النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٦، ٢٧
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِن
صَيَاصِيهِمْ ﴾. أى: مِن خُصُونِهم وآطامِهم(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَنْزَلَ
الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِهِمْ﴾ . قال : الصَّياصِى : حصونُهم
التى ظَنُّوا أنها مانعتُهم مِن اللَّهِ تبارك وتعالى .
وأصلُ الصَّياصِى: جمعُ صِيصِيَةٍ(٢) ، وُنِى بها هلهنا: حُصُونُهم.
والعربُ تقولُ لطَرَفِ الحبلِ: صِيصِيَّةٌ. ويقالُ لأَصْلِ الشىءٍ: صِيصِيتُه. يقالُ:
جَزَّ اللَّهُ صِيصِيَةً فُلانٍ. أى: أصلَه. ويقالُ لشَوكِ الحاكةِ: صَياصِى. كما قال
(٣)
الشاعر(٣):
كَوَقْعِ الصَّياصِى فِى الَّسِيجِ المُمَدَّدِ .
وهى شَوْكَتا الدِّيكِ .
وقولُه: ﴿وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الزُّعْبَ﴾. يقولُ: وألقَى فى قلوبِهم الخوفَ
منكم، ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. يقولُ: [٦٢١/٢ظ] تقتُلون منهم جماعةٌ ، وهم الذين
قَتَل رسولُ اللَّهِ مَّ ◌َِّ منهم، حينَ ظهَر عليهم، ﴿ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. يقولُ:
وتأسِرون منهم جماعةً ، وهم نساؤُهم وذَرارِيُّهم الذين سُبُوا .
(١) فى ت١، ت٢: ((أوطانهم)). والأثر فى تفسير عبد الرزاق ١١٥/٢ عن معمر عن قتادة دون قوله:
((وآطامهم)).
(٢) فى م: ((صيصة)). والصيصية: الحصن. التاج (ص ى ص). والصيصة بالتخفيف ذكرها صاحب
اللسان ، وتعقبها صاحب التاج بأنها إما على التخفيف أو خطأ .
(٣) البيت لدريد بن الصمة. وهو فى الأصمعيات ١٠٩، والحماسة لأبى تمام ٣٩٧/١، وجمهرة أشعار
العرب ٦٠٠ .
( تفسير الطبرى ٦/١٩ )

٨٢
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٦، ٢٧
١٥٥/٢١
/ ١ كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً": ﴿فَرِيقًا
تَقْتُلُونَ﴾: الذين ضُرِبَت أعناقُهم، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: الذين سُبُوا(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال: ثنى يزيدُ بنُ
رُومانَ: ﴿ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. أى: قتلُ الرجالِ، وسَبْىُ الذَّرارِىِّ
والنساءِ، ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾. يقولُ: وملْككم بعدَ مَهْلِكِهم
أرضَهم. يعنى : مزارعَهم ومَغارسَهم وديارَهم، يقولُ: ومساكنَهم وأموالهم .
يعنى سائرَ الأموالِ غيرَ الأرضِ والدُّورِ(٣) .
وقولُهُ: ﴿ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَعُوهَاً﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيها ، أىُّ أرضٍ هى؟
فقال بعضُهم: هى الرومُ وفارسُ ونحوُها مِن البلادِ التى فتَحها اللَّهُ بعدَ ذلك على
المسلمين .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَرْضًا لَّمْ
تَطَئُوهَا﴾. قال: قال الحسنُ: هى الرومُ وفارسُ، وما فتَح اللَّهُ عليهم(٤).
وقال آخرون : هی مکةُ .
وقال آخرون : بل هی خیبرُ.
(١ - ١) سقط من: ت٢.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٣/٥ إلى ابن أبى حاتم.
(٣) سيرة ابن هشام ٢٥٠/٢ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٥/٢ عن معمر، عن قتادة قال: مكة . وقال الحسن : هى الروم
وفارس. وكذا عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٣/٥ إلى ابن أبى حاتم ، وينظر القرطبى ١٦١/١٤.

٨٣
سورة الأحزاب : الآية ٢٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ(١)، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ
رُومانَ: ﴿ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَعُوهَا﴾. قال: خيبرَ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ﴾. قال: قُرِيظةَ والنَّضيرَ أهلَ الكتابِ، ﴿ وَرْضًا لَّمْ
تَطَُّوهَا﴾. قال: خيبرَ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك : أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أُخْبَر أنه أَوْرَث
المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ أَرضَ بنى قريظةَ وديارَهم وأموالهم، وأرضًا لم
يَطَئوها يومَئذٍ ، ولم تَكُنْ مكةُ ولا خيبرُ، ولا أرضُ فارسَ والرومِ ولا اليمنُ، مما
كانوا (4) وطِئوه يومَئذٍ، ثم وطِئوا ذلك بعدُ ، وأَوْرَثَهُمُوه اللَّهُ، وذلك كلُّه داخلٌ فى
قوله: ﴿ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ ؛ لأنه تعالى ذكرُه لم يَخْصُصْ مِن ذلك بعضًا دونَ
بعضٍ .
"وقولهْ): ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه:
وكان اللَّهُ على أن أَوْرَث المؤمنين ذلك، وعلى نصرِه إياهم، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ،
ذا قُدْرةٍ ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شىءٌ أراده، ولا يَمْتَنِعُ عليه فعلُ شيءٍ حاوَل فعلَه .
(١) فى ت٢: ((ابن مسلمة)).
(٢) ذكره القرطبى ١٦١/١٤، وفيه بدلًا من ((خيبر)): ((حنين)). ولعله تصحيف. وينظر البحر المحيط
٢٢٥/٧، والتبيان ٣٠٢/٨ .
(٣) ذكره البغوى ٣٤٥/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٣/٥ إلى ابن أبى حاتم.
(٤) فى م: ((كان)).
(٥ - ٥) سقط من : م، ص .

٨٤
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٨، ٢٩
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُهاَ النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَحِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ
وَلِنْ كُنْتُنَّ
٢٨
اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِعَكُنَّ وَأُسَرِّمْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا
تُرِدْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًّا
عَظِيمًا
١٥٦/٢١
/ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: قُل يا محمدُ لأزواجِك: ﴿إِن كُنْتُنَّ
تُرِدْنَ اُلْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِعَكُنَّ﴾. يقولُ: فإنى أَمَتِّئُكُنَّ مَا
أوجب اللَّهُ على الرجالِ للنساءِ مِن المتعةِ، عندَ فِراقِهم إياهنَّ بالطلاقِ بقولِه :
( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ مَتَهَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾
[ البقرة: ٢٣٦]. وقوله: ﴿وَأُسَرِحْكُنَّ سَرَّاحًا جَمِيلًا﴾. يقولُ: وأَطلِّقُكنَّ على ما
أذِن اللَّهُ به، وأُدَّب به عبادَه بقولِه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
[الطلاق: ١]. ﴿وَلِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ: وإن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ رِضا
اللَّهِ، و"رِضا رسولِه) وطاعتَهما، فأطِعْتَهما(٢)؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ
مِنْكُنَّ﴾: وهُنَّ العاملاتُ منهنَّ بأمرِ اللَّهِ وأمرِ رسولِه - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ .
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ مَّه من أجل أنّ عائشةَ سأَلتْ
رسولَ اللَّهِ وَظَلِ شيئًا من عَرَضِ الدنيا؛ إمَّا زيادةً فى النفقةِ، أو غيرَ ذلك، فاعتزل
رسولُ اللَّهِ عَظَلِ نساءَه شهرًا، فيما ذُكِر، ثم أمَرِه اللَّهُ أن يُخَيِّرَهنَّ بينَ الصبرِ عليه
والرضا بما قسم لهنَّ والعملِ بطاعةِ اللَّهِ، وبينَ أن يُمَتِّعَهنَّ ويُغارِقَهنَّ إن لم يَرْضَين
بالذى يَقْسِمُ ( ١) لهن. وقيل: كان سببُ ذلك غَيْرَةٌ كانت عائشةُ غارَتها .
(١ - ١) فى ت٢: ((رسوله)).
(٢) فى ت١: ((فأطعتموهما)).
(٣) فى ت٢: ((قسم)).

٨٥
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٨، ٢٩
ذكرُ الروايةِ بقولٍ مَن قال: كان ذلك مِن أجلِ شيءٍ
مِن النفقةِ وغيرِها
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، عن أيوبَ ، عن أبى الزبيرِ ، أن
رسولَ اللَّهِ مَّله لم يَخْرِجْ صَلَواتٍ، فقالوا: ما شأنُه؟ فقال عمرُ: إن شئتُم لأعْلَمَنَّ
لكم شأنَه. فَأَتَّى النبيَّ عَ لَه، فجعَل يتكلَّمُ ويرفَعُ صوتَه، حتى أُذِن له. قال :
فجعَلتُ أقولُ فى نفسى: أَىُّ شىءٍ أكلِّمُ به رسولَ اللَّهِ عَمِ (١ لعله يضحَكُ(١) - أو
كلمةً نحوَها -، فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ، لو رأيتَ فلانةَ وسألَنى النفقةَ فضَكَكْتُها
صَكَّةً. فقال: ((ذلك [٦٢٢/٢و] حَبَسَنى عنكم)). قال: فأتَى حفصةَ، فقال : لا
تَسْألى رسولَ اللَّهِ بِهِ شيئًا، ما كانت لكِ مِن حاجةٍ فإلىَّ. ثم تَتَبَّعَ نساءَ
النبيِّ مَّهُ فجعَل يُكَلِّمُهنَّ، فقال لعائشةَ: أَيَغُرُك أنك امرأةٌ حسناءُ، وأن زوجَك
يحبُّك؟ لَتَنْتَهِيِنَّ(٢) أو لَيَنْزِلَنَّ فيكِ (٤) القرآنُ. قال : فقالت أمُّ سلمةَ : يابنَ الخطابِ،
أوَ ما بقِى لك إلا أن تدخُلَ بينَ رسولِ اللَّهِ مَّه وبينَ نسائِه، ولن تَسألَ المرأةُ إلا
لزوجِها؟ قال: ونزل القرآنُ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ
اُلُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. إلى قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: فبدَأَ بعائشةَ فخَيَّها، وقرأ
عليها القرآنَ، فقالت: هل بدأتَ بأحدٍ مِن نسائِك قبلى؟ قال: ((لا)). قالت: فإنى
أختارُ اللَّهَ ورسوله والدارَ الآخرةَ، ولا تُخْبِرْهنَّ بذلك. قال: ثم تَتَبَّعَهنَّ، فجعَل
يُخيّرُهنَّ ويقرأ عليهنَّ القرآنَ، ويخبرُهن بما صنَعَت (٥) عائشةُ، فتتابَعن(٢) على ذلك(٧).
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢: ((و)).
(٢ - ٢) سقط من : ت٢ .
(٣) فى ص، ت١: (( لتنتهن)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: (( فيكن)).
(٥) فى ت٢: ((فعلت)).
(٦) فى ص: ((فتايعن)). وفى ت١: ((فتبايعن)). وفى ت٢: ((فيتابعن)).
(٧) أخرجه أحمد ٣٩١/٢٢، ٣٩٢ (١٤٥١٥، ١٤٥١٦)، ومسلم (١٤٨٧)، والنسائى (٩٢٠٨ - =

٨٦
سورة الأحزاب : الآية ٢٨، ٢٩
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل
لِأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ
سَرَاحَا جَمِيلًا﴾ إلى قولِه: ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: قال الحسنُ وقتادةُ : خَيَّرَهُنَّ بينَ
١٥٧/٢١ الدنيا والآخرةِ والجنة والنارِ فى شىءٍ كُنَّ / أرَدْنَه مِن الدنيا(١).
وقال عكرمةُ : فى غَيْرةٍ كانت غارَتْها عائشةُ، وكان تحتَه يومَئذٍ تسعُ نسوةٍ ؛
خمسٌ مِن قُريشٍ؛ عائشةُ، وحفصةُ ، وأم حبيبةً بنتُ أبى سفيانَ ، وسَوْدةُ بنتُ زَمْعةً،
وأمَّ سَلَمَةَ بنتُ أَبِى أَمَيَّةَ ، وكانت تحتَه صفيةُ بنثُ (٢) حُتِىٌّ الخَتََّرِيَّةُ، وميمونةُ بنتُ
الحارثِ الهِلاليةُ، وزينبُ بنتُ جَحْشِ الأسَديةُ، وجُوَيريةُ بنتُ الحارثِ مِن بنى
المُصْطَلِقِ، وبدَأَ بعائشةَ، فلما اختارَتِ اللَّهَ ورسوله والدارَ الآخرةَ، رُؤِى الفَرَحُ فى وَجْهِ
رسولِ اللَّهِ ◌َهِ، فَتَتَابَعْن(٣) كلُّهنّ على ذلك، واخْتَونَ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ(٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، عن
الحسنِ، وهو قولُ قتادةَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ يَأَيُهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ
الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى قولِه: ﴿عَظِيمًا﴾. قالا: أمَر اللَّهُ أن يُخَيِّرَهن بينَ
الدنيا والآخرةِ والجنة والنارِ .
قال قتادةُ: وهى غَيْرَةٌ مِن عائشةً فى شىءٍ أرادَته مِن الدنيا، وكان تحتَه
تسعُ نسوةٍ؛ عائشةُ، وحفصةُ، وأَمّ حبيبةَ بنتُ أبى سفيانَ، وسَوْدَةُ بنتُ
زَمْعَةً، وأمّ سَلَمَةَ بنتُ أَبِى أَمَيَّةً، وزينبُ بنتُ جَحْشٍ، وميمونةُ بنتُ الحارثِ
= كبرى )، وأبو يعلى (٢٢٥٣)، وأبو عوانة (٤٥٨٥ - ٤٥٨٧)، والبيهقى ٣٨/٧ من طريق زكريا بن
إسحاق عن أبى الزبير عن جابر .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٥/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم، وذكره ابن كثير ٤٠٤/٦
مختصرا.
(٢) فى م، ص: ((ابنة)).
(٣) فى ص، ت١: ((فتبايعن))، وفى ت٢: ((فيتابعن)).
(٤) ذكره ابن كثير فى التفسير ٤٠٤/٦، والطوسى فى التبيان ٣٠٤/٨ .

٨٧
سورة الأحزاب : الآ يتان ٢٨، ٢٩
"الهلاليةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بنتُ الحارثِ(١) مِن بنى الْمُصْطَلِقِ، وصفيةُ بنتُ حُبِىٌّ بنِ
أَخْطَبَ؛ فبدَأ بعائشةَ، وكانت أَحَبَّهن إليه؛ فلما اختارَتِ اللَّهَ ورسوله والدارَ
الآخرةَ، رُثَىَ الفرحُ(٢) فى وجهِ رسولِ اللهِ وَلَهِ، فَتَنَابَعْنَ(٣) على ذلك(٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال : ثناسعيدٌ ، عن قتادةَ، عن الحسنِ،
وهو قولُ قتادةً )، قال: لما احْتَزْنَ اللَّهَ ورسولَهُ(٦) شكرهنَّ اللَّهُ على ذلك، فقال: ﴿لََّ
يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْفَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ
[ الأحزاب: ٥٢]. فَقَصَره اللَّهُ عليهنَّ، وهُنَّ التسعُ اللاتى اخْترنَ اللَّهَ ورسولَه(٧).
ذكرُ مَن قال ذلك °مِن أجلِ الغَيرةِ ◌ْ)
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ :
﴿ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَثُثْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآيةِ - قال: كان
أزواجه قد تَغايَوْنَ على النبيِّ عَِّ، فَهَجَرَهُنَّ شهرًا، نزَل التَّخْبِيرُ مِن اللَّهِ له فيهن:
﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. فقرَأُ حتى
بلَغْ: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اُلْجَهِلِيَّةِ اُلْأُوْلَى﴾. فخَيَّرَهن بينَ أن يَخْتَوْنَ أن يُخَلَِّ
سبيلَهِنَّ ويُسَرِّحَهنّ، وبينَ أَن يُقِمْنَ، إن أرَدْنَ اللَّهَ ورسولَه، على أنهن أمَّهاتُ
المؤمنين، لا يُتْكَحْنَ أبدًا، وعلى أنه يُؤْوِى إليه مَن يشاءُ منهنَّ، لمَن وَهَب نفسَه له،
(١ - ١) سقط من: ت٢ .
(٢) فى ت٢: ((الفرج)).
(٣) فى ص: ((وتابعهن))، وفى ت١، ت٢: ((فبايعهن)).
(٤) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٠٤/٨ من قول قتادة وحده .
(٥ - ٥) سقط من : ت٢ .
(٦) بعده فى ت٢: (( والدار الآخرة )).
(٧) ذكره الزيعلى فى تخريج الكشاف ١٠٥/٣ عن المصنف، وذكره البغوى ٣٤٦/٦.

٨٨
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٨، ٢٩
حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها ، ويُرْجِى مَن يشاءُ، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها ،
ومَن ابْتَغَى مِمَّن هى عندَه وعزَل، فلا جناحَ عليه، ﴿ ذَلِكَ أَدْنَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُبُهُنَّ وَلَا
يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ ﴾ [الأحزاب: ٥١]. إذا عَلِمْنَ أنه مِن قَضائى عليهنَّ إيثارُ بعضِهنَّ
على بعضٍ - أدنى أَن يَرْضَيْنَ؛ قال: ﴿ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ [الأحزاب: ٥١]:
مَن ابتغَى أصابَه، ومَن عزَل لم يُصِبْه، فخِيَّرَهن بينَ أن يَرْضَيْنَ بهذا، أو يُفارِقَهنَّ،
فاحْتَوْنَ اللَّهَ ورسولَه، إلا امرأةً واحدةً(١) بدويةً ذهَبَتْ، وكان على ذلك، وقد شَرّط
له هذا الشَّرْطَ ، ما زال يعدِلُ بينَهنَّ حتى لَقِى اللَّهُ(٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدةَ الضَّبُِّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، [٦٢٢/٢ظ] عن عمرٌ(٣) بنِ
أبى(١) سَلَمَةَ، عن أبيه، قال: قالت عائشةُ: لَّ نزَل الخيارُ، قال لى رسولُ اللَّهِ عَلَيهِ:
١٥٨/٢١ ((إِنِّى أَرِيدُ أن أَذْكُرَ لكِ أمْرًا، فَلا / تَقْضِى فيه شيئًا(١) حتى تَسْتَأْمِرِى أَبُوَيْكِ(٤)).
قالت: قلتُ: وما هو يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: فردّه عليها، فقالت: ما هو
يا رسولَ اللَّهِ)؟ قالت (١): فقرَأ علىَُّ): ((﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ
تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾)) إلى آخرِ الآيةِ. قالت: فقلتُ(٨): بل نختارُ اللَّهَ
ورسولَه؛ قالت (١): ففرح بذلك النبيُّ عَه(١١).
(١) سقط من : ت٢ .
(٢) ينظر التبيان ٣٠٢/٨، ٠٣٠٣
(٣) فى ت١: ((عمرو)).
(٤) فى ت٢: ((أبوك)) .
(٥ - ٥) سقط من: ت١ .
(٦) فى م، ص، ت٢: ((قال)).
(٧) فى م، ص: ((عليهن))، وفى ت٢: ((عليها)).
(٨) فى م، ت٢: ((قلت)).
(٩) فى م: ((قلت)).
(١٠) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٠٢/٦ عن المصنف، وأخرجه أحمد ٧٧/٦، ٧٨ من طريق أبى عوانة به .

٨٩
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٨، ٢٩
حدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن محمد بن عمرو ، عن أبی
سَلَمةَ، عن عائشةَ، قالت: لمّ نزلَت آيَةُ التَّخْبِيرِ، بدَأ النبىُ عَلِّ بعائشةً، فقال: ( يا
عائشةُ ، إنى عارضٌ عليك أمرًا ، فلا تَفْتاتِى فيه بشىءٍ حتى تَغْرِضيه على أَبُوَيْك ؛ أبى
بكرٍ وأمّ رُومانَ)). فقلتُ(١): يا رسولَ اللَّهِ وما هو؟ قال: ((قال اللَّهُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل
لِأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾)). إلى: ((﴿عَظِيمًا﴾)).
فقلتُ : إنى أريدُ اللَّهَ ورسوله والدارَ الآخرةَ، ولا أؤامُ فى ذلك أبوىَّ؛ أبا بكرٍ وأمّ
رُومانَ . فضحِك رسولُ اللَّهِ عَ لِ، ثم استقرَأُ الحُجَرَ، فقال: ((إن عائشةَ قالت كذا.
( و كذا))). فقُلْنَ: ونحنُ نقولُ مثلَ ما قالت عائشةُ(٣).
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأَمَوِىُّ، قال : ثنا أبى، عن ابن إسحاقَ ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ
أبى بكرٍ(٤)، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، أن النبيَّ عَِّ لما نزل إلى نسائِهِ أَمِر أن يُخَيَِّهن،
فدخَل علىَّ، فقال: ((سأذكُرُ لكِ أَمْرًا ولَا تَعْجَلِى حتى تَسْتَشِيرى أباكِ)) . فقلتُ : وما
هو يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: ((إِنِّى أُمِرْتُ أن أُخَيُّرَ كُنَّ)). وتَلا عليها آيةَ التَّخْبِيرِ إلى آخرِ الآيتين.
قالت : قلتُ : وما الذى تقولُ : لا تَعْجَلى حتى تَسْتَشِيرى أباكٍ ؟ فإنى أختارُ اللَّهَ ورسولَه.
فشرّ بذلك(١)، وعرَض على نسائِه، فتَابَعْنَ كُلُّهنَّ، فاخْتَوْنَ اللَّهَ ورسولَهُ(٧).
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنى موسى بن على ، ویونسُ
(١) فى ص، ت١: ((فقالت))، وفى ت٢: ((قالت)).
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٠٢/٦ عن المصنف، وأخرجه أحمد ٢١١/٦ (الميمنية) من طريق محمد بن
بشر به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٤٠٢/٦ من طريق محمد بن عمرو به .
(٤) سقط من : ت ٢ .
(٥) فى ت١: ((على ذلك)).
(٦) فى ت١: ((فتبايعن))، وفى ص: ((فتبايعن)).
(٧) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٠٢/٦ عن المصنف .

٩٠
سورة الأحزاب : الآيات ٢٨ - ٣٠
ابنُ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ ، قال: أخبرنى أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ ، أن عائشةَ زَوجَ
النبيِّ عَظِّمِ قالت: لِمَّ أُمِر رسولُ اللَّهِ مْ لِه بِتَخْبِيرِ أزواجِه، (بدَأ بى١)، فقال: ((إِنِّى
ذَا كَرّلكِ أَمْرًا ، فلا عليكِ أنْ لا تَعْجَلى(٢) حتى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ)). قالت: قد علِم أن
أبوىَّ لم يَكُونا ليأمُرَانى بفراقِه. قالت: ثم تَلاهذه الآيةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن
كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ .
قالت: فقلتُ : ففى أىِّ هذا أستأمِرُ أبوىَّ؟ فإنى أريدُ اللَّهَ ورسوله والدارَ الآخرةَ.
قالت عائشةُ: ثم فعَل أزواج النبيِّ ◌َّمِ مثلَ ما فعلتُ، فلم يَكُنْ ذلك حينَ قالَه لهنَّ
رسولُ اللَّهِ ◌ََّهِ فَاخْتَرْنَه، طلاقًا، مِن أجلِ أنهنَّ اخْتَرْنَهُ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ يَنِسَآءَ النَِّيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ
يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
٣٠
١٥٩/٢١
/ يقولُ تعالى ذكرُه لأزواج النبيِّ عَّهِ: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَ
بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾. يقولُ: مَن يَزْنِ منكنَّ الزِّنا المعروفَ (٤أنه الزّنا) الذى
أو جَب اللَّهُ °عليه الحدَّْ)، يُضاعَفْ لها العذابُ على فُجُورِها فى الآخرةِ ضعفَين
على فُجُورِ أزواجِ الناسِ غيرِهم .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى
(١ - ١) فى م: ((بدأنى))، وهو لفظ الترمذى.
(٢) فى ت٢: ((تستعجلى))، وهو لفظ الترمذى.
(٣) أخرجه النسائى (٣٤٣٩)، وأبو عوانة (٤٥٥٧) عن يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه مسلم (١٤٧٥)
من طريق ابن وهب به ، وأخرجه أحمد ٢٤٨/٦ (الميمنية)، والترمذى (٣٢٠٤)، والنسائى (٥٣١٢-
كبرى)، وأبو عوانة (٤٥٥٨)، والبيهقى ٣٦/٧ من طريق يونس بن يزيد الأيلى به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٩٥/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٤ - ٤) سقط من : م .
(٥ - ٥) سقط من ص ، ت٢ .

٩١
سورة الأحزاب : الآية ٣٠
أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾. قال:
يعنى عذابَ الآخرةِ .
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك، فقرَأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿يُضَعَفْ لَهَا
اُلْعَذَابُ﴾ بالألفِ غيرَ أبى عمرٍو؛ فإنه قرَ أَ ذلك: (يُضَعَّفْ) بِتَشْديدِ العينِ(١). تأولًا
منه فى قراءتِه ذلك أن ((يُضَعَّفَ)) بمعنى تضعيفِ الشىءِ مرةً واحدةً ، وذلك أن يُجعلَ
الشىءُ شيئَين، فكأن معنى الكلامِ عندَه: أن يجعلَ عذابَ مَن يأتى مِن نِساء٣ِ
النبيِّ عَلَّهِ بفاحشةٍ مُبَيِّنةٍ فى الدنيا والآخرةِ مِثْلَئ عذابٍ سائرِ النساءِ غيرِهنَّ،
ويقولُ: إِنَّ ﴿يُضَعَفْ﴾ بمعنى أن يُجْعَلَ إلى الشىءٍ مِثْلَاه، حتى يكونَ ثلاثةَ
أمثالِه. فكأن معنى مَن قرأ: ﴿يُضَعَفْ﴾ عندَه كان: أن يجعلَ(٤) عذابَها ثلاثةً
أمثالِ عذابٍ غيرِها مِن النساءِ مِن غيرِ أزواج النبيِّ عَلِّ؛ فلذلك اختارَ (يُضَعَّفْ)
على ﴿ يُضَعَفْ﴾. وأنكَر الآخرون الذين قرءُوا ذلك ﴿يُضَعَفْ﴾ ما كان
يقولُ فى ذلك، ويقولون: لا نعلمُ بينَ ( يُضَعَّفْ) و﴿ يُضَعَفْ﴾ فَوْقًا .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ(٥)، وذلك :
﴿ يُضَعَفْ﴾. وأما التأويلُ الذى ذهَب إليه أبو عمرٍو ، فتأويلٌ لا نعلمُ أحدًا مِن أهلِ
العلم الذَّعاه غيرَه، وغيرَ أبى عُبيدةً معمرٍ بنِ المُثَنَّى، ولا يجوزُ [٦٢٣/٢ و] خلافُ ما
جاءت به الحجةُ مجمعةً علیه بتأويلٍ لا برهانَ له مِن الوجهِ الذی یجبُ التسلیمُ له .
وقولُه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكانت
مضاعفةُ العذابِ على مَن فعَل ذلك منهنّ على اللَّهِ يسيرًا . واللَّهُ أعلمُ .
(١) فى ص، ت١، ت٢: ((يضعف)).
(٢) السبعة لابن مجاهد ص ٥٢١ .
(٣) فى ت٢: ((أزواج)).
(٤) سقط من : م .
(٥) القراءتان كلتاهما صواب .

٩٢
سورة الأحزاب : الآية ٣١
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا
١/٢٢
٣١
نُوْنِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا
يقولُ تعالى ذكره: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورسولَه مِنكُنَّ، وتعملْ بما أمَرِ اللَّهُ به:
﴿ نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ ﴾. يقولُ: يُعْطِها اللَّهُ ثوابَ عملِها مِثْلَى ثوابٍ عملٍ غيرِهنَّ
مِن سائرِ نساءِ الناسِ، ﴿ وَأَعْتَدْنَاَ لَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. يقولُ: وأعتَدْنا لها فى
الآخرةِ عَيْشًا هَنِيئًا فى الجنةِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآيةَ،
يعنى: " تُطِعِ اللَّهَ ورسولَه، ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: تصومُ وتُصَلِّى(١)(٢) .
حدَّثنى سَلْمُ بنُ جُنادَ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، عن ابنِ عونٍ ، قال : سألتُ عامًا
عن القُنُوتِ. قال: وما هو؟ قال: قلتُ: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
قال: مُطِيعين. قال: قلتُ: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: يُطِعْنَ".
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال٢: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ
لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٢. أى: مَن يُطِعْ مِنكنَّ اللَّهَ ورسولَه ﴿أَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ،
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢: ((آخر الآية)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٦/٥ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه بنحوه .
(٣ - ٣) سقط من: ت٢.
(٤ - ٤) سقط من : ت١.
(٥) أخرجه الطحاوى فى معانى الآثار ١٧١/١ من طريق ابن عون .

٩٣
سورة الأحزاب : الآية ٣١
هـ (١)
وهى الجنةُ (١).
واختلفَتِ القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَتَعْمَلْ صَلِحًا﴾؛ فقَرأته عامةُ قرأةِ الحجازِ
والبصرة، ﴿ وَتَعْمَلْ﴾ بالتاءِ ردًّا على تأويلٍ مَن إذ جاء بعدَ قوله: ﴿مِنْكُنَ﴾(٢).
وحكَى بعضُهم عن العربِ أنها تقولُ : كم بِيعَ لك جاريةٌ . وأنهم إن قدَّموا الجاريةَ
قالوا : كم جاريةٌ بِيعتْ لك؟ فأنَّقُوا الفعلَ بعدَ الجارية ، والفعلُ فى الوجھَین لگمْ لا
للجارية .
وذكر الفراءُ أن بعضَ العربِ أنشَدهُ(٣) :
جِوَاءَ عَدِىِّ يأْكُلِ الحَشَراتِ
/أَيَا أَمَّ عمرٍو مَن يَكُنْ عُقْرُ دارِهِ
ويَعْرَ وإن كانوا ذوى بَكَراتِ
ويَسْوَدُ مِن لَفْحِ السَّمومِ جَبِينُه
فقال: وإن كانوا. ولم يَقُلْ: وإن كان. وهو لـ ((مَن))، فَرَّدَه على المعنى.
٢/٢٢
وأما أهلُ الكوفةِ ؛ فقَرأت ذلك عامةُ قَرَأتِها : (ويعمل) بالياءِ عطفًا على
يَقْنُتْ﴾؛ إذ كان الجميعُ على قراءته بالياءِ (٤) .
والصوابُ مِن القولٍ فى ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ، ولغتان معروفتان فى
كلامِ العربِ، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُّ فمصيبٌ، وذلك أن العربَ تَرُدُّ خبرَ ((مَن)) أحيانًا
على لفظِها، فتوحِّدُ وتُذَكِّرُ، وأحيانًا على مَعْناها، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمِنْهُم مَّن
وَمِنْهُم مَّن يَنْظُرُ
يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَنْتَ نُسْمِعُ القُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ
(١) تقدم تخريجه فى ٣٢/١١.
(٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٢١ .
(٣) البيتان فى معانى القرآن للفراء ٣٤١/٢، والأول فقط فى الحيوان ٣٩٨/٦ برواية: ((جرار)) بدلا من:
((جواء)).
(٤) هى قراءة حمزة والكسائى . ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٢١ .

٩٤
سورة الأحزاب : الآيات ٣١ - ٣٣
إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢، ٤٣] فجمَع مرةً للمعنى، ووحَّد أخرى للَّفْظِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَنِسَآءَ النَّ لَسْئُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ اُلْنِسَاءِ إِنٍ
اتَّقَيَقُنُّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوَلِ فَيَطْمَعَ الَّذِىِ فِ قَلْبِهِ، مَرَضُ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (چ وَقَرْنَ فِى
بُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَِهِلِيَّةِ الْأُولِىّ وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ
الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ اُلْبَيْتِ
وَيُطَهِرَكْ تَظْهِيرًا
يقولُ تعالى ذكرُه لأزواج رسولِ اللهِ عَّهِ: ﴿يَنِسَآءَ النَّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ
النِّسَاءِ﴾: مِن نساءِ هذه الأمةِ - ﴿إِنِ اتَّقَيتُنُّ﴾ اللَّهَ فَأَطَعْتَنَّه فيما أمَرَ كنَّ ونَها كنَّ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ يَنِسَآءَ
النَّبِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾. يعنى: مِن نساءِ هذه الأمةِ (١).
وقولُه: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوّلِ﴾. يقولُ: فلا تَلِنَّ بالقولِ للرجالِ فيما يَتْتَغِيه
أهلُ الفاحشةِ مِنْكنَّ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿يَنِسَآءَ النَّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ أَتَّقَيقُنُّ فَلَاَ
تَخْضَعْنَ بِالْقَوّلِ﴾. يقولُ: لا تَرَخَّصْنَ بالقولِ، ولا تَخْضَعْنَ بالكلامِ(١).
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٦/٢ عن معمر عن قتادة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٦/٥
إلی ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٦/٥ إلى المصنف وابن مردويه .

٩٥
سورة الأحزاب : الآيتان ٣٢، ٣٣
/ حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَلاَ ٣/٢٢
تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. قال: خَضْعُ القولِ: ما يُكْرَّهُ مِن قولِ النساءِ للرجالِ، مما يَدخُلُ
فى قلوبِ الرجالِ .
وقولُه: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ﴾. يقولُ: فيطمعَ الذى فى قلبِهِ
ضعفٌ ، فهو لضعفٍ إِيمانِه فى قلبِهِ ، إما شاكٌ فى الإسلامِ منافقٌ ، فهو لذلك مِن أمرِه
يستخفُّ بحدودِ اللَّهِ ، وإما مُتهاونٌ ياتيانِ الفواحشِ .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم : إنما وصَفه بأن فى قلبِه
مرضًا؛ لأنه منافقٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ
قَلْبِهِ، مَرَضٌ﴾. قال : نِفاقٌ(١).
وقال آخرون: بل وصَفه بذلك؛ لأنهم يَشْتَهون إتيانَ الفواحشِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِى فِىِ
قَلْبِهِ، مَرَضٌ﴾ . قال : قال عكرمةُ : شهوةُ الزنا(٢).
وقولُه: ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾. يقولُ: وقُلْنَ قولًا قد أذِن اللَّهُ لكم به وأباحَه .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٦/٢ عن معمر عن قتادة .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٦/٢ من طريق ابن شروس عن عكرمة ، وأخرجه ابن سعد فى الطبقات
١٩٨/٨ من طريق التمار عن عكرمة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٦/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .

٩٦
سورة الأحزاب : الآيتان ٣٢، ٣٣
كما حدَّثنا يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾. قال: قولًا جميلًا حسنًا معروفًا فى الخيرِ(١).
واختلفت [٦٢٣/٢ظ] القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾؛ فقرأته
عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيِّين: ﴿ وَقَرْنَ﴾ بفتح القافِ، بمعنى: واقْرَرْنَ فى
يُيُوتِكنَّ(٢)، وكأن مَن قَرأ ذلك كذلك حذَف الراءَ الأولى مِن ((اقْرَرْنَ))، وهى
مفتوحةٌ ، ثم نقَل فتَحتَها إلى القافِ، كما قيل: ( فَظِلْتُمْ تَفَكّهونَ) وهو يريدُ
فَظَلِلْتم(٣) ، فأُسقطت اللامُ الأولى وهى مكسورةٌ، ثم نُقلت كسرتُها إلى الظاءِ.
وقَرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ : (وَقِرْنَ) بكسرِ القافِ ، بمعنى: كُنَّ
أهلَ وقارٍ وسَكينةٍ ﴿فِي ◌ُوتِكُنَّ ﴾(٤).
وهذه القراءةُ، وهى الكسرُ فى القافِ، أَولى عندَنا بالصوابِ(٥) ؛ لأن ذلك إن
كان مِن الوقارِ على ما اخترنا فلاشكَّ أن القراءةَ بكسرِ القافِ ؛ لأنه يقالُ: وَقَرَ فلانٌ
فى منزله، فهو يَقِرُ ؤُقُورًا. فتكسرُ القافُ فى ((تَفْعِلُ))، فإذا أَمر منه قيل: قِرْ. كما
يقالُ مِن وَزَن يَزِنُ : زِنْ(١) ، ومِن وَعَد يَعِدُ : عِدْ.
وإن كان مِن القَرارِ فإن الوجهَ أن يقالَ: اقْرِزْنَ؛ لأن مَن قال مِن العربِ: ظَلْتُ
أفعلُ كذا، وأَحَسْتُ بكذا. فأسقَط عينَ الفعلِ، وحوَّل حركتَها إلى فائِه فى فَعَلَ
وفَعَلْنَا وفَعَلْتم ، لم يفعلْ ذلك فى الأمرِ والنهى، فلا يقولُ: ظَلَّ قائمًا، ولا: لا تَظَلَّ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٠٤/٦.
(٢) هى قراءة نافع وعاصم ، السبعة لابن مجاهد ص ٥٢١ .
(٣) البحر المحيط ٢١١/٨، ٢١٢.
(٤) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى ، السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٢ .
(٥) القراءتان كلتاهما صواب .
(٦) سقط من: ص، ت١، ت٢ .

٩٧
سورة الأحزاب : الآية ٣٣
قائمًا . فليس الذى اعتلّ به مَن اعتلّ لصحةِ القراءةِ بفتح القافِ فى ذلك ، بقولِ
العربِ فى ظَلِلْتُ وأَحْسَسْتُ: ظَلْتُ وأحَسْتُ ، بعلةٍ توجبُ صحتَه ؛ لما وصفتُ مِن
العلةِ .
وقد حكى بعضُهم عن بعضِ الأعرابِ سماعًا منه: يَنْحِظْنَ مِن الجبلِ . وهو
يريدُ: يَنْخَطِطْنَ ، فإن يَكُنْ ذلك صحيحًا، فهو أقربُ إلى أن يكونَ حُجَّةً لأهلٍ هذه
القراءةِ مِن الحُجَّةِ الأخرى .
/ وقولُه: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قيل: إن التَُّّجَ فى هذا ٤/٢٢
الموضعِ: التبخترُ والتكسرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبُّجَ
اُلْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. أى: إذا خَرَجْتُنَّ مِن بُوتِکنَّ، قال: كانت لهن مِشْيَةٌ وتَكَشُرٌ
وتَغْنُّجٌ، يعنى بذلك الجاهليةَ الأولى، فتَهاهنَّ اللَّهُ عن ذلك(١).
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، قال : سمعتُ ابنَ أَبِى تَجِيحٍ، يقولُ فى
قوله: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اُلْجَِهِلِيَّةِ الْأُوْلَى﴾. قال: التبخترُ .
وقيل : إن التَّبَرُّجَ هو إظهارُ الزينةِ ، وإبرازُ المرأةِ محاسنَها للرجالِ .
وأما قولُه: ﴿ تَبَرُّجَ الْجَِهِلِيَّةِ الأُولَى﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فى
ءُ
الجاهلية الأولى ؛ فقال بعضُهم: ذلك ما بينَ عيسى ومحمدٍ عليهما السلامُ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الفتح ٥٢٠/٨ من طريق شيبان عن قتادة، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٩٧/٥ إلى ابن المنذر .
(٢) أخرجه ابن سعد فى الطبقات ١٩٨/٨ من طريق إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبى نجيح به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٥ إلى ابن أبى حاتم .
( تفسير الطبرى ٧/١٩ )

٩٨
سورة الأحزاب : الآية ٣٣
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن زكريا، عن عامٍ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبُّعَ
ء
اُلْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: الجاهليةُ الأولى: ما بينَ عيسى ومحمدٍ عليهما
(١)
السلامُ(١).
وقال آخرون : ذلك ما بينَ آدمَ ونوحٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ عُيَينةً(٢)، عن أبيه، عن الحكم: ﴿وَلَا تَبَرَّهْنَ
تَبَرُّجَ اُلْجَهِلِيَّةِ الْأُوْلَى﴾. قال: وكان بينَ آدمَ ونوح ثمانمائةٍ سنةٍ ، فكان نساؤهم
مِن أقبح ما يكونُ مِن النساءِ، ورجالُهم حسانٌ، فكانت المرأةُ تريدُ الرجلَ على
نفسِه، فأَنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَلَا تَبَّجْنَ تَبُّعَ الْجَِهِلِيَّةِ اَلْأُولِى﴾(٣).
وقال آخرون : بل كان ذلك بين نوح وإدریسَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی ابنُ زُهَيرٍ ، قال : ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال : ثنا داودُ ، يعنى ابنَ أبی
الفُراتِ ، قال : ثنا عِلْباءُ بنُ أحمرَ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ قال : تَلا هذه الآيةَ:
﴿ وَلَا تَبَّجْنَ تَبرُّجَ اُلْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: كانت فيما بينَ نوحٍ وإدريسَ،
وكانت ألف سنةٍ ، وإن بطنَين مِن ولدِ آدمَ ، كان أحدُهما يسكنُ السهلَ، والآخِرُ
يسكنُ الجبلَ، وكان رجالُ الجبلِ صِباحًا ، وفى النساءِ دَمامةٌ ، وكان نساءُ السهلِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٥ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم كما فى الفتح ٥٢٠/٨.
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((علية))، والصواب المثبت. ينظر تهذيب الكمال ٢٠١/١١.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٥ إلى المصنف.

٩٩
سورة الأحزاب : الآية ٣٣
صِباحًا ، وفى الرجالِ دَمامةٌ ؛ وإن إبليسَ أتَى رجلًا مِن أهلِ السهلِ فى صورةٍ غلامٍ ،
فأجَّر نفسَه منه، وكان يخذُمُه، واتَّخَذ إبليسُ شيئًا مثلَ ذلك الذى يَزْمِرُ فيه الرِّعاءُ،
فجاء فيه بصوتٍ لم يُسْمَعْ مثلُه، فبلغ ذلك مَن حولَهم، فائْتابوهم يسمعون) إليه،
وأَّخَذوا عيدًا يجتمِعون إليه فى السنةِ، فتبرَّجُ الرجالُ للنساءِ، قال: " ويتزينُ النساءُ
للرجالِ(٣) ، وإن رجلًا مِن أهلِ الجبلِ هجم عليهم وهم فى عيدهم ذلك، فرأى النساء،
فأتَى أصحابَه، فأخبرهم بذلك، فتحوَّلوا إليهنَّ، فنزَلوا معهن، فظهرت الفاحشةُ
فيهنَّ، فهو قولُ اللَّهِ: ﴿ وَلاَ تَبَّجْنَ تَرُّعَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولِى﴾(٣).
وأولی الأقوالِ فی ذلك عندی بالصواب أن یقال : إن الله تعالی ذ کژه، نھی
نساءَ النبيِّ عَ لَّهِ أن يَتَبرَّجْنَ تبرُّجَ الجاهليةِ الأولى .
وجائزٌ أن يكونَ ذلك ما بينَ آدمَ وعيسى، فيكونَ معنى ذلك: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ
تَبُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ : التى قبلَ الإسلامِ .
/ فإن قال قائلٌ: أوَ فى الإسلام جاهليةٌ حتى يقالَ عنَى بقولِه: ﴿اَلْجَهِلِيَّةِ ٥/٢٢
اُلْأُولَى﴾. التى قبلَ الإسلام؟ قيل: فيه أخلاقٌ مِن أخلاقِ الجاهليةِ .
كما حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَلَ تَبَرَّحْنَ تَبَرُّعَ الْجَِهِلِيَّةِ اَلْأُولِىّ﴾. قال: يقولُ: التى كانت قبلَ الإسلامِ،
قال: وفى الإسلام جاهليةٌ؟ قال: قال النبىُّ عَلَِّ لأبى الدرداءِ، وقال لرجلٍ وهو
يُنازِعُه: يا ابنَ فلانةٍ، لأَمِّ كان يُعَيَّرُ بها فى الجاهليةِ، فقال رسولُ اللَّهِ لِ: (( يا أبا
(١ - ١) فى ت١: ((فأتوهم يستمعون)).
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢: ((وتنزل الرجال لهن)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٠٦/٦ عن المصنف، وأخرجه الحاكم ٥٤٨/٢ - وعنه البيهقى فى الشعب
(٥٤٥١) - من طريق موسى بن إسماعيل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى
حاتم وابن مردويه ، وقوى ابن حجر إسناده فى الفتح ٥٢٠/٨ .

١٠٠
سورة الأحزاب : الآية ٣٣
[٦٢٤/٢و] الدرداءٍ إن فيك جاهليةً)). قال: أجاهليةُ كفرٍ أو إسلام؟ قال: ((بل
جاهليةُ كفرٍ )). قال: فتمنَّيتُ أن لو كنتُ ابتدأتُ إسلامى يومَئذٍ. قال: وقال
النبىُّ عَلَّهِ: (( ثلاثٌ مِن عملِ أهلِ الجاهليَّةِ، لا يَدعُهنَّ النَّاسُ: الطعنُ بالأنسابِ،
والاستمطارُ بالكواكبِ، والنِّياحةُ ))(١).
حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال : قال ابنُ زيدٍ ، قال : أخبرنى
سليمانُ بنُ بلالٍ ، عن ثورٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، أن عمرَ بنَ الخطّابِ قال له :
أرأيتَ قولَ اللَّهِ لأزواج النبيِّ يَّهِ: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّعَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: هل
كانت إلَّ واحدةً؟ فقال ابنُ عباسٍ: وهل كانت مِن أولى إلّا ولها آخرةٌ؟ فقال
عمرُ: لَّهِ دُّك يابنَ عباسٍ، كيف قلتَ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، هل كانت من أُولى
إلا ولها آخرةٌ؟ قال : فأتِ بتصديقٍ ما تقولُ مِن كتابِ اللَّهِ . قال: نعم: ( وَجاهِدُوا
فِى اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ كَما جاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ). قال عمرُ: فمَن أُمِر بالجهادِ ؟ قال:
قبيلتان مِن قريشٍ؛ مخزومٌ وعبدُ شمسٍ. فقال عمرُ: صدقتَ(٢).
وجائزٌ أن يكونَ ذلك ما بينَ آدمَ ونوح، وجائزٌ أن يكونَ ما بينَ إدريس ونوحِ،
فتكونَ الجاهليةُ الآخرةُ ما بينَ عيسى ومحمدٍ ، وإذا كان ذلك مما يَحتمِلُه ظاهرُ
التنزيلِ، فالصوابُ أن يقالَ فى ذلك كما قال اللَّهُ: إنه نهى عن تبرُّجِ الجاهليةِ
الأولى .
وقولُه: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ﴾. يقولُ: وأَقِمْن الصلاةَ
(١) أخرجه البخارى (٣٨٥٠) من حديث ابن عباس ، ومسلم (٩٣٤) من حديث أبى مالك الأشعرى ،
وأحمد (٧٥٦٠، ٩٥٧٤) وابن حبان (٣١٤١) من حديث أبى هريرة .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه ، وأخرجه أبو عبيد فى
الفضائل ص ١٧٨، ١٧٩، وابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الفتح ٥٢٠/٨ - من طريق عكرمة عن ابن
عباس به، وينظر فى قراءة عمر الدر المنثور ٣٧١/٤ .