النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ سورة الروم : الآيتان ٤٨، ٤٩ الثالثةَ ، فتؤلِّفُ بينَه فيجعلُه ركامًا، ثم يَبْعثُ الريحَ الرابعةَ فَتُمِطِرُ" . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ : ﴿ فَتَرَى الْوَدَّقَ﴾. قال : القَطْرَ(١). وقولُه: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. يقولُ: فإذا صرَّف ذلك الودْقَ إلى أَرضِ مَنْ أراد صوْفَه إلى أرضِه مِن خلقِه ، رأيتَهم يَستبشِرون بأنَّه صرَف ذلك إليهم ، ويَفرَحون . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ ٤٩ يقولُ تعالى ذكره: و(١) كان هؤلاء الذين [٥٩٤/٢و] أصابهم اللَّهُ بهذا الغيثِ مِن عبادِه، من قبلِ أنْ يُتَزَّلَ عليهم هذا الغيثُ، من قبل هذا الغيثِ - لَمُبْلِسِينَ﴾. يقولُ: لمُكْتعبين حزِنين(٤) باحتباسِه عنهم . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ﴾. أى: قانطين. واختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ تكريرٍ ﴿مِّن قَبْلِهِ،﴾، وقد تقدَّم قبلَ ذلك قولُه : ﴿ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾؛ فقال بعضُ نحونِّى البصرةِ: ردَّ ﴿مِن قَبْلِهِ،﴾ (١) تقدم تخريجه فى ٣٣٥/١٧، ٣٣٦. (٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٠، وأخرجه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٢٧٩/٤ - عن ورقاء به . (٣) بعده فى ت٢: ((إن)). (٤) فى ت١، ت٢: ((حزينين). (٥) هو الأخفش . ينظر البحر المحيط ١٧٨/٧ . ٥٢٢ سورة الروم : الآيتان ٤٩، ٥٠ على التوكيدِ، نحوَ قوله: ﴿فَسَجَدَ اٌلْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. وقال غيرُهُ(١) : ليس ذلك كذلك؛ لأن مع: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ حرفًا لیس مع الثانيةِ . قال : فكأنه قال : من قبلِ التنزيلِ ، من قبلِ المطرِ. فقد اختلفتا، وأما : كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، وُكِّد بأجمعين؛ لأن ((كلَّا)) يكونُ اسمًا ويكونُ توكيدًا، وهو قولُه: ﴿أَجْمَعُونَ ﴾ . والقولُ عندى فى قوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾: على وجهِ التو كيدِ . / القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ ٥٠ بَعْدَ مَوْنِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ٥٥/٢١ اختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿فَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: (إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ). على التوحيدِ ، بمعنى : فانظرْ يا محمدُ ، إلى أثرِ الغيثِ الذى أصاب اللَّهُ به مَنْ أصاب من عبادِه، كيف يُخْبِى ذلك الغيثُ الأرضَ من بعدٍ موتِها(٢) . وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ : ﴿فَنْظُرْ إِلَى ءَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾. على الجِمَاعِ، بمعنى: فانظر إلى آثارِ الغيثِ الذى أصاب اللَّهُ به مَنْ أصاب، كيف يُحبى اللَّهُ الأرضَ بعدَ موتِها(٣). والصوابُ من القولِ فى ذلك : أنهما قراءتان مشهورتان فى قَرَأَةِ الأمصارِ ، متقاربتا المعنى ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ إِذا أحيا الأرضَ بغيثٍ أنزَله عليها، فإنَّ الغيثَ أحياها بإحياءِ اللَّهِ إياها به، وإذا أحياها الغيثُ ، فإِنَّ اللَّهَ هو المحيى به، فبأىِّ القراءتين قرَأ (١) هو قطرب . المصدر السابق ١٧٩/٧ . (٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم فى رواية أبى بكر. السبعة ص ٥٠٨ . (٣) هى قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم . المصدر السابق ، الموضع السابق . ٥٢٣ سورة الروم : الآيات ٥٠ - ٥٣ القارئُ فمصيبٌ . فتأويلُ الكلام إذن : فانظر يا محمدُ ، إلى آثارِ الغيثِ الذى يُنزِّلُ اللَّهُ من السحابِ، كيف يُحيى اللَّهُ به الأرضَ الميتةَ، فيُنبتُها ويُعشِبُها ، من بعدٍ موتِها ودثورها . ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنَى﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه: إن الذى يُحيى هذه الأرضَ بعدَ موتِها بهذا الغيثِ، لَمُحيى الموتى من بعدٍ موتِهم، ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾، مع قدرتِه على إحياءِ الموتى، ﴿ قَدِيرٌ﴾، لا يعِزُّ عليه شىءٌ أراده، ولا يمتنعُ عليه فعلُ شىءٍ شاءه ، سبحانَه . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيِحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ ٥١ يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن أرسَلْنا ريحًا، مُفسدةً ما أَنبته الغيثُ الذى أنزلناه من السماءِ، فرأى هؤلاء الذين أصابهم اللَّهُ بذلك الغيثِ الذى (١) حَبِيتْ() به أَرَضُوهم ، وأعشَبَتْ ونبتتْ به زروعُهم - ما أنبتَتْه أَرَضوهم بذلك الغيثِ مِن الزرعِ مُصْفَرًّا، قد فسَد بتلك الريح التى أرسلناها ، فصار من بعدِ خُضْرتِه مصفرًا؛ لظلُّوا من بعدِ استبشارِهم وفرحِهم به ، يكفرون بربِّهم . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى وَلَا تُسْمِعُ الضُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا ٥٢ وَلَّوْ مُدْبِنَ وَمَآ أَنْتَ بِهَدِ الْعُمْىِ عَن ضَلَئِهِمْ إِن ◌ُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِثَايَئِنَا فَهُم مُسْلِمُونَ ٥٣ (١) فى ص، ت١: (( حتى)). (٢) فى ت١: ((أحييت)). ٥٢٤ سورة الروم : الآيتان ٥٢، ٥٣ يقولُ تعالى ذكره: ﴿فَإِنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى﴾. يقولُ : لا تجعلُ لهم أسماعًا يَفهمون بها عنك ما تقولُ لهم . وإنما هذا مثلٌ، ومعناه : فإنك لا تقدِرُ أَنْ تُفهِمَ هؤلاء المشركين الذين قد ختَم اللَّهُ على أسماعِهم، فسلَبهم فَهْمَ ما يُتلى عليهم من مواعظِ تنزيلِه، كما لا تَقدِرُ أن تُفهِمَ الموتى الذين قد سلَبهم اللَّهُ أسماعَهم ، بأن تجعلَ لهم أسماءًا . ٥٦/٢١ / وقولُه: ﴿ وَلَا تُسْمِعُ الضَُّّ الدُّعَاءَ﴾. يقولُ: وكما لا تَقِدرُ أَنْ تُسمِعَ الصُّمَّ - الذين قد سُلِبوا السمعَ - الدعاءَ، إذا هم وَلَّوا عنك مُدْبرين، كذلك لا تَقِدرُ أَنْ تُوفِّقَ هؤلاء الذين قد سلَبهم اللَّهُ فَهْمَ آياتٍ كتابِهِ، لسماعٍ ذلك وفهمه . وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ من قال ذلك حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ اَلْمَوْنَى﴾: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ للكافرِ، فكما لا يَسمَعُ الميتُ الدعاءَ، كذلك لا يَسمَعُ الكافرُ، ﴿ وَلَا تُسْمِعُ الضُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوَأْ مُدْبِينَ﴾. يقولُ: لو أنَّ أصمَّ وَلَّى مُدبرًا ثم ناديتَه لم يَسمَعْ، كذلك الكافرُ لا يَسمَعُ ولا يَنْتفِعُ بما يَسمَعُ(٢) . وقولُه: ﴿ وَمَآ أَنْتَ بِهَدِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَئِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وما أنت يا محمدُ، بمسدِّدٍ من أعماه اللّهُ عن الاستقامةِ، ومَحَجةِ الحقِّ، فلم يُوفِّقْه لإصابةِ (١ - ١) سقط من: ت٢. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم ٢٩٢١/٩ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٤/٥، ١١٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . ٥٢٥ سورة الروم : الآيتان ٥٣، ٥٤ الرشدِ ، فصارِفِه عن ضلالتِه التی هو علیھا ، ور کوپه الجائر من الطرق ، إلى سبيل" الرشادِ . يقولُ : ليس ذلك بيدِك ولا إليك، ولا يَقدِرُ على ذلك أحدٌ غیری؛ لأنى القادرُ على كلِّ شىءٍ. وقيل: ﴿بِهَدِ الْعُمِ عَن ضَلَلِهِمْ﴾. (١ ولم يُقلْ: من ضلالتِهم) . لأن معنى الكلام ما وَصَفْتُ ، من أنه: وما أنت بصارفِهم عنه . فحمِل على المعنى ، ولو قيل : من ضلالتِهم. كان صوابًا ، وكان معناه : ما أنت بمانعِهم من ضلالتِهم . وقولُه: ﴿إِن تُْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِفَايَِنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه النبيِّه: ما تُسمِعُ السماعَ الذى يَنتفِعُ به سامعُه فيعقِلَه، إلا من يؤمنُ بآياتنا؛ [٥٩٤/٢ظ] لأن الذى يُؤْمِنُ بآياتِنا إذا سمِع كتابَ اللَّهِ، تدبَّره وفهِمه وعقَله، وعمِل بما فيه، وانتهى إلى حدودِ اللَّهِ التى حدَّ فيه، فهو الذى يَسمَعُ السماعَ النافعَ . وقولُه: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: فهم خاضعون للَّهِ بطاعتِه، متذلِّلون المواعظِ كتابِه . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ اُلْقَدِيرُ 30 يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المكذِّبين بالبعثِ من مشركى قريشٍ، محتجًّا عليهم بأنه القادرُ على ذلك، وعلى ما يشاءُ: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿مِّن ضَعْفٍ﴾. يقولُ: من نُطْفةٍ وماءٍ مَهِينٍ، فأنشأكم بَشَرًا سويًّا، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ (١) فى ص، ت٢: ((سبل)). (٢ - ٢) سقط من: ت٢ . ٥٢٦ سورة الروم : الآيتان ٥٤، ٥٥ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾. يقولُ: ثم جعَل لكم قوَّةً على التصرُّفِ ، من بعدِ خلقِه إيا كم من ضَعْفٍ ، ومن بعدٍ ضعفِكم بالصغرِ والطفولةِ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾. يقولُ: ثم أحدث لكم الضعفَ بالهَرَمِ والكبرِ عما كنتم عليه أقوياءَ فى شبابكم ، وشيبةً . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ٥٧/٢١ / ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾. أى: مِن نُطْفَةٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقَ ضَعْفًا﴾: الهَرَمَ، ﴿ وَشَيْبَةٌ﴾: الشَّمَطَ(١). وقولُه : ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكره : يَخلُقُ ما يشاءُ مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشبابٍ وشَيْبٍ ، ﴿ وَهُوَ اَلْعَلِيمُ ﴾ بتَدْبِيرِ خلقِه، ﴿اَلْقَدِيرُ﴾ على ما يشاءُ، لا يَمتنِعُ عليه شىءٌ أرادَه، فكما فعَل هذه الأشياءَ، فكذلك يُميتُ خلقَه ويُخْبِيهم إذا شاء. يقولُ: واعلموا أن الذى فعَل هذه الأفعالَ بقُدْرتِه يُحیی الموتى إذا شاء . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ٥٥ يقولُ تعالى ذكرُه : ويومَ تجىءُ ساعةُ البعثِ، فيُبْعَثُ الخلقُ مِن قبورِهم يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ، وهم الذين كانوا يكفرون باللهِ فی الدنیا ، ویکتسبون فيها الآثامَ، وإقسامُهم: حَلِفُهم باللّهِ. ﴿مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾. يقولُ: يُقْسِمون بأنهم لم يَلْبُتُوا فى قبورِهم غيرَ ساعةٍ واحدةٍ . يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿ كَذَلِكَ﴾ فى (١) الشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده. اللسان (ش م ط). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٨/٥ إلی ابن أبى حاتم . ٥٢٧ سورة الروم : الآيتان ٥٥ ، ٥٦ الدنيا ﴿كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: كَذَبوا فى قيلِهم وقَسَمِهم: ما لَبِثْنا غيرَ ساعةٍ . كما كانوا فى الدنيا يَكْذِبون ويَحْلِفون على الكذبِ وهم يعلمون . وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ . أی : يكذبون فى الدنيا. وإنما يعنى بقوله: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: عن الصدقِ، ويُصَدُّون عنه إلى (١) الكذب(١). القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَلْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِتَبِ اللَّهِ إِلَ يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٥٦ كان قتادةُ يقولُ : هذا مِن المُقَدَّمِ الذى معناه التأخيرُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ﴾. قال: هذا مِن مَقاديمِ م الكلام، وتأويلُها : وقال الذين أوتوا الإيمانَ والعلمَ: ﴿لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبٍ (٢) اللهِ ﴾ (٢). وذُكر عن ابنِ جُرَيج أنه كان يقولُ : معنى ذلك: وقال الذين أوتُوا العلمَ بكتابِ اللَّهِ ، والإيمانَ باللَّهِ و كتابِهِ. (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) ينظر تفسير البغوى ٢٧٨/٦، والقرطبى ٤٨/١٤. والكلام فيهما على غير ما ذكر المصنف إذ فيهما : وفى الكلام تقديم وتأخير ؛ أى : وقال الذين أوتوا العلم فى كتاب الله والإيمان لقد لبثتم. ٥٢٨ سورة الروم : الآيات ٥٦ - ٥٨ ٥٨/٢١ / وقولُه: ﴿فِي كِنَبِ اللَّهِ ﴾. يقولُ: فيما كتَب اللَّهُ مما سبَق فى علمِه أنكم تَلْبَثونه(١). ﴿فَهَذَا يَوْمُ اٌلْبَعْثِ ﴾. يقولُ: فهذا يومُ يُبْعَثُ الناسُ مِن قبورهم، ﴿ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. ( يقول: ولكنكم كنتم لا تعلمون) فى الدنيا أنه يكونُ ، وأنكم مبعوثون مِن بعدِ الموتِ ، فلذلك كنتم تكذِّبون . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ فَيَوْمَيِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧ يقولُ تعالى ذكرُه: فيومَ يُعَثون مِن قبورِهم ﴿لَّا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. يعنى المكذِّبين بالبعثِ فى الدنيا، ﴿ مَعْذِرَتُهُمْ﴾: وهو قولُهم : ما . عِلِمْنا أنه يكونُ ، ولا أنَّا نُبْعَثُ. ﴿ وَلَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. يقولُ: ولا هؤلاءِ الظَّلَمةُ يُسْتَزجعون يومئذٍ عما کانوا یکذِّبون به فى الدنيا . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَيِن جِئْتَهُمْ بِئَايَةٍ لَيَّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ٥٨ يقولُ تعالى ذكره: ولقد مَثَّلْنا للناسِ فى هذا القرآنِ مِن كلِّ مَثَلِ ؛ احتجاجًا عليهم، وتَنْبِيهًا لهم على وحدانيةِ اللَّهِ . وقولُه: ﴿ وَلَيِنِ جِئْتَهُمْ بِئَايَةٍ ﴾ . يقولُ : ولئن١ جئتَ يا محمدُ ، هؤلاء القومَ ﴿بَِايَةٍ﴾. يقولُ: بدَلالةِ على صدقٍ ما تقولُ - ﴿ لَيَّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾. ( يقولُ: لِيَقولَنَّ الذين جحَّدوا رسالتك، وأنكروا تُبُوَّتَك: إن أنتم أيّها المُصَدِّقون محمدًا فيما أتاكم به ﴿إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾٢) فيما تَجِيئوننا به مِن هذه الأمورِ . (١) فى ت ١، ت٢: (( تكتبونه)). (٢ - ٢) سقط من: ت ٢ . (٣) فى ت٢: ((لو)). ٥٢٩ سورة الروم : الآيتان ٥٩، ٦٠ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ [٥٩٥/٢ و] الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ٥٩ يقولُ تعالى ذكره : كذلك يختِمُ اللَّهُ على قلوبِ الذين لا يعلمون حقيقةً ما تأتيهم به يا محمدُ، مِن عندِ اللَّهِ ، مِن هذه العِبَرِ والعظاتِ ، والآياتِ البَيِّاتِ ، فلا يفقهون عن اللَّهِ حُجَّةٌ(١) ، ولا يفهمون عنه ما يَتْلُو عليهم مِن آي كتابِهِ ، فهم لذلك فى طُغْيَانِهِمْ يَتَرَدَّدون . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌٌ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ اَلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠ يقولُ تعالى ذكره: فاصبرْ يا محمدُ ، لِما ينالُك مِن أَذاهم ، وبلِّغْهم رسالةً ربِّك، فإن وعدَ اللَّهِ الذى وعَدك، مِن النصرِ عليهم، والظّفَرِ بهم، وتمكينِك وتمكين أصحابِك وتُبَاعِك فى الأرضِ - حقٌّ، ﴿ وَلَا يَسْتَخِقَنَّكَ / اُلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.٥٩/٢١ يقولُ: ولا يَسْتَخِفَّنَّ حِلْمَك ورأيَك هؤلاء المشركون باللّهِ ، الذين لا يوقِنون بالمعادِ ، ولا يصدِّقون بالبعثِ بعدَ المماتِ، فَيُنَبِّطوك عن أمرِ اللَّهِ ، والنفوذِ لِما كلَّفك مِن تبلیغهم رسالته . حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن علىِّ بن ربيعةً، أن رجلًا مِن الخوارج قرَأ خلفَ علىٍّ، رضِى اللهُ عنه: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]. فقال علىٍّ: ﴿ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِقَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. (١) فى ت١: ((حججه). ( تفسير الطبرى ٣٤/١٨ ) ٥٣٠ سورة الروم : الآية ٦٠ قال : ثنا يحيى بنُ آدمَ ، عن شَرِيكِ ، عن عثمانَ بنِ أبی زُرعةَ، عن علیٍّ بنِ" ربيعةً، قال: نادَى رجلٌ مِن الخوارج عليًّا، رضِى اللَّهُ عنه، وهو فى صلاةِ الفجرِ فقال: ﴿ وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾. فأجابَه علىٍّ، رضِى اللَّهُ عنه، وهو فى الصلاةِ: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ ﴾ وَلَا يَسْتَخِفَتَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾(١). حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَا يَسْتَخِقَّتَّكَ اُلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. قال: قال رجلٌ مِن الخوارج خلفَ علىٍّ فى صلاةِ الغَداةِ : ﴿ وَلَقَدْ أُوِْىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾. فَأَنْصَتَ له علىٌّ ، رضِى اللَّهُ عنه ، حتى فهِم ما قال ، فأجابَه وهو فى الصلاةِ: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌهُ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾(٢). آخرُ تفسير سورةِ ((الرومِ)) (١) بعده فى ت١: ((أبى)). (٢) نقله ابن كثير فى تفسيره ٣٣٢/٦ عن المصنف . (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٢/٦ عن سعيد به ، وعزاه إلى المصنف وابن أبى حاتم . ٥٣١ سورة لقمان : الآية ١ - ٤ تفسير سورةٍ لقمان بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ تِلْكَ ءَتُ اٌلْكِنَبِ الْحَكِيمِ القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ الَّـ لَـ ٢ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِلْآَخِرَةِ هُمْ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ يُوقِنُونَ وقد تقدَّم بيانُنا تأويلَ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿الَّرَ﴾(١). وقولُه: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ الْكِنَبِ الْحَكِيمِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: هذه آياتُ الكتابِ الحكيم بيانًا وتفصيلاً. وقولُه: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. يقولُ: هذه آياتُ الكتابِ بيانًا ورحمةً من اللَّهِ، رَحِم به مَن اتَّبعه، وعمِل به مِن خلقِه . وبنصبِ الهدَى والرحمةِ على القطع من آياتِ الكتابِ قرَأَتْ قرأةُ الأمصارِ غيرَ حمزةَ، فإنه قرأ ذلك رفعًا، على وجهِ الاستئنافِ ، إذ كان منقطعًا عن الآية التى قبلَه؛ بأنه ابتداءُ آيةٍ ، وأنه مدخٌ(١) . والعربُ تفعَلُ ذلك فيما (١) كان من نعوتٍ المعارفِ وقَع موقِعَ الحالِ ، إذا كان فيه معنى مَدْحٍ أو ذَمِّ . وكلتا القراءتين صوابٌ عندى، وإن كنتُ إلى النصبِ أَمْيَلُ ؛ لكثرةِ القرأةِ به . / وقولُه: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. وهم الذين أحسنوا فى العمَلِ بما أنزل اللَّهُ فى هذا ٦٠/٢١ (١) ينظر ما تقدم فى ٢٠٤/١ - ٢٢٧. (٢) ينظر السبعة ص ٥١٢ . (٣) فى ص، م: ((مما)). ٥٣٢ سورة لقمان : الآية ٥ ، ٦ (١ القرآنِ(١)، يقولُ تعالى ذكره: هذا الكتابُ الحكيمُ هدِى [٥٩٥/٢ظ] ورحمةً للذين أحسَنوا ، فعمِلوا بما فيه من أمرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ﴾. يقولُ : الذين يُقِيمون الصَّلاةَ المفروضةَ بحدودِها، ﴿ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾ مَنْ جعَلها اللَّهُ له، المفروضةَ فى أموالِهم، ﴿ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. يقولُ: يفعلون ذلك، وهم بجزاءِ اللَّهِ وثوابِه لِمَنْ فعَل ذلك فى الآخرةِ يُوقِنون . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُم اٌلْمُفْلِحُونَ ٥ يقولُ تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصَفْتُ صفتَهم على بيانٍ مِن رَبِّهم ونورٍ ، ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: وهؤلاء هم المنْجِحون المدرِ كون ما رَجَوا وأمَّلوا من ثوابٍ رَبِّهم يومَ القيامةِ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ٦ اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾؛ فقال بعضُهم: مَن يشتَرى الشِّراءَ المعروفَ بالثمنٍ، ورَوَوْا بذلك خبرًا عن رسولِ اللَّهِ يَّمِ؛ وهو ما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيع، عن خَلَّادِ الصَّفَّارِ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ زَحْرٍ ، عن علىٍّ بنِ يزيدَ، عن القاسم، عن أبى أمامةً، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَهِ: (( لا يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِيَاتِ، ولا شِرَاؤُهُنَّ، ولا التِّجارَةُ فِيهِنَّ، ولا أثمانُهُنَّ، وفيهنَّ نزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ (١) بعده فى ص، ت١، ت٢: ((وقوله: أولئك على هدى من ربهم)). (٢) فى ت٢: ((يعقلون)). ٥٣٣ سورة لقمان : الآية ٦ اَلْحَدِيثِ﴾))(١). حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنى أبى، عن خَلَّادِ الصَّفَّارِ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ زَخْرٍ ، عن علىٍّ بنِ يزيدَ، عن القاسمِ، عن أبى أمامةً، عن النبيِّ عَّهِ بنحوِه، إلا أنه قال: ((أكْلُ ثمَنِهِنَّ حَرَامٌ)). وقال أيضًا: ((وفيهنَّ أَنْزَلَ اللَّهُ علىَّ هذه الآيَةَ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾)). حدَّثنى عُبِيدُ بنُ آدمَ بنِ أبى إياسٍ العسقلانيُ ، قال : ثنا أبى ، قال : ثنا سليمانُ ابنُ حيّانَ، عن عمرو بنِ قيسٍ الكُلَابِىّ، عن أبى المهلَّبِ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ زَخْرٍ ، عن علىِّ بنٍ يزيدَ، عن القاسم، عن أبى أمامةَ . قال: وثنا إسماعيلُ بنُ عَيّاشٍ، عن مُطَرِّحِ بنِ يزيدَ ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ زَخْرٍ ، عن علىِّ بنِ يزيدَ، عن القاسمِ، عن أبى أمامةً الباهليّ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ عَ لَه يقولُ: ((لا يحِلُّ تَعْليمُ المُغَنِيَاتِ، ولا يَتْعُهُنَّ ولا شراؤُ هُنَّ، وثمَنُهُنَّ حَرامٌ، وَقَدْ نَزَل تَصْدِيقُ ذلك فى كتابِ اللَّهِ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. إلى آخرِ الآيةِ))(٢). / وقال آخرون : بل معنَى ذلك : مَن يختارُ لهوَ الحديثِ ويَستحُّه. ٦١/٢١ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن (١) أخرجه أحمد ٥٢٥/٥ (الميمنية)، والطبرانى (٧٨٦٢)، والبيهقى ١٤/٦، ١٥ من طريق وكيع به ، وأخرجه الحميدى (٩١٠)، والترمذى (٣١٩٥،١٢٨٢)، وابن أبى الدنيا فى ذم الملاهى (٢٤) - ومن طريقه ابن الجوزى فى العلل المتناهية ٢٩٨/٢ - والطبرانى (٧٧٥٥)، والبيهقى ٦ / ١٤، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٦٠، والبغوى فى تفسيره ٢٨٤/٦ من طريق عبيد الله بن زحر به، وأخرجه ابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ٦٨/٣ من طريق على بن يزيد به، وأخرجه الطبرانى أيضًا (٧٧٥٣)، وابن عدى فى الكامل ٢٣١٥/٦ من طريق القاسم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٩/٥ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم. وسقط من عند الحمیدی وابن أبى الدنيا وابن الجوزی ذکر علی بن یزید . (٢) أخرجه ابن ماجه (٢١٦٨) من طريق أبى المهلب عن عبيد الله عن أبى أمامة . ٥٣٤ سورة لقمان : الآية ٦ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: واللَّهِ لعلَّه أن لا يُنْفِقَ فيه مالًا؛ ولكن اشتراؤُه استِحبابُه، بِحَسْبِ المرءِ من الضلالةِ أن يختارَ حديثَ الباطلِ على حديثِ الحقِّ، وما يضُرُّ على ما ينفَعُ(١). حدَّثنى محمدُ بنُ خلَفِ العسقلانىُ ، قال : ثنا أيوبُ بنُ سُويدٍ ، قال : ثنا ابنُ شَوذَبٍ ، عن مَطَرٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾. قال: اشتراؤُه : اسْتِخْبابُه(١) . وأوْلَى التأويلين عندى بالصوابِ تأويلُ مَن قال: معناه الشراءُ الذى هو بالثَّمَنِ، وذلك أن ذلك هو أظهرُ معنَبَيْه . فإن قال قائلٌ : وكيف يشترِى لهوَ الحديثِ ؟ قيل : يشتَرِى ذاتَ لهوِ الحديثِ ، أو ذا لهوِ الحديثِ، فيكونُ مشتَريًّا لهوَ الحديثِ . وأما الحديثُ، فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: هو الغِناءُ والاستماعُ له . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى يزيدُ بنُّ يونسَ ، عن أبى صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَلِيِّ ، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ، عن أبى الصَّهْباءِ البكرىِّ، أنه سمِع عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ وهو يُسألُ عن هذه الآيةِ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عٍِّ﴾. فقال عبدُ اللَّهِ: (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٥/٢ عن معمر عن قتادة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٨/٥ إلى ابن أبى حاتم . (٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٥٣/١٤ وفيه : مطرف. ٥٣٥ سورة لقمان : الآية ٦ الغِناءُ والذى لا إلهَ إلا هو. يُردِّدُها ثلاثَ مرّاتٍ(١). حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ ، قال : ثنا صفوانُ بنُ عيسى ، قال : أخبرنا حميدٌ الخراطُ ، عن عمارٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن أبى الصَّهباءِ، أنه سأل ابنَ مسعودٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾. قال: الغِناءُ(١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال : ثنا علىُّ بنُ عابسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾. قال: الغِناءُ. حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عيينةً، قال : ثنا عطاءُ بنُ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جُبِيٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال : الغِناءُ وأشباهُه(٢). حدَّثنا ابنُ وكيعِ والفضلُ بنُ الصَّاحِ، قالا: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾. قال: هو الغِناءُ ونحوُهُ(٤) . حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكامُ بنُ سَلْم، عن عمرو بنِ أبى قيسٍٍ ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ مُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه . حدَّثنا الحسينُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأنماطئُ، قال : ثنا عبيدُ اللَّهِ ، قال: ثنا ابنُ أبى (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٣/٦ عن المصنف. (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٤/٦ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى الدنيا فى ذم الملاهى (٢٦)، والحاكم ٤١١/٢، والبيهقى ٢٢٣/١٠، وفى الشعب (٥٠٩٦) من طريق صفوان به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٩/٦ - ومن طريقه ابن حزم فى المحلى ٩/ ٧٠٨، ٧٠٩ - من طريق حميد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٩/٥ إلى ابن المنذر. (٣) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٧٨٦، ١٢٦٥)، وابن أبى الدنيا فى ذم الملاهى (٢٧)، والبيهقى ٢٢٣/١٠ من طريق عطاء به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٩/٥ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه. (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٠/٦ - ومن طريقه ابن حزم فى المحلى ٧٠٩/٩ - من طريق محمد بن فضيل به . 1 ٥٣٦ سورة لقمان : الآية ٦ ليلَى، عن الحكم، / عن مِقْسَم، [٥٩٦/٢و] عن ابنِ عباسٍ، قال: هو الغِناءُ والاستمائُ له . يعنى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾ . حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ الرحيم ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسَى ، قال: ثنا سفيانُ ، عن قابوسَ بنِ أبى ظَئِيانَ، عن أبيه، عن جابرٍ فى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾. قال: هو الغِناءُ والاستماُ له . حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن ابنٍ أبى ليلَى، عن الحكم أو ١ مِقْسم، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: شِراءُ المغنّةِ(١) . ــ حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا حفصٌ والمحاربيُّ ، عن ليث، عن الحكمِ، عن ابنٍ عباسٍ، قال : الغِناءُ . حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾. قال: باطِلُ الحديثِ؛ هو الغِناءُ ونحوُهُ(١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾. قال: الغِناءُ. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، عن شُعبةَ، عن الحكم، عن مجاهدٍ ، أنه قال فى هذه الآية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾. قال: الغِناءُ. (١) فى ت٢: ((و))، وفى ت ٣: ((عن)). وينظر الأثر قبل السابق، وترجمة الحكم فى تهذيب الكمال ١١٤/٧. (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٩/٦ - ومن طريقه ابن حزم فى المحلى ٧٠٩/٩ - عن وكيع، عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم ، عن ابن عباس ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٩/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٩/٥ إلى الفريابى وابن مردويه. ٦٢/٢١ ٥٣٧ سورة لقمان : الآية ٦ حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى ، عن سفيانَ ، عن حبيبٍ ، عن مجاهدٍ ، قال : (١) الغِناءُ(١). قال: ثنا أبى، عن شعبةً، عن الحكم، عن مجاهدٍ مثلَه(١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا الأشجعىُّ، عن سفيانَ، عن عبدِ الكريم، عن مجاهدٍ : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: هو الغناءُ، وكلُّ لَعِبِ (٢) لهؤٌ) . حدَّثنا الحسينُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَنْماطىُ ، قال : ثنا علىُّ بنُ حفصٍ الهَمْدانىُّ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾. قال: الغناءُ، والاستماعُ له، وكُلُّ لهوٍ. / حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾. قال: المغنّى والمغنِيةُ بالمالِ الكثيرِ، أو استمائٌ إليه أو إلى مثله من الباطلِ " . حدَّثنى يعقوبُ وابنُ وكيع، قالا: ثنا ابنُ عليةَ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾. قال: هو الغناءُ، أو الغناءُ منه، أو الاستماع له(٤) . (١) تفسير سفيان ص ٢٣٨، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣١٠/٦، وابن أبى الدنيا فى ذم الملاهى (١٣) عن وكيع به. (٢) فى ص، ت١، ت٢: ((ولهو))، والأثر فى تفسير سفيان ص ٢٣٨، وعنه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٠٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٩/٥ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وابن المنذر. (٣) تفسير مجاهد ص ٥٤١، ومن طريقه البيهقى ٢٢٥/١٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٠/٥ إلى المصنف وآدم بن أبی إیاس . (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠٩/٦ عن ابن علية به، وأخرجه الفراء فى معانى القرآن ٣٢٧/٢ من طريق ليث به. ٥٣٨ سورة لقمان : الآية ٦ حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عَثّامُ بنُ علىٍّ ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن شعيبٍ بنٍ يسارٍ، عن عكرمةً، قال: لهوُ الحديثِ: الغناء) . / حدَّثنى عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارىُّ، قال: ثنا عَثّامٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن شُعيبٍ بنِ يسارٍ: هكذا قال عكرمةُ ، عن عبيدٍ مثلَه . ٦٣/٢١ حدَّثنا الحسنُ بنُ الزُّبِقانِ النخَعىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ وعبيدُ اللَّهِ ، عن أسامةَ ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: الغناء. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن عكرمةً، قال: الغناءُ(). وقال آخرون : عنَى باللهوِ الطَّبَلَ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عباسُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا حجاجٌ الأعورُ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن مجاهدٍ ، قال : اللهوُ : الطبلُ(٤) . وقال آخرون : عنى بلهوِ الحديثِ الشركَ . ذکرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ (١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٠/٦ - ومن طريقه ابن حزم فى المحلى ٧٠٩/٩ - من طريق إسماعيل به السیوطی فی الدر المنثور ١٥٩/٥ إلى ابن أبى الدنيا . (٢) فى ص، م، ت١: ((الحسين))، وفى ت٢: ((عبيد))، وتقدم على الصواب فى ٧١٤/١، ٧١٧. وينظر الجرح والتعديل ١٥/٣ . (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٠/٦ عن وكيع به . (٤) ذكره البغوى ٢٨٥/٦ من قول ابن جريج . ٥٣٩ سورة لقمان : الآية ٦ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾: يعنى الشركَ(١) . حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُوَا﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ، ألا ترَى إلى قولِه: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيَ أُذُنَّهِ وَقْرًا﴾، فليس هكذا أهلُ الإسلام. قال: وناسٌ يقولون: هى فيكم. وليس كذلك. قال: وهو (٢) الحديثُ الباطلُ الذى كانوا يَلْغُون فيه(٣). والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يقالَ: عنى به كلَّ ما كان من الحديثِ مُلْهيًا عن سبيلِ اللَّهِ ، مما نهَى اللَّهُ عن استماعِه أو رسولُه؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُهُ عَمَّ بقولِه: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ، ولم يَخصُّصْ بعضًا دونَ بعضٍ ، فذلك على عمومِه، حتى يأتىَ ما يدُلُّ على خُصوصِه، والغناءُ والشركُ من ذلك . وقولُه: ﴿لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ : لیصُدَّ ذلك الذی یشترِی مِن لهوِ الحديثِ عن دينِ اللّهِ وطاعتِه، وما يقرِّبُ إليه؛ من قراءةٍ قرآنٍ، وذكرِ اللَّهِ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ من قال ذلك حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: سبيلُ اللَّهِ: قراءةُ القرآنِ ، (١) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٨٥/٦، وابن كثير فى تفسيره ٣٣٤/٦. (٢) فى ص، ت١، ت٢: ((أهل)). (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٤/٦ مختصرًا . ٥٤٠ سورة لقمان : الآية ٦ وذكرُ اللَّهِ إذا ذكّره، وهو رجلٌ من قريشِ اشترى جاريةً مُغَنّةً (١). وقولُه [٥٩٦/٢ظ]: ﴿يِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾. يقولُ: فَعَل ما فعَل من اشترائِه لهوَ ٦٤/٢١ الحديثِ، جهلاً منه بما له فى العاقبةِ عندَ اللَّهِ من / وِزْرِ ذلك وإثْمِه . وقولُه: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأَتَه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ ، وبعضُ أهل الكوفةِ: ( ويَتَّخِذُها) رفعًا(١)؛ عطفًا به على قولِه: يَشْتَرِى﴾، كأن معناه عندهم: ومن الناسِ من يشترى لهوَ الحديثِ، ويشَّخِذُ آياتِ اللَّهِ هزوًا. وقرأَ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ وَيَتَّخِذَهَا﴾ نصبًا )؛ عطفًا على ((يُضِلَّ))، بمعنى: ليُضِلَّ عن سبيلِ اللهِ، وليتخِذَها هُزُوًا. والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتانِ معروفتانِ فى قرأةِ الأمصارِ ، متقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهِما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ الصوابَ فى قراءتِه . والهاءُ والألفُ فى قولِه: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ من ذكرِ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحِ ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿وَبَتَّخِذَهَا هُزُوَأْ﴾. قال: سبيلُ اللَّهِ(٤). وقال آخرون : بل ذلك من ذكرِ آياتِ الكتابِ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٩/٥ إلى المصنف والفريابى وابن مردويه. (٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية أبى بكر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥١٢ . (٣) هى قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم . المصدر السابق . (٤) تفسير مجاهد ص ٥٤١ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٥٨، ١٥٩ إلى الفريانى وابن المنذر وابن أبی حاتم.