النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سورة الأحزاب : الآيتان ٣٩، ٤٠ يقولُ تعالى ذكره : سنةُ اللَّهِ فى الذين خلَوْا مِن قبلِ محمدٍ مِن الرسلِ ، الذين يُلِّغون رسالاتِ اللَّهِ إِلى مَن أَرْسِلوا إليه، ويخافون اللّهَ فى تركهم تبليغَ ذلك إيَّاهم ، ولا يخافون أحدًا إلا اللّهَ، فإنهم إِيَّه يَرْهَبون، إن هم قصَّروا عن تبليغِهِم رسالةَ اللَّهِ إلى مَن أُرْسِلوا إليه . يقولُ لنبيّه محمدٍ : فمِن أولئك الرسلِ الذين هذه صفتُهم ، فكُنْ ولا تَخْشَ أحدًا إلا اللَّهَ، فإنَّ اللَّهَ يَمْنَعُك مِن جميع خلقِه ، ولا يَمْتَعُك أحدٌ مِن خلقِه منه ، إن أراد بك سوءًا . و ((الذين)) مِن قولِه: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ﴾. خفضٌ ردًّا على ((الذين)) التى فى قوله: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِ الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾ . وقولُه: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: وكفاك يا محمدُ باللَّهِ حافظًا لأعمالٍ خلقِه، ومُحاسِبًا لهم عليها . / القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن ١٦/٢٢ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّنُّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا يقولُ تعالى ذكرُه : ما كان أيُّها النَّاسُ محمدٌ أبا زيدِ بنِ حارثةً ، ولا أبا أحدٍ مِن رجالِكم الذين لم يَلِدْه محمدٌ - فيحرُمَ عليه نكاح زوجتِه بعد فِراقِه إياها ؛ ولكنه رسولُ اللَّهِ وخائُمُ النِّين، الذى ختَم النَّوَّةَ فطبَع عليها ، فلا تُفْتحُ لأحدٍ بعدَه إلى قيامٍ الساعةِ ، وكان اللَّهُ بكلِّ شىءٍ مِن أعمالِكم ومقالِكم وغيرِ ذلك، ذا علم ، لا يَخْفَى علیه شىءٌ . وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ١٢٢ سورة الأحزاب : الآية ٤٠ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَباً أَحَدٍ مِّن رِجَالِگُمْ ﴾ . قال : نزلت فی زیدٍ ؛ إنه لم یکنْ بائنه ، ولعَمْرِی ولقد ◌ُلِد له ذكورٌ، إنه لأبو القاسم وإبراهيمَ والطَّيِّبِ والمطهّرِ، ﴿ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَّمَ النَّيِّئِنُّ﴾. أى: آخرَهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ ، قال: ثنا علىُ بنُ قادم، قال: ثنا سفيانُ، عن نُسَيْرٍ(١) ابنِ ذُعْلُوقٍ، عن علىِّ بنِ الحسينِ فى قوله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ . قال: نزلت فى زيدِ بنِ حارثةً(٢) . والنَّصْبُ فى رسولِ اللهِ مِِّ بمعنى تكرير: كان(٤) رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ، والرّفُ يعنى الاسْتِئنافَ؛ ولكن هو رسولُ اللَّهِ، والقراءةُ النَّصْبُ عندَنا(٥). واختلفتِ القَرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَخَاتَمَ التَِّئِنُّ﴾. فقرَأ ذلك قرَأَةُ الأمصارِ سِوى الحسنِ وعاصمٍ، بكسرِ التاءِ مِن ﴿ وَخَاتَمَ النَّبِئِنُّ﴾. بمعنى أنه خَتَمِ النَّبِّين، ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (لكنَّ نبيًّا ختَم النبيين) (١). فذلك دليلٌ على صحةٍ قراءةٍ مَن قرأَه بكسرٍ التاءٍ، بمعنى أنه الذى خَتَم الأنبياءَ عَه وعليهم. وقرَأ ذلك - فيما يُذْكَرُ - الحسنُ وعاصمٌ: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِّئِنَّ﴾. بِفَتْحِ (١) أخرجه عبد الرزاق ١١٨/٢، عن معمر عن قتادة مختصرا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم . (٢) فى ت١: ((بشير))، وفى ت٢: ((يسير)). ينظر تهذيب الكمال ٣٣٩/٢٩. (٣) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٥٥/١٩، ٣٥٦، من طريق سفيان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٥، إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٤) سقط من : ت١ . (٥) ينظر معانى القرآن للفراء ٣٤٤/٢ . (٦) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف . ١٢٣ سورة الأحزاب : الآيات ٤٠ - ٤٤ التاءِ ، بمعنى: أنه آخرُ النبيِّين، كما قرأ: (مختوم. خاتَمُه مِشْكٌ). بمعنى: آخرُه مِسكٌ، مَن قرأ ذلك كذلك(١). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ آذَكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ٤١ هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَئِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَتِ ٤٢ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا تَجِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا إِلَى النُّورِّ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ٤٤ کریمًا / يقولُ تعالى ذكْرُه: يَأْيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، اذْكُروا اللَّهَ بقلوبِكم ١٧/٢٢ وألسنتكم وجوارٍحکم ذكْرًا كثيرًا ، فلا تخلو أبدانُکم مِن ذكْرِه فى حالٍ مِن أحوالٍ طاقتِكم ذلك. ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. يقولُ: صلُّوا له غُدْوةً صلاةَ الصبحِ، وعشيًّا صلاةَ العصرِ. وقولُه: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَتَبِكَتُهُ ﴾ . يقولُ تعالى ذكْرُه: ربُّكم الذى تذْكُرونه الذِّكْرَ الكثيرَ، وتسبّحونه بُكرةً وأصيلاً، إذ أنتم فعَلْتُم ذلك ، الذى(٢) يرحمكم، ويُثْنى عليكم هو، ويدعو لكم(٢) ملائكته. وقيل: إن معنى قولِه: يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ﴾. يُشِيعُ عنكم(٤) الذِّكرَ الجميلَ فى عبادِ اللَّهِ. وقولُه: لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾. يقولُ: تدعو ملائكةُ اللَّهِ لكم، فيُخْر بحكم اللَّهُ مِن الضَّلالةِ إلى الهُدى، ومِن الكفرِ إلى الإسلامِ. وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. (١) هى قراءة الكسائى المدنى، ينظر النشر ٣٩٩/٢، ومعانى القرآن للفراء ٢٤٤/٢، ٢٤٨/٣، وحجة القراءات ص ٥٧٨ . (٢) بعده فى ت١: (( تذكرونه الذكر الكثير ويسبحونه)). (٣) بعده فى ص، ت١، ت٢: ((و). (٤) فى ص، ت١، ت٢: ((عليكم)). ١٢٤ سورة الأحزاب : الآيات ٤١ - ٤٤ ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىِّ ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: لا يَفرِضُ على عبادِه فريضةً إلا جعَل لها حدًّا معلومًا، ثم عذَر أهلَها فى حالٍ عُذْرٍ غيرَ الذِّكْرٍ، فإن اللَّهَ لم يَجْعَلْ له حدًّا يُنْتَهى إليه، ولم يَعْذِرْ أحدًا فى تَوْكِه إلا مغلوبًا على عقلِه؛ فقال: ﴿فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. بالليلِ والنهارِ فى البرِّ والبحرِ، وفى ج السفرِ والحضرِ، والغِنى والفقرِ، والسَّقمِ والصحةِ ، والسرِّ والعلانيةِ، وعلى كلِّ حالٍ، وقال: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. فإذا فعلتُم ذلك صلَّى عليكم هو وملائكتُه، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِّكَتُهُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَبِّحُوهُ بَّكّرَةُ وَأَصِيلًا﴾: صلاةَ الغَداةِ، وصلاةَ العصرِ(١). وقولُه: ﴿لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ ﴾. أى: من الضَّلالاتِ إلى الهُدى . حدَّثنی یونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهب، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُورِ﴾. قال: مِن الضَّلالةِ إلى الهُدى ، قال: والضَّلالةُ الظُّلماتُ ، والنورُ الهدى. وقولُه: ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ . يقول تعالى ذكْرُه : وكان بالمؤمنين (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٢٧/٦ عن على بن أبى طلحة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٩/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . ١٢٥ سورة الأحزاب : الآيات ٤٣ - ٤٨ به ورسوله ذا رحمةٍ أن يعذِّبَهم وهم له مُطِيعون ، ولأمرِهِ مُتَّبعون . تِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَكُ سَلَمٌ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه : تحيةُ هؤلاء المؤمنين يومَ القيامةِ فى الجنةِ سلامٌ، يقولُ بعضُهم لبعضٍ: أَمَنَةٌ لنا ولكم بدُخولِنا هذا المَدْخَلَ مِن اللَّهِ أن يعذِّبَنا بالنارِ أبدًا . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمٌ ﴾. قال: تحيةُ أهلِ الجنةِ السلامُ(١). / وقولُه: ﴿ وَأَعَذَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾. يقولُ: وأعدَّ لهؤلاء المؤمنين ثوابًا لهم ١٨/٢٢ على طاعتِهم إياه فى الدنيا كريمًا ، وذلك هو الجنةُ . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾: أى الجنةَ(٢) . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا (﴿جَ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٨) وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ وَلَا نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ وَكَفَى ٤٧ فَضْلًا كَبِيرًا ( بِاللَّهِ وَكِيلًا ٤٨ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ ظِلِّ: يا محمدُ ، إنا أرسلناك شاهدًا على أمتِك ، بإبلاغِك إياهم ما أرسَلناك به من الرسالةِ، ومبشِّرَهم بالجنةِ إن صدَّقوك، وعمِلوا بِما جئتهم به من عندِ ربِّك، ونذيرًا مِن النارِ أن يَدْخلوها، فيُعذّبوا بها إن هم كذَّبوك، وخالفوا ما جئتَهم به مِن عندِ اللَّهِ . (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٩/٢ عن معمر عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٦/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٦/٥ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . ١٢٦ سورة الأحزاب : الآيات ٤٥ - ٤٨ وبالذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا﴾(١) على أمتِك بالبلاغ، ﴿وَمُبَشِيرًا﴾ بالجنةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنارٍ(١). وقولُه: ﴿وَدَاعِيًّا إِلَى اللّهِ﴾. يقولُ: وداعيًا إلى توحيدِ اللَّهِ، وإفرادِ الألوهةِ له، وإخلاصِ الطاعةِ لوجهِه، دونَ كلِّ مَن سواه مِن الآلهةِ والأوثانِ . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾: إلى شهادة أن لا إلهَ إلا اللَّهُ(٢). وقولُه: ﴿ بِإِذْنِهِ﴾. يقولُ: بأمرِهِ إياك بذلك، ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. يقولُ: وضياءً لخلقِه، يَسْتَضِىءُ بالنورِ الذى أتيتَهم به مِن عندِ اللَّهِ ، عباده ، مُنِيرًا﴾. يقولُ: ضياءً يُنيرُ لمن استضاء بضوئِه، وعمِل بما أمَره . وإنما [ ٦٢٨/٢ و] يَعْنى بذلك : أنه يَهْدِى به مَن اتبَعه مِن أمتِه . وقولُه: ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبشِّرْ أهلَ الإِيمانِ باللَّهِ يا محمدُ ، بأن لهم مِن اللَّهِ فضلًا كبيرًا. يقولُ: بأن لهم مِن ثوابِ اللَّه(٣) على طاعتِهم إياه تضعيفًا كثيرًا(٤)، وذلك هو الفضلُ الكبيرُ مِن اللَّهِ لهم. وقولُه: ﴿ وَلَا نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾. يقولُ: ولا تُطِع لقولٍ كافرٍ ولا منافقٍ، فتسمعَ منه دعاءَه إياك إلى التقصيرِ فى تبليغ رسالاتِ اللَّهِ (١) بعده فى ت١: ((ومبشرا شاهدا)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم . (٣) بعده فى ت٢: ((فضلا كبيرا)). (٤) فى ت١، ت٢: ((كبيرا)). وبدون نقط فی ( ص)). ١٢٧ سورة الأحزاب : الآيتان ٤٨، ٤٩ . يقولُ : وأعرض عن أذاهم إلى مَن أرسَلك بها إليه مِن خلقِه ﴿وَدَعْ أَذَنُهُمْ﴾ لك، واصبِرْ عليه، ولا يُثْنِكُ(١) ذلك عن القيام بأمرِ اللَّهِ فى عبادِه، والنفوذِ لما كلّفك . وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ١٩/٢٢ / ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ (٢) قوله: ﴿ وَدَعْ أَذَئھُمْ﴾ . قال : أُعرِض عنهم ٠ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَدَعْ أَذَنَهُمْ﴾ : أى اصبِرْ على أذاهم(٣). وقولُه: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وفوِّض إلى اللَّهِ أَمورَك، وثق به، فإن اللَّهَ كافيك جميعَ مَن دونَه، حتى يأتيَك أمرُه وقضاؤه، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. يقولُ: وحسبُك باللَّهِ قَيِّمًا بأمورِك، وحافظًا لك وكالًا . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِذَّةٍ تَعْنَدُونَهَا فَمَتْعُوهُنَّ وَسَرِجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ٤٩ (١) فى م: ((يمنعك)). (٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٠ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٧/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٩/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم . ١٢٨ سورة الأحزاب : الآية ٤٩ يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صَدَّقَّوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ اٌلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ ﴾ ، يَعْنى: مِن قبلٍ أن تجامِعوهن، ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُونَهَا ﴾ ، يعنى: مِن إحصاءٍ أَقْراءٍ ولا أشهرٍ تحصُونها عليهنّ، ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ . يقولُ: أعطُوهنّ ما يَسْتَمْتِعن به مِن عرَضٍ أو عينِ مالٍ . وقولُه: ﴿وَسَرِجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. يقولُ: وخَلُّوا سبيلَهنّ تخليةٌ بالمعروفِ ، وهو التسريحُ الجميلُ . وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا علىّ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ، قال : ثنی معاویةُ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا﴾. فهذا فى الرجلِ يتزوجُ المرأةَ ، ثم يُطَلِّقُها مِن قبل أن يمِشَها، فإذا طلَّقها واحدةً بانت منه، ولا عدّةَ عليها، تتزوّجُ مَن شاءَت، ثم قرأ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ . يقولُ: إن كان سَمَّى لها صَداقًا ، فليس لها إلا النصفُ ، فإنْ لم يَكُنْ سَمَّى لها صداقًا، متَّعها على قدرٍ عسرِه ويُشْرِه، وهو السرائحُ الجميلُ(١). وقال بعضُهم: المتعةُ فى هذا الموضع منسوخةٌ بقولِه: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٧/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . ١٢٩ سورة الأحزاب : الآيتان ٤٩، ٥٠ ءَامَنُوْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ . قال : قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: ثم نَسَخ هذا الحرفُ / المُتْعَةَ: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ ٢٠/٢٢ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾(١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا : ثنا محمدُ بنَّ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، قال : سمِعتُ قتادةَ يُحدِّثُ عن سعيد بن المسيبِ، قال: نُسخت هذه الآيةُ: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَأَنْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا فَمَنِعُوهُنَّ(١)﴾. قال: نَسَخت هذه الآيةُ التى فى (٣) ((البقرة))(٢). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَنَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّ أَهْلِلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَأَيْتَ أُجُورَهُرْبَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبِنَاتٍ عَمَّكَ وَبَنَاتِ عَمَّنْتِكَ وَبَنَاتٍ خَالِكَ، وَيَنَاتٍ خَلَئِكَ أَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَأَقْرَةٌ مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ إِنْ أَرَادَ اُلِِّىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ اَلْمُؤْمِنِينُّ قَدْ عَلِمْنَامَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىّ أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ( يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لَّهِ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَاكَ الَّتِىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُرَ﴾. يعنى: اللاتى تزوَّجْتَهنَّ بصَداقٍ مُسَمّى. كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا [٦٢٨/٢ظ] عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (١) تقدم تخريجه فى ٢٩٦/٤، ٢٩٧. (٢) سقط من: من، ١٥، ت٢، ت٣. (٣) تقدم فى ٢٩٧/٤. ۔ ( تفسير الطبرى ٩/١٩ ) ١٣٠ سورة الأحزاب : الآية ٥٠ عن ابنٍ أَبِى نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَانَيْتَ أُجُورَهُربَ ﴾. قال : (١) صَدُقاتهنَّ(١). حدَّثَنَى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُّ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ يَأْتُّهَا التَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُربَ ﴾. قال: كان كلُّ امرأةٍ آتامها مهرًا ، فقد أحَلَّها اللَّهُ له . حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ أَلَّتِىّ ءَاتَّيْتَ أَجُورَهُرَبَ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . فما كان مِن هده التسميةِ ما شاء كثيرًا أو قليلاً. وقولُه: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ يَمِنُكَ مِنَّآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴾. يقولُ: وَأَحْلَلْنا لَكِ إماءَك اللَّواتى سَبَيْتَهن، فملَكْتَهن بالسِّباءِ، وصِرْنَ لك بفتحِ اللَّهِ عليكُ مِن الفَىْءِ، ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾، فأحلَّ اللّهُ له ◌َِِّ مِن بناتِ عِّه وعماتِه وخالِه وخالاتِه ، المهاجراتِ معه منهن، دونَ مَن لم يهاجِرْ منهن معه . كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبيدُ(٢) اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن ٢١/٢٢ السدىٌّ، عن أبى صالح، / عن أمّ هانىٍّ، قالت: خطَبنى رسولُ اللَّهِ وَ لَهِ، فاعتذرتُ إليه (٣) فعذَرنى(٤)، ثم أَنزَل اللَّهُ عليه: ﴿إِنَّ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَاتَيْتَ (١) تفسير مجاهد ص ٥٥٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) فى م، ت١، ت٢: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ١٦٤/١٩. (٣) فى م: (( له)). (٤) فى م، ت١: ((بعذرى)). ١٣١ سورة الأحزاب : الآية ٥٠ أُجُورَ هُرَ ﴾ إلى قولِه: ﴿الَّتِ هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾. قالت: فلم أحلَّ له(١)؛ لم أُهَاجِرْ معه ، كنتُ مِن الطُّلَقَاءِ(٢) . وقد ذُكر أن ذلك فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ : ( وبَنَاتِ خالاتِكَ وَاللَّتِى هاجَوْنَ مَعَكَ ) بواوٍ(١) ، وذلك وإن كان كذلك فى قراءته، محتملٌ أن يكونَ بمعنى قراءتِنا بغيرِ الواوٍ، وذلك أن العربَ تدخلُ الواوَ فى نعتِ مَن قد تقدَّم ذكرُه أحيانًا ، كما قال (٤) الشاعرُ: لِيَفْعَلَ حتى يُصْدِرَ الأُمرَ مُصْدَرَا فإِنَّ رُشَيْدًا وابنَ مَرْوانَ لم يَكُنْ ورشيدٌ هو ابنُ مروانَ . وكان الضحاكُ بنُ مُزاحم يتأوَّلُ قراءةَ عبدِ اللَّهِ هذه أنهن نوعٌ غيرُ بناتٍ خالاتِه، وأنهنَّ كلٌّ مُهاجرةٍ هاجرت مع النبيِّ عَ لَّهِ . ذكرُ الخبرِ عنه بذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ ، قال : سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى حرفِ ابنِ مسعودٍ : ( وَاللَّتِى هاجَرْنَ مَعَكَ). يعنى بذلك: كلَّ شىءٍ هاجَر معه ليس مِن بناتِ العمِّ والعمةِ ، ولا مِن بناتِ الخالِ والخالةِ . (١) بعده فى ت١: ((لأنى)). (٢) أخرجه ابن سعد ١٥٣/٨، وإسحاق بن راهويه فى مسنده (٨)، وعبد بن حميد - كما فى الدر المنثور ٢٠٨/٥ - وعنه الترمذى (٣٢١٤) - وابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٤٣٣/٦، ٤٣٤- والطبرانى ٤١٣/٢٤، ٤١٤ (١٠٠٧)، والحاكم ٤٢٠/٢، والبيهقى ٥٤/٧ من طريق عبيد الله بن مرسى به. وأخرجه ابن سعد ١٥٣/٨، وابن عدى ٥٠٣/٢، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٤٣٤/٦- من طريق أبى صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى ابن مردويه . (٣) قراءة ابن مسعود شاذة لمخالفتها رسم المصحف . (٤) البيت فى معانى القرآن للفراء ٣٤٥/٢. ١٣٢ سورة الأحزاب : الآية ٥٠ وقولُه: ﴿وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِ﴾. يقولُ: وأخَلْنا له امرأةً مؤمنةً إِن وَهَبَت نفسَها للنبىٌّ بغيرِ صَداقٍ . كما حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثناعيسى ، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَمََّةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَِّّ﴾ بغيرِ صَداقٍ ، فلم يَكَنْ يُفْعَلُ ذلك، وأُحِلٌّ له خاصةٌ مِن دونِ المؤمنين(١). وذُكر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ: (وَامْرأَةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَِّىِّ) . بغيرِ ((إِن))، ومعنى ذلك ومعنى قراءتنا وفيها ((إن)) واحدٌ، وذلك كقول القائلِ فى الكلام : لا بأسَ أَن يَطَأَ جاريةٌ مملوكةٌ إِن مَلَكها، وجاريةً مملوكةً ملكها . وقولُه: ﴿ إِنْ أَرَدَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾. يقولُ: إن أرادَ أن ينكحها ، فحلالٌ له أن ينكحها إذا وهبت نفسَها له بغيرِ مهرٍ، ﴿ خَالِصَةٌ لَّكَ﴾، يقولُ: لا يَحِلُ لأحدٍ مِن أَمَّتِك أن يقربَ امرأةً وهبَت نفسَها له ، وإنما ذلك لك يا محمدُ خالصةً أُخْلِصَت لك مِن دونِ سائرٍ أَمْتِك . كما حذَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ خَالِصَةٌ لََّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ /. يقولُ: ليس لامرأةٍ أَن تَهَبَ نفسَها لرجلٍ بغيرِ أمرٍ ولىٍّ ولا مهرٍ، إلا للنبىِّ، كانت له خالصةً(٢) مِن دونِ الناسِ، ويزعمون أنها نزلَت فى (٤) ميمونة بنت الحارثِ ، أنها التى وهبت نفسَها للنبىِّ . ٢٢/٢٢ (١) تفسير مجاهد ص ٥٥٠ . ومن طريقه ابن أبى شيبة ٣١٦/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم . (٢) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف . (٣) فى ص: (( خاصة)). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٩/٥ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم، وأخرج آخره عبد الرزاق فى المصنف (١٢٢٦٧) عن معمر عن قتادة . ١٣٣ سورة الأحزاب : الآية ٥٠ حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ( يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿خَالِصَِةٌ لَّكَ مِن دُونِ اَلْمُؤْمِنِينٌ﴾. قال: كان كلُّ امرأةٍ آتاها مهرًا، فقد أحلَّها اللَّهُ له إلى أن وهَب هؤلاء أَنفسَهِنَّ له، فأَحْلِلْنَ له دونَ المؤمنين بغيرِ مَهْرٍ ، خالصةً لك مِن دونِ المؤمنين، إلا امرأةً لها زوجٌ . حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن صالح بنِ مسلم ، قال : سألتُ الشعبىَّ عن امرأةٍ وهبَت نفسَها لرجلٍ، قال: لا يكونُ، لا تحِلَّ له، إنما كانت ے للنبىِّ ◌َّه (١). واختلفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ ؛ فقَرأ ذلك عامةُ قرأةٍ الأمصارِ: ﴿إِن وَهَبَتْ﴾. [٦٢٩/٢و] بكسرِ الألفِ على وَجْهِ الجزاءِ، بمعنى: إن تَهَبٌ . وذُكر عن الحسن البصرىِّ أنه قرأ: (أَنْ وَهَبَتْ). بفتح الألفِ ، بمعنى: وأحْلَلْنا له امرأةً مؤمنةً أن ينكحَها ؛ لهِبَتِها له نفسَها . والقراءةُ التى لا أستجيزُ خلافَها فى ذلك كسرُ الألفِ؛ لإجماع الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليه . وأما قولُه: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ليس ذلك للمؤمنين . وذُكر أن رسولَ اللَّهِ مَّهِ قبلَ أن تنزلَ عليه هذه الآيةُ يتزوَّجُ أَّ النساءِ شاء، فقصَره اللَّهُ على هؤلاء، فلم يَعْدُهُنَّ وقصَر سائرَ أَمَّتِهِ على مَثْنَى وَثُلاثَ ورُباعَ . (١) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١٢٢٧١) من طريق جابر عن الشعبى نحوه . (٢) القراءة شاذة . البحر المحيط ٢٤٢/٧ . ١٣٤ سورة الأحزاب : الآية ٥٠ ذكرُ مَن قال ذلك حذَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، قال : سمعتُ داودَ بنَ أبى هندٍ ، عن محمدِ بنِ أبى موسى، عن زيادٍ ،؛ رجلٍ مِن الأنصار، عن أَبيِّ بنِ كعبٍ، أن التى أحلَّ اللَّهُ للنبيٌّ مِن النساءِ، هؤلاء اللاتى ذكَر اللَّهُ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَ ﴾ إلى قولِه: ﴿فِىَّ أَزْوَجِهِمْ﴾. وإنما أحلَّ اللَّهُ للمؤمنين مَثْنَى وَثُلاثَ ورُباعَ . وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: حَرَّم اللَّهُ عليه ما سِوى ذلك مِن النساءِ، وكان قبلَ ذلك ينكحُ فى أىّ النساءِ شاء، لم يُحَرِّمْ ذلك عليه، فكان نساؤُه يَجِدْنَ مِن ذلك وَجْدًا شديدًا ، أن ينكحَ فى أىِّ الناسِ أحبَّ ، فلما أَنزَل اللَّهُ أنى قد حرَّمتُ عليك مِن النساءِ سِوى ما قَصَصْتُ عليك، أعجب ذلك نساءَه(١) . واختلف أهلُ العلم فى التى وهَبت نفسَها لرسولِ اللَّهِ صَ لِّ مِن المؤمناتِ، وهل كانت عندَ رسولِ اللَّهِ عَِّ امرأةٌ كذلك؟ فقال بعضُهم: لم يَكُنْ عندَ رسولِ اللَّهِ مَ له امرأةٌ إلا بعقدِ نكاح، أو مِلْكِ يمينٍ، فأما بالهِبَةِ فلم يَكَنْ عندَه منهنَّ أحدٌ . ٢٣/٢٢ / ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن عَنْبسةَ بنِ الأزهرِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، قال: لم يَكُنْ عندَ رسولِ اللهِ يَ خَلِ امرأةٌ وهبَت (١) عزاه السيوطى فى الدر المتور ٢٠٨/٥ إلى الصنف وابن مردويه . ١٣٥ سورة الأحزاب : الآية ٥٠ (١) نفسها حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةٌ ، عن الحكم ، عن مجاهدٍ ، أنه قال فى هذه الآية: ﴿ وَآَمْرَأَةُ مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِ ﴾ . قال : (٢) أَنْ تَهَبَ(٢) . وأما الذين قالوا: قد كان عنده منهن؛ فإن بعضهم قال: كانت ميمونةً بنتَ الحارثِ . وقال بعضُهم: هى أمَّ شَرِيكِ . وقال بعضُهم: زينبُ بنتُ خُزيمةً . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابنِ، عباسٍ ، قال: ﴿ وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ﴾. قال: هى ميمونةُ بنتَ (٣) الحارثِ (٣) . وقال بعضُهم: زينبُ بنتُ خُزَيمَةَ، أَمُّ المساكينِ، امرأةٌ مِن الأنصارِ (٤). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، قال : ثنى الحكمُ ، قال : كتَب عبدُ الملكِ إلى أهلِ المدينةِ يسألُهم، قال: فكتب إليه علىّ - قال شعبةٌ : (١) أخرجه الطحاوى فى المشكل (٦٠٦٦)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٤٣٦/٦ - والطبرانى (١١٧٨٧)، والبيهقى ٥٥/٧ من طريق يونس بن بكير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٩/٥ إلى ابن مردويه. (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٦/٤ من طريق ليث عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٩/٥ إلى ابن المنذر. (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣٥/٦ عن سعيد به ، وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٢٢٦٦) من طريق عكرمة عن ابن عباس . (٤) ذكر ابن حجر فى فتح البارى ٥٢٥/٨، عن الشعبى، أن زينب بنت خزيمة من الواهبات أنفسهن للنبى = له وقال: ليس بثابت. وقال ابن كثير فى البداية والنهاية ٢٢٣/٨: وأما حكاية الماوردى، عن الشعبى، أن زينب بنت خزيمة أم المساكين أنصاريةٌ ، ليس بجيد ؛ فإنها هلالية بلا خلاف . ينظر الاستيعاب ٤ / ١٨٥٣، وأسد الغابة ١٢٩/٧. ١٣٦ سورة الأحزاب : الآية ٥٠ وهو ظَنِّى علىَّ بنَ حسينٍ ، قال: وقد أخبرنى به أبانُ بنُ تَغْلِبَ، عن الحكم، أنه علىُّ ابنُ الحسينِ الذى كتب إليه - قال: هى امرأةٌ مِن الأزدِ(١) ، يقالُ لها: أمّ شَرِيٍ. (٢) وهَبَت نفسَها للنبىّ . قال : ثنا شعبةُ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ أبى السَّفَرِ، عن الشعبىِّ، أنها امرأةٌ مِن الأنصارِ، وهَبَت نفسَها للنبيِ، وهى ممن أَرْجَا(٣) . حذَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى سعيدٌ، عن هشامٍ بنِ عُرْوةٌ ، عن أبيه ، أن(٤) خَوْلَةَ بنتَ حكيم بنِ الأوقصِ من بنى سُلَّيم، كانت مِن اللاتى وَهَبْنَ أَنفسَهنَّ لرسولِ اللَّهِ عَلَغَ (١). قال: ثنى سعيدٌ، "وابنُ" أبى الزنادِ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أَمَّ شَرِيكِ كانت وهَبت نفسَها للنبيِّمِِّ، وكانت امرأةً صالحةً (١). وقولُه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىَ أَزْوَجِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد عَلِمنا ما فرَضْنا على المؤمنين فى أزواجِهم إذا أرادوا نكاحَهنَّ، مما لم نفرِضْه (١) فى النسخ: ((الأسد)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر الإصابة ٢٣٧/٨ - ٢٤١. (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٥/٤ عن محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن سعد ١٥٥/٨، والطبرانى ٣٥١/٢٤ (٨٧٠) من طريق شعبة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٩/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٦/٤ عن محمد بن جعفر به . (٤) فى م: ((عن)). (٥) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٢٦٨، ١٢٢٦٩)، وابن أبى شيبة ٣١٥/٤، والبخارى (٥١١٣) من طريق هشام به ، وأخرجه ابن سعد ١٥٨/٨ من طريق عروة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/٥ إلی عبد بن حميد وابن المنذر . (٦ - ٦) فى م، ت١: ((بن)). ينظر تهذيب الكمال ٢٧٧/١٦. (٧) أخرجه النسائي (٨٩٢٨) من طريق هشام به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٩/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن أبى حاتم وابن مردويه . 1 ١ ١٣٧ سورة الأحزاب : الآية ٥٠ عليك، وما خَصَصْناهم به مِن الحكم فى ذلك دونَك، وهو أنا فرَضْنا عليهم ألا يَحِلَّ لهم عقدُ نكاح على حرةٍ مؤمنةٍ إلا بولىٌّ عَصَبةٍ وشهودٍ عدولٍ، ولا يَحِلّ لهم منهنَّ أكثرُ مِن أربعٍ. وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُويَه، قال: ثنا مُطَهَّرٌ، قال: ثنا علىُّ بنُّ الحسين، قال: ثنى أبى، / عن مَطَرٍ، عن قتادةَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿قَدْ عَنِمْنَامَا فَرَضْنَا ٢٤/٢٢ عَلَيْهِمْ فِىّ أَزْوَجِهِمْ﴾. قال: إن مما فرَض اللَّهُ عليهم ألا نكاح إلا بولي وشاهدين. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو أحمدَ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ عَلِيْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىِّ أَزْوَجِهِمْ﴾. قال: فى الأربع(٢). حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ عَلِمْنَامَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىَ أَزْوَجِهِمْ﴾. قال: كان مما فرَض اللَّهُ عليهم ألا تُزَوَّجَ امرأةٌ إلا بولىٌّ وصَداقٍ عندَ شاهدَیْ عدلٍ، ولا يحلُّ لهم مِن النساءِ إلا أربعٌ، وما ملكت (٣) أيمانُهم(٢) . وقولُه: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد علِمنا ما فرضنا على المؤمنين فى أزواجِهم؛ لأنه لا يَحِلَّ لهم منهن أكثرُ مِن أربع، وما ملكت أيمانُهم ؛ فإن جميعَهن إذا كُنَّ مؤمناتٍ أو كتابياتٍ ، لهم حلالٌ بالسِّبَاءِ والتَّسَرِّى (١) فى م: ((مسلمة)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٠/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٠/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٩/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . ١٣٨ سورة الأحزاب : الآيتان ٥٠، ٥١ وغيرِ ذلك مِن أسبابِ المِلْكِ . وقولُه: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَبٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ . يقولُ تعالى ذكره : إنا أحلَلْنا لك يا محمدُ أزواجَك اللَّواتى ذكرنا فى هذه الآيةِ ، وامرأةً مؤمنةً إن وهَبَت نفسها للنبىِّ ، إن أرادَ النبىُ أن يستنكحَها؛ لكيلا يكونَ عليك إِثْمٌ وضيقٌ فى نكاح مَن نكحتَ مِن هؤلاء الأصنافِ ، التى أبحثُ لك نكاحَهنَّ، مِن المسمَّياتِ فى هذه الآيةِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ لك ولأهلِ الإِيمانِ بك، ﴿ رَّحِيمًا﴾ بك وبهم، أن يعاقبَهم على سالفِ ذنبٍ منهم، سَلَف بعدَ توبتهم منه . · تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُتْوِىّ إِلَيْكَ مَن نَشَاءُ وَمَنِ أَبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَفَرَّ أَعْيُبُهُنَّ وَلَا يَحْزَرَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ قُلُوبِكُمَّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ٥١ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى : ﴿ اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بقولِه: ﴿تُرْجِ﴾: تؤخِّرُ، وبقولِه: ﴿تُوِىٌ﴾: تَضُمُّ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تُرْجِ مَن تَشَاءُ مِنْهُنَ﴾. يقولُ: تُؤَخُِّ(١). (١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تغليق التعليق ٢٨٥/٤، والإتقان ٣٧/٢ - من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه . ١٣٩ سورة الأحزاب : الآية ٥١ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تُرْجِى مَن نَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾. قال: تعزلُ بغيرِ طلاقٍ مِن أزواجِك مَن تشاءُ: ﴿ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾. قال: تَرُدُّها إِليكُ(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تُرْجِى مَن نَشَاءُ مِنْهُنَّ / وَتُغْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءٌ﴾. قال: فجعَله اللَّهُ فى حِلُّ مِن ذلك؛ أن يَدَعَ مَن يشاءُ ٢٥/٢٢ منهنَّ، ويأْتِىَ (١) مَن يشاءُ منهنَّ بغيرٍ قَسْمٍ، وكان نبىُ اللَّهِ يَقْسِمُ(٣). حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا حَكَامٌ ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُعْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾. قال: لمّ أَشْفَقْنَ أَن يُطلقَهنّ ، قُلْنَ : يا نبيَّ اللَّهِ ، اجعلْ لنا مِن مالِك ونفسِك ما شئتَ. فكان ممن أرْجَى منهنَّ؛ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةً ، وجُوَيريةُ، وصَفِيةُ، وأُ حبيبةَ، وميمونةُ، وكان ممن آوَى إليه ؛ عائشةُ، وأُ سَلَمَةَ، وحَفْصةٌ ، وزينبُ (٤) . حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدٌ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُشْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾: فما شاء صنَعِ فى الْقِسْمةِ بينَ النساءِ، أحَلَّ اللَّهُ له ذلك(٥) . (١) تفسير مجاهد ص ٥٥ ، وأخرجه ابن سعد ١٩٥/٨، ١٩٦ من طريق أبى الصباح عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١١/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) فى ت١ : (( يأوى)). (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٠/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٠/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٠/٢، وابن سعد ١٩٦/٨ من طريق منصور به، وعزاه السيوطى بتمامه فى الدر المنثور ٢١١/٥، إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وستأتى تتمته فى الأثر بعد التالى. (٥) أخرجه ابن سعد ١٩٧/٨ من طريق عبيد به . ١٤٠ سورة الأحزاب : الآية ٥١ حدّثنا ابنُ حُمَیدٍ ، قال : ثنا جریٌ ، عن منصورٍ ، عن أبى رزين فى قوله : ﴿ تُرْچِی مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُنْوِىّ إِنَتْكَ مَن تَشَاءُ﴾: وكان ممن آوَى عليه السلامُ؛ عائشةُ، وخَفْصةُ، وزينبُ ، وأَمّ سَلَمَةَ، فكان قَسْمُه مِن نفسِه لهنَّ سواءَ قَسْمِه، وكان ممن أَرْجَى ؛ سَوْدةُ، وجُوَيريةُ ، وصفيةٌ ، وأمّ حبيبةَ، وميمونةُ ، فكان يَقْسِمُ لهنَّ ما شاءِ، وكان أرادَ أن يُفارِقَهن؛ فقلن: اقْسِمْ لنا مِن نفسِكَ ما شئتَ، ودَعْنا نكونُ على (١) حالِنا(١) . وقال آخرون: معنى ذلك: [٦٣٠/٢و] تُطلَّقُ وتُخَلَّى سبيلَ مَن شئتَ مِن نسائِك، وتُمْسِكُ مَن شئتَ منهنَّ، فلا تُطلِّقُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾: أمهاتِ المؤمنين، ﴿وَتُوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾: يعنى: نساءَ النبيِّ عَِّ، ويعنى بالإرجاءِ: يقولُ: مَن شئتَ خَلَّيْتَ سبيلَه منهنَّ، ويعنى بالإيواءِ، يقولُ: مَن أحببتَ أمسكتَ منهنّ(٢). وقال آخرون : بل معنى ذلك: تَتْرِكُ نكاحَ مَن شئتَ، وتَنْكِحُ مَن شئتَ مِن نساءٍ أُمَّتِك . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال: قال الحسنُ فى قوله: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾. قال: كان نبىُ اللَّهِ عَلَّى إذا (١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠٤/٤ عن جرير به . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٠/٥ إلى المصنف وابن مردويه مطولا، وستأتى تتمته فى ص ١٤٤.