النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
يقالَ: ﴿ مُسْتَعْنِسِينَ﴾. فى موضعِ نَصْبِ عطفًا على معنى ﴿نَظِرِينَ﴾؛ لأن معناه :
إلا أن يؤذَّنَ لكم إلى طعامٍ لا ناظرين إناهُ ، فيكونَ قولُه: ﴿ وَلَا مُسْتَقْنِسِينَ ﴾ . نصبًا
حينئذٍ . والعربُ تفعَلُ ذلك إذا حالت بينَ الأوّلِ والثانى، فترُدُّ الثانىَ ( أحيانًا على
لفظِ الأوّلِ، وأحيانًا على معناه، وقد ذكَر الفرَّاءُ أن أبا القمقام أنشده(١) :
ولا عاقِلِ(٤) إلَّا وأنْتَ جَنِيبُ(٥)
أجِدَّك لَسْت الدَّهْرَ رَائِىَ رَامَةٍ(١)
ولَ هابِطٍ (٧) ما عشْتَ هَضْبَ شَطِيب(٨)
(٦)
ولَا مُصْعِدٍ فى المُصْعِدِینلِمَنْعِجِ
فردَّ مُصعِدٍ على أن رائىَ فيه باءٌ خافضةٌ ، إذ حال بينَه وبينَ المُصْعِدِ بما حالَ
بينَهما من الكلامِ .
ومعنى قوله: ﴿ وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: ولا مُتَحَدِّثين بعدَ فراغِكم من أكلِ
الطعامِ ؛ إِيناسًا من بعضكم لبعضٍ به .
کما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثناعیسی ، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ [٦٣٣/٢و]، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَا مُسْتَئِنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ بعدَ أن تأكُلوا (٩).
(١) سقط من: م.
(٢) معانى القرآن للفراء ٣٤٨/٢.
(٣) رامة: منزل بينه وبين الرمادة ليلة فى طريق البصرة إلى مكة. معجم البلدان ٢/ ٧٣٨.
(٤) عاقل: واد لبنى أبان بن دارم من دون بطن الرمة. معجم البلدان ٥٨٩/٣.
(٥) جنیب : کأمیر، ورجل جنیب: كأنه يمشی فی جانب متعقبًا. التاج (ج ن ب).
(٦) منعج: واد يأخذ بين حفر أبى موسى والنباج ويدفع فى بطن فلج. معجم البلدان ٤/ ٦٦٦.
(٧) فى م: ((هابطًا)).
(٨) شطيب : جبل.
(٩) تفسير مجاهد ص ٥٥١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن
حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
( تفسير الطبرى ١١/١٩ )
١٦٢
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
٣٧/٢٢
/ واختلف أهلُ العلم فى السببِ الذى نزلت هذه الآيةُ فيه ؛ فقال بعضُهم:
نزلت بسببٍ قومٍ طَعِموا عندَ رسولِ اللَّهِ عَ لَه فى وليمةِ زينبَ بنتِ جَخْشٍ، ثم
جلسوا يتحدَّثون فى منزلٍ رسولِ اللهِ عَه، وبرسولِ اللهِ وَ اللّه إلى أهلِه حاجةٌ، فمنَعه
الحياءُ من أمْرِهم بالخروجِ من منزله .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عمرانُ بنُ موسى القزازُ، قال : ثنا عبدُ الوارثِ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ بنُ
صُهَيبٍ، عن أنسِ بنِ مالكِ، قال: بَنِى رسولُ اللَّهِ عَ لَه بزينبَ بنتِ جَحْشٍ، فَبُعِثْتُ
داعيًا إلى الطعام، فدعوتُ، فيجِىءُ القومُ يأكلون ويخرجون، ثم يجِىءُ القومُ
يأكلون ويخرجون ، فقلتُ : يا نبيَّ اللَّهِ قد دَعوتُ حتى ما أجِدُ أحدًا أَدْعُوه . قال:
((ارفَعوا طعامَكم)). وإن زينبَ لجالسةٌ فى ناحيةِ البيتِ، وكانت قد أُعطِيتْ
جمالًا، وبقِىَ ثلاثةُ نفَرٍ يتحدَّثون فى البيتِ، وخرَج رسولُ اللَّهِ مَِّ مُنطلِقًا نحوَ
حجرة عائشةً، فقال: ((السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ)). فقالوا: وعليك السلامُ يا
رسولَ اللَّهِ، كيف وجَدتَ أهلَك؟ قال: فأتى حُجَرَ نسائِه، فقالوا مثلَ ما قالت
عائشةُ، فرجَع النبيُّ عَ لَّهِ، فإذا الثلاثةُ يتحدَّثون فى البيتِ، وكان النبيُّ عَلِّ شديدَ
الحياءِ، فخرَج النبىُّ عَّهِ منطلقًا نحوَ حجرة عائشةَ، فلا أدرِى أخبَرَتْه، أو أُخبر أن
الرهطَ قد خرجوا، فرجَع حتى وضَع رجلَه فى أُسْكُفَّةٍ (١) داخلَ البيتِ، والأُخرَى
خَارِجَه، إذ أَرْخَى السَّرَ بينى وبينَه، وَأُنْزِلِت آيةُ الحجابِ(٣) .
حدَّثنی أبو معاویةً بشرُ بنُ دِحیةً ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الزهرىِّ ، عن أنسٍ بنِ
(١) الأُسكفة : عتبة الباب التى يوطأ عليها . اللسان ( س ك ف ).
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١٠١٠١) عن عمران بن موسى به، وأخرجه البخارى (٤٧٩٣) من طريق
عبد الوارث به .
١٦٣
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
مالكٍ، قال : سأَلَنِى أُبِىُّ بنُ كَعْبٍ عن الحجابِ ، فقلتُ : أنا أعلَمُ الناسِ به، نزلت
فى شأنٍ زينبَ ؛ أَوْلَم النبىُّ عَلِّ عليها بتمرٍ وسَوِيقٍ، فَنزَلت: ﴿يَأَيُهاَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ
ج
لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ.
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، قال : ثنى عمى، قال : أخبرنى
يونسُ ، عن الزهرىِّ، قال: أخبرنى أنسُ بنُ مالكِ، أنه كان ابنَ عشْرٍ سنينَ مَقْدَمَ
رسولِ اللَّهِ عَّهِ إلى المدينةِ، فكنتُ أعلَمَ الناسِ بشأنِ الحجابِ حينَ أُنزِلَ، ("لقد كان
أى: أبىُّ بنُ كعبٍ يسألنى عنه. قال: وكان أولَ ما أُنزِلَ(٢) فى مُبْتَنَى رسولِ اللَّهِ عَه
بزينبَ بنتِ جَحْشٍ؛ أصبَح رسولُ اللَّهِ وَهِ بها عَرُوسًا، فدعا القومَ ، فأصابوا من
الطعامِ ثمُ خرَجوا، وبَقِىَ منهم رَهْطٌ عندَ رسولِ اللهِ عَهِ، فَأَطَالوا المُكْثَ، فقامَ
رسولُ اللّهِ مَّهِ فخرَج، وخرَجتُ معه، لكى يخرجوا، فمشَى رسولُ اللَّهِ عَلِ
ومشَيْتُ معه، حتى جاء عَتَبَةَ حجرةٍ عائشةَ زَوْجِ النبىِّ عَلَّهِ، ثم ظَنَّ رسولُ اللَّهِ عَ لـ
أنهم قد خرَجوا، فرجَع ورَجَعْتُ معه، حتى دخَل على زينبَ ، فإذا هم جلوسٌ لم
يقوموا، فرجَع رسولُ اللَّهِ عَظِلّه، ورجَعْتُ معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرَب بينى
وبينَه سِتّرًا، وأُنزِل الحجابُ(٤) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن حميدٍ ، عن أنسٍ ، قال :
دعوتُ المسلمينَ إلى وليمةِ رسولِ اللهِ مظلم ، صبيحةً بنی بزينبَ بنتِ جَحْشٍ،
(١) أخرجه ابن سعد فى الطبقات ١٠٦/٨، ١٧٣، والبخارى (٥٤٦٦)، ومسلم (١٤٢٨)، وابن أبى
عاصم فى الآحاد والمثانى (٣٠٩٠)، والطبرانى ٤٩/٢٤ (١٣٠) من طريق الزهرى به.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١.
(٣) فى م: (( حتى)).
(٤) أخرجه البخارى (٦٢٣٨)، والطبرانى ٤٩/٢٤ (١٣١) من طريق عبد الله بن وهب به.
١٦٤
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
٣٨/٢٢
فأوسَعهم خبزًا ولحمًا ، ثم رجَع كما كان يصنَعُ، فأتَى حُجَرَ نسائِه فسلّم عليهنَّ،
فدَعَوْن له ، ورجعإلى بيته وأنا معه ، فلما انتھَيْنا إلى البابِ إذا / رجلان قد جرَى بهما
الحديثُ فى ناحيةِ البيتِ، فلما أبصَرهما ولَّى راجعًا، فلما رأيا النبيَّ عَِّ ولَّى عن
بيتِهِ ، ولَّيا مُشْرِعَين، فلا أَذْرِى أنا أخبَرتُه، أو أُخيِر، فرجع إلى بيتِه، فأرخَى السّتْرَ
بينى وبينَه ، ونزَلت آيةُ الحجابِ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن حميدٍ ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ،
قال : قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ لرسولِ اللَّهِ مَّهِ: لو حَجَبْتَ عن أمهات المؤمنين.
فإنه يدخُلُ عليك البَرُّ والفاجِرُ، فنزَلت آيةُ الحجابِ(١) .
حدَّثنى القاسمُ بنُ بشرِ بنِ معروفٍ ، قال : ثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال : ثنا
حمادُ بنُ زيدٍ ، عن أيوبَ ، عن أبى قِلابةً ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ، قال: أنا أعلَمُ الناسِ
بهذه الآيةِ؛ آيةِ الحجابِ ، لَّ أُهدِيَتْ زينبُ إلى رسولِ اللهِ عَ لَّهِ صنَع طعامًا، ودَعا
القومَ، فجاءوا فدخَلوا، وزينبُ مع رسولِ اللَّهِ مَ له فى البيتِ، وجعَلوا يتحدَّثون ،
وجعَل رسولُ اللَّهِ مَ لِّ يخرجُ ثم يدخُلُ وهم قعودٌ، قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَّأَّا
اُلَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى: ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾. قال:
فقامَ القومُ، [٦٣٣/٢ظ] وضُرِب الحجابُ(٣).
(١) أخرجه أحمد ٨٠/١٩ (١٢٠٢٣) من طريق ابن أبى عدى به، وأخرجه ابن سعد ١٠٦/٨، ١٠٧،
وأحمد ٣٥٩/٢٠ (١٣٠٧٢)، والبخارى (٥١٥٤)، والنسائى فى الكبرى (٦٩٠٨)، وابن حبان
(٤٠٦٢)، والبغوى (٢٣١٣) من طريق حميد به .
(٢) أخرجه أحمد ٢٩٩/١ (١٦٠) من طريق ابن أبى عدى به، وأخرجه أحمد ٣٦٣/١ (٢٥٠)، والنسائى
فی الکبری (١٠٩٩٨، ١١٤١٨)، وابن حبان (٦٨٩٦)، وغيرهم من طريق حميد به .
(٣) أخرجه ابن سعد ١٠٥/٨، ١٠٦، والبخارى (٤٧٩٢)، والطبرانى ٤٨/٢٤، ٤٩ (١٢٨) من طريق
سليمان بن حرب به، وأخرجه أحمد ١٧١/٢١ (١٣٥٣٨) من طريق حماد بن زيد به.
٠٠٠٠٠
١٦٥
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
حدَّثنی عمرُ بنُ إسماعيل بن مجالدٍ ، قال : ثنا أُبی ، عن بيانٍ ، عن أنس بنِ
مالكٍ، قال: بنَى رسولُ اللَّهِ مَّهِ بامرأةٍ من نسائِه، فأُرسَلَنى، فدعوت قومًا إلى
الطعام، فلما أكَلوا وخرَجوا، قامَ رسولُ اللَّهِ مَّمِ مُنطِقًا قِبَلَ بيتٍ عائشةَ، فرأَى
رَجُلَيْن جالِسَيْن، فانصرف راجعًا، فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ
بُيُوتَ النَّبِيّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾(١).
حدَّثنا عمرُو بنُ علىّ، قال: ثنا أبو داودَ ، قال: ثنا المسعودىُّ، قال: ثنا(٢ أبو
نَهْشَل٢ٍ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أمَر عمرُ نساءَ النبيِّ عَِّ بالحجابِ،
فقالت زينَبُ : يا بنَ الخطابِ ، إنك لتَغارُ علينا والوخى ينزِل فى بيوتِنا. فأنزل اللَّهُ:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ مَرزوقٍ ، قال: ثنا أشْهَلُ بنُ حاتم ، قال : ثنا ابنُ عونٍ ، عن
عمرٍو بنٍ سعيدٍ، عن أنسٍ، قال: وكنتُ مع النبيِّ عَ لَّهِ، وكان يَرُّ على نسائِه.
قال: فأَتِى بامرأةٍ عَروسٍ، ثم جاءَ وعندَها قومٌ، فانْطلَق فقضَى حاجتَه
واحتَبَس، وعادَ وقد خرجوا، قال: فدخَل، فأُرْخَى بينى وبينَه سِترًا. قال :
فحدَّثتُ أبا طلحةً، فقال: إن كان كما تقولُ، لينزِلَنَّ فى هذا شىءٌ، قال: ونزَلت
آيةُ الحجابٍ(٤) .
وقال آخرون : كان ذلك فى بيتٍ أمِّ سَلَمةَ .
(١) أخرجه الترمذى (٣٢١٩) عن عمر بن إسماعيل به، وأخرجه أحمد ١٥١/٢١ (١٣٥٠٢)، والبخارى
(٥١٧٠)، والنسائى فى الكبرى (١١٤١٧) من طريق بيان به .
(٢ - ٢) فى م: ((ابن نهشل))، وينظر تعجيل المنفعة ٢/ ٥٥١.
(٣) أخرجه أحمد ٣٧٢/٧ (٤٣٦٢)، والبزار (١٧٤٨)، والطبرانى (٨٨٢٨) من طريق المسعودى به.
(٤) أخرجه الترمذى (٣٢١٧) من طريق أشهل بن حاتم به .
١
١٦٦
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَلَكِنْ إِذَا
دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ . قال : كان هذا فى
بيتٍ أمِّ سَلَمَةَ، قال: أكَلوا، ثم أَطالُوا الحديثَ، فجعَل النبىُّ عَّهِ يدخُلُ ويخرُجُ،
ويستَحْبِى منهم ، واللَّهُ لا يستحيى من الحقِّ(١).
/ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ
حِجَابٍ﴾. قال: بلَغنا أنهنَّ أَمِرن بالحجابِ عندَ ذلك (١).
٣٩/٢٢
وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَ﴾. يقولُ: إن دخولَكم بيوتَ
النبيِّ، من غيرٍ أن يؤذّنَ لكم ، وجلوسَكم فيها مستأنسين للحديثِ ، بعدَ فراغِکم من
أکلِ الطعامِ الذی ڈُعیتم له - كان يؤذِی النبىَّ ، فيستحیی منكم أن يُخرِجَكم منها ،
إذا قعَدتُم فيها للحديثِ ، بعدَ الفراغ من الطعامِ ، أو يمنعكم من الدخول إذا دخَلتم
بغيرِ إذنٍ ، مع كراهيتِه لذلك منكم، ﴿ وَاَللَّهُ لَا يَسْتَحِىءٍ مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يتَبيَّنَ لكم،
وإن استَخْيا نبيكم(١)، فلم يُبَيِّنْ لكم كراهيتَه(٢) ذلك؛ حياءً منكم، ﴿ وَإِذَا
سَأَلْتُمُوهُنَّ مَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: وإذا سألتم أزواجٌ
رسولِ اللَّهِ عَّهِ ونساءً المؤمنين اللواتى لَسْنَ(٤) لكم بأزواج، متاعًا، ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِن
وَرَآءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: من وراءٍ سترٍ بينكم وبينَهن، ولا تدخُلوا عليهن بيوتَهن؛
﴿ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: سؤالُكم إياهن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) فى ت ١، ت ٢: ((منكم محمد)).
(٣) فى م، ت ١: ((كراهية)).
(٤) فى ت ١، ت ٢: ((ليس)).
١٦٧
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
المتاعَ ، إذا سألتُموهن ذلك من وراء حجابٍ - أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارضٍ
العينِ فيها ، التى تعرِضُ فى صدورِ الرجالِ من أَمْرِ النساءِ ، وفى صدورِ النساءِ من أُمْرٍ
الرجالِ ، وأَخْرَى من أن لا يكونَ للشيطانِ عليكم وعليهنَّ سبيلٌ .
وقد قيل : إن سببَ أمرِ اللَّهِ النساءَ بالحجابِ ، إنما كان من أجلِ أن رجلًا كان
يأكُلُ مع رسولِ اللَّهِ مََّهِ وعائشةُ معهما، فأصابَت يدُها يدَ الرجلِ، فكَرِه ذلك
رسولُ اللَّهِ عَه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: أن رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ
كان يَطْعَمُ ومعه بعضُ أصحابِهِ، فأصابَت يدُ رجلٍ منهم يدَ عائشةَ، فَكَرِه ذلك
رسولُ اللَّهِ عَهِ ، فَنَزَلت آيَةُ الحجابِ(١).
وقيل: نزَلت من أجلِ مسألةِ عمرَ رسولَ اللَّهِ صَلَه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ويعقوبُ ، قالا: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا حميدٌ الطويلُ، عن
أنسٍ ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ، إِن نساءَك يدخُلُ عليهنَّ
البَرّ والفاجِرُ، فلو أَمَرتَهن أن يحتَجِبْنَ؟ قال: فنزَلت آيةُ الحجابِ(١) .
(١) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٧١ من طريق المصنف ، وأخرجه ابن سعد ١٧٥/٨ من طريق
أبى الصباح عن مجاهد، وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد (١٠٥٣)، وابن أبى حاتم كما فى تفسير ابن
كثير ٤٤٥/٦ وغيره من طريق أبى الصباح أيضًا ، عن مجاهد ، عن عائشة قولها، وأخرجه ابن سعد فى
الطبقات ١٧٥/٨ من طريق إسحاق بن يحيى عن مجاهد عن ابن عباس به .
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٦١١) عن يعقوب به، وأخرجه أحمد ٢٩٧/١ (١٥٧)، والبخارى
(٤٠٢، ٤٩١٦)، وابن ماجه (١٠٠٩)، والترمذى (٢٩٦٠) من طريق هشيم به .
١٦٨
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليَّةً، قال: ثنا حميدٌ، عن أنس، عن النبيِّ عَه
بنحوه .
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال: ثنى عمِّى (١) عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ ، قال: ثنی
يونسُ ، عن الزهْرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: إن أزواج النبيِّ عَلِ كُنَّ يَخرُجن
بالليلٍ إذا تَبرّزْنَ إلى المناصِعِ، وهو صعيدٌ أفيحُ، وكان عمرُ يقولُ لرسولِ اللَّهِ ◌ِّعٍ:
احُبْ نساءَك . فلم يكُنْ رسولُ اللَّهِ وَهِ يفْعَلُ، فخرجتْ سودةٌ بنتُ زمعةً ، زوجٌ
النبىَّ ◌َظَه، وكانت امرأةً طويلةً ، فناداها عمرُ بصوتِهِ الأَعلَى: قد عرَفناكِ يا سودةُ .
حِرصًا أن ينزِلَ الحجابُ ، قالت(٢) : فأَنزَل اللَّهُ الحجابَ(٣).
٤٠/٢٢
/ حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ نميرٍ، عن هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن
عائشةَ، قالت : خرَجت سَوْدةُ لحاجتِها، بعدَ ما ضُرِب علينا الحجابُ، وكانت
امرأةٌ تَفْرَعُ النساءَ طولًا، فأبصرها عمرُ، فناداها: يا سوْدَةُ ، إنك واللَّهِ ما تخفِينَ
علينا، فانظُرى كيف تخرجين، أو كيف تَصنَعين؟ فانكفأت ، فرجعت إلى
رسولِ اللَّهِ مَّهِ وإنه ليتعَشَّى، فأخبرته بما كان، وما قال لها، وإن فى يدِه لَعَرْقًا (٤)،
فأوحى إليه، ثم رُفِع عنه، وإن العَرْقَ لفى يدِه، فقال: ((قد أَذِن لكنَّ أن تخرُجنّ
لحاجتكنَ))(٥).
(١) فى م: ((عمرو بن))، وفى ت ١، ت ٢: ((عمر بن)). وقد تقدم السند مرارًا.
(٣) فى م: ((قال)).
(٣) أخرجه أحمد ٢٢٣/٦، ٢٧١ (الميمنية)، والبخارى (١٤٦، ٦٢٤٠)، ومسلم (٢١٧٠) من طريق
الزهری به .
(٤) العرق : العظم أخذ عنه معظم اللحم وبقى عليه لحوم رقيقة طيبة. اللسان (ع رق).
(٥) أخرجه أحمد ٥٦/٦ (الميمنية)، ومسلم (٢١٧٠) من طريق ابن نمير به ، وأخرجه البخارى (٤٧٩٥،
٥٢٣٧)، ومسلم (٢١٧٠)، وابن خزيمة (٥٤)، وغيرهم من طريق هشام بن عروة به .
١٦٩
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
حدَّثنى أحمدُ بنُ محمدِ الطوسىُّ ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ ، قال :
ثنا همامٌ ، قال : ثنا عطاءُ بنُ السائبِ ، عن أبى وائلٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: أمَر عمرُ
نساءَ النبيِّ مَ له بالحجابِ، فقالت زينبُ: يا بنَ الخطابِ، إنك لتغارُ علينا والوحْئُ
ينزِلُ فى بيوتِنا؟ فأنزل اللَّهُ: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسَثَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾(١).
حدَّثنى أبو أيوبَ البَهْرانىُ (١) سليمانُ بنُ عبدِ الحميدِ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ عبدِ ربِّه،
قال : ثنى ابنُ حربٍ، عن الزُّبَيْدِىِّ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ: أن أزواج
النبىِ ێ ، کُنَّ يخرجنَ باللیلِ إذا تَبَّزنَ إلى المناصِعِ، وهو صعیدٌ أفيخُ ، وكان عمرُ
ابنُ الخطابِ يقولُ لرسولِ اللهِ عَهِ: احجُبْ نساءَك، فلم يَكُنْ رسولُ اللَّهِ عَه
يفعَلُ، فخرَجت سَوْدةُ بنتُ زَمعةَ زوج النبيِّ مِلَِّ ليلةً مِن الليالى عِشاءً، وكانت
امرأةٌ طويلةً ، فناداها عمرُ بصوتِهِ الأعْلَى: قد عَرَفناك يا سؤْدَةُ . حِرصًا على أن ينزِلَ
الحجابُ، قالت عائشةُ: فأنزل اللَّهُ الحجابَ، قال اللَّهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
نَدْخُلُواْ بُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَاءٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنْهُ﴾(١).
وقولُه: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه:
وما ينبغى لكم أن تُؤذوا رسولَ اللهِ ، وما يصلُحُ ذلك لكم، ﴿ وَلَآَ أَن تَنْكِحُواْ
أَزْوَجَهُم مِنْ بَعْدِهِ: أَبَدَّأَ﴾. يقولُ: وما ينبغى لكم أن تنكِحوا أزواجَه مِن بعدِه أبدًا؛
لأنهنَّ أمهاتُكم، ولا يحِلُّ للرجُلِ أن يتزوَّجَ أُنَّه .
وذُكِر أن ذلك نزَل فى رجُلٍ كان يدخُلُ قَبْلَ الحجابِ (٤)، قال: لئن مات
محمدٌ لأتزوَّجَنَّ امرأةً من نسائِهِ سمَّاها، فَأَنزَل اللَّهُ تبارك وتعالى فى ذلك:
(١) تقدم تخريجه ص ١٦٥ .
(٢) فى م، ت ١: ((النهرانى))، وغير منقوطة فى ت ٢، والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب الكمال ٢٢/١٢.
(٣) تقدم تخريجه ص ١٦٨ .
(٤) بعده فى ت ٢: ((على بعض من بينه وبينها قرابة فلما نزلت آية الحجاب)).
١٧٠
سورة الأحزاب : الآية ٥٣
﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ- أَبَدًّا
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَا
كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنْكِحُواْ أَزْوَجَهُم مِنْ بَعْدِهِ- أَبَدَّأَ إِنَّ
ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. قال: رُبَّمَا بَلَغ النبىَّ مَّهِ أَن الرجُلَ يقولُ: لو أن
النبيَّ ◌َّهِ تُؤُفِّى، تَزوَّجتُ فلانةَ من بعدِه، قال: فكان ذلك يُؤْذِى النبىَّ مَ لَه، فنزَل
القرآنُ: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ الآية(١).
٤١/٢٢ / حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ ، أن
النبىَّ مَِّ مات وقد ملَك قَتْلَةَ(٢) بنتَ الأشعَثِ، فتزوَّجها ◌ِكْرمةُ بنُ أبى جهلٍ بعدَ
ذلك، فشقَّ على أبى بكرِ مشقةً شديدةً ، فقال له عمرُ: يا خليفةَ رسولِ اللَّهِ ، إنها
ليست من نسائِه، إنها لم يخيّرُها رسولُ اللَّهِ عَلَه ولم يَحُجُبْها، وقدَ برّأُها منه بالردَّةِ
التى ارتَدَّتْ مع قومها، فاطمَأَنَّ أبو بكرٍ وسگن(٣) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن
رسولَ اللَّهِ مْ ◌ِهِ تُؤُفِّى وقد ملَك(٤) بنتَ الأشعثِ بنِ قيسٍ، ولم يجامِعْها. فذكر نحوه(١).
وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. يقولُ: إن أذاكُم
رسولَ اللَّهِ يَّهِ، ونكاحَكم أزواجَه من بعدِه، عندَ اللَّهِ عظيمٌ من الإثم.
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٤٥/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٤/٥ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) فى ت ٢: ((قبيلة)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٤٦/٦ عن المصنف، وأخرجه أبو نعيم - كما فى الإصابة ٨٩/٨ - من
طريق داود به، وأخرجه ابن سعد ١٤٧/٨ من طريق وهيب عن داود قوله. ووقع فى طبقات ابن سعد ١٤٥/٨،
١٤٧، وتاريخ المصنف ١٦٨/٣، والاستيعاب ١٩٠٣/٤، والإصابة ٨٩،٨٨/٨، والسير ٢٥٤/٢ وغيرها :
قتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس .
(٤) بعده فى ت ٢: ((قبيلة)).
١٧١
سورة الأحزاب : الآيتان ٥٤ ، ٥٥
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمًا
يقولُ تعالى ذكره: إن تُظهِروا بألسنتِكم شيئًا أيُّها الناسُ من مراقبةٍ
النساءِ، أو غيرٍ ذلك مما قد (١) نَهاكم عنه، أو أذِّى لرسولِ اللَّهِ مَّ بقوله(١):
لأَتَزَوَّجنَّ زوجته بعدَ وفاتِه . ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾. يقولُ: أو تُخْفُوا ذلك فى أَنفُسِكم،
[٦٣٤/٢ ظ] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ بكلٌّ ذلك وبغيرِهِ
من أمورٍ كم وأمورٍ غيرِكم، عليمٌ لا يخفَى عليه شىءٌ، وهو يُجازِيكم على جميعٍ
ذلك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَ فِىّ ءَابَآِنَّ وَلَّ أَبْنَابِهِنَ وَلَ
إِخْوَنِهِنَّ وَلَآ أَبَاءِ إِخْوَبِهِنَّ وَلَّ أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا نِسَآءِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ
يقولُ تعالى ذكره : لا حرَجَ على أزواج رسولِ اللهِ عَمِ فى آبائهنَّ ولا إثمَ .
٥٥
وَأَتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى وضَع عنهنَّ الجُناعَ فى هؤلاءِ؛ فقال
بعضُهم : وضَع عنهنَّ الجُنَاعَ فى وَضْعِ جلابيِهِنَّ عندَهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكّامٌ، عن عنبسةَ، عن ابنٍ أَبِى لَيَلَى، عن
عبدِ الكريم، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَ فِىِّ ءَابَآِنَ﴾ الآيةِ كُلِّها ،
قال : أن تضَعَ الجلبابَ(٣).
(١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((قول)).
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٢٥/٨، وأبو حيان فى البحر المحيط ٧/ ٢٤٨.
١٧٢
سورة الأحزاب : الآية ٥٥
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
فى قولِ اللَّهِ: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَ فِّ ءَابَآبِنَ﴾. ومَن ذكَر معه أن يَرَوْهنَّ(١).
وقال آخرون: وضَع عنهنَّ الجناحَ فيهم(٢) فى تَركِ الاحتجابِ (٣منهم.
ذكرُ مَن قال ذلك٣)
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿لَّ هُنَاحَ
عَلَيْهِنَ﴾ إلى: ﴿شَهِيدًا﴾: فرخّص لهؤلاء أن لا يحتَجِبْنَ منهم".
٤٢/٢٢
وأولَى القولَيْن فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: ذلك وضعُ الجناحِ عنهنَّ فى
هؤلاءِ المسمَّيْنَ أن لا يَحْتَجِبْنَ منهم، وذلك أن هذه الآيةَ عقيبُ آيةِ الحجابِ ،
وبعدَ قولِ اللَّهِ: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْشَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾. فلأنْ(٥) يكونَ
قولُه: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَ فِىّ ءَابَآِنَّ﴾ . استثناءً من جملةِ الذين أمِروا بسؤالِهِنَّ المتاعَ
من وراءِ الحجابِ ، إذا سألوهنَّ ذلك - أَوْلَى وَأَشبهُ من أن يكونَ خبرًا مبتدأً عن غيرِ
ذلك المعنى .
فتأويلُ الكلام إذنْ: لا إثمَ على نساءِ النبيِّ عَّه ، وأمَّهاتِ المؤمنين، فى إِذْنِهِنَّ
لآبائِهِنَّ، وتَرْكِ الحجابِ منهنَّ، ولا لأبنائِهِنَّ، ولا لإخوانِهنَّ، ولا لأبناءِ إخوانهِنَّ،
وعَنَى بإخوانِهِنَّ وأبناءِ إِخوانِهِنَّ إخوتَهنَّ وأبناءَ إِخوتِهنَّ - وخرَج جَمْعُهم كذلك
(١) تفسیر مجاهد ص ٥٥١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٥/٥ إلى الفریابى وعبد بن حميد وأبى داود
فی ناسخه وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى م: ((فيهن)) .
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٢٥/٨، وأبو حيان فى البحر المحيط ٢٤٨/٧.
(٥) فى م: ((فلا)).
(٦) فى م، ت ١: (( معهم جمع)).
١٧٣
سورة الأحزاب : الآية ٥٥
مخرجَ جمع فتّى إذا جُمِعَ فِتيانٌ ، فكذلك جَمْعُ أخ إذا جُمِعَ إِخوانٌ . وأما إذا جُمِعَ
إخوةٌ، فذلك نظيرُ جَمْعِ فتَى إذا جُمِعَ فِتيةٌ - ولا أبناءِ أخواتِهنَّ(١)، ولم يذكُرْ فِى
ذلك العمَّ، على ما قال الشعبىُ؛ حِذارًا من أن يصِفَهنَّ لأبنائه .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال : ثنا حجاجُ بنُ المنهالِ ، قال: ثنا حمادٌ، عن
داودَ ، عن الشعبىِّ وعكرِمةَ فى قولِه: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِىّ ءَابَآمِنَّ وَلَا أَبْنَابِهِنَّ وَلَآَ
إِخْوَبِهِنَّ وَلَآ أَبَاءِ إِخْوَنِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا نِسَابِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنُّ﴾ .
قلتُ : ما شأنُ العمِّ والخالِ لم يُذْكَرا؟ قالا(١): لأنهما يَنْعَتانِها لأبنائِهما. وكَرِها أن
تضَعَ خِمارَها عندَ خالِها وعمّها(٣) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ ، قال: ثنا حمادٌ، عن داودَ، عن عكرمةَ
والشعبىِّ نحوَه، غير أنه لم يذكُرْ يَنعَتانها .
وقولُه: ﴿ وَلَا نِسَابِهِنَ﴾. يقولُ: ولا بجناحَ عليهنَّ أيضًا فى أن لا يحتَجِبْنَ
من نساءِ المؤمنين .
كما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَلَا نِسَآءِهِنَ﴾. قال: نساءُ المؤمناتِ الحرائرِ، ليس عليهنَّ جناح أن يَرْنَ تلك
الزينةَ. قال: وإنما هذا كلُّه فى الزينةِ ، قال: ولا يجوزُ للمرأةِ أن تنظُرَ إلى شىءٍ من
عورةِ المرأةِ. قال: ولو نظَر الرجلُ إلى فَخِذِ الرجُلِ، لم أرَ به بأسًا. قال: ﴿وَلَ مَا
مَكَتْ أَيَّمَنُهُنْ﴾. فليس ينتَغِى لها أن تكشِفَ قُرْطَها للرجُلِ. قال: وأما الكُخْلُ
(١) فى م: ((إخوانهن)).
(٢) فى النسخ: ((قال)). والمثبت موافق لما فى مصادر التخريج.
(٣) أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ٢٣٠/١٦ من طريق المصنف به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٤٦/٦
عن المصنف ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٥/٥ إلى ابن المنذر عن عكرمة.
١٧٤
سورة الأحزاب : الآيتان ٥٥، ٥٦
والخاتَمُ والخِضِابُ. فلا بأسَ به. قال: والزوجُ له فَضْلٌ، والآباءُ من وراءِ الرجلِ لهم
فَضْلٌ، قال: والآخرون يتفاضَلون، قال: وهذا كلَّه يجمَعُه ما ظهَر من الزينةِ.
قال: وكان أزواج النبيِّ عَّهِ لا يحتَجِبْنَ من المماليكِ(١).
وقولُه: ﴿ وَلَ مَا مَكَتْ أَيَّمَنُهُنُّ﴾ من الرجالِ والنساءِ . وقال آخرون: من النساءِ.
وقولُه: ﴿ وَتَّقِينَ اللَّهَّ﴾. يقولُ: وخِفْنَ اللَّهَ أيها النساءُ أن تتعدَيْنَ ما حَدَّ اللَّهُ
لكُنَّ، فتُبْدِين من زينتِكُنَّ ما ليس لَكُنَّ أن تبدِينَه، أو تَتَرُكْنَ الحجابَ الذى
أمَرِكُنَّ اللَّهُ بلزومِهِ، إلا فيما أباح لَكُنَّ تَوْكَه، والْزَمْنَ طاعتَه. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن اللَّهَ شاهدٌ على ما تفعَلْنَه من
/ احتجابِكُنَّ، وتركِكُنَّ الحجابَ لمن أَبَحْتُ لكُنَّ تركَ ذلك له، وغيرِ ذلك من
أمورِ كُنَّ، يقولُ: فاتَّقِينَ اللَّهَ فى أَنفُسِكُنَّ؛ لا تلقَيْنَ اللَّهَ وهو شاهدٌ عليكم بمعصيته،
وخلافٍ أمرِهِ ونَهيِهِ، فَتَهْلِكنَ، فإنه شاهدٌ على كلِّ شيءٍ .
٤٣/٢٢
[٦٣٥/٢و] القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَتَبِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى
٥٦
النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ وملائكته يُرِّكون على النبيِّ محمدٍ عَلَّه .
کما حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنٍ
عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ
عَلَيْهِ﴾. يقولُ: يُبَرِّكون(٢) على النبيّ(٢).
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢٤٨/٧ مختصرًا .
(٢) فى م: ((يباركون)).
(٣) علقه البخارى (٥٣٢/٨ - فتح)، وذكره ابن حجر فى تغليق التعليق ٢٨٦/٤ عن المصنف، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢١٥/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
١٧٥
سورة الأحزاب : الآية ٥٦
وقد يحتَمِلُ أن يقال: إن معنى ذلك: إن اللَّهَ يرحَمُ النبيَّ، ويدعو له ملائكتُه
ويستغفِرون . وذلك أن الصلاةَ فى كلامِ العربِ من غيرِ اللَّهِ إِنما هو دعاءٌ. وقد بيَّنا
ذلك فيما مضى من كتابنا هذا بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه(١).
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ﴾: يقولُ تعالى ذكره: يأيُّها الذين آمنوا
ادعوا لنبىِ اللَّهِ محمدٍ عََّهِ، وسلِّموا عليه ﴿تَسْلِيمًا﴾. يقولُ: وحَيُّوه تحيةَ الإسلامِ
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك(٢)، جاءت الآثارُ عن رسولِ اللَّهِ ◌َّه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا هارونُ، عن عنبسةَ، عن عثمانَ بنِ مَوْهَبٍ ، عن
موسى بنٍ طلحةً، عن أبيه، قال: أتى رجلٌ النبىَّ عَّهِ، فقال: سمِعتُ اللَّهَ يقولُ:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَّهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ الآية، فكيف الصلاةُ عليك؟ فقال :
((قُلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ ، إِنَّكَ
حَمِيدٌ مَجيدٌ ، وبارِكْ على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ، كما باركْتَ على (١) إبراهيمَ،
إِنَّك حَمِيدٌ مَجيدٌ)) (٤).
حدَّثنى جعفرُ بنُ محمدِ الكوفىُّ ، قال: ثنا يعلَى بنُ الأجلَحِ، عن الحكمِ بنِ
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٤٨/١.
(٢) بعده فى ت ٢: ((قال أهل التأويل)).
(٣) بعده فى ت ١: ((آل)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٧/٢، وأحمد ١٦/٣ (١٣٩٦)، والنسائى (١٢٩١،١٢٩٠)، والبزار (٩٤١،
٩٤٢)، وأبو يعلى (٦٥٢ - ٦٥٤)، والشاشى (٣)، وابن أبى عاصم - كما فى الدر المنثور ٢١٦/٥ - ومن
طريقه الضياء فى المختارة (٨٢٤)، وغيرهم ، من طريق عثمان بن موهب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
إلی عبد بن حميد وابن مردويه .
١٧٦
سورة الأحزاب : الآية ٥٦
تُتيبةً(١) ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبِى لَّيْلَى، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال: لما نزلت :
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا﴾، قمتُ إليه، فقلتُ: السلامُ عليك قد عَرَفناه ، فكيف الصلاةُ علیك یا
رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((قُلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على
إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارِكْ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما
باركْتَ على إبراهيمَ وَآلِ إبراهيمَ ، إِنَّك حَميدٌ مَجيدٌ ))(٢) .
٤٤/٢٢
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا أبو إسرائيلَ، عن
يونسَ بنِ خَّابٍ (١)، قال: خطَبَنا بفارسَ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى
النَّبِيِّ﴾ الآية. فقال: أنبأنى من سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: هكذا / أُنزِل، فقلنا أو
قالوا: يا رسولَ اللهِ، قد علِمنا السلامَ عليك، فكيفَ الصلاةُ عليك؟ فقال: ((اللَّهُمَّ
صَلِّ على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ ، إِنَّك
حَميدٌ مَجيدٌ ، وبارِكْ على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ، كما باركْتَ على إبراهيمَ ، إِنَّك
حَمیدٌ مَجیدٌ))(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن زيادٍ ، عن إبراهيمَ فى قوله :
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ﴾ الآية، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ هذا السلامُ قد عرفناه، فكيفَ
(١) فى ت ١، ت ٢: ((عيينة)).
(٢) أخرجه عبد بن حميد (٣٦٨)، والترمذى (٤٨٣) من طريق يعلى بن الأجلح به، وأخرجه الطيالسى
(١١٥٧)، وعبد الرزاق (٣١٠٥)، وابن أبى شيبة ٥٠٧/٢، وأحمد (١٨١٠٤، ١٨١٠٥)، والبخارى
(٦٣٥٧)، ومسلم (٤٠٦)، وأبو داود (٩٧٦، ٩٧٧)، وابن ماجه (٩٠٤)، والترمذى (٤٨٣)، والنسائى
٤٧/٣، وغيرهم من طريق الحكم بن عتيبة به، وأخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٤٤٩/٦ - من
طريق ابن أبى ليلى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٥/٥، ٢١٦ إلى سعيد بن منصور وابن مردويه.
(٣) فى ت١، ت٢: ((حباب)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٥٤/٦ عن المصنف .
١٧٧
سورة الأحزاب : الآية ٥٦
الصلاةُ عليك؟ فقال: ((قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ عَبْدِكَ ورَسولِك وأهْلِ بَيِّه ،
كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ ( وبارِكْ عليه وعلى آلٍ بيتِه، كما
باركتَ على إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ )))(٢) .
حدَّثنى يعقوبُ الدَّورقِيُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال : ثنا أيوبُ ، عن محمدِ بنِ
سيرينَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ بشرِ بنِ مسعودٍ الأنصارىِّ، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ
وَمَبِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾.
قالوا : يا رسولَ اللَّهِ هذا السلامُ قد عرفناه، فكيف الصلاةُ، وقد غفَر اللَّهُ ما تقدَّم مِن
ذنبِك وما تأخّر؟ قال: ((قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على آلٍ
إبراهيمَ ، اللَّهُمَّ بارِكْ على محمدٍ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ)) (١).
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ
وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ .
قال: لما نزَلت هذه الآيةُ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قد علِمنا السلامَ عليك، فكيفَ
الصلاةُ عليك؟ قال: ((قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ ،
وبارِكْ على محمدٍ، كما باركْتَ على إبراهيمَ )). وقال الحسنُ: ((اللهمَّ اجعَلْ
صلواتِك وبركاتِك على آلِ محمدٍ، كما جعَلتَها على إبراهيمَ، إنكَ حَميدٌ
مَجیدٌ )) .
(١ - ١) سقط من: م، ت ١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٦/٥ إلى المصنف.
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (٩٨٧٩) من طريق ابن سيرين به، وأخرجه أيضًا (٩٨٧٨)، وفى المجتبى
(١٢٨٥)، والمزى فى تهذيب الكمال ٥٥١/١٦ من طريق ابن سيرين ، عن عبد الرحمن بن بشر، عن
أبى مسعود مرفوعًا .
( تفسير الطبرى ١٢/١٩ )
١٧٨
سورة الأحزاب : الآيتان ٥٧ ، ٥٨
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا
وَاُلْأَخِرَةِ وَأَعَّ لَمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا
أَكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِنْمَا قُبِينًا
٥٨
يعنى بقولِه تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ﴾: إن الذين يُؤذون رَبَّهم
بمعصيتهم إياه، ورُكوبِهم ما حرَّم عليهم .
وقد قيل : إنه عنَى بذلك أصحابَ التصاويرِ، وذلك أنهم يَرومُون تكوينَ خَلْقٍ
مثلَ خَلْقِ اللَّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمد[ ٦٣٥/٢ظ] بنُ سعد ) القرشیُ، قال : ثنا یحیی بنُ سعیدٍ ، عن
سَلَمَةَ بنِ الحجاج، عن عكرمةَ، قال: الذين يُؤذون اللَّهَ ورسولَه، هم أصحابُ
(٢)
التصاوير .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَذَ لَهُمْ عَذَابًا ◌ُهِينًا﴾ .
قال: يا سبحانَ اللَّهِ، ما زالَ أُناسٌ من جهَلَةٍ بنى آدمَ حتى تَعاطَوْا أَذَى
رَبِّهم، وأمَّا أَذاهم رسولَ اللَّهِ عِ ظَهِ فهو طَعْنُهم عليه فى نكاحِه صفيةً بنتَ حُبَىِّ ،
فیما ذُكِرَ .
/ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
٤٥/٢٢
(١ - ١) فى ت ١: ((عمر بن سعيد))، وفى ت ٢: ((عمرو بن سعيد)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٨٥/٨ من طريق يحيى بن سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٠/٥ إلى
ابن أبى حاتم .
١٧٩
سورة الأحزاب : الآيتان ٥٧ ، ٥٨
أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا
وَاُلْأَخِرَةِ وَأَعَذَّلَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قال: نزَلت فى الذين طَعَنوا على النبيِّ ◌َ لَّ حِينَ
اتخَذ صفيةً بنتَ حُبِىٌّ بنِ أُخطَبَ (١).
وقولُه: ﴿﴿ لَعَهُمُ اللَّهُ فِىِ الدُّنْيَا وَاُلْأَخِرَةِ وَأَعَذَ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينَ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه : أبَعدهم اللَّهُ من رحمتِه فى الدنيا والآخرةِ، وأعدَّ لهم فى الآخرةِ عذابًا
يُھینُھم فیه بالخلودِ فیه .
وقولُه: ﴿ وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كان مجاهدٌ يوجّهُ معنى قولِه:
يُؤْذُونَ﴾ إلى يَقْفُونَ(٢) .
ذكرُ الروايةِ بذلك عنه
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾. قال: يَقْفُونَ(٣) .
فمعنَى الكلامِ على ما قال مجاهدٌ : والذين يَقْفُون المؤمنين والمؤمناتِ ،
ويَعِيبُونهم ؛ طلبًا لِشَيْنِهم .
﴿ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾. يقولُ: بغيرِ ما عمِلوا .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثناعيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٠/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) فى ت ٢: ((يفسقون)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٢.
١٨٠
سورة الأحزاب : الآيتان ٥٨، ٥٩
فى قوله: ﴿بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾. قال: عمِلوا (١).
حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ ، قال : ثنا عَثّامُ بنُ علىٍّ ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ ، قال :
قرَأ ابنُ عمرَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدٍ
احْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِثْمَّا فُِينًا﴾. قال: فكيفَ إِذا أَوذِىَ بالمعروفِ ، فذلك يُضاعفُ له
(٢)
العذابُ(٢) .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا عثَّامُ بنُ علىّ ، عن الأعمشِ، عن ثورٍ ، عن ابنِ
عمرَ: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾. قال: كيفَ
بالذى يأتى إليهم المعروفَ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
اٌلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَئًا وَإِنْمَّا قُِّينًا﴾ فإِيَّكم
وأذَى المؤمنِ ، فإن اللَّهَ يَحوطُه ، ويغضَبُ له(٣).
وقولُه: ﴿فَقَدٍ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا تُبِينًا﴾. يقولُ: فقد احتملوا زُورًا و كَذِبًا
وفِرِيةً شَنيعةٌ. والبهتانُ(٤): أفحَشُ الكذِبِ، ﴿ وَإِنْمَّا ◌ُِينًا﴾. يقولُ: وإثمًا يَيْنُ
لسامعه أنه إثم وزُورٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَ مِن جَلَبِيِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
٥٩
رَّحِيمًا
(١) تفسير مجاهد ص ٥٥٢، وأخرجه ابن سعد فى الطبقات ١٧٧/٨ من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٠/٥ إلى الفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٠/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٠/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبن ابى حاتم.
(٤) فى م، ت١: (( بهتان)).