النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة الروم : الآية ٢٤
/ ألا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِى أَخْضُرُ الوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَل أَنْتَ مُخْلِدى ٣٣/٢١
قال : وقال آخر(١):
لَوْ قُلْتَ ما فِى قَوْمِها لَمْ تِيثَم (١)
يَفْضُلُها فى حَسَبٍ ومِيسَمٌ"
وقال : يريدُ : ما فى قومِها أحدٌ .
وقال بعضُ نحويِّى الكوفيين(٤): إذا أُظْهِرت ((أن)) فهى فى موضعِ رفعٍ؛ كما
قال: ﴿ وَمِنْ ءَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ﴾، و﴿ مَنَامُكُ﴾. فإذا حُذِفت ◌ُجُعِلت
مِنْ﴾ مؤدّيةً عن اسم متروكٍ، يكونُ الفعلُ صلةً له (٥)، كقولِ الشاعرِ(١):
ومَا الدَّهْرُ إِلَّ تارَتَانِ فَمِنْهُما أموتُ وأُخْرَى أبْتَغِى العَيْشَ أكْدَحُ
كأنه أراد: فمنهما ساعةٌ أموتُها ، وساعةٌ أعيشُها . وكذلك : ومِن آیاتِهِ يُریكم
آيةً للبرقِ(٧)، وآيةً لكذا. وإن شئتَ أردتَ: ويُريكم مِن آياتِه البرقَ . فلا تُضْمَرُ
((أنْ)) ولا غیرُه .
وقال بعضُ مَن أنكَر قولَ البصرىِّ: إنما ينبغى أن تُحذفَ ((أَنْ)) مِن الموضع الذى
يدلُّ على حذفِها، فأما فى كلِّ موضعٍ فلا، فأما مع: ((أحْضُرَ الوغى(4))، فلما
(١) سقط من: ص، م، ت١ . والقائل هو حكيم بن مُعَيةَ الرَّبَعى.
والبيت فى معانى القرآن للفراء ٢٧١/١، والكتاب لسيبويه ٣٤٥/٢، وخزانة الأدب ٦٢/٥.
(٢) أى: تأثم. على لغة بنى أسد؛ يكسرون حروف المضارعة إلا الياء للكرامة ، تم تحولت الألف بعد تخفيف
همزها إلى ياء لمناسبة كسرة حروف المضارعة . وينظر خزانة الأدب ٦٣/٥ .
(٣) الحسب : ما يعده الإنسان من مفاخره ، وأراد به الشرف النسبى وهو شرف الآباء وأراد بالميسم الشرف
الذاتى ، فإن الميسم الحسن والجمال، من الوسم وهو الحسن . اهـ خزانة الأدب ٦٤/٥ .
(٤) معانى القرآن للفراء ٣٢٣/٢.
(٥) سقط من : م، ت٢ .
(٦) هو تميم بن أبى بن مقبل ، والبيت فى ديوانه ص ٢٤ .
(٧) فى النسخ: ((البرق)). وأثبتناه كالفراء فهذا نص كلامه، وقد قيل بعدُ: ((وآية لكذا)). فلينتبه .
(٨) بعده فى ت٢: ((فلا)).
( تفسير الطبرى ٣١/١٨ )

٤٨٢
سورة الروم: الآيتان ٢٤، ٢٥
كان : زجرتُك أنَ تقُومَ . و: زجَرتُك لأَنْ تَقُومَ . يدلُّ على الاستقبالِ ، جاز حذفُ
((أنْ))؛ لأن الموضعَ معروفٌ، لا يقعُ فى كلِّ الكلام، فأما قولُه : ومِن آياتِهِ أنك
قائمٌ . و: أنك تقومُ . و: أن تقومَ. فهذا الموضعُ لا يُحذفُ ؛ لأنه لا يدلّ على شىءٍ واحدٍ .
٣٤/٢١
/ والصوابُ مِن القولِ فى ذلك: أن ((مِنْ)) فى قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾ تدلُّ
على المحذوفٍ، وذلك أنها تأتى بمعنى التبعيض، (وإذا كانت" كذلك، كان
معلومًا أنها تقتضى البعضَ ، فلذلك تَحذِفُ العربُ معها الاسمَ لدلالتها عليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَئِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهٍِ ثُمَّ إِذَا
دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
٢٥
يقولُ تعالى ذِكرُه : ومِن حُجِه أيُّها القومُ، على قُدرتِه على ما يشاءُ - قيامُ
السماءِ والأرضِ بأمرِه، خضوعًا له بالطاعةِ، بغيرِ عمَدٍ تُرى، ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ
مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَّخْرُجُونَ﴾. يقولُ: إذا أنتم تَخْرجون مِن الأرضِ إذا دعاكم
دعوةً ، مستجیبین لدعوته إيا كم .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ أَنْ تَقُومَ
السَّمَاءُ وَاُلْأَرْضُ بِأَمْرٍِ﴾: قامتا بأمرِهِ بغيرِ عمَدٍ، ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ
إِذَا أَنْتُمْ تَّخْرُجُونَ﴾. قال: دعاهم فخرَجوا مِن الأرضِ(١).
(١ - ١) فى ت٢: (( ولما كان ذلك)).
(٢) أخرج ابن أبى الدنيا شطره الثانى فى الأهوال (١٠٠) من طريق سعيد به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٥٤/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٤٨٣
سورة الروم : الآيات ٢٥ - ٢٧
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. يقولُ: مِن الأرضِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌ لَّهُ
قَسِنُونَ لَّ
وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِىِ
٢٧
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يقولُ تعالى ذِكرُه : وللَّهِ مَنْ فى السماواتِ والأرضِ ؛ مِن مَلَكِ وجنٍّ وإنسٍ،
عبيدٍ ومُلَّكِ، ﴿كُلٌّ لَّمُ قَدِنُونَ ﴾. يقولُ: كلِّهم(١) له مطيعون. فيقولُ قائلٌ:
وكيف قيل: ﴿كُلُّ لَّهُ قَشُِّونَ﴾. وقد علِم أن أكثرَ الإنسِ والجنِّ له عاصون؟
فتقولُ : اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك، فنذكُرُ اختلافَهم ، ثم نُبَيِّنُ الصوابَ
عندَنا فى ذلك مِن القولِ؛ فقال بعضُهم: ذلك كلامٌ مَخْرِجُه مَخْرجُ العمومِ ، والمرادُ
به الخصوصُ، ومعناه: كلِّ له قانتون فى الحياةِ والبقاءِ والموتِ ، والفناءِ والبعثِ
والنشورِ، لا يمتنِعُ عليه شىءٌ مِن ذلك، وإن عصاه بعضُهم فى غيرِ ذلك .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمِّى ، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ / قولَه: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ أَنْ تَقُوَمَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى: ٣٥/٢١
كُلُّ لَّمُ قَنِئُونَ﴾. يقولُ: مطيعون، يعنى الحياةَ والنشورَ والموتَ، وهم
عاصون له فيما سوى ذلك مِن العبادةِ(١) .
وقال آخرون: بل معنى ذلك : كلِّ له قانتون بإقرارِهم بأنه ربُّهم [٥٨٩/٢و]
وخالقُهم .
(١) فى م، ت٢: ((كل)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٧٧/٤ .

٤٨٤
سورة الروم : الآية ٢٦
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كُلٌّ لَّهُ
قَشِئُونَ﴾: مطيعٌ مِقِرّ بأنَّ اللَّهَ ربُّه وخالقُه(١).
وقال آخرون: هو على الخصوصِ، والمعنى: وله مَن فى السماواتِ والأرضِ؛
مِن مَلِكِ وعبدٍ مؤمنٍ للَّهِ مطيعٍ دونَ غيرِهم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿كُلُّ
لَّمُ قَِئُونَ﴾. قال: كلٍّ له مطيعون، المطيعُ: القانتُ . قال: وليس شىء إلا وهو
مطيعٌ، إلا ابنَ آدمَ، وكان أحقّهم أن يكونَ أطوعَهم للَّهِ. وفى قولِه: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَدْنِتِينَ ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قال: هذا فى الصلاةِ ، لا تتكلموا فى الصلاة كما يتكلمُ
أهلُ الكتابِ فى الصلاةِ. قال : وأهلُ الكتابِ يمشى بعضُهم إلى بعضٍ فى الصلاةِ .
قال : ويتقاتلون(١) فى الصلاة ، فإذا قيل لهم فى ذلك ، قالوا : لكى تذهبَ الشحناءُ مِن
قلوبِنا، و(١) تَسْلَمَ قلوبُ بعضِنا لبعضٍ، فقال اللَّهُ: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ لا تزولا
كما يزولون، ﴿قَدْنِتِينَ﴾: لا تتكلَّموا كما يتكلَّمون. قال: فأما ما سِوى هذا كلُّه
فى القرآنِ مِن القنوتِ ، فهو الطاعةُ ، إلا هذه الواحدةَ(٤).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ القولُ الذى ذكرناه عن ابنِ عباسٍ، وهو أنَّ
(١) تقدم تخريجه فى ٣٧٨/٤.
(٢) فى م: (( يتقابلون)).
(٣) زيادة يقتضيها السياق .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/١ إلى المصنف بمعناه مختصرا .
٠٠

٤٨٥
سورة الروم : الآيتان ٢٦، ٢٧
كلَّ مَن فى السماواتِ والأرضِ مِن خلقٍ للَّهِ، مطيع فى تصرُّفِه فيما أرادَ تعالى ذِكرُه
مِن حياةٍ وموتٍ، وما أشبه ذلك، ( وإن عصاه فيما (" يَكتسِبُه بقواه٢) ، وفيما له
السبيلُ إلى اختيارِهِ ، وإيثارِهِ على خلافِهِ .
وإنما قلتُ : ذلك أولى بالصوابِ فى تأويل ذلك؛ لأن العصاةَ مِن خلقِه فيما
لهم السبيلُ إلى اكتسابِهِ كثيرٌ عددُهم، وقد أخبر تعالى ذِكرُه عن جميعِهم أنهم له
قانتون ، فغيرُ جائزٍ أن يُخبِرَ عمَّن هو عاصٍ ، أنه له قانتٌ فيما هو له عاصٍ . وإذا كان
ذلك كذلك، فالذى فيه عاصٍ هو ما وصَفتُ ، والذى هو له قانتٌ ما بيَّنتُ .
وقولُه: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: والذى
له هذه الصفاتُ تبارك وتعالى ، هو الذى يبدأ الخلقَ مِن غيرٍ أصلٍ، فينشُه ويُوجِدُه ،
بعدَ أن لم يكنْ شيئًا ، ثم يُفْنِيه بعدَ ذلك، ثم يعيدُه ؛ كما بدأَه بعدَ فنائِهِ ، وهو أهونُ
عليه .
اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ؛ فقال بعضُهم:
معناه : وهو هيِّنٌّ عليه .
/ ذِكرُ مَن قال ذلك
٣٦/٢١
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ سعيدِ العطارُ، عن سفيانَ، عمَّن ذكره،
عن منذرٍ الثورىِّ، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ(٢): ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةِ﴾. قال: ما شىءٌ
(٤)
عليه بعزيز
(١ - ١) سقط من: ت٢.
(٢ - ٢) فى م: ((يكسبه بقوله)).
(٣) فى م، ت١: ((خيثم)). وينظر تهذيب الكمال ٧٠/٩.
(٤) ذكره الحافظ فى التعليق ٤٨٦/٣ عن المصنف، وذكره القرطبى ٢١/١٤، ٢٢، وابن كثير ٣١٨/٦.

٤٨٦
سورة الروم : الآية ٢٧
حدَّثْنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ
عَلِيَةٍ﴾. يقولُ: كلُّ شيءٍ عليه هينٌ(١).
وقال آخرون: معناه : وإعادةُ الخلقِ بعدَ فنائِهم أهونُ عليه مِن ابتداءِ خلقِهم .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ﴾ . قال: يقولُ: أيسرُ عليه(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍوٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْةٍ ﴾. قال : الإعادةُ أهونُ عليه مِن البَداءةِ، والبَداءةُ عليه
(٣)
هينٌ().
حدَّثنى ابنُ المثنَّى، قال : ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ، عن
عكرمةَ قرأ هذا الحرفَ: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ وَهُوَ أَهْوَنُ
عَلَيْةٍ﴾. قال: تعجّبَ الكفارُ مِن إحياءِ اللَّهِ الموتى. قال: فنزَلت هذه الآيةُ:
﴿ وَهُوَ اَلَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ ﴾ : إعادةُ الخلقِ أهونُ عليه
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢١/١٤، وابن كثير فى تفسيره ٣١٨/٦ عن العوفى .
(٢) ذكره الحافظ فى الفتح ٢٨٧/٦، وابن كثير فى تفسيره ٣١٨/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٥
إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٨، ومن طريقه البيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٦٥). وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن الأنبارى
فى المصاحف .

٤٨٧
سورة الروم : الآية ٢٧
مِن إبداءِ الخلقِ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا غندرٌ، عن شعبةَ، عن سماكِ، عن عكرمةَ بنحوِهِ،
إلا أنه قال : إعادةُ الخَلْقِ أهونُ عليه مِن ابتدائِه(١) .
حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ قولَه: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ
عَلَيْةٍ﴾ . يقولُ : إعادتُه أهونُ عليه مِن بدئِه، وكلٌّ على اللَّهِ هينٌ (٢).
وفى بعضِ القراءةِ : ( وكلٌّ على اللَّهِ هيٌ)).
(٣
وقد يَحتمِلُ هذا الكلامُ وجهين غيرَ القولين اللذين ذكَرتُ، وهو أن يكونَ
معناه : وهو الذى يبدأُ الخلقَ ثم يعيدُه، وهو أهونُ على الخلقِ . أى إعادةُ الشىءٍ
أهونُ على الخلقِ مِن ابتدائِه. والذى ذكرنا عن ابنِ عباسٍ فى الخبرِ الذى حدَّثنی به
ابنُّ سعدٍ ، قولٌ أيضًا له وجهٌ .
وقد وجَّه غيرُ واحدٍ مِن أهلِ العربيةِ قولَ ذى الرّمةِ(٤):
أُخرى قَفَرَاتٍ دَبَّبَتْ فِى عِظامِهِ شُفافاتُ أَعْجازِ الكَرَى فَهْوَ أَخْضَعُ
إلى أنه بمعنى : خاضعٌ. وقولَ الآخرِ :
لِغْرُوفِه عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ
/ لَعَمْرُكَ إِنَّ الزِّبِقَانَ لبَاذِلٌ
وفِى كُلّ أَشْبابِ المكارِمِ أوَّلُ
[٥٨٩/٢ظ] كَرِيمٌ لَهُ عَنْ كُلِّ ذَمِّ تَأْخُرٌ
٣٧/٢١
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢١/١٤، وابن كثير فى تفسيره ٣١٨/٦. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٥٥/٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن الأنبارى فى المصاحف .
(٢) ذكره الحافظ فى التغليق ٤٨٦/٣ عن المصنف.
(٣ - ٣) سقط من: ت٢ . الظاهر أن ذلك فى مصحف عبد الله. وينظر البحر المحيط ١٦٩/٧.
(٤) ديوانه ٧٣٦/٢ .

٤٨٨
سورة الروم : الآية ٢٧
إلى أنه بمعنى : وفاضلٌ. وقولَ مَعْنٍ (١) :
على أيِّنا تَعْدُو الَنِيَّةُ أوَّلُ
لَعَمْرُكَ ما أُذْرِى وإنّى لَأَوْجَلُ
إلى أنه بمعنى: وإنى لوَجِلٌ. وقولَ الآخرِ(١):
تَمَنَّى مُرَىْءُ القَيْسِ مَوْتِى وإِنْ أَمُتْ
فتَلكَ سَبِيلٌ لستُ فيها بأوْحَدٍ
إلى أنه بمعنى : لستُ فيها بواحدٍ . وقولَ الفرزدقِ (٢) :
إِنَّ الَّذِى سَمَكَ السَّماءَ بنَى لَنَا بَيْئًا دَعائِمُهُ أُعَزُّ وَأَطْوَلُ
إلى أنه بمعنى: عزيزةٌ طويلةٌ . قالوا: ومنه قولُهم فى الأذانِ: اللَّهُ أكبرُ. بمعنى:
٣٨/٢١ اللَّهُ كبيرٌ. وقالوا: إِنْ قال قائلٌ: / إنَّ اللَّهَ لا يُوصَفُ بهذا، وإنما يُوصَفُ به الخلقُ.
فزعم أنه: وهو أهونُ على الخلقِ - فإن الحجةَ عليه قولُ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠]. وقوله: ﴿ وَلَا يَُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]: أى لا
يُتْقِلُه حفظُهما .
وقولُه: ﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: وللَّهِ المثلُ الأعلى فى السماواتِ
والأرضِ، وهو أنه لا إله إلا هو وحده لا شريكَ له، ليسَ كمثلِه شىءٌ ، فذلك المثلُ
الأعلى ، تعالى ربُّنا وتقدَّسَ .
وبنحوِ ما قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
(١) ديوانه ص ٩٣ .
(٢) تقدم فى ١٦/١٦ وصدره هناك : تمنى رجال أن أموت .
(٣) ديوانه ص ٧١٤ .

٤٨٩
سورة الروم : الآيتان ٢٧، ٢٨
قولَه: ﴿ وَلَهُ اُلْمَثَلُ اُلْأَعْلَى فِي السَّمَوَةِ﴾. يقولُ: ليس كمثله شىءٍ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَهُ اُلْمَثَلُ
اُلْأَعْلَى فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾: مَثَلُه أنه لا إلهَ إلا هو، ولا ربَّ غيرُه(١) .
وقولُه : ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وهو العزيزُ فى
انتقامِهِ مِن أعدائِه، الحكيمُ فى تدبيرِه خلقه، وتصريفِهم فيما أراد ؛ من إحياءٍ وإماتةٍ ،
وبعث ونشرٍ، وما شاء.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ضَرَّبَ لَكُمْ مَثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا
مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ
٢٨
أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه: مَثَّل لكم أيُّها القومُ ربُّكم مَثَلًا من أنفسكم؛ ﴿هَل لَّكُمْ
مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾. يقولُ: مِن مماليكِكم ﴿مِّن شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾
مِن مالٍ، ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءُ﴾ وهم. يقولُ: فإذا لم ترضَوْا بذلك لأنفسكم،
فكيف رضِيتُم أن تكونَ آلهتكم التى تعبدونها لى شركاءَ فى عبادتكم إياى، وأنتم
وهمّ عبيدى ومماليكى ، وأنا مالكُ جميعِكم .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ
(١) أخرجه البيهقى فى الاعتقاد ٤٥/١ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٪
١٥٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٦٨/٦، والطوسى فى التبيان ٢٢١/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٥٥/٥ إلى ابن أبى حاتم .

٤٩٠
سورة الروم : الآية ٢٨
◌َّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنِ شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ
فِيهِ سَوَآءٌ﴾. قال: مثلٌ ضرَبه اللَّهُ لمن عدَل به شيئًا مِن خلقِه، يقولُ: أكان أحدُكم
مشاركًا مملوكَه فى فراشِه وزوجتِه؟! فكذلكم اللَّهُ لا يرضَى أن يُعدّل به أحدٌ مِن
(١)
خلقِه (١) .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ ضَرَبَ
لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّنْ شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ
فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءُ﴾. / قال(١): تجدُ أحدًا يجعلُ عبدَه هكذا فى مالِه؟! فكيف تعمِدُ
أنت ، وأنت تشهَدُ أنهم عبيدى وخَلْقى، وتجعلُ لهم نصيبًا فى عبادتى، كيفَ يكونُ
هذا؟! قال: وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لهم. وقرَأ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ ﴾ .
٣٩/٢١
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿ تَخَافُونَهُمْ كَخِفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؛
فقال بعضُهم : معنى ذلك : تخافون هؤلاءِ الشركاءَ مما ملكت أيمانكم ، أن يرِثُوكم
أموالكم مِن بعدٍ وفاتِكم، كما يرِثُ بعضُكم بعضًا .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن حجاج ، عن ابنِ مجرَيجٍ، عن عطاءِ الخراسانىٌّ ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: فى الآلهةِ، وفيه يقولُ: تخافونهم أن يرِثوكم كما يرِثُ بعضُكم بعضًا (١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : تخافون هؤلاء الشركاءَ مما ملكت أيمانكم ،
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٢/٢ عن معمر عن قتادة بنحوه . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٥٥/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) بعده فى م: ((هل)).
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٦٨/٦، والطوسى فى التبيان ٢٢٢/٨.

٤٩١
سورة الروم : الآية ٢٨
أن يقاسموكم أموالكم، كما يقاسِمُ بعضُكم بعضًا .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ عمرانَ قال: قال
أبو مِجْلَزِ: إن مملوكَك لا تخافُ أن يقاسِمَك مالَك، وليس له ذلك، كذلك اللَّهُ لا
شريك له .
وأولى القولين بالصوابِ فى تأويل ذلك هذا(١) القولُ الثانى؛ لأنه أشبهُهما بما
دلّ عليه ظاهرُ الكلام، وذلك أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه وبَّخ هؤلاءِ المشركين فى(١) الذين
جعَلوا(١) له مِن خلقِه آلهةً يعبدونها، وأشرَ كوهم فى عبادتهم إياه ١١ ، وهم مع ذلك
يُقِرُّون بأنَّها [٥٩٠/٢و] خلقُه وهم عبيدُه، وعيّرهم بفعلِهم ذلك، فقال لهم: هل
لكم مِن عبيدِ كم(٥) شركاءُ فيما خوَّلْناكم مِن نعمِنا، فهم سواءٌ وأنتم فى ذلك ،
تخافون أن يقاسموكم ذلك المالَ الذى هو بينكم وبينَهم ، كخِيفةِ بعضكم بعضًا أن
يقاسمَه ما بينَه وبينَه مِن المالِ شركةً؟! فالخيفةُ التى ذكرها تعالى ذِكرُه بأن تكونَ
خيفةً مما يخافُ الشريكُ مِن مقاسمةٍ شريكِه المالَ الذى بينهما إياه ، أشبهُ من أن
تكون خيفةً منه بأن يرِثَه ؛ لأنَّ ذِكْرَ الشركةِ لا يدلُّ على خيفةِ الوراثةِ ، وقد يدلُّ على
خيفةِ الفراقِ والمقاسمةِ .
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه :
(١) سقط من: م، ت٢ .
(٢) سقط من : م .
(٣) فى م: ((يجعلون))، وفى ت٢: ((يجعلوا)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢: ((إياها)).
(٥) فى صر، ت١، ت٢: ((عبيدى)).

٤٩٢
سورة الروم : الآيات ٢٨ - ٣٠
كما بيَّنالكم أيُّها القومُ ، حججنا فى هذه الآياتِ مِن هذه السورة على قدرتِنا على ما
نشاءُ؛ مِن إنشاءٍ ما نشاءُ وإفناءِ ما نحبُّ وإعادةٍ ما نريدُ إِعادتَه بعدَ فنائِه ، ودلَّلنا على
أنه لا تصلحُ العبادةُ إلا للواحدِ القهارِ، الذى بيدِه ملكوتُ كلِّ شىءٍ - كذلك نبيِّنُ
حججَنا فى كلِّ حقٌّ لقوم يعقلون ، فيتدبَّرونها إذا سمِعوها ، ويعتبرون فيتعِظون بها .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلِ أُثَبَعَ الَّذِيِنَ ظَلَمُوْاْ أَهْوَآءَ هُم بِغَيْرِ عِلّهٍ
٢٩
فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ
يقولُ تعالى ذِكرُه : ما ذلك كذلك ، ولا أشرَك هؤلاءِ المشركون فى عبادةِ اللَّهِ
٤٠/٢١ الآلهةَ والأوثانَ لأَنَّ لهم / شركًا فيما رزَقهم اللَّهُ مِن مِلْكِ أيمانِهم، فهم وعبيدُهم فيه
سواءٌ، يخافونهم (١) أن يقاسِموهم ما هم شركاؤُهم فيه، فرضُوا للَّهِ مِن أجلٍ ذلك بما
رضُوا به لأنفسِهم ، فأشرَكوهم فى عبادتِه ، ولكن الذين ظلموا أنفسهم فكفَروا باللّهِ
اتبعوا أهواءهم ؛ جهلا منهم لحقِّ اللَّهِ عليهم، فأشرَكوا الآلهةَ والأوثانَ فى عبادتِه ،
﴿فَمَنْ يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾. يقولُ: فمن يُسَدِّدُ للصوابِ مِن الطرق؟! يعنى
بذلك: مَن يُوَفِّقُ للإسلام مَن أضلَّ اللَّهُ عن الاستقامةِ والرشادِ؟! ﴿ وَمَا لَهُم مِّن
نَّصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لمن أضلَّ اللَّهُ مِن ناصرين ينصرونه فينقذونه مِن الضلال
الذی یتلیه به تعالی ذ کژه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ الْذِيبُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ
٣٠
يقولُ تعالى ذِكرُه: فسدِّدْ وجهَك نحوَ الوجهِ الذى وجَّهك إليه ربُّك
(١) فى م: ((يخافون)).

٤٩٣
سورة الروم : الآية ٣٠
يا محمدُ ، لطاعتِهِ - وهى الدينُ - ﴿ حَنِيفًا﴾. يقولُ: مستقيمًا لدينه وطاعتِه ،
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾. يقولُ: صنعةَ اللَّهِ التى خَلَق الناسَ عليها.
ونُصِبت ﴿فِطْرَتَ﴾ على المصدرِ مِن معنى قوله: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ
حَنِيفًا﴾. وذلك أن معنى ذلك: فطَر اللَّهُ الناسَ على ذلك فطرةً .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُّ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿فِطْرَتَ
اللَّهِ اَلَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾ قال: الإِسلامُ، مذْخَلَقهم اللَّهُ مِن آدمَ جميعًا يُقِرُّون
بذلك. وقرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ(١) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدْنَاْ ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال: فهذا قولُ اللَّهِ :
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ ﴾ [البقرة: ٢١٣] بعدُ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبوعاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. قال: الإسلامُ" .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضِحٍ، قال : ثنا يونسُ بنُ أبى صالح(٣)،
عن يزيدَ بنِ أبي مريمَ ، قال: مرَّ عمرُ بُمُعاذٍ بِنِ جَبَلٍ فقال: ما قِوامُ هذه الأمَّةِ ؟ قال معاذٌ:
ثلاثٌ، وهنَّ المنجياتُ: الإخلاصُ، وهو الفطرةُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ
(١) فى ت١، ت٢: ((ذرياتهم))، وهى قراءة نافع وأبى عمرو وابن عامر. ينظر التيسير ص ٩٤ .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٩ .
(٣) فى تفسير ابن كثير ٣٢٢/٦: ((إسحاق)). والظاهر أنه الصواب. ينظر تهذيب الكمال ٤٨٨/٣٢.

٤٩٤
سورة الروم : الآية ٣٠
عَلَهاً﴾، والصلاةُ، وهى الملةُ، والطاعةُ ، وهى العصمةُ. فقال عمرُ: صدقتَ(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنى ابنُ عُلَيةَ ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبى قِلابةَ ، أن عمرَ
قال لمعاذٍ : ما قِوامُ هذه الأمةِ؟ ثم ذكَر نحوَه(٢) .
٤١/٢١
/ وقولُه: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾. يقولُ: لا تغييرَ لدينِ اللَّهِ. أى لا يصلُحُ
ذلك، ولا ينبغى أن يُفْعَلَ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم نحوَ الذى قلْنا فى ذلك .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اُللَّهِ﴾. قال: لدينِه (١).
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، قال: أرسَل مجاهدٌ
[٥٩٠/٢ظ] رجلًا يقالُ له: قاسمٌ. إلى عكرمةَ يسألُه عن قولِ اللَّهِ: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ﴾: إنما هو الدينُ. وقرَأ: ﴿لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَهِّ ذَلِكَ اُلْدِيْرُ الْقَيِّمُ﴾(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا زيدُ بنُ حبابٍ ، عن حسینِ بنِ واقدٍ ، عن یزیدَ
النحوىِّ، عن عكرِمةَ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. قال: الإسلامُ.
قال: ثنا أبى، عن نضرٍ بنِ عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٢/٦ نقلًا عن المصنف .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٣/٦ نقلًا عن المصنف .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٩ . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.

٤٩٥
سورة الروم : الآية ٣٠
قال : لدينِ اللَّهِ.
قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ ، قال: لدينِ اللَّهِ(١) .
قال: ثنا أبى، عن عبد الجبارِ بنِ الوردٍ، عن القاسم بنٍ أبى بزَّةَ، قال :
قال مجاهدٌ: فسلْ عنها عكرمةَ. فسألتُه، فقال عكرمةُ: دينُ اللَّهِ تعالى(٢)،
ما له أخزاه اللَّهُ، ألم يسمع إلى قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا
نّدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ
الَّهِ ﴾: أى لدينِ اللَّهِ(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا حفصُ بنُ غياثٍ ، عن ليثٍ ، عن عكرمةَ، قال :
لدینِ اللَّهِ .
قال : ثنا ابنُ عيينةَ، عن حُمَيْدٍ الأعرج ، قال: قال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: ﴿لَا نَبْدِيلَ
لِخَلْقِ الهَّ﴾. قال: لدينِ اللَّهِ(٥).
قال : ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال :
= (٥)
لدینِ اللهِ(٥) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَا نَبْدِيلَ
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٣١/١٤، وابن كثير فى تفسيره ٣٢٠/٦، والطوسى فى التبيان ٢٢٣/٨.
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((فقال)).
(٣) تقدم فى ٤٩٥/٧، ٤٩٦ بأتم من هذا.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٥ إلى المصنف.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٥ إلى ابن أبى حاتم .

٤٩٦
سورة الروم : الآية ٣٠
لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: دينِ اللَّهِ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن مِشْعَرٍ وسفيانَ، عن قيسٍ بنِ مسلمٍ ، عن
إبراهيمَ، قال: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَّ﴾. قال: لدينِ اللَّهِ.
قال: ثنا أبى، عن جعفرِ الرازىِّ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ ، قال: لدينِ اللَّهِ(١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا تغييرَ لخلقِ اللَّهِ مِن البهائم، بأن يُخْصَى
الفحولُ منها .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن رجلٍ، سأل ابنَ
عباسٍ، عن خِصاءِ البهائم، فكرِهه، وقال: ﴿لَا نَّدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
٤٢/٢١
/ قال: ثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن حميدِ الأعرج، قال: قال عكرمةُ: الإخصاءُ(٢).
قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: الإخصاءُ().
وقولُه: ﴿ ذَلِكَ الْذِيبُ الْقَيِّمُ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ إِقامتَك وجهَك
للدينِ حنيفًا غيرَ مغيَرٍ ولا مبدَّلٍ هو الدِّينُ القيمُ ، يعنى: المستقيمُ ، الذى لا يعِوَجَ فيه
عن الاستقامةِ ، من الحنيفية إلى اليهودية والنصرانيةِ وغيرِ ذلك مِن الضلالاتِ والبدع
المحدثةِ .
وقد وجَّه بعضُهم معنى الدينِ فى هذا الموضع إلى الحساب .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٥ إلى المصنف.
(٢) الأثر فى تفسير مجاهد ص ٥٣٩ من طريق مغيرة به .
(٣) تقدم نحوه فى ٤٩٥/٧، وينظر تفسير القرطبى ٣١/١٤ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٨٤٤٥) من طريق ليث به .

٤٩٧
سورة الروم : الآيات ٣٠ - ٣٢
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ(١) اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبرنا أبو
لَعْلَى، عن بريدةَ: ﴿ ذَلِكَ الْدِينُ الْقَيِّمُ﴾. قال: الحسابُ القيمُ، ﴿وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون
أن الدينَ الذى أُمَرتُك يا محمدُ به بقولى: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾. هو
الدينُ الحقُّ ، دونَ سائرِ الأديانِ غيرِهِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ﴿٦َ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوْشِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
•
٣٢
يعنى تعالى ذِكرُه بقوله: ﴿ مُنِيِينَ إِلَيْهِ﴾: تائبين راجعين إلى اللَّهِ مقبلين.
كما حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
مُنِينَ إِلَيْهِ﴾. قال: المنيبُ إلى اللَّهِ: المطيعُ للَّهِ، الذى أناب إلى طاعةِ اللَّهِ
وأمرِه، ورجّع عن الأمورِ التى كان عليها قبلَ ذلك؛ كان القومُ كفارًا، فنزَعوا
ورجعوا إلى الإسلامِ ).
وتأويلُ الكلام: فأقمْ وجهَك يا محمدُ للدينِ حنيفًا، ﴿مُنِيِينَ إِلَيْهِ﴾: إِلى
اللَّهِ . فالمنيبون حالٌ مِن الكافِ التى فى ﴿ وَجْهَكَ﴾ .
فإن قال قائلٌ: وكيفَ يكونُ حالًا منها ، والكافُ كنايةٌ عن واحدٍ ، والمنيبون
صفةٌ لجماعةٍ ؟ قيل: لأن الأمرَ لمَنِ (٣) الكافُ كنايةُ اسمِه مِن اللَّهِ فى هذا الموضعِ ، أمرٌ
(١) فى م: (عبد)).
(٢) ينظر تفسير ابن كثير ٣٢٠/٦.
(٣) فى م: ((من)).
( تفسير الطبرى ٣٢/١٨ )

٤٩٨
سورة الروم : الآيتان ٣٢،٣١
منه له ولأمته ، فكأنه قيل له : فأقمْ وجهَك أنت وأمثُك للدينِ حنيفًا للَّهِ ، منيبين إليه .
وقولُه: ﴿وَأَتَّقُوهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وخافوا اللَّهَ وراقبوه أن تُفرِّطوا فى
طاعتِهِ، وتركَبوا معصيْتَهِ، ﴿ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ولا تكونوا
مِن أهلِ الشركِ باللَّهِ بتضييعِكم فرائضَه، وركوبِكم معاصِيَه، وخلافِكم الدينَ
الذى دعا کم إليه .
وقولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾. يقولُ: ولا تكونوا
مِن المشركين الذين بدَّلوا دينَهم وخالَفوه ففارَقوه، ﴿وَكَانُواْ شِيَعًا﴾. يقولُ:
و کانوا أحزابًا فِقًا کاليهود والنصارى .
/ وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٤٣/٢١
ذِكرُ مَن قال ذلك
[٥٩١/٢ و] حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ: ﴿الَّذِينَ
فَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾: وهم اليهودُ والنصارى(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هؤلاء يهودُ .
فلو وُجِّه قولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾. إلى أنه خبرٌ مستأنفٌ منقطع
عن قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وأن معناه: مِن الذين فرَّقوا دِينَهُم
وكانُوا شِيَعًا أحزابًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيِّهِمْ فَرِحُونَ﴾ - كان وجهًا يحتمِلُه
الكلامُ .
وقولُه: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ: كلَّ طائفةٍ وفرقةٍ مِن هؤلاء
(١) تقدم تخريجه فى ١٠٥/٨ .

٤٩٩
سورة الروم : الآيات ٣٢ - ٣٤
الذين فارقوا دينَهم الحقَّ، فأحدثوا البدَع التى أحدثوا، ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ .
يقولُ: بما هم به متمسكون مِن المذهبِ فرحون مسرورون ، يحسبون أن الصوابَ
معهم دونَ غيرِهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُ دَعَوْاْ رَبَّهُم مُنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا
أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةٌ إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُنَ
(٣٣
يقولُ تعالى ذِكرُه: وإذا مسَّ هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع اللّهِ إلهًا آخرَ -
ضرّ، فأصابتهم شدَّةٌ ومجدوبٌ وقُحوطٌ، ﴿ دَعَوْاْ رَهُمْ﴾. يقولُ: أخلصوا لربِّهم
التوحيدَ ، وأفردوه بالدعاءِ والتضرُّع إليه، واستغاثوا به ﴿مُنِينَ إِلَيْهِ ﴾: تائبين إليه
مِن شركِهم وكفرِهم، ﴿ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً ﴾. يقولُ: ثم إذا كشَف ربُّهم
تعالى ذِكرُه عنهم ذلك الضرَّ، وفرَّجه عنهم، وأصابَهم برخاءٍ وخِصْبٍ وسَعَةٍ ؛
إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: إذا جماعةٌ منهم ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: يعبدون
معه الآلهةَ والأوثانَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِبَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ
٣٤
يقولُ تعالى ذِكرُه متوعدًا لهؤلاءِ المشركين الذين أخبَر عنهم أنه إذا كشف
الضرَّ عنهم كفَروا به: ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ بما أعطَيناهم(١) . يقولُ: إذا هم بربِّهم
يشرِكون، كى يكفُروا، أى يجحَدوا النعمةَ التى أنعمتُها عليهم، بكشفى عنهم
الضرّ الذى كانوا فيه، وإبدالى ذلك لهم بالرخاءِ والخِصبِ والعافيةِ. وذلك الرخاء
والسعةُ هو الذى آتاهم تعالى ذِكرُه، الذى قال: ﴿بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ﴾. وقولُه:
فَتَمَثَّعُواْ﴾. يقولُ: فتمتعوا أيُّها القومُ ، بالذى آتينا كم مِن الرخاءِ والسَّعةِ فى هذه
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((أعطاهم)).

٥٠٠
سورة الروم : الآيات ٣٤ - ٣٦
الدنيا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا ورَدْتُم على ربِّكم ما تَلْقَون مِن عذابِهِ، وعظيم
عقابه، على كفرِكم به فى الدنيا. وقد قرأ بعضُهم(١): (فَسَوْفَ يَعْلَمُون) بالياءِ،
بمعنى : ليكفروا بما آتيناهم، فقد تمتعوا - على وجهِ الخبرِ - فسوف يعلمون .
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا فَهُوَ يَتَكَلَمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ.
يُشْرِكُونَ
٣٥
٤٤/٢١
يقولُ تعالى ذكره: أم أنزلنا على هؤلاء الذين يُشركون فى عبادتِنا الآلهةَ
والأوثانَ، كتابًا بتصديقٍ ما يقولون"، وبحقيقةٍ ما يفعلون، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ
بِهِ، يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: فذلك الكتابُ ينطقُ بصحةٍ شركِهم. وإنما يعنى جلُّ ثناؤُه
بذلك أنه لم يُنْزِلْ بما يقولون ويفعلون كتابًا، ولا أَرْسَل به رسولًا، وإنما هو شىءٌ
افتعلوه واختلقوه؛ اتباعًا منهم لأهوائِھم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمَّ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ
سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: أَمْ أَنزَلنا عليهم كتابًا فهو ينطقُ
(٢)
بشرکھم ().
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ
(٣٦
سَبِتَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
(١) هو أبو العالية، ينظر البحر المحيط ١٧٣/٧ .
* من هنا خرم فى المخطوطة ت ٢ ينتهى فى ص ٥٠٨ .
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٧٢/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٦/٥ إلى ابن أبى حاتم.