النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
سورة لقمان : الآية ٣٢
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى ٨٦/٢١
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ﴾. قال: غدَّارٍ(١).
حدَّثنى يعقوبُ وابنُ وكيع، قالا: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ فى
قوله: ﴿ وَمَا يَجْمَدُ بَِايَدِنَآ إِلَّا كُلُّ خَثَارٍ كَفُورٍ﴾. قال: غدَّارٍ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ
◌ِكَايَكِنَآ إِلَّا كُلُّ خَثَّارٍ كَفُورٍ ﴾. الختارُ: الغدَّارُ، كلُّ غذَّارٍ بِذِمَّتِه كفورٍ بربّه(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَمَا يَحْمَدُ بِعَايَلِنَآ إِلَّا كُلُّ خَثَارٍ كَفُورٍ ﴾. قال:
كلُّ جِخَادٍ كَفورٍ(6) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَا
يَجْحَدُ بِشَايَئِنَآ إِلَّا كُلَّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال: الخَّارُ: الغدَّارُ، كما تقولُ:
(٥)
غدرنی(٥) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن مِشْعَرٍ، قال: سمِعتُ قتادةَ ، قال : الذى
يَغْدِر بعهده .
(١) تفسير مجاهد ص ٥٤٣، وذكره الطوسى فى التبيان ٢٦٠/٨، وابن كثير فى تفسيره ٣٥٤/٦، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٢٦٠/٨، وابن كثير فى تفسيره ٣٥٤/٦ .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٦/٢ عن معمر عن قتادة بنحوه، وذكره الطوسى فى التبيان ٢٦٠/٨، وابن
كثير فى تفسيره ٣٥٤/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم مطولًا.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٥ إلى المصنف.
(٥) ذكره الطوسى فى التبيان ٢٦٠/٨ .
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٦١/١٢ عن وكيع به .

٥٨٢
سورة لقمان : الآيتان ٣٢، ٣٣
قال: ثنا المحارِبِىُّ، عن مجُوَيبٍ، عن الضخَّاكِ، قال: الغدَّارُ(١).
قال : ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن شِئْرِ بنِ عطيةً الكاهلىّ، عن علىِّ رضِى اللَّهُ
عنه قال : المكرُ غدرٌ، والغدرُ كفرٌ" .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى
وَالِدَّ عَن وَلَدِهِ، وَلَ مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ
٣٣
اُلْحَيَوَةُ الذُّنْيَا وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بِلَّهِ الْغَرُورُ
يقولُ تعالى ذكره: أيُّها المشركون من قريشٍ، اتَّقوا اللَّهَ وخافوا أن يَحِلَّ بكم
سخَطُه فى يومٍ لا يُغْنى والدٌّ عن ولدِه، ولا مولودٌ هو مُغْنٍ عن والدِه شيئًا؛ لأنَّ الأمرَ
يَصيرُ هنالك بيدِ مَن لا يُغالَبُ، ولا تَنْفَعُ عندَه الشفاعةُ والوسائلُ إلا وسيلةٌ من
صالحاتِ الأعمالِ التى أسلفَها فى الدنيا .
وقولُه: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾. يقولُ: اعلَموا أن مَجىءَ هذا اليومِ حقٌّ،
وذلك أن اللَّهَ قد وعَده عبادَه ولا خُلْفَ لوعدِه. ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ
الذُّنْيَا﴾. يقولُ: فلا تَخْدَ عَنَّكم زينةُ الحياةِ الدنيا ولذَّاتُها، فتَمِيلوا إليها، وتَدَعُوا
الاستعدادَ لما فيه خلاصُكم مِن عقابِ اللَّهِ ذلك اليومَ .
وقولُه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. يقولُ: ولا يَخْدَعَنَّكُم بِاللَّهِ
خادعٌ. والغَرُورُ بفتحِ الغَينِ، هو ما غرَّ الإنسانَ من شىءٍ، كائنًا ما كان، شيطانًا(٣)
کان أو إنسانًا أو دُنيا .
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٢٦٠/٨.
(٢) تقدم تخريجه فى ١٧٣/١٩ .
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((سلطانا)).

٥٨٣
سورة لقمان : الآية ٣٣
وأما الغُرورُ بضمِّ الغَيْنِ، فهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: غَرَرْتُه غُرُورًا .
وبنحوِ الذى قلْنا فى معنى قوله: ﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال أهلُ
التأويل .
٨٧/٢١
/ ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿اَلْغَرُورُ﴾. قال: الشيطانُ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ
بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: ذاكم الشيطانُ(٢) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذِ الفضلَ بنَ خالدِ المَرْوَزِىَّ يقولُ:
أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿اٌلْغَرُورُ﴾. قال:
.(٣)
الشيطانُ(٣) .
وكان بعضُهم يتأولُ الغَرورَ بما حدّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن ابنٍ
لهيعةَ، عن عطاءِ بنِ دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قولَه: ﴿ وَلَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ
اَلْغَرُورُ﴾. قال: أن تَعْمَلَ بالمعصيةِ، وتَتَمَنَّى المغفرةَ(١).
(١) تفسير مجاهد ص ٥٤٣، وذكره القرطبى فى تفسيره ٨١/١٤، وابن كثير فى تفسيره ٣٥٤/٦ .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٣٤/٢ عن معمر عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٩/٥ إلى
عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٣) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ١٩٤/٧، وابن كثير فى تفسيره ٣٥٤/٦.
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ٨١/١٤، والبغوى فى تفسيره ٢٩٤/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٩/٥
إلی عبد بن حميد .

٥٨٤
سورة الروم : الآية ٣٤
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ
مَا فِى الْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
٣٤
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِثُّ عَنْ
وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ - هو آتيكم، عِلمُ إتيانِهِ إِيَّكم عندَ
ربِّكم، لا يَعْلَمُ أحدٌ متى هو جائيكم، لا يَأْتِيكم إلا بغتةً ، فاتَّقُوه أن يَفجَأَكُم بغتةً
وأنتم على ضلالتِكم لم تُنِيبوا منها ، فتَصِيروا من عذابِ اللَّهِ وعقابِه إلى ما لا قِبَلَ لكم
به ، وابتَدَأ تعالى ذكرُه الخبرَ عن علمِه بمجىءِ الساعةِ - والمعنى ما ذكرتُ لدَلالةٍ
الكلام على المرادِ منه - فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ التى تَقومُ فيها
القيامةُ ، لا يَعْلَمُ ذلك أحدٌ غيرُه، ﴿ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ من السماءِ، لا يَقْدِرُ على
ذلك أحدٌ غيرُه، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ﴾: أرحامِ الإناثِ، ﴿ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ
مَّاذَا تَكْسِبُ غَدَّاً﴾. يقولُ: وما تَعْلَمُ نفسُ حىٍّ ماذا تَعْمَلُ فى غدٍ ، ﴿ وَمَا تَدْرِى
نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُونَ ﴾ . يقولُ: وما تَعْلَمُ نفسُ حىٍّ بأىِّ أرضٍ تكونُ مَنِئَّتُها ،
﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. يقولُ: إن الذى(١) يَعْلَمُ ذلك كلّه، هو اللَّهُ دونَ كلِّ
أحدٍ سِواه ، إنه ذو علم بكلِّ شىءٍ، لا يَخْفَى عليه شىءٌ ، خبيرٌ بما هو كائنٌ ، وما قد
كان .
وبنحوِ الذى قلْنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
(١) فى ص، ت١، ت٢: ((الله)).

٥٨٥
سورة لقمان : الآية ٣٤
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. قال: جاءَ رجلٌ - قال أبو جعفرٍ:
أَحْسَبُه قال: إلى النبيِّ ◌َّهِ - فقال: إن امرأتى حُبْلَى، فأَخْبِرْنى / ماذا تَلِدُ؟ وبلادنا ٨٨/٢١
مَحْلٌ جَدْبَةٌ ، فأخبِرْنى متى يَنْزِلُ الغَيْثُ؟ وقد علِمتُ متى وُلِدْتُ ، فَأُخِرْنى متى
أموتُ؟ فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى آخرِ
السورة، قال: فكان مجاهدٌ يقولُ: هنَّ مفائحُ الغيبِ التى قال اللَّهُ: ﴿ وَعِندَهُ
مَفَاتِحُ الْغَيْبٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾(١) [الأنعام: ٥٩].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ
السَّاعَةِ﴾ الآية . أشياءُ من الغيبِ ، استَأَثَرِ اللَّهُ بهنَّ، فلم يُطْلِعِ عليهِنَّ مَلَكًا مُقَرَّبًا ،
ولا نَبِيًّا مُرْسلًا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: فلا يَدْرى أحدٌ من الناسِ متى تَقومُ
الساعةُ؟ فى أىِّ سنةٍ؟ أو فى أىِّ شهرٍ؟ أو ليلٍ؟ أو نهارٍ ؟ ﴿ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: فلا
يَعْلَمُ أحدٌ متى يَنْزِلُ الغيثُ، ليلًا أو نهارًا يَنْزِلُ؟ ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَِ ﴾: فلا يَعْلَمُ
أحدٌ ما فِى الأرحامِ؛ أذكرّ أو أنثى، أحمرُ أو أسودُ، وما هو؟ ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا
تَكْسِبُ غَدًّاً﴾: خيرٌ أم شرٌّ، ولا تَدْرِى يا بنَ آدمَ متى تَموتُ، لعلك الميتُ غدًا ،
لعلك المصابُ غدًا، ﴿ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُونٌ﴾ : ليس أحدٌ من الناسِ
يَدْرى أين مَضْجَعُه من الأرضِ؛ فى بحرٍ أو برِّ أو سهلٍ أو جبلٍ، تعالى وتبارَكَ(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبىِّ ، قال: قالت
عائشةُ: مَن قال إن أحدًا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلا اللّهَ فقد كذَب، وأعظَم الفِرْيةَ على اللَّهِ،
(١) تفسير مجاهد ص ٥٤٣، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٥٧/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٩/٥
إلی الفریابی وابن أبى حاتم .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٥٧/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٩/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم.

٥٨٦
سورة لقمان : الآية ٣٤
قال اللَّهُ: ﴿لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا ابنُ عليةً، عن يونسَ بنِ عبيدٍ ، عن عمرو بنِ شُعیبٍ ،
أن رجلاً قال: يا رسولَ اللَّهِ، هل من العلم علمٌ لم تُؤْتَه؟ قال: ((لَقَدْ أُوتِيتُ عِلمًا
كَثِيرًا، وَعِلْمًا حَسَنًا)). أو كما قال رسولُ اللَّهِ عَه، ثم تلا رسولُ اللَّهِ عَلِ هذه
الآيةَ: ((﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّدُ الْغَيْثَ﴾)) إلى: ((﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ﴾. لا يَعْلَمُهن إلا اللَّهُ تَبَارَك وتعالى)).
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى عمرُ(١) بنُ محمدٍ ، عن أبيه،
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ أن رسولَ اللَّهِوَ ◌ّمِ قال: ((مَفاتحُ الغيبِ خَمْسٌ)). ثم قرأ هؤلاء
الآياتِ: ((﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾)) إلى آخرِها(١).
حدَّثنى علىُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن
دينارٍ، أنه سمِع ابنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((مَفاتحُ الغَيْبِ خمسٌ لا
يَعْلَمُهن إلا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى
اُلْأَرْحَامِ﴾)) الآية، ثم قال: (( لا يَعلمُ ما فى غدٍ إلا اللّهُ، ولَا يَعلمُ أحدٌ متى يَنزِلُ
الغيثُ إلا اللَّهُ ، ولَا يَعلمُ أحدٌ متى قِيامُ الساعةِ إلا اللَّهُ ، ولا يَعلمُ أحدٌ ما فِى الأَرْحامِ
إِلا اللَّهُ ، وَلَا تَدْرِى نَفْسٌ بأىِّ أَرْضٍ تَموتُ)).
حدَّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا أبی ، عن سفيانَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن ابنٍ
(١) أخرجه أحمد ٢٤١/٦ (ميمنية)، والبخارى (٧٣٨٠، ٧٥٣١، ٣٢٣٥)، ومسلم ١٧٧/٢٨٧ ،
والنسائى فى الكبرى (١١٥٣٢)، والترمذى (٣٠٦٨) من طريق الشعبى عن مسروق عن عائشة. وهو جزء
من حديث طويل تقدم مرات .
(٢) فى النسخ: ((عمرو)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٥٠٠/٢١ .
(٣) أخرجه البخارى (٤٧٧٨) من طريق ابن وهب به ، وأخرجه أحمد ٤١٢/٩ (٥٥٧٩)، والطبرانى
(١٣٣٤٤) من طريق عمر بن محمد به .

٥٨٧
سورة لقمان : الآية ٣٤
عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَ له: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خمسٌ، لا يَعْلَمُها إلا اللَّهُ؛ ﴿إِنَّ
اَللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ / السّاعَةِ وَيُنَزِّدُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا ٨٩/٢١
(١)
٣٤
تَكْسِبُ غَدَّا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنى أبى، عن مِسْعَرٍ، عن عمرو بنٍ مُرَّةً، عن عبدِ اللَّهِ
ابنِ سلمةَ، عن ابنٍ مسعودٍ، قال: كلُّ شيءٍ أَوِيَه نبيِّكُم عَلَّه ، إلا علمَ الغيبِ
الخمسِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ وَمَا
تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَحْكَسِبُ غَدَّأْ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضِ تَمُونَ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى ، عن ابنِ أبى خالدٍ ، عن عامٍ ، عن مسروق ،
عن عائشةَ، قالت: من حدَّثكَ أنه يَعْلَمُ ما فى غدٍ فقد كذَب. ثم قرأتْ: ﴿ وَمَا
تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾(٣)
قال: ثنا جرير وابنُ عُلَيَةَ، عن أبى حَيّانَ(٤)، عن أبى زُرعةَ، عن أبى هريرةَ ، عن
النبيِّ عَ لَّهِ قال: ((خَمْسٌ لا يَعْلَمُهن إلا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزَّلُ
(١) تفسير سفيان ص ٢٣٩، وأخرجه أحمد ٣٨٦/٨، ١٨٤/٩، ١٨٥ (٤٧٦٦، ٥٢٢٦) عن وكيع به ،
وأخرجه أيضًا فى ١٣٦/٥ (٥١٣٣)، والبخارى (١٠٣٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٤/٤ (٧٣٦٧)
من طريق سفيان به ، وأخرجه ابن حبان (٧٠، ٧١ ، ٦١٣٤) من طريق عبد الله بن دينار به .
(٢) أخرجه أحمد (٤٢٥٣) عن وكيع به، وأخرجه الحميدى (١٢٤)، وابن أبى شيبة ٤٧٧/١١ من طريق
مسعر به ، وأخرجه الطيالسى (٣٨٥)، وأحمد (٣٦٥٩، ٤١٦٧) من طريق عمرو بن مرة به ، وأخرجه ابن
مردويه كما فى الفتح ٥١٤/٨ من طريق عبد الله بن سلمة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٩/٥ إلى ابن
المنذر .
(٣) أخرجه البخارى (٤٨٥٥) من طريق وكيع به، وأخرجه أحمد ٤٩/٦ (ميمنية) من طريق إسماعيل به،
وأخرجه أيضًا فى ٢٣٦/٦ (ميمنية)، ومسلم (١٧٧/٢٨٧)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٤٨، ١١٤٠٩)
من طريق عامر به .
(٤) فى ص: ((حبان))، وفى م: ((خباب))، وفى ت١: ((حباب))، وفى ت٢: ((جاب)). والمثبت من
مصادر التخريج . وينظر تهذيب الكمال ٣٢٣/٣١ .

٥٨٨
سورة لقمان : الآية ٣٤
اُلْغَيْثَ﴾)) الآية(١).
حدَّثنى أبو شُرَحْبِيلَ ، قال : ثنا أبو اليمانِ ، قال : ثنا إسماعيلُ، عن جعفرٍ،
"عن الأعمشِ)، عن عمرو بنٍ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ، عن ابنِ مسعودٍ ، قال :
كلُّ شيءٍ قد أُوتِىَ نبيّكم، غيرَ مفاتيح الغيبِ الخمسِ. ثم قرأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
عِندَهُ عِلِمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخرِها(٢) .
وقيل: ﴿ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُونَ﴾، وفيه لغةٌ أخرى ( بأيَّةِ أَرْضٍ)(٤)، فمن قال :
( بِأَِّ أَرْضٍ ﴾ اجتزَأْ بتأنيثِ الأرضِ من أن يَظْهَرَ فى ((أىِّ)) تأنيثٌ آخرُ، ومَن قال:
( بأيَّةِ أَرْضٍ) فَأَنَّث ((أىَّ))، قال: قد تَجْزِئُّ بـ ((أىِّ)) مما أضيف إليه، فلابدَّ من
التأنيثِ؛ كقولِ القائل : مررتُ بامرأةٍ . فيقال له : بأيةٍ؟ ومرَرتُ برجلٍ . فيُقالُ له :
بأىِّ؟ ويُقالُ: أمُّ امرأةٍ جاءتْك وجاءَك؟ وأيةُ امرأةٍ جاءتك ؟
آخرُ تفسيرِ سورةٍ «لقمانَ)).
(١) أخرجه البخارى (٤٧٧٧)، وابن خزيمة (٢٢٤٤) من طريق جرير به، وأخرجه أحمد ٣٠٤/١٥
(٩٥٠١)، والبخارى (٥٠)، ومسلم (٩)، وابن ماجه (٦٤، ٤٠٤٤)، وابن خزيمة (٢٢٤٤) وغيرهم من
طريق أبى حيان به ، وأخرجه ابن مردويه - كما فى الفتح ٥٢٥/٢ من طريق أبى زرعة به .
(٢ - ٢) سقط من: م، وفى ص: ((الأعمش)). وينظر تهذيب الكمال ٧٦/١٢.
(٣) أخرجه أبو يعلى (٥١٥٣) من طريق الأعمش به .
(٤) وهى قراءة موسى الأسوارى وابن أبى عبلة، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ١٩٤/٧، ١٩٥.

٥٨٩
سورة السجدة : الآية ١ - ٣
تفسير سورةِ السجدةِ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿الّ ﴿َ تَزِيلُ الْكِتَبِ لَا رَیَّبَ فِيهِ مِن رَّبِّ
اَلْعَلَمِينَ
جَ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمَا مَّا أَتَنَّهُم مِّن
نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
قال أبو جعفرٍ: قد مضى البيانُ عن تأويل قوله: ﴿الّ﴾ بما فيه الكفايةُ(١).
وقولُه: ﴿ تَزِيِلُ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : تنزيلُ الكتابِ
الذى نُزِّل على محمدٍ عَّهِ، لا شكَّ فيه، ﴿مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: من ربِّ
الثقلينِ ؛ الجنِّ والإنسِ .
/ كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ٩٠/٢١
﴿الّ ◌َ تَزِلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لاشكَّ فيه(٢).
وإنما معنى الكلام : إن هذا القرآنَ الذى أُنزل على محمدٍ لاشكَّ فيه أنه مِن عندٍ
اللَّهِ ، وليس بشعرٍ ولا سَجْعٍ كاهنٍ، ولا هو مما تَخَرَّصَه محمدٌ عَه، وإنما كذَّب
جلَّ ثناؤه بذلك قولَ الذين قالُوا: ﴿ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ
بُكْرَةُ وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. وقولَ الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّ إِفْهُ أَفْتَرَهُ
وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونَ﴾ [ الفرقان: ٤].
(١) تقدم فى: ٢٠٤/١ وما بعدها .
(٢) تقدم تخريجه فى : ٢٣٣/١.

٥٩٠
سورة السجدة : الآيتان ٣ ، ٤
وقولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: يقولُ المشركون باللَّهِ:
اختَلَق هذا الكتابَ محمدٌ مِن قِبَلِ نفسِه، وتَكَذَّبَه. و ((أم)) هذه تقريرٌ، وقد بَيِّنَّا
فى غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا أن العربَ إذا اعتَرضَت بالاستفهامِ فى أضْعافٍ كلامٍ قد
تقدَّم بعضُه، ((أنها تستفهم١ُ) بـ ((أم))(٣). وقد زعَم بعضُهم أن معنى ذلك:
ويقولون. وقال: ((أم)) بمعنى الواوٍ، و(١) بمعنى ((بل)) فى مثل هذا الموضعِ .
ثم أكْذَبهم تعالى ذكرُه فقال: ما هو كما تزعُمون وتقولون مِن أن محمدًا
افتَراه ، بل هو الحقُّ والصدقُ مِن عندِ ربِّك يا محمدُ ، أَنزَله إليك؛ لتُنْذِرَ قومًا بأسَ اللَّهِ
وسَطْوتَه ، أن يَحِلَّ بهم على كفرِهم به، ﴿مَّ أَثَلُهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾. يقولُ:
لم يأتِ هؤلاء القوم الذين أرسَلك ربُّك يا محمدُ إليهم، وهم قومُه مِن قریش ، نذيرٌ
ينذرُهم بأسَ اللَّهِ على كفرِهِم قَبْلَك. وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ:
ليَتَبَيَّنوا سبيلَ الحقِّ ، فيعرِفوه ويؤمِنوا به .
وبمثلِ الذى قلْنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ
أَتَنْهُم مِّن نَّذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال: كانوا أمَّةً أُمْئَةً ، لم يَأْتِهم نذيرٌ
قبلَ محمدٍ عَه(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِ
(١ - ١) فى م: ((أنه يستفهم)).
(٢) تقدم فى ٤١٢/٢، ٤١٣ .
(٣) سقط من : م .
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٩٩/٦ .

٥٩١
سورة السجدة : الآيتان ٤، ٥
سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ، مِن وَإٍِّ وَلَا شَفِيَّعْ أَفَلَا
نَتَذَكَّرُونَ(
يقولُ تعالى ذكره : المعبودُ الذى لا تصلُحُ العبادةُ إلَّا له، أيُّها الناسُ، ﴿ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مِن خَلْقٍ ﴿فِ سِئَّةٍ أَيَّامٍ﴾ ، ثم استَوى
على عرشِه فى اليومِ السابعِ، بعدَ خلقِه السماواتِ والأرضَ وما بينَهما .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اللَّهُ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِىِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فى اليومِ
السابعِ .
يقولُ: ما لكم أيُّها الناسُ إلهٌ إلا مَن فَعَل هذا الفعلَ، وخلَق هذا الخَلْقَ
العجيبَ فى [٦٠٣/٢ظ] ستةِ أيامٍ.
وقولُه: ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَإِيٍّ وَلَا شَفِيَعْ﴾. يقولُ: ما لكم أيُّها الناسُ
دونَه ولىٌّ ◌َلِى أَمرَكم، وينصُرُكم منه إن أرادَ بكم ضَرًّا ، ولا شفيعٌ يشفعُ لكم عندَه
إن هو عاقَبكم على معصيتِكم إياه . يقولُ: فإياه / فاتَّخِذوا وليًّا، وبه وبطاعتِه ٩١/٢١
فاسْتَعِينوا على أمورِ كم، فإنه يَمْنَعُكم إذا أراد منعَكم ممن أراد كم بسوءٍ، ولا يَقْدِرُ
أحدٌ على دفعِه عما أراد بكم هو؛ لأنه لا يَقْهَرُه قاهرٌ، ولا يَغْلِيُه غالبٌ، ﴿ أَفَلاَ
نَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: أفلا تَغْتَبِرون وتَتَفَكّرون أيُّها الناسُ ، فتَعْلَموا أنه ليس
لكم دونَه ولِّ ولا شفيعٌ، فتُفْرِدوا له الألوهةَ، وتُخْلِصوا له العبادةَ، وَتَخْلَعوا ما دونَه
مِن الأندادِ والآلهةِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ
٥
إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ

٥٩٢
سورة السجدة : الآية ٥
يقولُ تعالى ذكره: اللَّهُ هو الذى يُدَبِّرُ الأمرَ مِن أمرٍ خلقِهِ، مِن السماءِ إلى
الأرضِ، ثم يَعْرُجُ إلیه .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿ثُمَّ يَعْرُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ.
أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إن الأمرَ يَنْزِلُ مِن السماءِ إلى
الأرضِ، ويَضْعَدُ مِن الأرضِ إلى السماءِ فى يومٍ واحدٍ، وقَدْرُ ذلك ألفُ سنةٍ مما
تَعُدُّون مِن أيام الدنيا؛ لأن ما بينَ الأرضِ إلى السماءِ خمسمائةٍ عامٍ ، وما بينَ السماءِ
إلى الأرضِ مثلُ ذلك، فذلك ألفُ سنةٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا حكّامٌ ، عن عمرو بنٍ معروفٍ ، عن ليث ، عن
مجاهدٍ : ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. يعنى بذلك نزولَ الأمرِ مِن السماءِ
إلى الأرضِ، ومِن الأرضِ إلى السماءِ فى يومٍ واحدٍ ، وذلك مقدارُه ألفُ سنةٍ؛ لأن
ما بينَ السماءِ إلى الأرضِ مَسيرةُ خمسِمائةٍ عامٍ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ﴾ مِن أيامِكم ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ.
أَلْفَ سَنَّةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾. يقولُ: مقدارُ مسيرِه فى ذلك اليوم ألفُ سنةٍ مما تَعُدُّون من
أيامِكم من أيام الدنيا؛ خمسمائةِ سنةٍ نزولُه، وخمسمائةٍ صعودُه، فذلك ألفُ
سنة
(٢)
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو معازيةً، عن جُوَيْرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٠٠/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٥ إلى المصنف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٥ إلى المصنف.

٥٩٣
سورة السجدة : الآية ٥
إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَدٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: ( تَغْرُجُ الملائكةُ) إلى
السماءِ ثم تَنْزِلُ فى يومٍ مِن أيامِكم هذه، وهو مسيرةُ ألفٍ سنةٍ(١):
قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا
تَعُذُونَ﴾. قال : مِن أیامِ الدنيا (٣) .
حدَّثَنَا هَنَّادُ بنُ الشَّرِىِّ، قال : ثنا أبو الأحوصِ، عن أبى الحارثِ، عن عكرمةً ،
عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُ إِلَيْهِ فِى
يَوْمٍ﴾ مِن أيامِكم هذه، ومسيرةُ ما بينَ السماءِ إلى الأرضِ خمسُمائةٍ عامٍ.
/ وذُكِر عن عبدِ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: تنحدرُ الأُمورُ ٩٢/٢١
وتَصْعَدُ إلى(٦) السماءِ من(٢) الأرضِ فى يومٍ واحدٍ، مقدارُه ألفُ سنةٍ، خمسمائةٍ
حينَ(٨) ينزلُ، وخمسمائةٍ حين(٨) يعوُجُ(٩).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُدِّرُ الأمرَ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ثم يعرجُ
إليه ، فى يومٍ مِن الأيام الستةِ ، التى خلَق اللَّهُ فيهنَّ الخلقَ، كان مقدارُ ذلك اليومِ أُلفَ
سنةٍ مما تعُدون مِن أيَّامِكم .
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢: ((يعرج الملك)).
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٢٦٥/٨ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٥ إلى المصنف.
(٤) سقط من : م .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧١/٥ إلى المصنف .
(٦) فى م: ((من)).
(٧) فى م: ((إلى)).
(٨) فى م، ت١: ((حتى))، والمثبت من مصادر التخريج.
(٩) تفسير عبد الرزاق ١٠٨/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧١/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
( تفسير الطبرى ٣٨/١٨ )

٥٩٤
سورة السجدة : الآية ٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةً، عن سِماكٍ، عن عكرمةً ، عن
ابنِ عباس: ﴿أَلْفَ سَنَّةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: ذلك مقدارُ المَسيرِ. قولُه: ﴿كَأَلْفٍ
سَنَةٍ مِّمَا تَعْدُّونَ﴾. قال: خلق السماواتِ والأرضَ فى ستةِ أيامٍ ، وكلّ يومٍ مِن
هذه كألفٍ سنةٍ مما تَعُدُّون أنتم(١) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةً، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَّةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: الستةُ الأيامُ
التى خَلَق اللَّهُ فيها السماواتِ والأرضَ(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾: يعنى
هذا اليومَ مِن الأيامِ الستةِ التى خلَق اللَّهُ فيهن السماواتِ والأرضَ وما بينَهما(٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك : يدبِّرُ الأمرَ مِن السماءِ إلى الأرضِ بالملائكةِ ، ثم
تعرُّجُ إليه الملائكةُ فى يومٍ كان مقدارُه ألف سنةٍ مِن أيام الدنيا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، [٦٠٤/٢ و] عن
ابنِ غباسٍ فى قوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هذا
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه فى ٥٩/١ .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٩/١، وأخرجه الحاكم ٤١٢/٢ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٧١/٥ إلى الفريابى.
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٩/١ ثنا عبدة ثنى الحسين به .

٥٩٥
سورة السجدة : الآية ٥
فى الدنيا، تعرُجُ الملائكةُ إليه فى يوم كان(١) مقدارُه ألفَ سنةٍ(١) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا غُنْدَرٌّ، عن شعبةَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ : ﴿فِى
يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: ما بينَ السماءِ والأرضِ مسيرةُ ألفٍ سنةٍ
﴿مِّمَا تَعُذُونَ﴾ مِن أيامِ الدُّنيا(٣) .
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن سِماكٍ ، عن
عكرمةَ أنه قال فى هذه الآية: ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا
تَعُدُّونَ﴾. قال: ما بينَ السماءِ والأرضِ مسيرةُ ألفٍ سنةٍ .
وقال آخرون : بل معنى ذلك: يدبُّ الأمرَ مِن السماءِ إلى الأرضِ فى يومٍ ، كان
مقدارُ ذلك التَّدْبيرِ ألفَ سنةٍ ﴿مِّمَّا تَعُدُونَ﴾ مِن أيامِ الدنيا، ثم يعرجُ إليه ذلك
التدبيرُ(٤) الذى دبّره .
ذكرُ مَن قال ذلك
ذُكِر عن حجاجٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ ، أنه قال: يُقْضَى أمرُ كلِّ شيءٍ
ألفَ سنةٍ إلى الملائكةِ، / ثم كذلك حتى تمضىَ ألفُ سنةٍ، ثم يُقْضَى أمرُ كلُّ شىءٍ ٩٣/٢١
ألفًا، ثم كذلك أبدًا، قال: ﴿ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾. قال: ((اليومُ)) أن يقالَ لِما
يُقْضَى إلى الملائكةِ أَلفَ سنةٍ: كُنْ فيكونُ . ولكن سمَّاه يومًا، سَمَّاه كما بَيَّنَّا كلَّ
ذلك عن مجاهدٍ. قال: وقولُه: ﴿وَإِنَ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا
تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]. قال: هو هو سواءٌ®) .
(١) سقط من: ص ، ت ١ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧١/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) فى النسخ (( الآخرة)). والمثبت موافق لكلام المصنف السابق.
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٥ إلى المصنف.
(٤) سقط من : ص ، ت١، ت٢.
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٥/١، ٢٦ ثنى القاسم عن الحسين عن الحجاج به .

٥٩٦
سورة السجدة : الآيات ٥ - ٨
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُدَبِّرُ الأمرَ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ثم يعرجُ إلى
اللَّهِ فى يوم كان ( مقدارُه ألفَ سنةٍ، مقدارُ العُرُوج ألفُ سنةٍ مما تعدُّون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ثُمَّ
يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾. قال: قال(١) بعضُ أهلِ
العلمِ: مقدارُ ما بينَ الأرضِ حينَ يَعْرُجُ إليه، إلى أن يَبْلُغَ مُرُوجَه - ألفُ سنةٍ ، هذا
مقدار ذلك المغراج فى ذلك اليومٍ حینَ يعژُج فيه .
وأَولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: يُدَبِّرُ الأمرَ مِن
السماءِ إلى الأرضِ، ثم يعرُجُ إليه فى يومٍ كان مقدارُ ذلك اليومٍ فى عُرُوج ذلك الأمرِ
إليه، ونزوله إلى الأرضِ، ألفَ سنةٍ مما تَعُدُّون مِن أيامِكم؛ خمسمائةٍ فى النزولِ ،
وخمسمائةٍ فى الصعودِ؛ لأن ذلك أظهرُ مَعانِيه، وأَشْبَهُها بظاهرِ التنزيلِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِبُزُ
الرَّحِيمُ (
ثُمَّ
الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ
٦
٨
جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّآءِ مَهِينٍ
يقولُ تعالى ذكره : هذا الذى يفعلُ ما وصفتُ لكم فى هذه الآياتِ هو
﴿ عَلِمُ الْغَيْبِ﴾: يعنى: عالمُ ما يغيبُ عن أبصارِ كم ، أيُّها الناسُ ، فلا تُبْصِرونه ،
مما تُكِنُّه الصدورُ، وتُخْفِيه النفوسُ، وما لم يَكُنْ بعدُ مما هو كائنٌ. ﴿ وَالشَّهَدَةِ﴾:
يعنى: ما شاهَدَتْه الأبصارُ فأبصَرَته وعاينَته، وما هو موجودٌ، ﴿اُلْعَزِبِزُ﴾. يقولُ:
(١ - ١) سقط من: ص، ت٢ .
(٢) سقط من: م .

٥٩٧
سورة السجدة : الآيتان ٦ ، ٧
الشديدُ فى انْتقامِه ◌ِمَّن كَفَر به، وأَشْرَك معه غيرَه، وكَذَّب رُسُلَه، ﴿الرَّحِيمُ ﴾ بمن
تابَ مِن ضلالتِه، ورجَع إلى الإيمانِ به وبرسولِه، والعملِ بطاعتِه؛ أن يُعَذِّبَه بعدَ
التوبة .
وقولُه: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾ ، اختلفَتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛
فقرأه بعضُ قرأةٍ مكةً والمدينةِ والبصرةِ : (أُحْسَنَ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ) بسكونِ اللام(١).
وقرأه بعضُ المدنيين وعامةُ الكوفيين: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتحِ اللامِ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقال : إنهما قِراءتان مشهورتان قد قَرأ
بكلٌ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ ، صَحيحتا المعنى، وذلك أن اللَّهَ أحْكَمْ خَلْقَه ،
وأحْكَم كلَّ شىءٍ خَلَقَه ، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمصيبٌ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وأتْقَن كلَّ شيءٍ
واحكمه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى العباسُ بنُ أبى طالبٍ ، قال: ثنا الحسينُ بنُ إبراهيمَ إِشْكابُ(١) ، قال : ثنا
شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، / عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ ٩٤/٢١
◌َةٌ﴾. قال: أمَا إِنَّ اسْتَ القردِ ليست بحَسَنةٍ، ولكنه (٤) أحكم خَلْقَها (٥).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو النضرِ، قال: ثنا أبو سعيدِ المؤدِّبُ، عن
(١) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر. ينظر حجة القراءات ص ٥٦٧ .
(٢) هى قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائى وخلف. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢١٦ .
(٣) فى ص، ت١: ((شكاب))، وفى ت٢: ((سكاف)). ينظر تهذيب الكمال ٣٥٠/٦.
(٤) فى م: ((لكن )) .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٥ إلى ابن أبى حاتم .

٥٩٨
سورة السجدة : الآية ٧
خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يقرؤُها: ﴿ الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ
خَلَقَةٌ﴾. قال: أما إنَّ اسْتَ القردِ ليست بحسنةٍ، ولكنه أحكَمها(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا [٦٠٤/٢ظ] عن ابنٍ أبى نَجيحِ،
عن مجاهدٍ: ﴿أَحْسَنَ كُلّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾. قال: أتقَنَ كلَّ شىءٍ خَلَقه (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن
ابنِ أبِى نَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]: أخْصَى كلَّ شىءٍ.
وقال آخرون : بل معنى ذلك: الذى حَسَّنُ خَلْقَ كلِّ شيءٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ
كُلّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾. حَسَّن على نحوِ ما خَلق(4).
وذُكِر عن الحجّاجِ، عن ابنِ مجرَيج، عن الأعرجِ، عن مجاهدٍ ، قال: هو مثلُ:
﴿ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(١) [طه: ٥٠]، فلم يجعلْ خلقَ البهائم فى خلقٍ
الناسٍ، ولا خلقَ الناسِ فى خلقِ البهائم، ولكن خلَق كلَّ شيءٍ فقَدَّره تقديرًا(٢).
وقال آخرون : بل معنى ذلك: أعلْمَ كلَّ شىءٍ خلْقَه. كأنهم وجَّهوا تأويلَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٥ إلى المصنف وابن أبى شيبة والحكيم الترمذى وابن المنذر.
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٤ .
(٣) فى ت١، ت٢: ((أحسن)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٩/٢ عن معمر عن قتادة بمعناه .
(٥) بعده فى م: ((قال)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/٥ إلى المصنف الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٥٩٩
سورة السجدة : الآية ٧
الكلام إلى أنه ألْهَمَ خلْقَه ما يَخْتاجون إليه، وأن قولَه: ﴿أَحْسَنَ﴾. إنما هو مِن قولٍ
القائلِ: فلانٌ يُحْسِنُ كذا . إذا كان يَعْلَمُه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن شَرِيكٍ، عن خُصَيفٍ ، عن مجاهدٍ :
(أحسَن كلَّ شىءٍ خَلْقَه). قال: أعطَى كلَّ شيءٍ خَلْقَه؛ قال: الإنسانُ
للإنسانِ (١) ، والفرسُ للفرسِ، والحمارُ للحمارِ.
وعلى هذا القولٍ، ((الخَلْقُ)) و ((الكلُّ)) منصوبان بوقوعِ((أحسنَ)) عليهما .
وأَولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ على قراءةٍ مَن قَرأْه: ﴿ الَّذِىّ أَحْسَنَ
كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾. بفتح اللامِ قولُ مَن قال: معناه أحكم وأتقَن؛ لأنه لا معنَى
لذلك إذا قُرِئ كذلك إلا أحدُ وجهَين؛ إِمَّا هذا الذى قلنا مِن معنى الإحكامِ
والإتقانِ ، أو معنى التَّحْسينِ الذى هو فى معنى الجمالِ والحُسْنِ، فلما كان فى خَلْقِه
ما لا يُشَكُّ فِى قُبْحِه وسَمَاجَتِه، عُلِم أنه لم يَعْنٍ به أنه حَسَن(٢) كلَّ ما خلَق، ولكن
معناه أنه أحكمه وأتقَن صنعته . وأما على القراءةِ الأخرى التى هى بتشكينِ اللامِ،
فإن أَولى تأويلاتِه به قولُ مَن قال: معنى ذلك: أعلَم (" وألهم) كلَّ شىءٍ خلْقَه هو
أحسَنَهم، كما قال: ﴿ الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]؛ لأن
ذلك أظهرٌ مَعانيه .
وأمَّا الذى وَجَّهَ تأويلَ ذلك إلى أنه بمعنى: الذى أحسَن خَلْقَ كلِّ شيءٍ. فإنه
(١) فى ص، م: ((إلى الإنسان)).
(٢) فى ص، م: ((أحسن)).
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٢: ((أوَّلهم)).

٦٠٠
سورة السجدة : الآية ٨
جَعَل الخَلْقَ نَصْبًا، / بمعنى التفسيرِ، كأنه قال: الذى أحسَن كلَّ شىءٍ خَلْقًا منه.
٩٥/٢١
وقد كان بعضُهم يقولُ : هو مِن المُقُدَّم الذى معناه التأخيرُ. ويُوجِّهُه إلى أنه نظيرُ قولٍ
(١)
الشاعر (١) :
وَظَعْنِى إليكَ الليلَ حِضْنَيْهِ إِنَّنى لتلك إذا هابَ الهِدانُ فَعُولُ
یعنی : وَعْنی حِضْنی الليلِ إليك .
ونظيرُ قولِ الآخرِ (٣):
يومَ التَّقَيْنا على أدْحالٍ(٣) دَبَّابٍ
كأن ھندًا ثَناياها وبَهْجَتَها
أى كأن ثَنايا هندٍ وبَهْجتَها .
وقولُه: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وبدَأ خلقَ آدمَ
مِن طين، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾. يعنى: ذرِّيتَه مِن سُلَالةٍ . يقولُ: مِن الماءِ الذى
انسَلَّ فخرَج منه. وإنما يعنى: مِن إراقةٍ من مائِه؛ كما قال الشاعرُ(٤):
فجاءتْ به عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَتْفَرًا سُلالَةَ فَرْج كان غيرَ حَصِينٍ
وقولُه : ﴿مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾. يقولُ: مِن نُطْفةٍ ضعيفةٍ رقيقةٍ.
وبنحوِ الذى قلْنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ
(١) البيت لحمید بن ثور، وهو فى ديوانه ص ١١٦ .
(٢) البيت للراعى النميرى ، وهو فى ديوانه ص ٤٢ .
(٣) فى ص، ١٥، ت ٢: ((أرحال)). والأدحال: جمع دَخْل، وهو نقب ضيق فمُه، ثم يتسع أسفله حتى
يمشى فيه ، والدباب : رمل بالخلصاء يقال له : دباب . اللسان (د ح ل ، د ب ب) .
(٤) البيت لحسان بن ثابت ، وهو فى ديوانه ص ٣٩٦ .