النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
سورة الأحزاب : الآية ١٢
الخندقِ، فأخَذ رسولُ اللَّهِ مَِّ الْمِعْوَلَ من سلمانَ، فضرَب الصخرةَ ضربةً صدَعَها ،
وبرَقَت منها بَرْقَةٌ أَضاءَت ما بينَ لَا بَيِها - يعنى لابَتَى المدينةِ - حتى لكأنَّ مِصباحًا
فى جوفٍ بيتٍ مظلم ، فكبَّر رسولُ اللَّهِ عَ ◌ّ تكبيرَ فتح، و کبَّر المسلمون ، ثم ضربها
رسولُ اللَّهِ عََّلِ الثانيةَ فصدَعها، فكسَرَها، وبرَقَت منها بَرْقَةٌ أضاءَت ما بينَ
لابتَيْها، حتى لَكأن مصباحًا فى جوفٍ بيتٍ مظلم، فكَبَّر رسولُ اللَّهِ صَ لِّ تكبيرَ
فتحٍ، وكبَر المسلمون، ثم ضرَبها رسولُ اللَّهِ عَ لَّمِ الثالثةَ، فكسَرَها، وبَرَق منها بَرْقَةٌ
أضاءَ ما بينَ لابتَيْها، حتى لَكأن مصباحًا فى جوفٍ بيتٍ مظلم، فكبّر
رسولُ اللَّهِ بِظَلِ تكبيرَ فتح، ثم أخذ بيدِ سلمانَ، فَرَقِىَ، فقال سلمانُ: بأبى أنت
وأمى يا رسولَ اللَّهِ، لقد رأَيْتُ شيئًا ما رأيْتُه قطُّ. فالْتَّقَت رسولُ اللَّهِ عَّهِ إلى القومِ
فقال: ((هل رأيتُم ما يقولُ سلمانُ؟)) قالوا: نعم يا رسولَ اللَّهِ، بأبينا أنت وأمِّنا، قد
رأَيْناك تَضْرِبُ فِيَخْرُجُ بَرْقٌ كالموج، فرأتْناك تُكَبِّرُ فَتُكَبِّرُ، ولا نَرَى شيئًا غيرَ ذلك.
قال: ((صدَقْتُم ضرَبْتُ ضربتىَ الأولى، فبرَق الذى رأيتُم، (أضاءت لى منها(١)
قُصورُ الحيرةِ ومدائنُ كِشْرَى، كأنها أنيابُ الكلابِ ، فأخبرنى جبريلُ عليه السلامُ أن
أمتى ظاهرةٌ عليها ، ثم ضرَبْتُ ضربتىَ الثانيةَ ، فبرَق الذى رأيتُم، (أضاءتْ لى منها١)
قصورُ الحُفْرِ مِن أرضِ الرومِ، كأنها أنيابُ الكلابِ ، وأُخْبَرنى جبريلُ عليه السلامُ أن
أمتى ظاهرةٌ عليها ، ثم ضرَبْتُ ضربتىَ الثالثةَ ، فبرَق منها الذى رأيتُم ، أضاءتْ لی منها
قصورُ صَنْعاءَ، كأنها أنيابُ الكلابِ ، وأَخْبَرنى جبريلُ عليه السلامُ أن أمتى ظاهرةٌ
عليها، فَأَبْشِروا يَتْلُغُهم النصرُ، وأَبْشِروا يَتْلُغُهم النصرُ، وأَبْشِروا يَتْلُغُهم النصرُ)).
فاسْتَبْشَر المسلمون ، وقالوا : الحمدُ للَّهِ ، موعودُ صِدقٍ، بأن وُعِدْنا النصرَ بعدَ الحَصْرِ،
(١ - ١) فى النسخ: ((أضاء لى منه))، والمثبت من تاريخ المصنف.
٤٢
سورة الأحزاب : الآيات ١٢ - ١٤
فَطَلَعَتِ (١) الأحزابُ، فقال المسلمون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اُللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:
٢٢]. الآيةَ، وقال المنافقون: ألا تَعْجَبون! يُحَدِّثُكم ويُمَنِيكم ويَعِدُ كم الباطلَ،
يُخْبِرُ كم أنه يُنْصِرُ مِن يثربَ قصورَ الحيرةِ، ومدائنَ كِسْرَى، وأنها تُفْتَحُ لكم ، وأنتم
تَحْفِرون الخندقَ مِنِ الفَرَقِ ، ولا تَسْتَطِيعون أن تَبْرُزوا؟! وأَنْزِل القرآنُ: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ
الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمِ مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا﴾(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَت ◌َائِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ
فَأَرْجِعُواْ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِقٌ مِّنْهُمُ النَِّىَ / يَقُولُونَ إِنَّ بُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا
١٣٥/٢١
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَنَوَّهَا وَمَا تَلَّئُواْ بِهَا إِلَّا
فِرَارًا
١٣
١٤
يَسِيرًا
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَت ◌َابِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا هُقَامَ
لَكُمْ﴾. وإذا قال بعضُهم: يا أهلَ يثربَ. ويثربُ اسمُ أرضٍ، فيقالُ: إِن مدينةً
رسولِ اللَّهِ مَّهِ فى ناحيةٍ مِن يثربَ .
وقولُه: (لا مَقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)، بفتح الميم مِن ((مَقام)). يقولُ: لا مكانَ
لکم، تقومون فیه، كما قال الشاعرُ():
فأَبِّي ما وأَيَّك كان شرًّا
فَقِيدَ إلى المقَامةِ لا يَرَأها
(١) فى م: ((فطبقت)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٦٧/٢، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٤١٨/٣، والبغوى فى تفسيره ٣٢٣/٦
من طريق محمد بن خالد به، وأخرجه ابن سعد فى طبقاته ٨٢/٤، ٨٣، والطبرانى (٦٠٤٠)، والحاكم
٥٩٨/٣ - كلاهما مختصرًا - من طريق كثير بن عبد الله به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٥/٥، ١٨٦
إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه وأبى نعيم .
(٣) تقدم تخريجه فى ٢٣١/١٨.
٤٣
سورة الأحزاب : الآية ١٣
قولُه: ﴿فَأَرْجِعُواْ﴾. يقولُ: فارْجِعوا إلى منازلكم. أمرَهم بالهربِ مِن
عسكرِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ، والفرارِ منه، وتركِ رسولِ اللَّهِ ◌َله .
وقيل : إن ذلك مِن قِيلٍ أوسٍ بنِ قَيْظِىِّ ومَن وافَقَه على رأيِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ:
﴿ وَإِذْ قَالَت ◌َابِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ﴾ إلى قوله: ﴿فِرَارًا﴾. يقولُ: أَوسُ بنُ
قَيْظِىِّ ومَن كان على ذلك مِن رأيِهِ مِن قومِه(١).
والقرأةُ على فتح الميمِ مِن قوله: (لا مَقامَ لكم). بمعنى : لا موضعَ قيامٍ لكم ،
وهى القراءةُ التى لا أُسْتَجِيزُ القراءةَ بخلافِها؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليها. وذُكِر
عن أبى عبد الرحمنِ السُّلَمِىِّ أنه قرَأْ ذلك: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾. بضمِّ الميمِ() ، يعنى:
لا إقامةً لكم .
وقولُه: ﴿ وَيَسْتَغْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِىِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُوَتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ
بِعَوْرَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ويَسْتَأْذِنُ بعضُهم رسولَ اللَّهِ يَّهِ فى الإذنِ
بالانصرافِ عنه إلى منزله، ولكنه يُرِيدُ الفِرارَ والهربَ مِن عسكرِ رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) سيرة ابن هشام ٢٢٢/٢، ٢٤٦، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٥٧٠/٢ مطولا عن ابن حميد، عن
سلمة ، عن ابن اسحاق من قوله ، وذكره القرطبى فى تفسيره ١٤٨/١٤ .
(٢) وهى قراءة نافع، وابن كثير، وأبى عمرو، وابن عامر، وعاصم فى رواية أبى بكر، وحمزة ، والكسائى.
وقراءة الضم هى قراءة عاصم فى رواية حفص، وهى قراءة متواترة . وينظر السبعة ص ٥٢٠، والتيسير
ص ١٤٥.
٤٤
سورة الأحزاب : الآية ١٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّىَّ﴾ إلى قولِه: ﴿ إِلَّ
فِرَارًا﴾. قال: هم بنو حارثةَ، قالوا: بيوتُنا مُخْلِيَةً(١)، نَخْشَى عليها الشَّرَقَ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
١٣٦/٢١ الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ / قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. قال: نَخْشَى عليها الشَّرَقَ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْتَشْذِنُ
فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةُ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ﴾: وإنها مما يَلِى العدُوَّ، وإنا
نَخافُ عليها السُّرَّاقَ، فيَبعثُ النبىُّ ◌َه، فلا يَجدُ بها عدُوًّا. قال اللَّهُ: ﴿ إِن
يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارً﴾. يقولُ: إنما كان قولُهم ذلك: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. إنما كانوا
يُرِيدون بذلك الفرارَ(٤) .
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانِ القَزَّزُ، قال: ثنا عبدُ(٥) اللَّهِ بنُ حُمْرانَ، قال: ثنا
عبدُ السلامِ بنُ شَدَّادٍ أبو طالوتَ، عن أبيه، فى هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ
بِعَوْرَةٌ﴾. قال: ضائعةٌ .
(١) مخلية : خالية . اللسان (خ ل ی) .
(٢) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٤٣٣/٣ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٥
إلى ابن مردويه .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٤/٢ عن معمر ، عن قتادة بنحوه .
(٥) فى م: ((عبيد))، وينظر تهذيب الكمال ٤٣١/١٤.
٤٥
سورة الأحزاب : الآية ١٤
وقولُه: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾. يقولُ: ولو دُخِلَت المدينةُ على
هؤلاء القائلين: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. ﴿مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ، يعنى: مِن جَوانِها
ونَواحيها، واحدُها قُطْرٌ، وفيها لغةً أخرى: قُتْرَ، وأَقْتَارٌ، ومنه قولُ الراجِ:
إن شئتَ أن تُدْهِنَ أو تُمُوًّا
فوَلِّهن قُتْرَكَ الأَشَرَّا
وقولُه: ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ﴾. يقولُ: ثم سُئِلوا الرجوعَ من الإيمانِ إلى
الشركِ، ﴿لَتَوَّهَا﴾. يقولُ: لَفعَلوا ورجَعوا عن الإسلامِ، وأَشْرَكوا .
وقولُه: ﴿ وَمَا تَلَتَثُواْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾. يقولُ: وما اخْتَبَسوا عن إجابتهم إلى
الشركِ. ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ قليلًا، وَلَأَشْرَعوا إلى ذلك.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَوْ دُسِلَتْ عَلَيِهِم مِّنْ
أَقْطَارِهَا﴾. أى: لو دُخِل عليهم مِن نواحى المدينةِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ﴾. أى:
الشركَ، ﴿لَّتَوَّهَا﴾. يقولُ: لأعْطَوْهُ(١)، ﴿ وَمَا تَلَبَثُواْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾. يقولُ:
إِلا أَعْطَوْه طيِّبةً به أنفسُهم، ما يَحْتَبِسونه(٢) .
حدَّثْنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَوْ
دُخِلَتْ عَلَتِهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾. قال: لو دُخِلَت المدينةُ عليهم مِن نَواحِيها، ﴿ثُمَّ
سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَتَوَّهَا﴾: سُئِلوا أن يَكْفُروا لكفَروا، قال: وهؤلاء المنافقون لو
دَخَلَت عليهم الجيوشُ، والذين يُرِيدون قتالَهم، ثم سُئِلوا أن يَكْفُرُوا لَكَفَروا . قال:
(١) فى م: ((لأعطوها)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٥ إلى المصنف.
٤٦
سورة الأحزاب : الآيتان ١٤، ١٥
والفتنةُ، الكفرُ. قال: وهى التى يقولُ اللَّهُ: ﴿ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [ البقرة: ١٩١].
أى: الكفر. يقولُ: يَحْمِلُهم الخوفُ منهم، وخُبْثُ الفتنةِ التى هم عليها مِن
النفاقٍ، على أن يَكْفُروا به(١) .
واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿لَتَوَهَا﴾ ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ ،
١٣٧/٢١ وبعضُ قرأةٍ مكةَ: (لأُتَوها)/ بقصرِ الألفِ، بمعنى جاءوها ، وقرأه بعضُ المكيين،
وعامةُ قرأةِ الكوفة والبصرةِ: ﴿لَتَوَّهَا﴾ بمَدِّ الألفِ(٢) ، بمعنى: لأعْطَوْها؛ لقولِه:
﴿ ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ﴾. وقالوا: إذا كان سؤالٌ كان إعطاءٌ، والمدُّ أعجبُ القراءتين
إلىَّ؛ لما ذكَّرْتُ، وإن كانت الأخرى جائزةً .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَنْهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ
اُلْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا
١٥
يقولُ تعالى ذكره: ولقد كان هؤلاء الذين يَسْتَأَذِنون رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ فِى
الانصرافِ عنه، ويقولون: إن بيوتنا عورةٌ. عاهَدوا اللَّهَ مِن قبل ذلك، أن لا يُؤَلُّوا
عدوَّهم الأدبارَ، إن لَقُوهم فى مشهدٍ لرسولِ اللَّهِ عَظَلِ معهم، فما أوْفَوْا بعهدِهم،
﴿ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. يقولُ: فيَسْأَّلُ اللَّهُ ذلك مَن أعطاه إياه مِن نفسِهِ .
وذُكِر أن ذلك نزَل فى بنى حارثةَ؛ لِما كان مِن فعلِهم فى الخندقِ ، بعدَ الذى
كان منهم بأُحدٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ :
(١) تقدم بسنده وجزء من متنه فى ٢٩٥/٣، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩٠/٦ بنحوه.
(٢) قراءة القصر هى قراءة نافع وابن كثير وأبى جعفر. وقراءة المدّ هى قراءة أبى عمرو، وابن عامر، وعاصم،
وحمزة، والكسائى، ويعقوب، وخلف. ينظر النشر ٢٦١/٢ .
٤٧
سورة الأحزاب : الآيات ١٥ - ١٧
﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾:
وهم بنو حارثةَ، وهم الذين همُّوا أن يَفْشَلوا يومَ أحدٍ مع بنى سَلِمةً، حينَ همَّا
بالفشلِ يومَ أحدٍ ، ثم عاهَدوا اللَّهَ لا يعودوا لمثلِها، فذكر اللَّهُ لهم الذى أعْطَوْه من
(١)
أنفسهم
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ
عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ﴾ . قال : كان ناسٌ
غابوا عن وقعةِ بدرٍ ، ورأَوْا ما أعْطَى اللَّهُ أصحابَ بدرٍ مِن الكرامةِ والفضيلةِ ، فقالوا :
لئن أَشْهَدَنا اللَّهُ قتالًا لَنُقاتِلَنَّ. فَساق اللَّهُ ذلك إليهم، حتى كان فى ناحيةٍ
_(٢)
المدينةِ(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ
اُلْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٦َ قُلْ مَن ذَا الَّذِى يَعْضِمُكُم مِّنَ اَللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءً
أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَمُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
١٧
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّه: ﴿قُل﴾ يا محمدُ لهؤلاء الذين
يَسْتَأْذِنونك فى الانصرافِ عنك، ويقولون: ﴿إِنَّ بُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. ﴿لَّنْ يَنفَعَكُمُ
الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ اٌلْقَتْلِ﴾. يقولُ: لأن ذلك أو ما كتَب اللَّهُ
منهما، واصلٌ إليكم بكلِّ حالٍ، كَرِهْتُم أو أحَبَبْتُم. ﴿وَإِذَا لَّا تُمَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
/يقولُ : وإذا فرَرْتُم مِن الموتِ أو القتلِ لم يَزِدْ فرائ كم ذلك فى أعمارٍ كم وآجالِكم، بل ١٣٨/٢١
إنما تُتَّعون فى هذه الدنيا إلى الوقتِ الذى كُتِب لكم، ثم يَأْتِيكم ما كُتِب لكم
وعليكم .
(١) سيرة ابن هشام ٢٤٦/٢، وذكره البغوى فى تفسيره ٣٣٣/٦.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٣٣/٦ .
٤٨
سورة الأحزاب : الآية ١٦
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُل لَّنْ يَنَفَعَكُمُ الْفِرَارُ
إِن فَرَّتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وإنما الدنيا كلُّها
* (١)
قليلٌ(١).
حدّثنا أبو گُریب ، قال : ثنا ابنُ یمانٍ ، عن سفيان ، عن منصورٍ ، عن أبی رَزِينٍ،
عن ربيعٍ بن خُثَيم: ﴿ وَإِذََّ لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. قال: إلى آجالِهم(١) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
أبى رَزِينٍ، عن ربيع بن خُثَيمِ: ﴿ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: ما بينَهم وبينَ
الأجلِ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ،
عن الأعمشِ، عن أبى رَزِينٍ، عن الربيعِ بنِ خُثَيم مثلَه ، إلا أنه قال: ما بينَهم وبينَ
آجالھم .
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةٌ ، عن منصورٍ ، عن
أبى رَزِينٍ أنه قال فى هذه الآية: ﴿فَلَيَضْحَكُوْ قَلِلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢].
قال: ليَضْحَكوا فى الدنيا قليلًا، ولْيَبْكوا فى النارِ كثيرًا. وقال فى هذه الآية:
﴿ وَإِذَّا لَا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: إلى آجالِهم. أحدُ هذين الحديثين رفَعه إلى ربيعٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٥ إلى المصنف.
(٢) تفسير الثورى ص ٢٤١ بنحوه .
٤٩
سورة الأحزاب : الآيتان ١٧،١٦
ابنِ خُثَيْمِ(١).
(١)
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنى أبى، عن الأعمشِ ، عن أبى رَزِينٍ ، عن الربيعِ بنِ
◌ُخُثيمٍ: ﴿وَإِذَ لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: الأجلُ(٢).
ورُفِع قولُه: ﴿ تُعَنَّعُونَ﴾. ولم يُنْصَبْ بـ ((إذًا))، للواوِ التى معها، وذلك أنه
إذا كان قبلَها واوٌ، كان معنى ((إذا)) التأخيرَ بعدَ الفعلِ، كأنه قيل: ولو فرُّوا
لا يُمَثَّعون إلا قليلًا إذًا، وقد يُنْصَبُ بها أحيانًا، وإن كان معها واوٌ؛ لأن الفعلَ
متروكٌ ، فكأنها لأولِ الكلامِ .
وقولُه: ﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اَللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ
رَحْمَةٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهؤلاء الذين يَسْتَأْذِنونك، ويقولون :
﴿ إِنَّ بُتَنَا عَوْرَةٌ﴾ . هربًا مِن القتلِ: مَن ذا الذى يَمْتَعُكم مِن اللَّهِ إن هو أراد بكم
سُوءًا فى أنفسكم ؛ مِن قتلٍ أو بَلاءٍ أو غيرِ ذلك، أو عافيةٍ وسلامةٍ؟ وهل ما يكونُ
بكم فى أنفسكم مِن سُوءٍ أو رحمةٍ ، إلا مِن قِبَلِه ؟!
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ ، قال: ثنى يزيدُ بنُ
رُومَانَ: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُمْ مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ .
أى: أنه ليس الأمر إلا ما قضيتُ(٣).
وقولُهُ: ﴿وَلَ يَجِدُونَ لَمُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه:
ولا يَجِدُ هؤلاء المنافقون إن أراد اللَّهُ بهم سوءًا فى أنفسِهم وأموالهم، مِن دونِ اللهِ
وليًّا يَلِيهم بالكفايةِ، ولا نَصيرًا يَنْصُرُهم مِن اللَّهِ، فِيَدْفَعُ عنهم ما أراد اللَّهُ بهم مِن
(١) تقدم بسنده ومتنه فى ٦٠٦/١١ .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٣٩٦/١٣ من طريق الأعمش به بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٨٨/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) سيرة ابن هشام ٢٤٦/٢ ولم يذكر فيه تفسير الآية .
( تفسير الطبرى ٤/١٩ )
٥٠
سورة الأحزاب : الآيات ١٧ - ١٩
شوءٍ فى ذلك .
١٣٩/٢١
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْقَائِلِنَ لِإِخْوَذِهِمْ
أَشِحَةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ
هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّ قَلِلًا (َّ
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِّ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم
بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اَللّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى
١٩
اُللَّهِ يسِیًا
يقولُ تعالى ذكره: قد يعلمُ اللَّهُ الذين يُعَوِّقون الناسَ منكم عن
رسولِ اللَّهِ وَّهِ، فَيَصُدُّونهم عنه، وعن شُهُودٍ الحربِ معه؛ نِفاقًا منهم وتَحْذيلًا
عن الإسلامِ وأهلِه، ﴿وَالْقَابِلِينَ لِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنًا﴾. (أى: تعالَوا إلينا؟)، ودَعُوا
محمدًا، فلا تَشْهَدوا معه مَشْهَدَه ، فإنا نخافُ عليكم الهلاكَ بهَلَاكِه، ﴿ وَلَا يَأْتُونَ
الْبَأْسَ إِلَّا قَلِلًا﴾. يقولُ: ولا يَشْهَدون الحربَ والقتالَ، إن شهدوا، إلا تَعْذيرًا
ودَفْعًا عن أنفسِهم المؤمنين .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
الْمُعَوّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ﴾. قال: هؤلاء ناسٌ مِن المنافقين كانوا يقولون
لإخوانِهم: ما محمدٌ وأصحابُه إلا أكَّلَةُ رَأْسٍ، ولو كانوا لحمًا لالْتَهَمهم أبو سفيانَ
وأصحابُه، دَعُوا هذا الرجلَ فإنه هالكٌ(٢) .
وقولُه: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أى: لا يشهَدون القتالَ، يَغِيبون عنه.
(١ - ١) سقط من: ت٢ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٥، ١٨٩ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
٥١
سورة الأحزاب : الآيتان ١٨، ١٩
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إِسحاقَ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ رُومَانَ :
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوّقِينَ مِنْكُ﴾. أى: أهلَ النفاقِ، ﴿ وَالْقَآيِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا
وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أى: إلا دَفْعًا وتَغْذيرًا(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ قَدْ
يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْقَآيِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: [٦١٧/٢و] هذا يومُ
الأحزابِ ، انصرّف رجلٌ مِن عندٍ رسولِ اللَّهِ وَمِ، فوجَد أخاه، بينَ يدَيه شِواءٌ
ورغيفٌ ونَبِيذٌ ، فقال له: أنت هلهنا فى الشِّواءِ والرغيفِ والتَبيدِ، ورسولُ اللَّهِ عَهِ
بينَ الرِّماحِ والسيوفٍ؟ فقال: هَلُمَّ إلى هذا، فقد بلغ(١) بك وبصاحبك، والذى
يُحْلَفُ به لا يستقبلُها(٢) محمدٌ أبدًا. فقال: كذبتَ والذى يُحْلَفُ به. قال - وكان
أخاه مِن أبيه وأمّه -: أمَا والَّهِ لأَخِرِنَّ النبيَّ عَمِ أمرَك. قال: وذهَب إلى
رسولِ اللَّهِ عَمِ ليخبرَه، قال: فوجَده قد نزَل جبرائيلُ، عليه السلامُ، بخبرِه (٤):
﴿قَدْ يَعْلَمُ اَللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِنَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا
(٥)
قَلِيلًا﴾ (٥).
/وقولُه: ﴿أَشِخَةً عَلَيْكُمْ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى وصَف اللَّهُ ١٤٠/٢١
به هؤلاء المنافقين فى هذا الموضع مِن الشُّحّ ؛ فقال بعضُهم: وصَفهم بالشُّحِ عليهم
فى الغنيمةِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ أَشِخَّةً عَلَيْكُمْ﴾ :
(١) سيرة ابن هشام ٢٤٦/٢، ٢٤٧.
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((بيع)).
(٣) فى مطبوعة الدر المنثور للسيوطى: ((يستقى لها))، وفى النسخة المحمودية: ((يستبقى لها)).
(٤) فى ت٢ : ((يخبره)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٥ إلى ابن أبى حاتم .
٥٢
سورة الأحزاب : الآية ١٩
(١)
فى الغنيمةِ (١) .
وقال آخرون : بل وصَفهم بالشُّحّ عليهم بالخيرِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنى عيسى، وحدّثنی
الحارثُ(٢) ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿أَشِخَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال: بالخيرِ ، المنافقون. وقال غيرُه: معناه: ﴿أَشِخَةً
عَلَيْكُمْ﴾ بالنفقةِ على ضُعفاءِ المؤمنين منكم(٢).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقال: إن اللَّهَ وصَف هؤلاء المنافقين
بالجُّبْنِ والشّحّ، ("ولم يَخْصُصْ) وصفَهم مِن معانى الشُّحِّ بمعنّى دونَ معنًى، فهم
كما وصَفهم اللَّهُ به أشكَّةٌ على المؤمنين بالغنيمةِ والخيرِ والنفقةِ فى سبيلِ اللَّهِ ، على
أهلِ مَشْكنةِ المسلمين . ونُصب قولُه: ﴿ أَشِحَةً عَلَيْكُمْ﴾. على الحالِ، مِن ذكرٍ
الاسمِ الذى فى قولِه: ﴿ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾. كأنه قيل: هم جُتاءُ عندَ البأسِ،
أَشِحاءُ عندَ قَسْمِ الغنيمةِ بالغنيمةِ .
وقد يحتملُ أن يكونَ قَطْعًا مِن قولِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. فيكونَ
تأويلُه: قد يعلمُ اللَّهُ الذين يُعَوِّقون الناسَ عن القتالِ، ويَشِعُون عندَ الفتحِ بالغنيمةِ.
ويجوزُ أن يكونَ أيضًا قَطْعًا مِن قولِه: ﴿ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ﴿أَشِخَةً﴾، وهم هكذا
أَشحةً . ووصَفهم جلَّ ثناؤه بما وصَفهم مِن الشُّحّ على المؤمنين؛ لما فى أنفسِهم لهم
(١) سيأتى بتمامه فى ص ٥٤ .
(٢ - ٢) سقط من: ت٢.
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٩ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٩/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
٥٣
سورة الأحزاب : الآية ١٩
مِن العداوةِ والضِّغْنِ(١).
کما حدّثنا ابنُ حُمَیدٍ ، قال : ثنا سَلَمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: ثنی یزیدُ بنُ
رُومَانَ: ﴿ أَشِخَةً عَلَيْكُمْ﴾. أى: للضِّغْنِ(١) الذى فى أنفسِهم(٣) .
وقولُه: ﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ . يقولُ تعالى ذِكرُه:
فإذا حضَر البأسُ(4)، وجاء القتالُ، خافوا الهلاكَ والقَتْلَ، ﴿رَيْتَهُمْ﴾ يا محمدُ،
﴿ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ لِوَاذًا بك، ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ خوفًا مِن القتلِ، وفِرارًا منه،
كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. يقولُ: كدَوَرَانِ عينِ الذى يُغْشَى عليه مِن الموتِ
النازلِ به، ﴿فَإِذَا ذَهَبَ اٌلْنَوْقُ﴾. يقولُ: فإذا انقطعَت الحربُ واْمأنوا
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ
رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَّدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾: مِن الخوفِ (٥).
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ:
﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ
اَلْمَوْتِ﴾. أى: إِعْظامًا وفَرَقًا منه(١) .
(١) فى ت٢: ((الطعن)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢: (( الطعن)).
(٣) سيرة ابن هشام ٢٤٧/٢ .
(٤) فى ص، ت١، ت٢: (( الناس)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٩/٥ إلى ابن أبى حاتم.
٥٤
سورة الأحزاب : الآية ١٩
١٤١/٢١
/ وأما قولُه: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. فإنه يقولُ: عَضُّوكم بألسنةٍ
ذَرِبةٍ ، ويقالُ للرجلِ الخطيبِ الذَّرِبِ اللسانِ : خطيبٌ مِسْلَقٌ ومِصْلَقٌ، وخطيبٌ
سَلَاقٌ وصَلَّقٌ .
وقد اختلف أهلُ التأويل فى المعنى الذى وصَف تعالى ذكرُه هؤلاء المنافقين أنهم
يَسْلُقون المؤمنين به؛ فقال بعضُهم: ذلك سَلْقُهم إياهم عندَ الغنيمةِ ، بمسألتِهم
القَسْمَ لهم .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْقُ
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: أمَّا عندَ الغنيمةِ فأشَحُ قومٍ ، وأسْوَأُ مُقاسَمةٍ: أعطُونا
أعطُونا، فإنا قد شهدنا معكم. وأما عندَ البأسِ فأجبنُ قوم، وأخذلُه للحقِّ(١).
وقال آخرون: بل ذلك سَلْقُهم إِيَّهم بالأَذَى .
ذِکژ ذلك عن ابنِ عباسٍٍ
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَارٍ﴾. يقولُ: اسْتَقْتَلوكم(٢).
حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ سَلَقُوكُم
بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾. قال: كَلَّمُوكم .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٩/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٣٧/٢ - من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٨٩/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
٥٥
سورة الأحزاب : الآية ١٩
وقال آخرون : بل معنى ذلك: أنهم يَشْلُقَونهم مِن القولِ بما تُحُون ؛ نِفاقًا منهم .
[٦١٧/٢ظ] ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ :
﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ : فى القولِ بما تُحِبُّون؛ لأنهم لا
يَرْجُون آخرةً ، ولا تَحْمِلُهم حِسْبةٌ ، فهم يَهابُون الموتَ هيبةً مَن لا يَرْجُو ما بعدَه(١).
وأشْبهُ هذه الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، قولُ مَن قال: ﴿ سَلَقُوكُم
بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ﴾. فأخبَر أن سَلْقَهم المسلمين شُخًا منهم على
الغنيمةِ والخيرِ ، فمعلومٌ إذا كان ذلك كذلك، أن ذلك لطلبِ الغنيمةِ. وإذا كان
ذلك منهم لطلبٍ الغنيمةِ، دخَل فى ذلك قولُ مَن قال: معنى ذلك : سَلَقُوكم
بالأذَى؛ لأن فعلَهم ذلك كذلك، لاشكَّ أنه للمؤمنين أذِّى .
وقولُه: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾. يقولُ: أشخَّةً على الغنيمةِ إذا ظَفَر المؤمنون .
وقولُه: ﴿لَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاء الذين
وصَفتُ لك صفتَهم فى هذه الآياتِ، لم يُصدِّقوا اللَّهَ ورسولَه، ولكنهم أهلُ كفرٍ
ونِفاقٍ ، ﴿ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ﴾. يقولُ: فَأذهَب اللَّهُ أُجُورَ أعمالِهِم وأبطلَها.
وذُكر أن الذى وُصِف بهذه الصفةِ كان بَدْرِيًّا، فأحبَط اللَّهُ عملَه.
ذِکژُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمُّ / وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرًا﴾. قال: فحدَّثنى أبى أنه كان ١٤٢/٢١
(١) فى ت٢: ((خشية)).
(٢) سيرة ابن هشام ٢٤٧/٢ .
٥٦
سورة الأحزاب : الآيتان ١٩، ٢٠
بَدْرِيًّا، وأن قولَه: ﴿فَأَحْبَطَ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ﴾: أحبَط اللَّهُ عملَه يومَ بدٍ .
وقولُه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان إحباطُ
عملِهم الذى كانوا عمِلوا قبلَ ارتدادِهم ونفاقِهم، على اللَّهِ يسيرًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ يَحْسَبُونَ الْأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن بَأْتِ الْأَحْزَابُ
يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِ الْأَعْرَادِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبَابِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِكُم مَّا
قَتَلُواْ إِلَّا قَلِلًا
يقولُ تعالى ذكره : يحسبُ هؤلاء المنافقون الأحزابَ ؛ وهم قريشَ وغَطَفَانُ .
كما حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنِ إِسحاقَ ، قال : ثنى يزيدُ بنُ
رُومَانَ: ﴿ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾: قريشٌ وغَطَفانُ(١).
وقولُه: ﴿لَمْ يَذْهَبُواْ﴾. يقولُ: لم ينصرِفوا، وإن كانوا قد انصرفوا جُبْنًا
وهَلَعًا منهم .
بنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قوله: ﴿ يَحْسَبُونَ الْأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾. "قال: يحسبونهم قريبًا(١).
وذُكر أن ذلك فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ: (يَحْسَبُون الأحْزَابَ قَدْ) ذَهَبُوا، فَإِذَا
(١) سيرة ابن هشام ٢٤٧/٢ .
(٢ - ٢) سقط من : ت٢ .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٩/٥ إلى الفريانى وابن أبى حاتم وابن المنذر.
٥٧
سورة الأحزاب : الآية ٢٠
وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا، وَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِى الأَعْرَابِ ) (١).
وقولُه: ﴿وَإِنِ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِ الْأَعْرَابِ ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه : وإن يأتِ المؤمنين الأحزابُ وهم الجماعةُ : واحدُهم حِزْبٌ .
﴿يَوَدُّواْ﴾. يقولُ: يَتَمَثَّوا مِن الخوفِ والْجُبْنِ أنهم غُيَّبٌ عنكم فى الباديةِ مع
الأعرابِ؛ خوفًا مِن القتلِ، وذلك قوله: ﴿لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِىِ الْأَعْرَابِ﴾ .
تقولُ : قد بَدا فلانٌ . إذا صار فى البدوِ ، فهو يَبْدُو، وهو بادٍ . وأما الأعرابُ : فإنهم
جمعُ أعرابىٌّ(١) ، وواحدُ العربِ عربىٌّ، وإنما قيل: أعرابىٌّ. لأَهلِ البدوِ؛ فَوْقًا بينَ
أهلِ البوادى والأمصارِ ، فجعَل الأعرابَ لأهلِ الباديةِ ، والعربَ لأَهلِ المِصْرِ.
وقولُه: ﴿يَسْتَلُونَ عَنْ أَنْبَابِكُمْ﴾. يقولُ: يَسْتَخْبِرُ هؤلاء المنافقون ، أيُّها
المؤمنون ، الناسَ عن أنْبائِكم. يعنى: عن أخبارِ كم بالباديةِ: "هل هلَك محمدٌ
وأصحابُه؟ يقولُ : يَتَمَنَّون أن يسمعوا أخبار كم " پِھَلا کِکم، أن لا يشهدوا معكم
مَشاهِدَ كم، ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِكُ (٢ مَا قَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه
للمؤمنين: ولو / كانوا أيضًا فيكم ما نفَعوكم، و﴿ مَّا قَئَلُواْ﴾ المشركين ﴿إِلَّا
قَلِيلًا﴾، يقولُ: إِلا تَغْذيرًا؛ لأنهم لا يُقاتِلونهم حِسْبَةٌ(٤)، ولا رجاءً ثوابٍ.
١٤٣/٢١
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(١) القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .
(٢) فى ص، ت١: ((عرب))، ت٢: ((العرب)).
(٣ - ٣) سقط من : ت١.
(٤) فى ت٢: ((خشية)).
٥٨
سورة الأحزاب : الآيات ٢٠ - ٢٢
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبَّابِكُمْ﴾. قال: أخبارٍ كم (١).
وقَرأت قرأةُ الأمصارِ جميعًا سِوى عاصمِ الجَحْدَرِىِّ: ﴿ يَسْئَلُونَ عَنْ
أَنْبَائِكُمْ﴾. بمعنى: يَسْألون مَن قَدِم عليهم مِن الناسِ، عن أنباءِ عَشكرٍ كم
وأخبارِ كم. وذُكر عن عاصم الجَخْدَرِىِّ أنه كان يقرَأَ ذلك: (يَشَاءَلونَ) بتَشْديد
((السين))، بمعنى: يَتْساءلون: أى يسألُ بعضُهم بعضًا عن ذلك(١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا: ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُبَّةِ مِن
القرأة عليه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَنْ
وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ
كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اَللَّهَ كَثِيرًا [٦١٨/٢ و]
اُلْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا
وَتَسْلِيمًا
(٢٢
اختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿أُسْوَةُ﴾ ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ :
(إِسْوَةٌ) بكسرٍ ((الألفِ))(١)، خَلا عاصمَ بنَ أبى النَّجودِ؛ فإنه قرَأَه بالضَّمِّ :
﴿أُسْوَّةُ﴾(٤) . وكان يحيى بنُ وَتَّابٍ يقرأ هذه بالكسرِ، ويقرأ قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ
لَكُرُّ فِهِمْ أُسْوَةُ﴾. [الممتحنة: ٦] بالضمّ، وهما لغتان، وذُكِر أن الكسرَ فى أهلِ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٤٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٩/٥ إلى الفريانى وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) القراءة شاذة ، ينظر البحر المحيط ٢٢١/٧.
(٣) هى قراءة نافع، وابن كثير، وأبى عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائى، السبعة لابن مجاهد ص ٥٢١.
(٤) السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٠ .
٥٩
سورة الأحزاب : الآيتان ٢٢،٢١
الحجازِ، والضَّمَّ فى قَيْسٍ، يقولون: ((أُسْوَةٌ)). و((أُخْوةٌ)). وهذا عِتَابٌ مِن اللَّهِ
تعالى للمتخلِّفين عن رسولِ اللَّهِ مَّمِ وعَسكْرِه بالمدينةِ مِن المؤمنين به . يقولُ لهم جلَّ
ثناؤُه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ ، أن تَتَأْسِّوْا به ، وتكونوا معه
حيثُ كان، ولا تَتَخَلَّفوا عنه - ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ ﴾. يقولُ: فإِن مَن يَرْجُو
ثوابَ اللَّهِ ورحمته فى الآخرةِ ، لا يرغَبُ بنفسِه، ولكنه تكونُ له به أَسوةٌ فى أن
یکونَ معه حیثُ یکونُ هو .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إِسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ ،
قال: ثم أقبل على المؤمنين فقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ
كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، ألَّ يرغَبوا بأنفسهم عن نفسِه، ولا عن مكانٍ هو
به، ﴿ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. يقولُ: وأكثرَ ذكرَ اللَّهِ فى الخوفِ والشدَّةِ والرخاءِ.
/ وقولُه: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾. يقولُ: ولمّ عايَن المؤمنون باللّهِ ١٤٤/٢١
ورسوله جماعاتِ الكفارِ، قالوا تَسْليمًا منهم لأُمرِ اللَّهِ، وإيقانًا منهم بأن ذلك إنجازٌ
وعدِه لهم، الذى وَعَدهم بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ
الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَرِيِبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَرَسُولُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولٌ﴾، فأحسَن اللَّهُ عليهم بذلك مِن يقينِهم، وتَسْليمِهم
الأمْرِه، الثناءَ، فقال: وما زادَهم اجتماعُ الأحزابِ عليهم إلا إيمانًا باللَّهِ، وتَسْليمًا
لقَضائِه وأمرِه، ورزقهم به النصرَ، والظَّفَرَ على الأعداءِ.
وبالذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٦٠
سورة الأحزاب : الآية ٢٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾. الآية، قال : ذلك
أن اللَّهَ قال لهم فى ((سورة البقرة)»: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَّدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ . إلى قولِه:
﴿ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. قال: فلما مَسَّهم البَلاءُ حيث رابَطوا الأحزابَ فى
الخندقِ، تأوَّل المؤمنون ذلك، ولم تَزِدْهم ذلك إلا إيمانًا وتَسْليمًا (١).
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال : ثنی یزیدُ بنُ رُومانَ ،
قال : ثم ذكر المؤمنين وصِدقَهم وتَصْدِيقَهم بما وعَدهم اللَّهُ مِن البَلاءِ، يختبرُهم به،
﴿ قَالُوْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا
وَتَسْلِيمًا﴾: أى صَبْرًا على البَلاءِ، وتسليمًا) للقضاءِ، وتَصْديقًا بتحقيقِ ما
كان اللَّهُ وعَدهم ورسولُه(٣) .
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَجَا
اَلْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُمُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولٌ﴾ . وكان
اللّهُ قد وعَدهم فى ((سورة البقرةِ)) فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا
يَأْتِّكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]. خيرُهم وأصبرُهم وأعلمُهم باللّهِ): ﴿ مََ
نَصْرُ اَللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ﴾. هذا واللَّهِ البلاءُ والنقصُ الشديدُ ، وإن أصحابَ
(١) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٤٣٣/٣، ٤٣٤ من طريق محمد بن سعد به مطولًا، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٩٠/٥ إلى ابن مردويه .
(٢ - ٢) سقط من: ت٢ .
(٣) سيرة ابن هشام ٢٤٧/٢.
(٤ - ٤) سقط من : ت١.