَرَّت بهم الرسلُ ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ
اَلْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ .
وقال آخرون ممن قال: المَوْصُوفون بذلك الملائكةُ: إنما يُفَزِّعُ عن قلوبِهِم فَزَعُهم
مِن قضاءِ اللهِ الذى يَقْضِيه؛ حَذَرًا أن يكونَ ذلك قيامَ الساعةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِعَ عَنْ
قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية ، قال: يُوحِى اللهُ إلى جبريلَ، فتَفرَّقُ الملائكةُ ،
أو تَفَزَّعُ؛ مخافةَ أن يكونَ شىءٌ مِن أمرِ الساعةِ ، فإذا جُلِىَ عن قلوبِهم، وعلِموا أن
ذلك ليس مِن أمرِ الساعةِ ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمَّ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ
(٤)
الْكِيرُ﴾().
وقال آخرون : بل ذلك مِن فعل ملائكةِ السماواتِ إِذا مَرَّت بها المُعَقِّبَاتُ؛ فَزَعًا
أن يكونَ حدَث أمرُ الساعةِ .
(١) سقط من: الأصل .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال)).
(٣) بعده فى الأصل: (( أو الفولاذ على الصخرة)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٠/٢ عن معمر عن قتادة والكلبى بنحوه. وذكره السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣٦/٥، ٢٣٧ عن قتادة والكلبى ، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .