النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
سورة الأحزاب : الآيات ٢٢ - ٢٤
رسولِ اللهِ وَبِّهِ لَّا رَأَوا ما أصابَهم مِن الشدَّةِ والبَلاءِ قالُوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اُللَّهُ
وَرَسُولُمُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولٌ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيمَانًا وَتَسْلِمًا﴾ وتَصْديقًا بما
وعَدهم اللَّهُ، وتَسْلِيمًا لقضاءِ اللَّهِ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ
٢٣
◌ِيَجْزِىَ اللهُ
(٢
فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا
الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
٢٤
رَّحِيمًا®
/ يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ باللّهِ ورسولِه، ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا ١٤٥/٢١
عَهَدُواْ اللّهَ عَلَيْهٍ﴾. يقولُ: أَوفَوا بما عاهَدوه عليه ؛ من الصَّبرِ على البأساءِ والضَّراءِ
وحين البأسِ، ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾. يقولُ: فمنهم مَن فرَغْ من العملِ الذى
كان نذَره للَّهِ ، وأوجَبه له على نفسِه، فاسْتُشْهِد بعضٌ يومَ بدرٍ، وبعضٌ يومَ أحَدٍ ،
[٦١٨/٢ظ]، وبعضٌّ فى غيرِ ذلك مِن المواطنِ. ﴿وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرٌ ﴾ قضاءَهن
والفراغَ منه، كما قضَى مَن مضَى منهم على الوفاءِ للَّهِ بعهدِه، والنصرِ من اللّهِ،
والظّفَرِ على عدوّه .
والنَّحْبُ : النذْرُ فى كلام العربِ، وللنَّخْبِ أيضًا فى كلامِهم وجوهٌ غيرُ
ذلك ؛ منها الموتُ ، كما قال الشاعرُ:
* قَضَى نَحْبَه فى مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٤/٢، والبيهقى فى الدلائل ٤٣٥/٣ من طريق معمر عن قتادة بنحوه ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٠/٥ إلى الطيالسى وابن المنذر وابن أبى حاتم مختصرًا بنحوه.
(٢ - ٢) سقط من : ت١ .
(٣) عجز بيت لذى الرمة فى ديوانه ٦٤٧/٢ .
(٤) يعنى يزيد بن هوبر الحارثى، فقال: هوبر. للقافية. المصدر السابق .
٦٢
سورة الأحزاب : الآية ٢٣
يعنى: مَنِيَّتَه ونفسَه. ومنها الخَطَرُ العظيمُ، كما قال جريرٌ(١).
بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنَا عَشِيَّةً بَشْطامٍ جَرَيْنَ على نَحْبٍ(٢)
أى على خَطَرٍ عظيم. ومنها التَّحِيبُ، يقالُ: نَب فى سيرِهِ يومَه أجمعَ .
"إِذا مَدَّ، فلم يَنزِلْ يومَه وليلَتَه، ومنها التنحيبُ، وهو الخطار، كما قال
(٤)
الشاعرُ() :
وإِذْ نَخَّبَتْ كَلْبٌ على الناسِ أَيُّهُمْ أَحَقُّ بِتَاجِ المَجِدِ المُتُكّرِّمِ(٥
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکر مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال : ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ:
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أىْ وَقَّوا للَّهَ بما عاهَدوه عليه،
﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾. أى: فرَغْ مِن عملِه، ورجع إلى ربِّه، كمَن اسْتُشهِد
يومَ بدرٍ ويومَ أَحُدٍ ، ومنهم مَن ينتظرُ ما وعَد اللَّهَ مِن نصرِهِ ، أو الشهادةِ على ما مضى
علیه أصحابُه(٦) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُمْ﴾. قال: عهدَه، فَقُتِل أو عاشَ. ﴿ وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرُ
(١) ديوانه ٦٣٢/٢ .
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((طب)).
(٣ - ٣) سقط من: ت٢ .
(٤) البيت للفرزدق فى ديوانه ص ٧٥٩ .
(٥) فى م: (( المتكوم )) .
(٦) سيرة ابن هشام ٢٤٨/٢، ٢٤٩ مفرقًا .
٦٣
سورة الأحزاب : الآية ٢٣
يومًا فيه جهادٌ، فَيَقْضى (١) نحبّه؛ عهدَه فيُقْتَلُ أو يَصْدُقُ فى لقائِه(٢).
١٤٦/٢١
/ حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابنُ عُبينةَ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ : ﴿ فَمِنْهُم
مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: عهدَه، ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرٌ﴾. قال: يومًا فيه قتالٌ،
فيصْدُقُ فى اللقاءِ .
قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال:
ماتَ على العهدِ .
قال : ثنا أبو أُسامةَ ، عن عبدِ اللهِ بن فلانٍ ، قد سمّاه ذهب عنى اسمُه ، عن
أبيه: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: نَذْرَه(٣).
قال(٤): °حدَّثنا ابنُ إدريسَْ، عن طلحةً بنٍ يحيى، عن عمِّه عيسى بنِ
طلحةَ ، أن أعرابيًّا أتَى النبيَّ ◌َّهِ، فسأله: مَن الذين قَضَوا نَخْتَهم؟ فأعرض عنه ، ثم
سأله، فأعرض عنه(١) ، ودخَل طلحةٌ مِن بابِ المسجدِ وعليه ثوبانٍ أخضرانٍ ، فقال :
((هذا مِن الذين قَضَوا نَخْبَهم))(٧).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةٌ، قال: ثنا عوفٌ ، عن الحسنٍ فى قولِه :
◌ْ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: موتُه على الصدقِ والوفاءِ، ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ
(١) فى ص، ت١: ((فيقيض))، ت٢: ((فينقض)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٩ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٥ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وابن
المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٧٦/١٠ عن أبى أسامة عن عبد الله بن اللهف عن أبيه وسقط منه كلمة :
((نذره)). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم عن عبد الله بن اللهف.
(٤) سقط من: م، والمثبت هو الصواب ، ينظر تهذيب الكمال ٢٩٣/١٤.
(٥ - ٥) سقط من : ت٢ .
(٦) بعده فى ت١: (( ثم سأله فأعرض عنه)) .
(٧) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (١٣٩٩) من طريق ابن إدريس به، وأخرجه أحمد فى فضائل الصحابة =
٦٤
سورة الأحزاب : الآية ٢٣
يَنْتَظِرِّ﴾ الموتَ على مثلِ ذلك، ومنهم مَن بدَّل تبديلًا(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ ، قال : ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال : أخبرنا إِسرائيلُ،
عن سعيدِ بنِ مسروقٍ ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرٌ ﴾
.
قال : النَّحْبُ العهدُ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُواْمَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ على الصدقِ والوفاءِ، ﴿ وَمِنْهُم
مَّن يَنْتَظِرٌ﴾ مِن نفسِه الصدقَ(٣) والوفاءً(٣).
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿فَمِنْهُم
◌َّن قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: ماتَ على ما هو عليه مِن التصديقِ والإيمانِ، ﴿ وَمِنْهُم مَّن
يَنْنَظِرٌ﴾ ذلك.
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى بُكَيرِ، قال شَرِيكُ بنُ عبدِ اللهِ : أخبرناه عن
سالمٍ، عن سعيدِ بنِ مُجُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال:
الموتُ على ما عاهَد اللَّهَ عليه: ﴿ وَمِنْهُم ◌َن يَنْتَظِرٌ﴾ الموتَ على ما عاهَد اللَّهُ
(٤)
عليه(٤) .
وقيل: إن هذه الآيةَ نزلَت فى قومٍ لم يشهَدوا بدرًا ، فعاهَدوا اللَّهَ أن يَفُوا قتالًا
= (١٢٩٧)، ومن طريقه الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٦٦ من طريق طلحة بن يحيى به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٥ إلى الترمذى وأبى يعلى والطيرانى وابن مردويه وسيأتى.
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٤/٢ عن معمر عن الحسن، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩٥/٦ عن
الحسن به إلا أنه ذكره بلفظ : ومنهم من لم يبدل تبديلا ، وهو الصواب .
(٢) سقط من: ت٢ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٥ إلى المصنف.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
٦٥
سورة الأحزاب : الآية ٢٣
للمشركين مع رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ، فمنهم مَن أوفَى فقضَى نَحْبَه، ومنهم من بدَّل،
ومنهم مَن أوفَى ولم يَقْضِ نحبه، وكان منتظرًا، على ما وصَفهم اللَّهُ به مِن صفاتِهم
فى هذه الآية .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدئٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ
سلمةَ ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ ، أن أنسَ بنَ النضرِ تَغْيَّبَ عن قتالِ بدرٍ ، فقال : تغيبتُ
عن أوَّلِ مشهدٍ شَهِده رسولُ اللَّهِ عَظِلّه، لئن [٦١٩/٢و] رأيتُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما
ءُ
أصنعُ. فلما كان يومُ أَحُدٍ ، وهُزِم الناسُ، لقِى سعدَ بنَ معاذٍ، / فقال: واللهِ إنى
لأَجِدُ ريحَ الجنةِ. فتقدَّم فقاتل حتى قُتِل، فنزلَت فيه هذه الآيةُ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنَظِّ﴾(١).
١٤٧/٢١
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بَكْرٍ(٢)، قال: ثنا حُمَيدٌ، قال: زعَم أنسُ
ابنُّ مالكِ قال : غابَ أنسُ بنُ النَّضْرِ عن قتالٍ يومٍ بدرٍ، فقال: غِبْتُ عن قتالٍ
رسولِ اللَّهِ مَّهِ المشركين، لَئِنْ أَشْهَدنى اللَّهُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ(٢) ما أصنعُ. فلما كان يومُ
أَحُدٍ انكشف المسلمون ، فقال: اللهمّ إنى أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذرُ
إليك مما صنَع هؤلاء - يعنى المسلمين -. فمشَى بسيفِه ، فَلَقِيه سعدُ بنُ مُعاذٍ ، فقال : أى
سعدُ ، إنى لأجِدُ ريحَ الجنةِ دونَ أَحَدٍ . فقال سعدٌ: يا رسولَ اللَّهِ ، فما استطعتُ أن
أصنعَ ما صنَع . قال أنسُ بنُ مالك: فوجَدناه بينَ القَتْلَى، به بِضْعٌ وثمانون جِراحةً ؛
(١) أخرجه أحمد ٢٤٢/٢١ (١٣٦٥٨)، والنسائى (١١٤٠٢ - کبری)، وابن حبان (٤٧٧٢) من طريق
حماد بن سلمة به ، وأخرجه الطيالسى (٢١٥٧)، ومسلم (١٩٠٣)، والترمذى (٣٢٠٠)، والنسائى
(٨٢٩١ - کبری)، وابن حبان (٧٠٢٣) من طريق ثابت به .
(٢) فى م، ت١، ت٢: ((بكير)) والصواب المثبت، ينظر تهذيب الكمال ٣٤٠/١٤.
(٣) سقط من : ص ، ت٢ .
( تفسير الطبرى ٥/١٩ )
٦٦
سورة الأحزاب : الآية ٢٣
بین ضربةٍ بسيف ، وطعنة برمح ، ورَمْيَةٍ بسهم ، فما عرفناه حتى عرفته أختُه بينانِه .
قال أنس: فَكُنَّا نتحدَّثُ أن هذه الآيةَ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ
عَلَيْةٍ﴾(١) نزلَت فيه وفى أصحابِه(١).
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، قال : ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ حُمَيدًا یحدِّثُ ، عن
أنسٍ بنِ مالك ، أن أنسَ بنَ النضرِ غابَ عن قتالٍ بدرٍ. ثم ذكر نحوَه .
حدّثنا أبو گُریبٍ ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُگیرٍ، قال : ثنا طلحةُ بنُ يحيى، عن
موسى وعيسى ابنى(٢) طلحةَ، عن طلحةَ، أن أعرابيًّا أتَى رسولَ اللَّهِ عَمِ، قال:
وكانوا لا يجرُؤون على مسألتِه، فقالوا للأعرابيّ: سَلْه ﴿مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾؛ مَن
هو ؟ فسألَه، فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرَض عنه، ثم دخلتُ مِن بابِ المسجدِ
وعلىَّ ثيابٌ خُضْرٌ، فلما رآنى رسولُ اللَّهِ مَ طَهِ قال: ((أينَ السَّائِلُ عمَّن قَضَى
نَحْبَه؟)). قال الأعرابى: أنا يا رسولَ اللهِ. قال: ((هذا مِمَّن قَضَى نَحْبَه))(١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانىُ، عن إسحاقَ بنِ يحبى
الطَّلْحِىِّ، عن موسى بن طلحةً ، قال: قامَ معاويةُ بنُ أبى سفيانَ ، فقال: إنى سمعتُ
رسولَ اللَّهِ عَهِ يقولُ: ((طلحةُ مَّنْ قَضَى نَحْبَه)) (٥).
(١) بعده فى م، ت١: ((فمنهم من قضى نحبه)).
(٢) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ١٢١/١، والبيهقى فى السنن ٤٣/٩، ٤٤، وفى الدلائل ٢٤٤/٣، ٢٤٥ من
طريق عبد الله بن بكر به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣١٢/٥، ٣١٣، ٣٩٥/١٤، وأحمد ٣٦٦/٢٠
(١٣٠٨٥)، وعبد بن حميد (١٣٩٤)، والبخارى (٢٨٠٥، ٤٠٤٨)، والترمذى (٣٢٠١)، والنسائى
(١١٤٠٣ - كبرى)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٣٩٤/٦ -، والطبرانى (٧٦٩)، والبغوى فى
تفسيره ٣٣٧/٦ من طريق حميد به .
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((أبى))، والصواب المثبت. ينظر تهذيب الكمال ٤٤٢/١٣.
(٤) أخرجه الترمذى (٣٢٠٣، ٣٧٤٢)، وأبو يعلى (٦٦٣)، والضياء فى المختارة (٨١٦) من طريق أبى
كريب به ، وأخرجه ابن أبى عاصم فى السنة عقب (١٣٩٩)، والبزار (٩٤٣) من طريق يونس بن بكير به .
(٥) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (١٤٠٢) من طريق عبد الحميد الحمانى، وفيه ((عيسى بن طلحة)) . =
٦٧
سورة الأحزاب : الآية ٢٣
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو بنِ تمام الكلبىُ ، قال : ثنا سليمانُ بنُ أيوبَ ، قال : ثنى
أبى، عن إسحاقَ بنِ " يحيى بن طلحةً، عن عمِّه موسى بن طلحةَ، عن أبيه طلحةً ،
قال: لمَّ قدِمْنا مِن أَحَدٍ، وصِرْنا بالمدينةِ، صعِد النبىُّ مَ الِ المنبرَ، فخطَب الناسَ
وعَزَّهم، وأخبرهم بما لهم فيه مِن الأجرِ، ثم قرأ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ
عَلَيَّةٍ﴾. الآيةَ، قال: فقامَ إليه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ ، مَن هؤلاء؟ فالتفَت
وعلىَّ ثوبانٍ أُخضَران، فقال: ((أيُّها السَّائِلُ، هذا منهم)) (١).
وقولُه: ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ: () وما غَيَّروا العهدَ الذى عاهَدوا " ربّهم
تَغْيِيرًا، كما غيّره المُعوِّقون القائِلون لإخوانِهم: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. [الأحزاب: ١٨]،
والقائلون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. [الأحزاب: ١٣].
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ).
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١٤٨/٢١
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ﴾
يقولُ: ما شكّوا وما تَردَّدوا فى دينهم، ولا استبدَلوا به غيرَه (١) .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَا
= بدل ((موسى بن طلحة))، وأخرجه ابن ماجه (١٢٦، ١٢٧)، والترمذى (٣٢٠٢، ٣٧٤٠)، وابن أبى
عاصم فى السنة (١٤٠١) ، والطبرانى فى الأوسط (٥٠٠٠) من طريق إسحاق بن يحيى به .
(١) فى ص، م، ت١، ت٢: ((عن))، والمثبت هو الصواب. ينظر تهذيب الكمال ٤٨٩/٢.
(٢) سقط من: ص ، ت١، ت٢ .
(٣) أخرجه ابن أبى عاصم (١٤٠٠، ١٤٠٣)، والطبرانى (٢١٧)، والضياء فى المختارة (٨١٧) من طريق
سلیمان بن أيوب به .
(٤ - ٤) سقط من : ت٢ .
(٥) فى م: ((عاقدوا)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٥ إلى المصنف.
٦٨
سورة الأحزاب : الآية ٢٤
بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾: لم يُغَيِروا دينَهم كما غيَّر المنافقون .
وقولُه: ﴿لِيَجْزِىَ اَللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مِّنَ
(١)
اُلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾؛ ﴿لِّيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ﴾ منهم
بِصِدْقِهِمْ﴾. يقولُ: لِيثِيبَ اللَّهُ أهلَ الصدقِ منهم (١) بصِدْقِهِم اللَّهَ بما عاهَدوه
عليه، ووفائِهم له به، ﴿وَيُعَذِّبَ اٌلْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ﴾ بكفرِهم باللّهِ ونفاقِهم ،
﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مِن نفاقِهِم، فيَهْديَهم للإِيمانِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، [٦١٩/٢ظ] قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَيُعَذِّبَ
الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: إن شاء أخرجهم مِن النفاقِ إلى الإيمانِ (".
إن قال قائلٌ: ما وَجْهُ الشرطِ فى قوله: ﴿ وَيُعَذِّبَ اُلْمُنَفِقِينَ﴾ بقوله: ﴿ إِن
شَآءَ﴾، والمنافقُ كافرٌ؟ وهل يجوزُ أَلَّ يشاءَ تعذيبَ المنافقِ؛ فيقالَ: ويُعذِّبُه إن
شاء؟ قيل : إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى تَوَهَّمْتَهُ، وإِنما معنى ذلك: ويعذِّبَ
المنافقين، بألّ يوفِّقَهم للتوبةِ مِن نفاقِهم، حتى يموتوا على كفرِهم إن شاء،
فيستوجِبوا بذلك العذابَ. فالاستثناءُ إنما هو مِن أجلِ التوفيقِ ، لا مِن العذابِ إن
ماتوا على نفاقهم .
وقد بيَّن ما قلنا فى ذلك قولُه: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. ( فمعنى الكلام إذنْ:
ويعذِّبَ المنافقين إذ لم يَهْدِهم للتوبةِ ، فيوفِّقْهم لها ، أو يتوبَ عليهم فلا يعذَّبَهم .
(١) سقط من : م .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٥/٢ عن معمر عن قتادة .
(٣ - ٣) سقط من: ت٢ .
٦٩
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٤، ٢٥
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: إن اللَّهَ كان ذا سِتْرٍ على
ذنوبِ التائبين ، رحيمًا بالتائبِين أن يعاقبَهم بعدَ التويةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمَّ يَنَالُواْ خَيْرًا
٢٥
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا
يقولُ تعالى ذكره : وردَّ اللَّهُ الذينَ كَفَروا به وبرسولِه مِن قُرَيشِ وغَطَفَانَ،
بِغَيْظِهِمْ﴾. يقولُ: بِكَرْبِهِم وغَمِّهم، بفَوْتِهم ما أمَّلوا مِن الظُّفَرِ، وَخَيْبتِهم مما
كانوا طَمِعوا فيه مِن الغَلَبَةِ، ﴿لَمَّ يَنَالُواْ خَيْرً﴾. يقولُ: لم يُصِيبوا مِن المسلمين مالاً
ولا إسارًا، ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالَ﴾ بجنودِهِ مِن الملائكةِ، والريح التى بعَثُها
عليهم .
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
١٤٩/٢١
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيراً﴾: الأحزابَ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً﴾. وذلك يومَ أبى سفيانَ والأحزابِ، ردَّ اللَّهُ أبا
سفيانَ وأصحابَه بغَيْظِهم لم يَنالوا خيرًا، ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالجنودِ
مِن عندِه، والريحِ التى بَعَث عليهم .
(١) تفسير مجاهد ص ٥٤٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
٧٠
سورة الأحزاب : الآية ٢٥
حدَّثنا ابنُ محُمَّيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال : ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ :
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً﴾. أى: قريشْ وغَطَفانُ(١).
حدَّثنى الحسينُ بنُ علىِّ الصُّدَائمُّ، قال: ثنا شَبابَةُ، قال : ثنا ابنُ أبی ذئبٍ ،
عن سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المَقْبُرِىِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى سعيدِ الخُدرِىِّ، عن أبيه،
قال : محُبِسْنا يومَ الخندقِ عن الصلاةِ، فلم نُصَلِّ الظهرَ ولا العصرَ ولا المغربَ ولا
العشاءَ، حتى كان بعدَ العشاءِ بهَوِىٌّ(٢)، وكُفِينا، وأنزل اللَّهُ: ﴿وَكَفَى اللَّهُ
اٌلْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. فأمَر رسولُ اللَّهِ عَّمِ بلالًا، فأقامَ
الصلاةَ، وصلَّى الظهرَ، فأحسَن صلاتَها، كما كان يُصَلِّيها فى وقتِها ، ثم صَلَّى
العصَر كذلك، ثم صلَّى المغربَ كذلك، ثم صلَّى العشاءَ كذلك، جعَل لكلِّ صلاةٍ
إقامةٌ ، وذلك قبلَ أن تنزلَ صلاةُ الخوفِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا
(٣)
[ البقرة : ٢٣٩].
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ ، قال: ثنا ابنُ أبِى فَدِيكٍ ، قال : ثنا
ابنُّ أبى ذئبٍ، عن المَقْبُرِىِّ عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى سعيدٍ، (٤عن أبى سعيدٍ}
الخُدرىِّ ، قال : محبِسْنا يوم الخندقِ . فذكر نحوه .
وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. يقولُ: وكان اللَّهُ قويًّا على فعل ما يشاءُ
فعلَه بخلقِه، فينصرُ مَن شاء منهم على مَن يشَاءُ، ويخذُلُ منْ) شاء أن يخذُلَه،
(١) سيرة ابن هشام ٢٤٩/٢ .
(٢) الهَوِى : الساعة من الليل ، الوسيط (هـ وى).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٧٠/٢، والنسائى (٦٦٠)، والبيهقى فى الدلائل ٤٤٥/٣ من طريق ابن أبى ذئب،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٤ - ٤) سقط من : ت٢ .
(٥ - ٥) سقط من : م .
٧١
سورة الأحزاب : الآيات ٢٥ - ٢٧
لا يَغْلِبُه غالبٌ، ﴿عَزِيزًا﴾. يقولُ: هو شديدٌ انتقامُه ممن انتقَم منه مِن أعدائِه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ
قَوِيًّا عَزِيِزًا﴾: قويًّا فى أمرِهِ، عزيزًا فى نِقْمتِه(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن
صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا
وَأَوْرَنَكُمْ
٢٦
أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضَا لَّمْ تَطَُّوهَاً وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا
٢٧
/ يقولُ تعالى ذكره: وأنزل اللَّهُ الذين أعانوا الأحزابَ مِن قريشٍ وغَطَفانَ على ١٥٠/٢١
رسولِ اللَّهِ مَّهِ وأصحابِهِ، وذلك هو مظاهرتُهم إياهم(٢)، وعُنى بذلك بنو قُرَيظةً،
وهم الذين ظاهَروا الأحزابَ على رسولِ اللَّهِ عَه .
وقولُه: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾. يعنى: من أهلِ التوراةِ، وكانوا يهودًا .
وقولُه: ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾. يعنى : مِن حُصُونِهم.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾. قال: قُرَيظةَ، يقولُ: أَنزَلهم من
(٣)
صياصِیھم
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٥ إلى المصنف ، وابن أبى حاتم.
(٢) فى م، ص، ت١: ((إياه)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٩ . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
٧٢
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٦، ٢٧
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ
ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾: وهم بنو قُرَيظةً، ظاهروا أبا سفيانَ وراسَلوه،
فنكثوا العهدَ الذى بينهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ، قال: فبينا رسولُ اللَّهِ سَ لِّ عندَ زينبَ بنتِ
جحشٍ يَغْسِلُ رأسَه، وقد غسَلت شقَّه، إذ أتاه جبريلُ مَّهِ، فقال: عفا اللَّهُ عنك،
ما وضَعت الملائكةُ سلاحَها منذُ أربعين ليلةً ، فانهَضْ (١) إلى بنى قريظةً، فإنى قد
قطَعتُ أوتارَهم، وفَتَحتُ أبوابَهم، وترَكتُهم فى زلزالٍ وبَلبالٍ . قال: فاستلأَمُ(١)
رسولُ اللَّهِ مَّهِ ، ثم سلَك سِكَةً بنى غَنْم ، فاتبعه الناسُ وقد عصَب حاجبه بالترابِ .
قال: فأتاهم رسولُ اللّهِ وَه، فحاصرهم وناداهم: ((يا إخوةً(١) القردةِ)). فقالوا : يا
أبا القاسم، ما كُنْتَ فخَّاشا. فنزَلوا على حكم ابنٍ مُعاذٍ، وكان بينهم وبينَ قومِه
حِلْفٌ، فَرَجَوْا أن تأخذَه فيهم هَوادةٌ، وأومَأَ إليهم أبو لُبابةَ أنه الذَّبْحُ، فأنزل اللَّهُ:
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ الأنفال: ٢٧]. فحكم فيهم أن تُقْتَلَ مُقاتِلتُهم ، وأن تُشْبَى ذرارِيُّهم ، وأنَّ عَقارَهم
(٤)
للمهاجِرين، دونَ الأنصارِ ، فقال قومُهُ وعَشيرتُه(٥): آثرتَ المهاجرين بالعقَارِ(٦) علينا؟
قال: فإنكم كنتم ذوى عَقَارٍ، وإن المهاجرين كانوا لا عقارَ لهم. وذُكِر لنا أن
رسولَ اللَّهِ ◌ِّهِ كَبَّر وقال: ((قَضَى فِيكُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ))(٧) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، قال: لما أصبَح "
(١) فى ص، ت٢: ((فانهد)). وفى ت١: ((فاعتد)).
(٢) فى ص، ت١: ((فاستلم)). وفى ت٢: ((وأسلم)).
(٣) فى م: ((إخوان)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢: ((أعمارهم)).
(٥) فى ت٢: ((صحابته)).
(٦) فى ت١: ((للأعقار)). وفى ت٢: ((الأعقار)).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٣/٥ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٨) فى النسخ: ((انصرف)). والمثبت من مصدرى التخريج.
٧٣
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٧،٢٦
رسولُ اللَّهِ ◌َِّغِ انصرف (١) عن الخندقِ راجعًا إلى المدينةِ، والمسلمون، ووضَعوا السلاحَ.
فلما كانت الظهرُ أتى جبريلُ عليه السلامُ رسولَ اللَّهِ وَهِ - كما حدَّثنا ابنُ
حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، قال : ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن ابنٍ شهابٍ الزهرىِّ -
مُعْتَجِرًا بعمامةٍ من إستبرقٍ ، على بغلةٍ عليها رِحَالةٌ ، عليها قطيفةٌ مِن ديباجٍ ؛ فقال :
أقد وضَعتَ السلاحَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((نعم)). قال جبريلُ: ما وضَعتِ الملائكةُ
السلاحَ بعدُ ومَا رَجَعت الآن إلَّا من طلبٍ القوم، إن اللَّهَ يَأْمُك يا محمدُ بالسيرِ إلى
بنى قُرَيظةً ، وأنا عامدٌ إلى بنى قُرَيظةَ. فأمَرَ رسولُ اللَّهِ مَّ لِ منادِيًّا، / فأَذَّن فى الناس ١٥١/٢١
أن: ((من كان سامعًا مُطيعًا فلا يُصَلِّيَّ العصرَ إلا فى بنى قريظةَ)). وقدَّم
رسولُ اللَّهِ مَّمِ علىَّ بنَ أبى طالبٍ رضى اللَّهُ عنه برائته إلى بنى قريظةً، وابتدَرها
الناسُ، فسار علىُّ بن أبى طالبٍ رضِى اللَّهُ عنه، حتى إذا دنا من الحصونِ ، سمِع
منها مقالةً قبيحةً لرسولِ اللَّهِ حَ ظِّمِ منهم، فرجَع حتى لَقِى رسولَ اللَّهِ ◌ِ لّهِ بالطريقِ،
فقال: يا رسولَ اللَّهِ ، لا عليك ألَّ تدنوَ من هؤلاءِ الأَحَابِ(٢). قال: ((لمَ؟ أظُنُك
سمِعتَ لى منهم أَذِّى)). قال: نعمْ يا رسولَ اللَّهِ عَّهِ. قال: ((لو قد رأَؤْنى لم يَقولوا
من ذلك شيئًا)). فلما دنا رسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ من حصونِهم، قال: «يا إخوانَ القردةِ،
هل أخزاكم اللَّهُ، وَأَنزَل بكم نِقْمَته؟ )). قالوا: يا أبا القاسم: ما كنتَ جهولًا. ومرّ
رسولُ اللَّهِ وَهِ على أصحابِهِ بالصَّوْرَيْنِ(٢) قبل أن يَصِلَ إلى بنى قريظةَ، فقال: ((هل
مرَّ بكم أحدٌ ؟)) فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ ، قد مرَّ بنا دِحيةُ بنُ خليفةَ الكلبىُّ ، على بغلةٍ
بيضاءَ، عليها رِحَالةٌ، عليها قطيفةُ ديباج. فقال رسولُ اللَّهِ عَ لّهِ: ((ذاك جبريلُ
(١) زيادة من مصدرى التخريج.
(٢) فى م: ((الأخباث)) .
(٣) الصَّوْرَين: موضع قرب المدينة. معجم البلدان ٤٣٥/٣.
٧٤
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٦، ٢٧
يُعِث إلى بنى قريظةَ يُزَلزِلُ بهم حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرعبَ فى قلوبِهم)). فلما أتى
رسولُ اللَّهِ وَّامٍ بنى (١) قريظةَ، نزَل على بئرٍ من آبارِها ، فى ناحيةٍ من أموالهم، يُقالُ
لها : بئرُ أَنَّ. فتلاحق به الناسُ، فأتاه رجالٌ من بعدِ العِشاءِ الآخرةِ، ولم يُصَلُّوا
العصرَ ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ◌ِّهِ: ((لا يُصَلِّينَّ أحدٌ العصرَ إلا فى بنى قريظةَ)). فصَلَّوا
العصَرَ " بعدَ العشاءِ الآخرة٢ِ، فما عابَهم اللَّهُ بذلك فى كتابِه، ولا عنَّفهم
به "رسولُ اللَّهِ صَ ))(٤).
والحديثُ عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن أبيه، عن معبَدِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ
الأنصارىِّ، قال: وحاصَرهم رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ خمسًا وعشرين ليلةً، حتى جَهَدَهم
الحصارُ، وقذَف اللَّهُ(٥) فى قلوبهم الرعبَ ، وقد كان حُتِىُّ بن أخطبَ دخَل على بنى
قريظةً فى حصنِهم، حينَ رجَعت عنهم قريشٌ وغطفانُ ، وفاءً لکعبِ بنِ أسدٍ بما
كان عاهَده عليه، فلما أَيْقَنوا بأن رسولَ اللَّهِ وَظَلِ غيرُ مُنصرِفٍ عنهم حتى
(٦)
يُناجِزَهم ، قال كعبُ بنُ أسدٍ لهم: يا معشرَ يهودَ ، إنه قد نزَل بكم من الأمرِ ما
تَرَون، وإنى عارضٌ عليكم خِلالًا ثلاثًا ، فخُذوا أيَّها . قالوا : وما هُنَّ؟ قال : نُبايعُ
هذا الرجلَ ونصدِّقُه ، فواللَّهِ لقد تَبَّنَ لكم أنه لنبىٌّ مرسَلٌ ، وأنه الذى كنتم تجدونه
فى كتابِكم ، فتأمنوا [٦٢٠/٢ظ] على دمائِكم وأموالكم وأبنائِكم ونسائِكم. قالوا:
لا نفارقُ حُكمَ التوراةِ أبدًا ، ولا نَسْتَبدِلُ به غيرَه. قال: فإذا أَبَيْتُم هذه علىَّ ، فهلمَّ
(١) سقط من: م، ص، ت ١.
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) فى م، ص، ت٢: ((رسوله)).
(٤) سيرة ابن هشام ٢٣٣/٢ - ٢٣٥، وأخرجه المصنف فى التاريخ ٥٨١/٢.
(٥) فى ت٢: ((العهد)).
(٦) سقط من : ت٢ .
٧٥
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٦، ٢٧
فَلْنَقْتُلْ أَبناءَنا ونساءَنا، ثم نَخْرُجْ إلى محمدٍ وأصحابِه رجالاً، مُصْلِتِين السيوفَ(١)،
ولم نَتْوِكْ وراءَنا ثَقَلَّا يُهِمُّنا، حتى يَحْكُمَ اللَّهُ بيننا وبينَ محمدٍ ، فإن نَهلِكْ نَهلِكْ
ولم تَتْوْ وراءَنا شيئًا نَحْشى عليه، وإن نظهَرْ فَلَعَمْرِى لَنَتَّخِذَنَّ(٢) النساءَ والأبناءَ.
قالوا : نَقْتُلُ هؤلاء المساكينَ ؟! فما خيرُ العیشِ بعدهم ؟ قال : فإذا أُبَثُم هذه علىّ ،
فإن الليلةَ ليلةُ السبتِ ، وإنه عسى أن يكونَ محمدٌ وأصحابُه قد أَمِنوا ، فانزلوا لعلنا أن
نُصِيبَ من محمدٍ وأصحابِه ◌ِرَّةً. قالوا: نُفْسِدُ سَبتنا، ونُحدِثُ فيه ما لم يَكُنْ
أحدَثَ(٣) فيه مَن كان قبلَنا إلَّ(٤) مَن قد علِمتَ فأصابهم من المسخ ما لم يَحْفَ
عليك؟! قال: ما بات رجلٌ منكم(٥) مُنذُ(٦) ولدته أمُّه ليلةً واحدةً من الدهرِ حازمًا .
قال: ثم إنهم بعَثوا إلى رسولِ اللَّهِ مَّ ◌َله: أن ابعَتْ إِلينا أبا لبابةَ بنَ عبدِ المنذرِ ، أخا بنى
عمرو بنِ عوفٍ - وكانوا من حُلفاءٍ(٧) الأوسِ - نَسْتَشِيرُه / فى أَمرِنا. فأرسَله ١٥٢/٢١
رسولُ اللَّهِ عَظِيمِ، فلما رَأَوه قام إليه الرجالُ، وَبَهَشَ(٨) إليه النساء والصبيانُ، يَتكون
فى وَجْهِهِ ، فَرَقَّ لهم ، وقالوا له : يا أبا لُبابةَ، أَتْرَى أن ننزلَ على حُكْم محمدٍ ؟ قال :
نعم. وأشارَ بيَدِهُ(١) إلى حَلْقِه؛ إنه الذَّبْحُ. قال أبو لُبابةَ: فواللهِ ما زالَت قَدَمَاى،
حتى عرفتُ أنى قد خُنْتُ اللَّهَ ورسولَه. ثم انطلَق أبو لُبابةَ على وَجْهِه ، ولم يأتِ
(١) فى م، ص، ت٢: ((بالسيوف)).
(٢) فى ت٢: ((لنجدن)).
(٣) فى ت٢: ((يحدث)).
(٤) فى النسخ: (( أما))، والمثبت من مصدرى التخريج .
(٥) سقط من: ص ، ت١، ت٢ .
(٦) فى ت١، ت٢: ((مذ)).
(٧) فى ت٢: ((خلفاء)).
(٨) فى ص، ت١: ((بهس)). وفى ت٢: ((حمش)). والمثبت موافق لما فى التاريخ. وبهش إليه النساء، أى:
اجتمعوا وتهيئوا للبكاء . ينظر التاج (ب هـ ش) .
(٩) سقط من : ت١ .
٧٦
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٦، ٢٧
رسولَ اللَّهِ مَّهِ، حتى ارتبَطَ فى المسجدِ إلى عمودٍ مِن عُمُدِه، وقال: لا أَبرَحُ
مكانى حتى يتوبَ اللَّهُ علىَّ مما صنعتُ - وعاهَد اللَّهَ لا يطأُ بنى قريظةً أبدًا -، ولا
يَرانى اللَّهُ فى بلدٍ خُنْتُ اللَّهَ ورسولَه فيه أبدًا. فلما بلغ رسولَ اللَّهِعَ لَّهِ خيرُه (١ وأبطَأَ
عليه١)، وكان قد استَبْطَأَه، قال: ((أمَا إنه لو كان(٢) جاءَنى لاسْتَغْفَوْتُ له، أمّا(١) إذ
فَعَل ما فَعَلَ ، فما أنا بالذى أُطْلِقُهُ مِن مكانِهِ ، حتى يتوبَ اللَّهُ عليه)). ثم إن ثعلبةَ بنَ
سّغْيَةً(٤)، وأَسِيدَ(٥) بنَ سَعْيَةً(٤)، وأسدَ(٦) بنَ عُبَيدِ - وهم نفرٌ مِن بنى هُذَيلٍ()،
ليسوا مِن بنى قريظةَ ولا النضيرِ، نسبُهم فوقَ ذلك، هم بنو عَمِّ القومِ - أسلموا تلك
الليلةَ التى نزلَت فيها قريظةُ على حكم رسولِ اللهِ عَظله ، وخرج فى تلك الليلةِ عمرُو
ابنُّ ◌ُعْدَى القُرَظِىُ، فَمَرَّ بِحَرَسِ رسولِ اللَّهِ مَ الَه، وعليه(٨) محمدُ بنُ مَسْلمَةَ
الأنصارىُّ تلك الليلةَ ، فلمَّا رَآه قال: مَنْ هذا؟ قال: عمرُو بنُ سُعْدَى. وكان عمرٌو
قد أتَى أن يدخلَ مع بنى قرَيْظةً فى غَدْرِهم برسولِ اللَّهِ مَّ ◌َهِ، وقال: لا أَعْدِرُ بمحمدٍ
أبدًا. فقال محمدُ بنُ مَسْلمةَ حينَ عَرَفه: اللهمَّ لا تحرِمْنى إِقالَةَ (١) عَثَراتِ الكِرامِ . ثم
خَلَّى سبيلَه. فخرَج على وجهِه، حتى باتَ فى مسجدِ رسولِ اللهِ صَلّمِ بالمدينةِ تلك
الليلةَ، ثم ذهَب، فلا يُدْرَى أينَ ذَهَب مِن أرضِ اللَّهِ إلى يومِه(١٠) هذا. فذُكر
(١ - ١) سقط من : م.
(٢) سقط من ص ، ت١، ت٢ .
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((فأما)).
(٤) فى ت١، ت٢: ((شعبة)). ينظر أسد الغابة ٢٨٧/١.
(٥) فى ت١: ((أسد))، وفى ت٢: ((أشد)). المصدر السابق.
(٦) فى ت٢: ((أسيد)). المصدر السابق.
(٧) فى ت١، ت٢: ((هذل)).
(٨) فى ص، ت١، ت٢: ((عليها)).
(٩) سقط من ص ، ت١، ت٢ .
(١٠) فى ت ١: ((قومه)).
٧٧
سورة الأحزاب : الآ يتان ٢٦، ٢٧
الرسولِ اللَّهِ مَّ ◌َمِ شأنُه، فقال: ((ذاكَ رَجَلٌ نَجَّه اللَّهُ بِوَفَائِه)). قال: وبعضُ الناسِ
كان يزعُمُ أنه كان أُوثِقَ بِرُمَّةٍ (١) فيمَن أُوثقٍ من بنى قريظةَ حينَ نزَلوا على حكم
رسولِ اللَّهِ مَِّهِ، فأصبحَت رُمَّتُه مُلْقَاةً، لا يُدْرَى أينَ ذهَب، فقال رسولُ اللَّهِ عَلَّه
تلك المقالةَ ، فاللَّهُ أعلمُ .
فلما أصبحوا ، نزلوا على حكم رسولِ اللهِ هِ ، فتواثبتِ الأوسُ ، فقالوا : يا
رسولَ اللَّهِ ، إنهم مَوالينا دونَ الخزرج، وقد فعلتَ فى مَوالى الخزرج بالأمسِ ما قد
علمتَ . وقد كان رسولُ اللَّهِ مَّهِ قَبْلَ بنى قُرَيظةَ حاصَر بنى قَيْنُقَاعَ ، وكانوا حلفاءَ
الخزرجِ، فنزَلُوا على حُكْمِه، (فسأله إياهم٢) عبدُ اللَّهِ بنُ أَتَىِّ ابنُ(٢) سلولَ، فوهَبهم
له . فلما كلَّمَته الأوسُ قال رسولُ اللَّهِ سَله: «أَلَا تَرْضَون يا معشرَ الأوسِ أن يَحْكُمَ
فيهم رجلٌ منكم؟)). قالوا: بلى. قال: ((فَذَاكَ إلى سعدِ بنِ مُعاذٍ)). وكان سعدُ بنُ
مُعاذٍ قد جعَله رسولُ اللَّهِ مَه فى خَيمةِ امرأةٍ مِن أسلمَ(٤)، يقالُ لها: رُفَيَدةٌ(٥)، فى
مسجدِه، كانت تُداوِى الجَرَّحَى، وتحتسِبُ بنفسِها على خدمةِ مَن كانت به ضَيْعةٌ
مِن المسلمين، وكان رسولُ اللَّهِ مَّ ◌َلَّه قد قال لقومِه حينَ أصابَه السهمُ بالخندقِ :
((اجْعَلُوه فى خَيمةِ رُفَيدةَ حتى أَعُودَه مِن قَرِيبٍ)). فلما حَكْمَه رسولُ اللَّهِ صَلِ فِى
بنى قريظةً ، أتاه قومُه فاحْتَمَلوه على حمارٍ ، وقد وَطَُّوا له بوِسادةٍ مِن أَدَم، وكان
رجلًا جسيمًا، ثم أقبَلوا معه إلى رسولِ اللَّهِ عَه، وهم يقولون: يا أبا عمرٍو، أحسِنْ
(١) فى ت١: ((بذمة)). وفى ت٢: ((يومه)). وغير واضحة فى: ص. والرمة : قطعة من الحبال البالية.
النهاية ٢٦٧/٢، واللسان (رم م) .
(٢ - ٢) فى ت٢: ((فسألهم إياه )).
(٣) سقط من: ت ٢ .
(٤) فى ص، ت١، ت٢: ((المسلمين)).
(٥) فى ت٢: ((وفيدة)).
٧٨
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٦، ٢٧
١٥٣/٢١ فى مَواليك؛ فإن رسولَ اللَّهِ بِّ هَمٍ وَلَّك ذلك / لتُحسِنَ فيهم . فلما أكثروا عليه قال:
قد آنَ(١) لسعدٍ أن لا تَأْخُذَه فى اللَّهِ لومة لائم. فرجَع بعضُ مَن كان معَه (٢) من قومِه
إلى دارٍ بنى عبدِ الأشهلِ، فنعَى إليهم [٦٢١/٢ و] رجالَ بنى(٢) قُرِيظةَ قبلَ أن يَصِلَ
إليهم سعدُ بنُ معاذٍ ، عن(٤) كلمتِه التى سمِع منه. فلما انتهَى سعدٌ إلى
رسولِ اللهِ سَمِ " والمسلمينْ)، قال(١): (((( قُومُوا إِلى سيدِكم))). فقاموا إليه،
فقالوا: يا أبا عمرٍو، إن رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ وَلَّك مَواليَك لتَحْكُمَ فيهم. فقال سعدٌ:
عليكم بذلك عهدُ اللَّهِ وميثاقُهُ أَنَّ الحكمَ فيهم كما(٨) حكَمتُ ؟ قالوا : نعم . قال :
وعلى مَن هلهنا؟ فى الناحيةِ التى فيها رسولُ اللَّهِ بَ لَّهِ، وهو معرِضٌ عن
رسولِ اللَّهِ مَِّ ("إجلالاً له). فقال رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((نعم)). قال سعدٌ: فإنى
أَحْكُمُ فِيهِم أن تُقْتَلَ الرجالُ، وتُقَشَّمَ الأموالُ، وتُشْتَى الذرارىُّ والنساءُ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: فحدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن
عاصمِ بنِ (١١ عمرَ بنِ (١) قتادةً، عن عبد الرحمنِ بنِ عمرو بن سعدِ بنِ معاذٍ ، عن
(١) فى ص: ((انى)). وفى ت١: ((أبى)).
(٢) سقط من ص، ت١ ، ت٢ .
(٣) فى ت١، ت٢: ((من)).
(٤) فى م: ((من)).
(٥ - ٥) سقط من: ت٢ .
(٦) بعده فى ص، ت١: ((سعد)). وفى ت٢: ((عليه السلام)).
(٧ - ٧) مكررة فى: ص ، ت١، ت٢.
(٨) فى ت١: ((بما)).
(٩ - ٩) سقط من : ت١.
(١٠) سيرة ابن هشام ٢٣٥/٢ - ٢٤٠، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٥٨٣/٢ - ٥٨٨ .
(١١ - ١١) فى ص، ت١، ت٢: ((عمر وعن)). والمثبت هو الصواب. تهذيب الكمال ٥٢٨/١٣.
٧٩
سورة الأحزاب : الآ يتان ٢٦، ٢٧
علقمةَ بنِ وَقَّاصِ الليثىّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ◌َله: ((لقد حكمتَ فيهم بحُكْمِ اللَّهِ
من فوقٍ سبعةٍ أَرْقِعَةٍ )). ثم استُنزِلوا، فحبسهم رسولُ اللَّهِ صَ لِّ فى دارِ ابنةِ الحارثِ -
امرأةٌ مِن بنى النجَّارِ - ثم خرج رسولُ اللَّهِ مَّ ◌َه إلى سوقِ المدينةِ التى هى سوقُها
اليومَ، فخندَق بها خنادقَ ، ثم بعث إليهم، فضرَب أعناقَهم فى تلك الخنادقٍ ،
يُخرَجُ بهم إليه أرسالًا، وفيهم عدوُ اللَّهِ حُتَىُ بنُ أخطَبَ، وكعبُ بنُ أسدٍ رأسُ
القومِ، وهم ستُّمِائَةٍ أو سبعمائةٍ. والمكثرُ منهم يقولُ: كانوا من الثمانمائةِ إلى
التسعِمِائةِ. وقد قالوا لكعبِ بنِ أسدٍ وهم يُذْهَبُ بهم إلى رسولِ اللهِ نَ الغِ أرسالًا:
يا كعبُ ، ما ترَى يُصْنَعُ بِنا؟ فقال كعبٌ : أفى كلِّ موطِنٍ لا تعقِلون؟! أَلا تَرَوْنَ
الداعىَ لا يَنْزِعُ، وأنه مَن يُذْهَبُ به منكم فما يَرْجِعُ! هو واللَّهِ القتلُ. فلم يَزَلْ ذلك
الدأبَ، حتى فرَغ منهم رسولُ اللَّهِ عَه، وأُنِى بحُتَّىٌّ بن أخطبَ عدوِّ اللَّهِ، وعليه
حُلّةٌ له فُقّاحِيَّةٌ(١) قد شفَّقَها عليه من كلِّ ناحيةٍ كموضع الأُعملةِ ، أنملةً أَعملةً ؛ لئلا
يُسْلَبَها، مجموعةٌ يداه إلى عنقِه بحبلٍ، فلما نظَر إلى رسولِ اللَّهِ مَ ظَلّهِ قال: أما واللهِ ما
لُمتُ نفسى فى عداوتِك، ولكنه مَن يَخِذُلِ اللَّهُ يُخْذَلْ . ثم أقبل على الناسِ فقال:
أيُّها الناسُ، إنه لا بأسَ بأمرِ اللَّهِ، كتابُ اللَّهِ وقدرُه، وملحمةٌ قد كُتِبت على بنى
إِسرائيلَ. ثم جلَس فضُرِبت عنقُه، فقال جبلُ بنُ جَوّالٍ الثعلبىُّ :
ولكنَّه مَن يَخْذُلِ اللَّهُ يُخْذَلِ
لعمرُك ما لامَ ابنُ أخطبَ نفسَه
وَقَلْقَلَ يَبغى العزَّ كلَّ مُقَلْقَلِ("
لجاهَد حتى أبلغ النفسَ عُذْرَها
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال : ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرٍ بنِ الزبيرِ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ، قالت : لم يُقْتَلْ مِن نسائِهم إلا
(١) حلة فُقاحِيَّة: وهى على لون الورد حين هم أن يتفتح. التاج (ف ق ح).
(٢) سيرة ابن هشام ٢٤١/٢، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٥٨٩/٢ .
٨٠
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٦، ٢٧
١٥٤/٢١ امرأةٌ واحدةٌ. قالت: واللَّهِ إنها لعندِى / تَحدَّثُ معى وتضحكُ، ظُهْرًا،
ورسولُ اللّهِ عَهِ يَقْتُلُ رجالَهم بالشُوقِ، إِذْ هَتَف هاتفٌ باسْمِها: أينَ فلانةُ؟
قالت : أنا واللَّهِ . قالت : قلتُ : وَيْلَك ما لكِ ؟ قالت: أَقْتَلُ . قلتُ : ولِمَ ؟ قالت :
حدَثٌ(١) أحدثتُه. قالت (٢): فانْطُلِقِ بها، فضُرِبَت ◌ُنْقُها. فكانت عائشةُ تقولُ: ما
أُنسَى عَجَبى منها؛ طيبَ نفسٍ، وكثرةَ ضَحِكٍ، وقد عرَفتْ أنها تُقْتَلُ(٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثناسَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ :
وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِهِمْ﴾. والصَّياصِى:
الحصونُ والآطامُ التى كانوا فيها، ﴿ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾(٤).
حدَّثنا عمرو (٥) بنُ مالكِ التَّكْرِىُّ(٢)، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجَوَاحِ، وحدَّثنا ابنُ
وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن ابنٍ عُبَينةً، عن عمرٍو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ: ﴿مِن
صَيَاصِيهِمْ ﴾ . قال : مِن خُصُونِهم " .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿مِن صَيَاصِيِهِمْ﴾. يقولُ: أَنزَلهم مِن صَياصِيهم. قال: قُصُورِهم".
(١) فى م: ((لحدث)) .
(٢) فى م، ت١: ((قال)).
(٣) سيرة ابن هشام ٢٤٢/٢، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٥٨٩/٢، وذكره البغوى ٣٤٢/٦.
(٤) سيرة ابن هشام ٢٤٩/٢ .
(٥) فى ت٢: ((عمر)).
(٦) فى م، ص، ت٢: ((البكرى)). ينظر تهذيب الكمال ٢١١/٢٢.
(٧) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩٩/٦ .
(٨) تفسير مجاهد ص ٥٤٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .