النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة العنكبوت : الآيات ٦٥ - ٦٧
يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا ركِب [٥٨٣/٢و] هؤلاء المشركون السفينةَ فى
البحرِ، فخافوا الغَرَقَ والهلاكَ فيه، ﴿ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾. يقولُ:
أَخْلَصوا للَّهِ - عندَ الشِّدَّةِ التى نزلَت بهم - التوحيدَ، وأفْرَدوا له الطاعةَ، وأَذْعَنوا له
بالعبودةِ ، ولم يَشْتَغِيثوا بآلهتِهم وأنْدادِهم، ولكن باللّهِ الذى خَلَقَهم، ﴿فَلَمَّا
تَنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾. يقولُ: فلمَّا خَلَّصَهم مما كانوا فيه وسَلَّمهم ، فصاروا إلى البَرِّ ،
إذا هم يجعلون مع اللَّهِ شريكًا فى عبادتِهم، ويَدْعون الآلهةَ والأوثانَ معه أربابًا .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا نَجَّدُهُمْ إِلَى
اَلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾: فالخلقُ كلُّهم يُقِرُّون للَّهِ أنه ربّهم، ثم يُشركون بعدَ
(١)
ذلك(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ِكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ وَلِيَتَمَنَّعُواْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
(٦٦
أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَطِلٍ يُؤْمِنُونَ
وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ
٦٧
يقولُ تعالى ذكره : فلما نجَّى اللَّهُ هؤلاء المُشركين مما كانوا فيه فى البحرِ مِن
الخوفِ والحَذَرِ مِنِ الغَرَقِ إلى البَرّ ، إذا هم بعدَ أن صاروا إلى البَرّ ، يُشرِكون باللَّهِ
الآلهةَ والأنْدادَ، ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَايَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: ليَجْحَدوا نعمةَ اللَّهِ التى
أنعَمها عليهم فى أنفسهم وأموالهم .
وَلِيَتَمَنَّعُواْ﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتَه عامةُ قرأةِ المدينةِ
والبصرةِ: ﴿ وَلِيَتَمَثَّعُواْ﴾ بكسرِ ((اللامِ))، بمعنى: وكى يَتَمَنَّعوا آتيناهم ذلك(٣).
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيّين: (وَلْيَتَمَنَّعُوا) بسكونِ ((اللامِ))، على وَجْهِ الوعيد
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٨٢/٩ من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٩/٥ ،
١٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) هى قراءة أبى عمرو وابن عامر وعاصم ورواية عن نافع. السبعة ص ٥٠٢، ٥٠٣ .

٤٤٢
سورة العنكبوت : الآيتان ٦٧،٦٦
والتوبيخ، أى: اكفُروا؛ فإنكم سوف تعلمون ماذا تَلْقَون(١) مِن عذابِ اللَّهِ
(٢)
بكفرٍ كَم (٢) به (٣).
١٤/٢١
. (٤)
وأولى القراءتين عندى فى ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأه بسكونِ ((اللامِ))
على وجهِ التهديد والوعيدِ ، وذلك أن الذين قرَءوه بكسرِ ((اللام)) زعموا أنهم إنما
اختاروا كسرّها عطفًا بها على ((اللامِ)) التى فى قوله: ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾. وأن قولَه:
﴿ لِكْفُرُواْ﴾. لمّا كان معناه: كى يكفُروا كان الصوابُ فى قولِه:
﴿ وَلِيَتَمَنَّعُواْ﴾ أن يكونَ: / وكى يَتَمتَّعوا، إذ كان عطفًا على قولِه:
﴿لِيَكْفُرُواْ﴾. عندهم. وليس الذى ذهَبوا مِن ذلك بمذهبٍ، وذلك لأن
((لامَ)) قوله: ﴿لِكْفُرُواْ﴾. صلُحت أن تكونَ بمعنى ((كى))؛ لأنها شرطٌ لقوله:
إذا هم يُشركون باللَّهِ، كى يكفُروا بما آتيناهم مِن النِّعَم . وليس ذلك كذلك فى
قولِهِ: ﴿ وَلِيَتَمَنَّعُواْ﴾. لأن إِشْراكَهم باللَّهِ كان كُفْرًا بنعمتِه، وليس إشراكُهم به
تَمَتُّعًا بالدنيا، وإن كان الإشْراكُ به يُسَهِّلُ لهم سبيلَ التَّمَتُّع بها، فإذ كان ذلك
كذلك فتَوْجِيهُه إلى معنى الوعيدِ أولى وأحقُّ مِن تَوْجِيهِه إلى معنى: وكى يَتَمتَّعوا .
وبعدُ، فقد ذُكر أن ذلك فى قراءةٍ أَتَىّ: (وَتَّعُوا)(٦) . وذلك دليلٌ على صحةٍ
قراءةٍ مَن قَرَأه بسكونِ ((اللامِ))، بمعنى الوعيدِ.
وقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾ يقولُ تعالى ذكرُه مُذَكِّرًا هؤلاء
(١) فى م: ((يلقون)).
(٢) فى م، ص، ت٢: ((بكفرهم)).
(٣) هى قراءة ابن كثير وحمزة والكسائى ورواية عن نافع. السبعة ص ٥٠٢، ٥٠٣ .
(٤) القراءتان كلتاهما صواب .
(٥) فى ص، ت١، ت٢: ((الذين)).
(٦) تفسير القرطبى ٣٦٣/١٣، والبحر المحيط ١٥٩/٨.

٤٤٣
سورة العنكبوت : الآية ٦٧
المشركينِ مِن قريش، القائلين: لولا أَنزِل عليه (١) آيةٌ مِن ربِّه - نِعْمَتَه عليهم ، التى
خَصَّهم بها دونَ سائرِ الناسِ غيرِهم، مع كفرِهم بنعمتِهِ، وإشْراكِهم فى عبادتِه
الآلهةَ والأنداد : أو لم يرَ هؤلاء المشر کون مِن قریش ، ما خَصَصْناهم به مِن نعمتِنا
عليهم دونَ سائرٍ عبادِنا، فيَشْكُرونا على ذلك، ويَنْزجِروا عن كفرِهم بنا،
وإشْراكِهم ما لا ينفعُهم ولا يَضُرُّهم فى عبادتِنا؛ ﴿ أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدَهم ﴿حَرَمًا﴾
حَرَّمْنا على الناسِ أن يدخُلوه بغارةٍ أو حربٍ ، ﴿ ءَامِنًا﴾ يأْمَنُ فيه مَن سكنه، فَأَوَى
إليه، مِن السِّبَاءِ والخوفِ والحرامِ الذى لا يأمَنُه غيرُهم مِن الناسِ؟! ﴿ وَيُتَخَطَّفُ
النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ﴾. يقولُ: وَيُسْلَبُ الناسُ مِن حولِهم قتلاً وسِبَاءً.
كما حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. قال: كان لهم فى ذلك
آيةٌ أن الناسَ يُغْزَون ويُتَخَطَّفون، وهم آمِنون(٢) .
وقولُه: ﴿ أَفَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: أفبالشِّرْكِ بِاللَّهِ يُقِرُون بِأَلُوهةِ
الأوثانِ ، بأن يُصَدِّقوا، وبنعمةِ اللَّهِ التى خَصَّهم بها، مِن أن جعَل بلدَهم حَرَمًا آمِنًا
يكفُرون؟! يعنى بقولِه: ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾ . يَجْحَدون .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
أَفِاَ لْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: أى: بالشِّرْكِ، ﴿وَيِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أى:
(٣)
يجحدون(٣).
(١) فى ص، ت١، ت٢: ((على محمد)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٨٣/٩ من طريق يزيد. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٠/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٧٣/٩، ٣٠٨٣ من طريق يزيد مختصرًا دون شطره الثانى، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٥٠/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .

٤٤٤
سورة العنكبوت : الآيتان ٦٨، ٦٩
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ
بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءٌَ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ
١٨
يقولُ تعالى ذكرُه : ومَن أظلمُ أيُّها الناسُ، ممن اختَلَق على اللَّهِ كَذِبًا؛ فقالوا إذا
فعلوا فاحشةً: وجَّدنا عليها آباءَنا، واللَّهُ أمرَنا بها. واللَّهُ لا يأمُرُ بالفحشاءِ - ﴿ أَوْ
كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءٌَ﴾. يقولُ: أو كذَّب بما بعَث اللَّهُ به رسولَه محمدًا عَلِّ مِن
توحيدِه، والبراءةِ مِن الآلهةِ والأندادِ ، لمّا جاءَه هذا الحقُّ مِن عندِ اللَّهِ، ﴿ أَلَيْسَ فِی
جَهَنَّ اللَّهَ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ﴾. يقولُ: أليس فى النارِ مَثْوَى ومَسْكَنَّ لمن كفَر باللَّهِ
وجَحَد توحيدَه وكذَّب رسولَه عَ لَهِ. وهذا [٥٨٣/٢ظ] تقريرٌ وليس باستفهامٍ ، إنما
هو كقولٍ جريرٍ(١):
١٥/٢١ / ألستُم خَيْرَ مَن رَكِب المَطايا وأَنْدَى العالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ
إنما أخبر أن للكافرين باللّهِ مَشْكًا فى النارِ ، ومَنْزِلًا يَثْؤُون فيه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِيْنَا لَنَهْدِيَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
اُلْمُحْسِنِينَ
يقولُ تعالى ذكره : والذين قاتلوا هؤلاء المُفْتَرِين على اللَّهِ كذبًا، مِن كفارٍ
قريشٍ، المُكذّبِين بالحقِّ لمّا جاءَهم- فِينا، مُبْتَغين بقتالِهِم عُلُوَّ كلمتِنا، ونُصْرةَ
دينا، ﴿لَنَهَدِيَنَهُمْ سُبُلَأْ﴾ . يقولُ: لنُوَفِّقَنَّهم لإصابةِ الطُُّقِ المستقيمةِ، وذلك
إصابةُ دينِ اللَّهِ، الذى هو الإسلامُ، الذى بَعَث اللَّهُ به محمدًا عَلَه، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
اُلْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: وإن اللَّهَ لمع مَن أحسَن مِن خلقِه، فجاهَد فيه أهلَ الشركِ ،
مُصَدِّقًا رسولَه فيما جاء به من عندِ اللَّهِ ، بالعَوْنِ له والنُّصْرةِ على مَن جاهَد مِن
أعدائه .
(١) ديوانه ٨٩/١ .

٤٤٥
سورة العنكبوت : الآية ٦٩
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل قوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ
جَهَدُواْ فِينَا﴾. فقلتُ له: قاتَلوا فينا؟ قال: نعم(١).
آخرُ تفسير سورةٍ (( العنكبوت))
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٨٤/٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد.

٤٤٦
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
تفسير ((سورة الرومِ))
بسم اللّهِ الرحمنِ الرحيمِ
فِىّ أَدْنَ اُلْأَرْضِ وَهُم
ا غُلِبَتِ الزُّوم
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ الَمَ الَـ
فِى بِضْعِ سِنِينَءُ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُّ
مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونٌ
وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونُ
٤
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ
٥
الرَّحِيمُ
١٦/٢١
/ قال أبو جعفرٍ: قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ معنى قوله: ﴿الَرَ﴾. وذكرنا ما فيه من
أقوالِ أهلِ التأويلِ، فأغنَى ذلك عن إعادته فى هذا الموضعِ .
فِيّ أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. اختَلَفت القرأةُ فى قراءتِه؛
وقولُهُ: ﴿غُلَِتِ الرُّومُّ
فقرَأته عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بضمٌ الغينِ، بمعنى أن فارسَ غَلَبت
الرومَ .
ورُوى عن ابنِ عمرَ وأبى سعيدٍ فى ذلك ما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا
أبى، عن الحسنِ الجُفْرِىِّ، عن سَلِيطِ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقرأُ: (الم غَلَبَتِ
الرُّومُ). فقيل له : يا أبا عبد الرحمنِ، على أىِّ شىءٍ غَلَبوا؟ قال: على ريفٍ
(١)
الشامِ(١).
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا الذى لا يجوزُ غيرُه: ﴿الَمَـ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٢/٥ إلى المصنف، وهى قراءة على وأبى سعيد الخدرى وابن عباس
ومعاوية بن قرة والحسن ، وهى شاذة . البحر المحيط ١٦١/٧ .

٤٤٧
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
غُلِبَتِ ()﴾، بضمِّ الغينِ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليه. فإذا كان ذلك كذلك،
فتأويلُ الكلام: غَلَبت فارسُ الرومَ، ﴿فِيَ أَدْنَ الْأَرْضِ﴾: من أرضِ الشامِ إلى أرضٍ
فارسَ، ﴿وَهُم مِّنُ بَعْدٍ غَلَبِهِمْ﴾. يقولُ: والرومُ من بعدٍ غلبةٍ فارسَ إياهم
﴿ سَيَغْلِبُونٌ﴾ فارسَ، ﴿فِى بِضْعٍ سِنِينَُ لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ من قبلٍ غَلَبَتِهِم فارسَ،
ومن بعدٍ غلَبَتِهم إياها ، يقضِى فى خلقِه ما يشاءُ، ويحكَمُ ما يريدُ ، ويُظهِرُ مَن شاء
منهم على مَن أحبَّ إظهارَه عليه، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونُّ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
يقولُ: ويومَ يغلِبُ الرومُ فارسَ يفرحُ المؤمنون باللَّهِ ورسولِه بنصرِ اللَّهِ إياهم على
المشركين، ونُصْرةِ الرومِ على فارسَ، ﴿يَنصُرُ﴾ اللَّهُ تعالى ذكرُه ﴿مَنْ
يَشَاءُ ﴾ من خلقِه على مَن يشاءُ، وهو نُصرةُ(١) المؤمنين على المشركين بيدرٍ،
﴿ وَهُوَ اُلْعَزِيزُ﴾. يقولُ: واللَّهُ الشديدُ فى انتقامِه مِن أعدائِه ، لا يمنعُه من ذلك
مانع، ولا يَحولُ بينَه وبينَه حائلٌ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بَمَن تاب مِن خلقِه وراجَع طاعته أن
يعذبه .
وبنحوِ الذى [٥٨٤/٢و] قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ أسعدَ ، أبو سعيدِ التغلبىُ، الذى يقالُ له
أبو سعيدٍ "؛ من أهل طَرَسُوسَ (٤) ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفزارىُّ، عن سفيانَ بنِ سعيد
(١) بعده فى م، ف: ((الروم)).
(٢) فى ت١: ((نصر))، وفى ت٢: ((بنصرة)).
(٣ - ٣) فى ص: ((محمد بن سعيد أبو سعيد الثعلبى الذى يقال له أبو سعد))، وفى م، ف: (( محمد بن
سعيد أو سعيد الثعلبى الذى يقال له أبو سعد))، وفى ت١: ((محمد بن سعيد الثعلبى الذى يقال له أبو
سعيد))، وفى ت٢: ((سعيد أبو سعيد الثعلبى الذى يقال له أبو سعيد))، ولعل الصواب ما أثبت، وينظر الجرح
والتعديل ٢٠٨/٧، والثقات لابن حبان ٦٨/٩، وتهذيب الكمال ٤٢٩/٢٤.
(٤) طَرَسوس: مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. معجم البلدان ٥٢٦/٣.

٤٤٨
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
الثورىٌّ، عن حبيبٍ بنِ أبى عَمْرَةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال : كان
المسلمون يحبُّون أن تَغْلِبَ الرومُ أهلُ الكتابِ ، وكان المشركون يحبُّون أن يغلبَ أهلُ
فارسَ ؛ لأنهم أهلُ أوثانٍ . قال: فذكروا ذلك لأبى بكرٍ، فذكره أبو بكرٍ للنبىِّ عَلِّ ،
فقال: ((أمَا إنهم سيَهزِمون)). قال: فذكر ذلك أبو بكرٍ للمشركين. قال: فقالوا :
أفنجعلُ(١) بيننا وبينكم أجلًا، فإن غلَبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلَبنا كان لنا كذا
وكذا؟ قال: فجعَلوا بينَهم وبينَه أجلًا؛ خمسَ سنينَ. قال: فمضَت ولم يَغلِبوا .
قال: فذكر ذلك أبو بكرٍ للنبىِّ عَلَه، فقال له: ((أفلا جعَلتَه دونَ العَشْرِ)). قال
سعيدٌ : والبِضْعُ: ما دونَ العشرِ. قال: فغُلِب الرومُ، ثم غَلَبت . قال: فذلك قولُه :
فِيّ أَدْنَ اُلْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدٍ غَلَبِهِمْ /سَيَغْلِبُونٌ
٢
غُلِبَتِ الزُّومِّ
فِي يِضْعِ سِنِينَءُ﴾. قال: البِضْعُ: ما دونَ العشرِ. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ
يِنَصْرِ اللَّهِ ﴾. قال سفيانُ: فبلغنى أنهم
٤
وَمِنْ بَعْدٌ وَبَوْمَبِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونُ
غَلَبوا يومَ بدٍ() .
١٧/٢١ ﴿ الَمَ
حدَّثنى زكريا بنُ يحيى بن أبانٍ المصرىُّ ، قال: ثنا موسى بنُ هارونَ البُزْدِىُّ،
قال : ثنا معنُ بنُ عيسى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابنِ شهابٍ ، عن
. ولا
عبيدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما نزلت: ﴿الَّوَّ
) فيِ أَدْنَى
غُلِبَتِ الزُّومُ
اُلْأَرْضِ﴾ الآية، ناحَب أبو بكرٍ قريشًا، ثم أتى النبيَّ عَ لَّه ، فقال له: إنى قد
(١) فى ت١، ت٢: ((فنجعل)).
(٢) أخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد (٩١) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ٢٩٦/٤، ٤٩٠
(٢٤٩٥، ٢٧٦٩)، والبخارى فى خلق أفعال العباد (٩٠)، والترمذى (٣١٩٣)، والنسائى فى الكبرى
(١١٣٨٩)، وابن أبى حاتم كما فى تفسير ابن كثير ٣٠٤/٦، والطبرانى (١٢٣٧٧)، والحاكم ٢/ ٤١٠،
وأبو نعيم فى الدلائل (٢٤٢)، والبيهقى فى الدلائل ٣٣٠/٢، ٣٣١، وابن عساكر ٣٧٢/١، ٣٧٣،
والضياء فى المختارة ١٠ / ١٤٤، ١٤٦ (١٤٤، ١٤٥) من طريق أبى إسحاق الفزارى به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٥٠/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه .

٤٤٩
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
ناحَبتُهم. فقال له النبيُ عَّهِ: ((هَلََّ اخْتَطْتَ؛ فإن البِضْعَ ما بينَ الثَّلاثِ إلى
التّسْعِ)). قال الجُمَحِىُّ: المناحبَةُ: المراهنةُ، وذلك قبلَ أن يكونَ تحريمُ ذلك(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن
غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَُ
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَمَ رِ
يِنَصْرِ اللَّهِ ﴾. قال : قد مضَى؛ كان ذلك فى أهلِ فارسَ والرومِ ،
الْمُؤْمِنُونِّ ◌َـ
وكانت فارسُ قد غلَيتهم، ثم غلَبت الرومُ بعدَ ذلك، ولقِى نبىُّ اللَّهِ مَ ◌ِّ مشركى
العربِ يومَ التقَت الرومُ وفارسُ، فنصَر اللَّهُ النبيَّ عَّه ومَن معه من المسلمين على
مشركى العربِ، ونصَر أهلَ الكتابِ على مشركى العجم ، ففرح المؤمنون بنصرِ اللَّهِ
إياهم، ونصرِ أهلِ الكتابِ على العجم . قال عطيةُ : فسأَلتُ أبا سعيدِ الخُذْرِئَّ عن
ذلك، فقال: التقَينا مع (١) رسولِ اللَّهِ مَّهِ ومشرٍكى العربِ، والتقَت الرومُ وفارسُ،
فنصَرنا اللَّهُ على مشرٍكى العربِ، ونصَر اللَّهُ أهلَ الكتابِ على المجوسِ، ففرِحنا
بنصرِ اللَّهِ إِيانا على المشركين، وفرِحنا بنصرِ اللَّهِ أهلَ الكتابِ على المجوسِ ، فذلك
ـ) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾(٣).
٤
قولُه: ﴿ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونُّ
٤
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
فِيِّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَيْهِمْ
غُلِبَتِ الزُّومُ
فى قوله: ﴿الَّمَّ
سَيَغْلِبُونٌ﴾: غَلَبتهم فارسُ، ثم غَلَبت الرومُ(٤) .
(١) أخرجه ابن عساكر ٣٧٠/١ من طريق معن بن عيسى به، وأخرجه الترمذى (٣١٩١)، وابن
عساكر ٣٧٩/١ من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الجمحى به .
(٢) بعده فى ص، م، ت١، ف: ((محمد) .
(٣) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٣٣١/٢، ٣٣٢، وابن عساكر ٣٧١/١، ٣٧٢ من طريق محمد بن سعد
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥١/٥ إلى ابن مردويه .
(٤) أخرجه ابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٤٤ عن عبد الله بن صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٥٢/٥ إلى ابن المنذر .
( تفسير الطبرى ٢٩/١٨ )

٤٥٠
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن
مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: خمسٌ قد مضَين؛ الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشةُ،
والقَمَرُ، والرُّومُ(١) .
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال : ثنا داودُ ، عن عامٍ ، عن ابنٍ
غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ .
مسعودٍ، قال: قد مضَى: ﴿الَّمَ
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قولِه: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: ذكَر
المَ
غَلَبَةَ فارسَ إياهم ، وإدالةَ الرومِ على فارسَ، وفرح المؤمنون بنصرِ الرومِ أهلِ الكتابِ
على فارسَ من أهلِ الأوثانِ(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ،
عن عكرمةَ : أن الرومَ وفارسَ اقتلوا فى أدنى الأرضِ. قال: وأدنى الأرضِ يومَئذٍ
أَذْرِعاتٌ(٢)، بها التقَوا فَهُزِمت الرومُ، فبلغ ذلك النبىَّ عَهِ وأصحابَه، وهم بمكةً،
١٨/٢١ فشقَّ ذلك عليهم، وكان النبيُّ عَ لِّ / يكرهُ أن يَظهرَ الأُمّيون من المجوسِ على أهلٍ
الكتابِ من الروم، وفرِح الكفارُ بمكةً وشمِتوا، فَلَقُوا أصحابَ النبيِّ عَّهِ ، فقالوا :
إنكم أهلُ كتابٍ ، والنصارى أهلُ كتابٍ، ونحن أمِّيون، وقد ظهَر إخوانُنا من أهلِ
(١) أخرجه البخارى (٤٧٦٧، ٤٨٢٠، ٤٨٢٥)، ومسلم (٤١/٢٧٩٨)، والطحاوى فى شرح
مشكل الآثار ٤٢٣/٢ عقب (٩٦٤) من طريق الأعمش به ، وأخرجه النسائى فى الكبرى (١١٣٧٤)،
والطبرانى (٩٠٤٩) من طريق مسلم بن صبيح به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٨، ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ٣٣١/٢، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره
١٠١/٢ من طريق ابن أبى نجيح به .
(٣) أذرعات: بلد فى أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان . معجم البلدان ١٧٥/١ .

٤٥١
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
فارسَ على إخوانِكم من أهلِ الكتابِ ، وإنكم إن قاتَلتمونا لنَظهرَن عليكم . فأنزَل
فِيّ أَدْنَ اُلْأَرْضِ وَهُم مِّنَ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
غُلِبَتِ الرُّومُّ ر
اللَّهُ: ﴿الَمَـ
فِي بِضْعِ سِنِينَءُ لِلَّهِ اُلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ
سَيَغْلِبُونٌ
يِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ الآيات، [٥٨٤/٢ظ] فخرَج أبو بكرِ الصديقُ إلى
الْمُؤْمِنُونٌ
الكفارِ ، فقال: أفرِ حتم بظهورٍ إخوانِكم على إخوانِنا؟ فلا تَفْرَحوا، ولا يُقِرَّنَّ اللَّهُ
أعينكم، فواللَّهِ لَتَظهرَنَّ الرومُ على فارسَ ، أخبرنا بذلك نبيُنَا عَنْظَهِ، فقام إليه أُتَىُ بنُ
خلفٍ فقال: كذَبتَ يا أبا فُضَيلِ . فقال له أبو بكرِ رضِى اللَّهُ عنه: أنت أكذبُ یا
عدوَّاللَّهِ. فقال: أَنَاحِبُك(٢)؛ عشرُ قلائصَ(١) منى، وعشرُ قلائصَ منك، فإن ظهرت
الرومُ على فارسَ غرِمتُ . وإن ظهَرت فارسُ(١) غرِمتَ، إلى ثلاث سنينَ. ثم جاء أبو
بكرٍ إلى النبيِّ مَّهِ فأخبره، فقال: ((ما هكذا ذكَرتُ، إنما البِضْعُ ما بينَ الثلاثِ إلى
التسعِ. فزايدْه فى الخَطَرِ(٥)، ومادٌه(٦) فى الأجلِ)). فخرج أبو بكرٍ، فلقِى أُيَّا، فقال:
لعلك ندِمتَ؟ قال: لا ، تعال أُزايِدْك فى الخطرِ ، وأُمادَّك فى الأجل، فاجعَلْها مائةً
قَلوصٍ (٧ لمائةِ قلوصٍ(٢)، إلى تسع سنينَ. قال: ﴿قُد فعَلتُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى بكرٍ ، عن
عكرمةَ. قالُ): كانت فى فارسَ امرأةٌ لا تَلِدُ إلا الملوكَ الأبطالَ، فدعاها کِسْرَى،
(١) بعده فى ت٢: ((ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون)).
(٢) فى ت١، ت٢: ((أناجيك)). وأُنَاحبكَ، أى: أُراهنك .
(٣) القلوص : الفتية من الإبل . اللسان (ق ل ص) .
(٤) بعده فى م، ت٢، ف: ((على الروم)).
(٥) الخطر : الرهن وما يخاطر عليه . النهاية ٤٦/٢ .
(٦) ماده ، أى : ماطله وجاذبه . اللسان (م د د).
(٧ - ٧) سقط من: ت١.
(٨ - ٨) سقط من : ت٢.
(٩) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٢/٥ إلى المصنف، وينظر الأثر القادم.

٤٥٢
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
فقال: إنى أُرِيدُ أن أَبْعَثَ إلى الرومِ جيشًا ، وأستعمِلَ عليهم رجلاً من بَنِيكِ، فَأَشِيرى
علىّ، أَيَّهم أستعمِلُ؟ فقالت : هذا فلانٌ، وهو أروغُ من ثعلبٍ ، وأحذرُ من صقرٍ(١)،
وهذا فَرُخانُ، وهو أنفذُ من سنانٍ، وهذا شَهْرَ بِرَازُ(١)، وهو أحلمُ من كذا، فاستعمِلْ
أيَّهم شئْتَ. قال: إنى قد استعمَلتُ الحليمَ. فاستعمَل شَهْرَ برَازَ ، فسار إلى الرومِ
بأهلِ فارسَ ، وظهَر عليهم ، فقتلهم ، وخرَّب مدائنَهم، وقطّع زيتونَهم . قال أبو بكرٍ :
فحدَّثتُ بهذا الحديثِ عطاءً الخراسانيّ، فقال: أما رأيتَ بلاد الشام؟ قلت : لا .
قال: أما إنك لو رأَيْتَها (٢) ، لرأَيتَ المدائنَ التى خُرِّبت، والزيتونَ الذى قُطِّع. فأتيتُ
الشامَ بعد ذلك فرأَيتُه .
قال عطاء الخراسانيُ: ثنى يحيى بنُ يَعْمَرَ: أن قيصرَ بعَث رجلًا يُدعَى قطمةً
بجيش من الروم ، وبعث کسری شهربراز(١) ، فالْتَقیا باذْرِعاتٍ وبُصْرَی ، وهی أدنی
الشامِ إليكم ، فلقِيَتْ فارسُ الرومَ ، فغلَبتهم فارسُ، ففرح بذلك كفارُ قريش،
غُلِبَتِ الرُّومٌ﴾ الآيات. ثم ذكر مثلَ
وكرِهه المسلمون ، فأنزل اللَّهُ: ﴿الَّمَـ
حديثٍ عكرمةَ، وزاد : فلم يبرّعُ(١) شهَربرازُ يَطَؤُّهم، ويُخرِّبُ مدائنَهم، حتى بلَغ
الخليجَ(٥)، ثم مات كسرَى، فبلَغهم موتُه، فانهزم شهرَبرازُ وأصحابُه، (١ وأُدِيلَتْ
عليهم) الروم عند ذلك، فأَتْتعوهم يقتلونهم. قال: وقال عكرمةُ فى حديثه : لما
ظهَرت فارسُ على الروم جلس فرُخانُ يشربُ ، فقال لأصحابِه : لقد رأيتُ كأنى
(١) فی ص، م، ت٢، ف: (( صرد ))، وينظر ابن كثير .
(٢) فى ت١: ((شهرواز))، وفى ابن كثير: ((شهريراز))، وينظر البداية والنهاية ١٥٥/١٠.
(٣) فى ص، ت١: (( أتيتها).
(٤) فى م، ف: (( يزل)).
(٥) فى ت٢: ((الخليع)).
(٦ - ٦) فى م، ف: ((وأوعبت عليهم))، وفى ت١: ((وأدركهم)).

٤٥٣
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
جالسٌ على سريرٍ كسرَى. فبلغت كسرَى ، فكتب إلى شهرَبرازَ : إذا أتاك کتابی ،
فابعَثْ إِلىَّ / برأسٍ فَهُخانَ، فكتب إليه: أيُّها الملِكُ، إنك لن تَجِدَ مثلَ فَهُخانَ، إن له ١٩/٢١
نكايةً وصوتًا(١) فى العدوِّ، فلا تَفْعَلْ. فكتب إليه : إن فى رجالٍ فارسَ خلَفًا منه ،
فعجّلْ إلىَّ برأسِه. فراجَعه، فغضِب كسرَى فلم يُجِبْه، وبعَث " بريدًا إلى أهل"
فارسَ: إنى قد نَزَعتُ عنكم شهرَبرازَ(٢) ، واستعمَلتُ عليكم فُخانَ، ثم دفَع إلى
البريدِ صحيفةً صغيرةً: إذا وَلِيَ فرُخانُ المُلْكَ، وانقادَ له أخوه، فَأَعْطِه هذه(٤) . فلما
قرَأْ شهرَ برازُ الكتابَ ، قال: سمعًا وطاعةً . ونزَل عن سريرِه، وجلَس فَؤُخانُ ، ودُفِع
الصحيفةُ إليه ، قال: ائتونى بشهرَبرازَ. فقدَّمه ليَضْرِبَ عنقَه، قال: لا تعجَلْ حتى
أكتبَ وصيَّتى. قال: نعم. فدعا بالسَّفَطِ (٥)، فأعطاه ثلاثَ صحائفَ وقال: كلُّ
هذا راجَعتُ فيك كسرَى، وأنت أردتَ أن تَقْتُلَنى بكتابٍ واحدٍ! فردَّ المُلُكَ،
وكتب شهرَ برازُ إلى قيصرَ ملكِ الرومِ: إن لى إليك حاجةً لا تَحْمِلُها البُرْدُ(٦)، ولا
تُبلِّغُها الصحفُ، فالْقَنى، ولا تَلْقَنى إلَّا فى خمسين روميًّا، فإنى ألقاك(١) فى
خمسين فارسيًّا . فأقبَل قيصرُ فى خمسِمائةٍ ألفٍ رومىٌّ، وجعَل يَضَعُ العيونَ بينَ
(١) فى ص، م، ت٢، ف: ((ضربا))، والمثبت موافق لما فى ابن كثير، ويقال: له صوت، أى: ذِكر.
اللسان (ص و ت) .
(٢ - ٢) فى ت٢: ((يريد إلى)).
(٣) فى ت١: ((شهرواز)).
(٤) سقط من: ص ، ت١، ت٢ .
(٥) السفَط : الذى يعبى فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء . اللسان (س ف ط).
(٦) فى م، ف: ((البريد))، والبرد جمعها.
(٧) فى ت٢: ((لا ألقاك إلا)).

٤٥٤
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
يديه فى الطريقِ، وخاف أن يكونَ قد مكر به، حتى أتاه(١) عيونُه أن ليس معه إلّا
خَمْسون رجلاً ، ثم بُسط لهما ، والتَقَيا فى قبةِ ديباج ، ضُرِبت لهما ، مع كلِّ واحدٍ
منهما سِكِّيْنٌ، فدعَيا(٢) تُرجُمانًا بينَهما، فقال شهرَ برازُ: إن الذين خرَّبوا مدائنَك(٣)
أنا وأخى، بكيدِنا وشجاعتِنا ، وإن كسرَى حسَدنا، فأراد أن أقتُلَ أخى فَأَبَيْثُ ، ثم
أمَر أخى أن يقتلَنى، فقد خلَعْناهُ(٤) جميعًا، فنحن نُقاتِلُه معك. فقال: قد أصَبتما ،
ثم أشار أحدُهما إلى صاحبِه أن السرّ بينَ اثنين، فإذا جاوز اثنينِ فشا . قال :
أجلْ. فقتَلا التُّرْجُمانَ جميعًا بسكينَيْهما، فأهلَك اللَّهُ كسرَى، وجاء الخبرُ إلى
رسولِ اللهِ عَ لَّ [٥٨٥/٢و] يومَ الحديبيةِ، ففرح ومَن معه(٦).
غُلِبَتِ
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّمَّ
الرُّومٌ﴾. قال: غلبَتْهم(٢) فارسُ على أدنى الشامٍ، ﴿وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
سَيَغْلِبُونٌ﴾ الآية. قال: لما أنزَل اللَّهُ هؤلاء الآياتِ صدَّق المسلمون ربَّهم، وعلِموا
أن الرومَ سيَظهَرون على فارسَ، فاقتَمَروا هم والمشركون ؛ خمسَ قلائصَ خمسَ
قلائصَ ، وأَجّلُوا بينَهم خمسَ سنين، فوَلى قِمارَ المسلمين أبو بكرِ رضِى اللَّه عنه،
وولى قِمارَ المشركين (« أَتَىُ بنُ خلفٍ؛ وذلك قبلَ أن يُنْهَى عن القمارِ، فحلَّ الأجلُ،
ولم تَظْهَرِ الرومُ على فارسَ، وسأَل المشركون قِمارَهمُ ، فذكر ذلك أصحابُ النبيِّ
(١) فى م، ف: ((أتته)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((فدعا))، ودعيت: لغة فى دعوت . القاموس المحيط (د ع و).
(٣) فى ص: ((مدينتك)).
(٤) فى ت٢: ((خالفناه)).
(٥) فى ت١: ((الستر)).
(٦) أخرجه سنيد فى تفسيره كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ٥٤/٣، وابن كثير فى تفسيره ٣٠٦/٦، ٣٠٧.
(٧) فى ص، ت ٢، ت٣: ((غلبهم)).
(٨ - ٨) سقط من: ت٢ .

٤٥٥
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
للنبىُِّ عَّهِ، فقال: ((لم يكونوا(٢) أحِقَّاءَ أن يُؤَجِّلوا(٢) دونَ العشرِ؛ فإن البِضعَ ما
بينَ الثلاثِ إلى العشرِ، وزايدوهم فى القمارِ، وماُّوهم فى الأجلِ)). ففعلوا ذلك،
فأظهَرِ اللَّهُ الرومَ على فارسَ عندَ رأسٍ البضع سنين من قمارِهم الأُولِ ، وكان ذلك
مرجعَه من الحديبيةِ ، ففرح المسلمون بصلحِهم الذى كان ، وبظهورِ أهلِ الكتابِ على
المجوسِ، وكان ذلك مما شدَّد اللَّهُ به الإِسلامَ، وهو قولُه: ﴿وَيَوْمَبِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونُ
يِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ الآية (٤).
٤
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ ، عن الشعبىِّ فى
غُلِبَتِ الزُّوُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
قوله: ﴿الَوَالـ
قال: كان النبىُّ عَ لَّهِ أخبر الناسَ بمكةً أن الرومَ ستَغْلِبُ ، قال: فنزَل القرآنُ بذلك،
قال: وكان المسلمون يُحِبُّون ظهورَ الرومِ على فارسَ؛ لأنهم أهلُ الكتابِ (٥).
/حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا المحاربىُّ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن عامٍ، عن ٢٠/٢١
عبدِ اللهِ ، قال: كان فارسُ ظاهرًا على الرومِ، وكان المشركون يُحِبُّون أن تظهرَ
فارسُ على الرومِ، وكان المسلمون يُحبُّون أن تظهرَ الرومُ" على فارسَ؛ لأنهم أهلُ
غُلِبَتِ الزُّومُ﴾ إلى ﴿فِ
كتابٍ، وهم أقربُ إلى دينِهم، فلما نزلتْ: ﴿الَّمَّ
بِضْعِ سِنِينَ﴾. قالوا: يا أبا بكرٍ : إن صاحبَك يقولُ: إن الرومَ تَظهرُ على فارسَ
فى بضعٍ سنين! قال: صدَق. قالوا: هل لك أن نُقامِرَك؟ فبايعوه على أربع قلائصَ
(١) سقط من: ص ، ت١، ت٢، وينظر مصدر التخريج.
(٢) فى ص، م، ف: ((تكونوا)).
(٣) فى ص، م، ت٢، ف: ((تؤجلوا)).
(٤) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٣٣٣/٢، ٣٣٤ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق ١٠١/٢ عن معمر
عن قتادة .
(٥) أخرجه عبد الرزاق ١٠١/٢ عن معمر عن رجل عن الشعبى بنحوه .
(٦ - ٦) سقط من : ت٢ .

٤٥٦
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
إلى سبع سنين، فمضَت السبعُ ولم يَكَنْ شىءٌ، ففرح المشركون بذلك . وشقَّ على
المسلمين، فذكروا ذلك للنبيِّ ◌َّهِ، فقال: (( ما بضعُ سِنِينَ عندَ كم؟)) قالوا: دونَ
العشرِ. قال: ((اذْهَبْ فزايِدْهم، وازدَدْ سنتَينِ)). قال: فما مضَت السنتانِ، حتى
جاءت الركبانُ بظهورِ الرومِ على فارسَ، ففرح المسلمون بذلك، وأَنزَل اللَّهُ :
غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قوله: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ وَعْدَهُ﴾(١).
الََّـ
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن الأعمشِ وفِطْرٍ، عن أبى الضُّحى، عن
مسروقٍ ، عن عبدِ اللَّهِ قال: مضَتِ الرومُ (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿الَّمـ
فِيِّ أَدْنَى اُلْأَرْضِ﴾. "قال: أدنى الأرضِ الشَّامُ، ﴿ وَهُم
غُلِبَتِ الزُّوم
مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونٌ﴾. قال: كانت فارسُ قد غلبت الرومَ ، ثم أَدِيلَ الروم
على فارسَ، وذُكِر أن رسولَ اللَّهِ حَ لِّ قال: ((إن الرومَ ستَغلِبُ فارسَ)). فقال
المشركون: هذا مما يَتَخَوَّصُ( محمدٌ . فقال أبو بكرٍ: تُناحِبوننى؟ - والمناحبةُ:
المُجَاعَلةُ - قالوا: نعم. فناحَبهم أبو بكرٍ، فجعَل السنينَ أربعًا أو خمسًا، ثم جاء إلى
النبيِّ عَّهِ فأخبَرَهُ(٥) فقال له(١) رسولُ اللَّهِ عَه: ((إن البضعَ فيما بينَ الثلاثِ إلى
التسعِ، فارجع إلى القومِ، فزِدْ فى المناحبةِ)). فرجَع إليهم، فقالوا، فناحَبهم
وزادٌ . قال: فغلبت الرومُ فارسَ، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٠/٥ إلى المصنف، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٠٥/٦ عن المصنف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٠١/٢، ١٠٢ من طريق أبى الضحى به، وتقدم مطولًا ص ٤٥٠.
(٣ - ٣) سقط من : ت٢ .
(٤) تخرص ، أى : كذب . اللسان (خ ر ص) .
(٥) سقط من: م، ت٢ ، ف .
(٦) سقط من : م ، ت١ ، ف .
(٧) فى م، ت٢، ف: ((فزاد)).

٤٥٧
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
يِنَصْرِ اللَهِ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ﴾: يوم أُديلَت الرومُ على فارسَ .
الْمُؤْمِنُونٌ
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا معاويةُ بنُ عمرٍو، عن أبى إسحاقَ الفَزاريِّ ، عن
سفيانَ، عن حبيبٍ بن أبى عمرةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّمَ
غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. قال: غُلِيت وغَلَبت(١).
وأما الذين قَرُوا ذلك: (غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتح الغين، فإنهم قالوا: نزَلت هذه
الآيةُ خبرًا من اللَّهِ نبيَّه عَِّ عن غَلَبَةِ الرومِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، عن أبيه، عن سليمانَ -
يعنى الأعمشَ - عن عطيةَ، عن أبى سعيدٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ " ظَهَر الرومُ على
فارسَ ، فأعجَب ذلك المؤمنين، فنزلت: (الم غَلَبَتِ الرُّومُ): على فارسَ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ ، عن
سليمانَ، عن عطيةً، عن [٥٨٥/٢ظ] / أبى سعيدٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ، غَلَبت ٢١/٢١
الرومُ على فارسَ، ففرح المسلمون بذلك، فَأَنزَل اللَّهُ: (الم غَلَبَتِ الرُّومُ)، إلى آخرِ
الآية .
حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن
(١) أخرجه أحمد ٢٩٦/٤ (٢٤٩٥) وغيره بهذا اللفظ من طريق معاوية بن عمرو به ، وتقدم
ص٤٤٨ مطولًا .
(٢) زيادة من مصادر التخريج .
(٣) أخرجه الترمذى (٣١٩٢)، وابن عساكر ٣٦٩/١ من طريق نصر بن على به، وأخرجه الواحدى فى
أسباب النزول ص ٢٥٩ من طريق المعتمر بن سليمان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥١/٥ إلى ابن
المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .

٤٥٨
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
الأعمشِ، عن عطيةً، عن أبى سعيدٍ، قال: لما كان " يومُ بدر١ٍ، ظهَرت الروم على
فارسَ ، فأعجب ذلك المؤمنين ؛ لأنهم أهلُ كتابٍ ، فَأَنزَل اللَّهُ: (الم . غَلَبت الرومُ فى
أدنى الأرضِ). قال: كانوا قد غُلِيوا قبلَ ذلك. ثم قرَأُ حتى بلَغ: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ
بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
٠
الْمُؤْمِنُونٌ
وقولُه : ﴿فِيِّ أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. قد ذكَرتُ قولَ بعضِهم فيما تقدَّم قبلُ ، وأَذْكُرُ
قولَ مَن لم يُذْكَرْ قولُه .
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍٍ
قوله: ﴿فِيَّ أَدْنَ اُلْأَرْضِ﴾. يقولُ: فى طَرَفِ الشَّامِ(٢) .
ومعنى قوله: ﴿ أَدْنَى﴾: أقربُ، وهو أَفعَلُ من الدنوِّ والقربِ. وإنما معناه: فى
أدنى الأرضِ من فارسَ، فترَك ذكرَ فارسَ استغناءً بدلالةٍ ما ظهَر من قوله: ﴿فِيِّ أَدْنَ
اُلْأَرْضِ﴾ علیه منه .
وقولُه: ﴿وَهُم مِّنَ بَعْدِ غَلِهِمْ﴾. يقولُ: والرومُ من بعدِ غَلَبَةٍ فارسَ
إياهم ، سَيَغْلِبون فارسَ .
وقولُه: ﴿مِّنْ بَعْدٍ غَلِهِمْ﴾. مصدرٌ، من قولِ القائلِ: غَلَبْتُه غَلَبَةً.
فحُذِفت الهاءُ من الغَلَبةِ . وقيل: من بعدٍ غَلَيِهم. ولم يُقَلْ: من بعدٍ غَلَبْتِهم
للإضافةِ، كما حُذِفت من قولِه: ﴿ وَإِقَاءِ الصَّلَوَةِ﴾ [النور: ٣٧]. للإضافةِ. وإنما
الكلامُ : وإقامةِ الصلاةِ .
(١ - ١) سقط من: ت٢.
(٢) أخرجه ابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٤٤ عن عبد الله بن صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٥٢/٥ إلى ابن المنذر .

٤٥٩
سورة الروم : الآيات ١ - ٥
وأما قولُه: ﴿سَيَغْلِبُونٌ﴾. فإن القرَأَةَ أجمعينَ على فتحِ الياءِ فيها،
والواجبُ على قراءةٍ مَن قَرَأْ (الم غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتح الغينِ، أَن يَقْرَأَ قولَه :
( سَيُغْلَبُونَ) بضمِّ الياءِ ، فَيَكونَ معناه: وهم من بعدٍ غلبتِهم فارسَ ، سيَغْلِيُهم
المسلمون ؛ حتى يَصِحَّ معنى الكلامِ، وإلا لم يَكَنْ للكلام كبيرُ معنَى إن فُتحت
الياءُ؛ لأن الخبرَ عما قد كان يصيرُ إلى الخبرِ عن أنه سيكونُ ، وذلك إفسادُ أُحدٍ
الخبرَينِ بالآخرِ .
وقوله: ﴿فِ يِضْعِ سِنِينَ﴾﴾. قد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فى معنى
((البضع)) فيما مضى، وأتَيْنا على الصحيح من أقوالهم، بما أغنَى عن إعادته فى
هذا الموضعِ().
وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال : ثنا خلادُ بنُ مسلم
الصّفارُ، عن عبدِ اللهِ بنِ عيسى، عن عبد الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن أبيه ، عن عبدِ اللهِ
ابنِ عمرٍو ، قال: قلْتُ له: ما البضعُ؟ قال: زعَم أهلُ الكتابِ أنه تسعٌ أو سبعٌ().
وأما قولُه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾. فإن القاسمَ حدَّثنا ، قال : ثنا
الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ من قبلِ دولةٍ
فارسَ على الرومِ، ° و"من بعدِ دولةٍ ؟ الرومْ) على فارسَ().
(١) قرأ (سيغلبون) بضم الياء علىّ وابن عمر ومعاوية بن قرة. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١١٧، وينظر ما
تقدم فى ص ٤٤٦ .
(٢ - ٢) فى ص، ت١: ((وللفاعل))، وفى ت٢: ((والفاعل))، ولعلها مصحفة عن: ((دللنا
على)). أو عما أثبت .
(٣) تقدم فى ١٧٥/١٣، ١٧٦.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣١٠/٦ وعزاه إلى المصنف .
(٥ - ٥) سقط من : ص ، ت٢ .
(٦ - ٦) سقط من : ت ١.
(٧) بعده فى ص، ت١، ت٢: ((ويومئذ يفرح المؤمنون)).

٤٦٠
سورة الروم : الآيات ٥ - ٧
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن
٤
وأما قولُه: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونُ
يَشَاءُ ﴾ . فقد ذكَوْنا الروايةَ فى تأويله قبلُ ، وبيَّنا معناه .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
٢٢/٢١
٦
لَا يَعْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكره : وعْدَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه؛ وعَد أن الرومَ ستَغْلِبُ فارسَ من بعدِ
غَلَبةِ فارسَ لهم . ونُصِب ﴿ وَعْدَ اللهِ ﴾ على المصدرِ من قولِه: ﴿وَهُم مِّنْ بَعْدِ
غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونٌ﴾؛ لأن ذلك وعدٌ من اللَّهِ لهم أنهم سيَغْلِبون، فكأنه قال: وعَد
اللَّهُ ذلك المؤمنين وعدًا، ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ يَفِى
بوعدِه للمؤمنين أن الرومَ سیغَلْبِون فارسَ، لا يُخلِفُهم وعده ذلك ؛ لأنه ليس فى
مواعيدِهِ خُلفٌ، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثر قريشٍ
الذين يُكَذِّبون بأن اللَّهَ منجزٌ وعدَه المؤمنين من أن الرومَ تَغْلِبُ فارسَ - لا يَعْلَمون أن
ذلك كذلك، وأنه لا يَجوزُ أن يَكونَ فى وعدِ اللَّهِ إخلافٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَِهِرًّاً مِّنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ هُمْ
غَفِلُونَ
٧
يقولُ تعالى ذكره : يعلمُ هؤلاء المكذِّبون بحقيقةٍ خبرِ اللَّهِ أن الرومَ ستَغْلِبُ
فارسَ - ﴿ظَهِرًا﴾ مِن أمرِ (١) حياتِهم الدنيا وتدبيرٍ() معايشِهم فيها، وما
يُصْلِحُهم، وهم عن أمرٍ آخرتِهم، وما لهم فيه النجاةُ من عقابٍ (٢) اللَّهِ هنالك
غافلون ، لا يُفكّرون فیه .
(١) سقط من: م، ت٢، ف .
(٢) فى ت١، ت٢: ((تدبر)).
(٣) فى ت٢: ((عذاب)).