النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة العنكبوت : الآيات ٥ - ٧
٦
اُلْعَلَمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: مَن كان يَرْجُو اللَّهَ يومَ لِقائِه)، ويطمعُ فى ثوابِهِ ، فإن
أجلَ اللَّهِ الذى أَجَّله لبَعْثِ خلقِه للجزاءِ والعقابِ - لآتِ قريبًا .
﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ﴾. يقولُ: واللَّهُ الذى يَوْجو هذا الراجى بلقائِه ثوابَه،
السميعُ لقولِه: آمَنَّا باللَّهِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصدقٍ قِيلِه: إنه قد آمَن. مِن كذبِه فيه .
وقولُه: ﴿وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ، ﴾. يقولُ: ومَن يجاهدْ عدوَّه مِن
المشركين، فإِنما يجاهِدُ لنفسِه ؛ لأنه يفعلُ ذلك ابتغاءَ الثوابِ مِن اللَّهِ على جهادِه،
والهَرَبِ مِن العقابِ، فليس باللَّهِ إلى فعلِه ذلك حاجةٌ ، وذلك أن اللَّهَ غنيٌّ عن جميعِ
خلقِه ، له الملْكُ والخلقُ والأمرُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٧
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين آمنوا باللّهِ ورسولِه، فصَحّ إيمانُهم عندَ ابتلاءِ اللَّهِ
إيَّاهم، وفِتْنَتِه لهم، ولم يرتدُّوا عن أديانِهم بأذَى المشركين إياهم، وعمِلوا
الصالحاتِ، ﴿لَتُكَفِّرَنَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التى / سلَفَت منهم فى شِرْكِهم، ١٣١/٢٠
﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: وَيُثِبَتَّهم على صالحاتِ
أعمالِهم فى إسلامِهم، أحسنَ ما كانوا يعملون فى حالِ شِرْكِهم، مع تَكْفیرِنا
(٢)
سيه(٢) .
(١ - ١) فى ت ٢: ((لقاء الله يوم القيامة)).
(٢) فى م: (( سيئات أعمالهم )) .

٣٦٢
سورة العنكبوت : الآية ٨
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَوَضَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَّاً وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ
◌ِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَاً إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنْبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٨
يقولُ تعالى ذكره : ووَصَّيْنا الإنسانَ فيما أَنزَلْنا إلى رسولِنا بوالديه، أن يفعَلَ
بهما حُسْنًا .
واختَلَف أهلُ العربيةِ فى وَجْهِ نَصْبٍ ((الحُسْنِ))؛ فقال بعضُ نحوِّى البصرةِ:
نُصِب ذلك على (١) نِيَّةِ تَكْريرِ ((وصينا)). وكأن معنى الكلام عندَه: ووصَّيْنا الإنسانَ
بوالدَيه، وصَّيناه(٢) حُسْنًا. وقال: قد يقولُ الرجلُ: وصَّيتُه خيرًا. أى : بخيرٍ .
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: معنى ذلك: ووصَّيْنا الإنسانَ أن يفعلَ حُسْنًا .
ولكن العربَ تُشْقِطُ مِن الكلام بعضَه، إذا كان فيما بَقِى الدلالةُ على ما سقَط ،
وتُعمِلُ ما بَقِى فيما كان يَعْمَلُ فيه المحذوفُ، فتُصِب قولُه: ﴿ حُسْنًّاً﴾، وإن كان
المعنى ما وصفتُ ((وَصَّينا))؛ لأنه قد نابَ عن الساقطِ. وأنشَد فى ذلك(٢):
عَجِئْتُ مِن دَهْماءً إِذ تَشْكُونا
ومِن أبی دَهْماءَ إِذْ يُوصِینا
خَيْرًا بها كأَنَّنا جافُونا
وقال: معنى قولِه: يُوصِينا خيرًا: أن نفعلَ بها خيرًا. فاكْتَفَى بـ ((يوصِينا))
منه . وقال: ذلك نحوُ قولِه: ﴿ فَطَفِقَ مَسْتَجًا﴾ [ص: ٣٣]. أى: يَمْسَحُ مَشْحًا .
وقولُه: ﴿ وَإِن ◌َجَهَدَالَكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً
(١) بعده فى ت ٢: ((وجه)) .
(٢) فى ص، م، ت١، ف: ((ووصينا)).
(٣) تقدم فى ٥٤٢/١٤، ٥٤٣.

٣٦٣
سورة العنكبوت : الآيتان ٨، ٩
يقولُ: ووَصَّينا الإنسانَ، فقلنا له: إن جاهَدَاكُ(١) والداك لتُشْرِكَ بى ما ليس لك به
علمٌ أنه ليس لى شَرِيكٌ، فلا تُطِعْهما، فتُشْرِكَ بِى ما ليس لك به علمٌ؛ اتباعَ ()
مَرْضاتِهما، ولكن خالِفْهما فى ذلك .
﴿ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إلىَّ مَعادُكم ومَصِيرُ كم يومَ القيامةِ ،
﴿فَأَنْبِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فَأُخْبِرُكم بما كنتُم فى الدنيا تعمَلون ، مِن
صالحِ الأعمالِ وسيئاتِها، ثم أُجازِيكم عليها؛ المُحْسِنَ بالإحسانِ ، والمُسِيءَ بما
هو أهلُه .
وذُكر أن هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ اللهِ صَلّهِ بسببٍ سعدِ بنِ أبِى وَقَّاصٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَانَ
بِوَلِدَيْهِ حُسْبًّاً﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنِّئُكُمْ بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: نزلَت فى سعدِ بنِ
أبى وَقَّاصٍ، لَمَّ هاجَر قالت أمّه: واللَّهِ لا يُظِلّنى بيتٌ حتى يرجِعَ. فأنزل اللَّهُ فى ذلك
أن يُحْسِنَ إليهما، ولا يُطِيعَهما فى الشركِ(١).
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِيِ ١٣٢/٢٠
الصَّلِحِينَ
٩
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين آمنوا باللّهِ ورسولِه، وعملوا الصالحاتِ مِن
الأعمالِ؛ وذلك أن يُؤَدُّوا فرائضَ اللَّهِ، ويَجْتَنِبوا مَحارمَه، ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِيِ
(١) فى م: ((جاهدك)).
(٢) فى م: ((ابتغاء)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٣٦/٩ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٢/٥ إلى
عبد بن حميد .

٣٦٤
سورة العنكبوت : الآيتان ٩، ١٠
الصَّلِحِينَ﴾ فى مُدْخَلِ الصالحين، وذلك الجنةُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِلَّهِ فَإِذَا أُوزِىَ فِ اللَّهِ
جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابٍ اَللَّهِ وَلَيْنِ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ
لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَلَمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن الناسِ مَن يقولُ: أَقْرَرْنا باللَّهِ فوحَّدْناه، فإذا آذاه
المشركون فى إقرارِه باللّهِ، جعَل فتنةَ الناسِ إياه فى الدنيا كعذابِ اللَّهِ فى الآخرةِ،
فازتَدَّ عن إيمانِهِ باللَّهِ راجعًا على الكفرِ به، ﴿وَلَيِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ ﴾ يا محمدُ
أهلَ الإِيمانِ به، ﴿ لَيَقُولُنَّ﴾ هؤلاء المُؤْتَدُّون عن إيمانِهم، الجاعِلون فتنةَ الناسِ
كعذابٍ [٥٧٣/٢و] اللَّهِ -: ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿ مَعَكُمْ﴾ نَنْصُرُكم على
أعدائِكم. كذبًا وإِفْكًا. يقولُ اللَّهُ: أو ليس اللهُ بأَعْلَمَ أيُّها القومُ مِن كلِّ أحدٍ بما فى
صُدُورِ جميع خلقِه؛ القائلين: آمَنَّا باللَّهِ . فإذا أُوذِى فى اللَّهِ ارْتَد عن دينِ اللَّهِ،
وغيرِهم؟ فكيف يُخادِعُ مَن كان لا يَخْفَى عليه خافيةٌ، ولا يَسْتَتِرُ عنه سرٌّ ولا
علانيةٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اَللَّهِ جَعَلَ
فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابٍ اَللَّهِ﴾. قال: فتنتُه أن يَؤْتَدَّ عن دينِ اللَّهِ إذا أُوذِى فى اللَّهِ(١).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٣٨/٩ عن محمد بن سعد به .

٣٦٥
سورة العنكبوت : الآية ١٠
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اَللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابٍ اُللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ
اُلْمُنَفِقِينَ﴾. قال: أَناسٌ يُؤْمنون بألسنتِهم، فإذا أصابهم بلاءٌ مِن اللَّهِ ، أو مصيبةٌ
فى أنفسِهم ، افتَتَنوا، فجعَلوا ذلك فى الدنيا كعذابِ اللَّهِ فى الآخرةِ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى(٢) قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوزِىَ ﴾ الآية(١):
ناسٌ مِن المنافقين بمكةً كانوا يُؤْمنون ، فإذا أُوذُوا وأصابهم بلاءٌ مِن المشركين ، رجعوا
إلى الكفرِ؛ مخافةَ مَن يُؤْذِيهم، وجعَلوا أذى الناسِ فى الدنيا كعذابِ اللَّهِ(٤).
/ حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ: ١٣٣/٢٠
﴿فَإِذَاَ أُوْذِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: هو المنافقُ ، إذا أُوذِى
فى اللَّهِ رجَع عن الدينِ وكَفَر، وجعَل فتنةَ الناسِ كعذابِ اللَّهِ(٥).
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت فى قومٍ مِن أهلِ الإيمانِ كانوا بمكةً، فخرَجوا
مُهاجِرين، فأُذْرِكوا وأُخِذوا، فأَعْطَوا المشركين لمَّا نالهم أذاهم ما أرادوا منهم.
(١) تفسير مجاهد ص ٥٣٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٣٧، ٣٠٣٨، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٤٢/٥ إلى الفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. وفيها: بلاء من الناس. بدلا من
بلاء من الله .
(٢) سقط من: م، ف .
(٣) بعده فى م، ف: ((نزلت فى)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٢/٥ إلى المصنف .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٣٨/٩ من طريق أصبع ، عن ابن زيد.

٣٦٦
سورة العنكبوت : الآية ١٠
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورِ الرَّمادىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا محمدُ
ابنُّ شَرِيكِ، عن عمرو بن دينارٍ ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن
أهلِ مكةً أُسْلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُون بالإسلامِ) ، فأخْرَجهم المشركون يومَ بدرٍ
معهم، فأُصِيب بعضُهم و(قُتلَ بعضُهم) ، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء
مسلمين وأَكْرِهوا. فاسْتَغْفَروا لهم، فنزَلَت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ
أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى آخرِ الآيةِ . قال: فَكُتِب إلى مَن بقِى بمكةً
مِن المسلمين بهذه الآيةِ ألا عذرَلهم، فخرجوا ، فلحِقهم المشركون ، فَأَعْطَوْهم الفتنةَ،
فنزَلَت فيهم هذه الآيةُ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوزِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةً
النَّاسِ كَعَذَابٍ اُللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، فكتَب المسلمون إليهم بذلك، فخرَجوا
وأَيِشوا من كلِّ خيرٍ، ثم نزَلَت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ
بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ
تَّحِيمٌ (®﴾ [النحل: ١١٠]. فكتبوا إليهم بذلك: إن اللَّهَ قد جعل لكم مخرجًا .
فخرجوا، فأدركَهم المشركون ، فقاتلوهم، حتى نجا مَن نجا، وقُتِل من قُتِل(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَقُولُ ءَامَنَا بِالَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ﴾. قال: هذه
الآياتُ أُنزِلَت فى القومِ الذين ردَّهم(٤) المشركون إلى مكةً، وهذه الآياتُ العشْرُ مَدَنيةٌ
(١) فى م، ف: ((يإسلامهم)).
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ف ((قبل بعض)).
(٣) تقدم تخريجه فى ٧/ ٣٨١، ٣٨٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٣٧/٩ عن أحمد بن منصور به.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ردوهم)).

٣٦٧
سورة العنكبوت : الآيات ١٠ - ١٢
إلى هلهنا، وسائرُها مكىٌّ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ
الْمُنَفِقِينَ
يقولُ تعالى ذكره: وَلَيَعلَمَنَّ(٢) أولياءُ اللَّهِ وحِزْبُه أهلَ الإِيمانِ باللَّهِ منكم أيُّها
القومُ ، وليَعْلَمُنَّ المنافقين منكم، حتى يَمِيزُوا؛ كلّ فريقٍ منكم مِن الفريقِ الآخرِ ،
بإظهارِ اللَّهِ ذلك منكم بالمحنِ والابتلاءِ والاختبارِ، وبمسارعةِ المُسارعِ منكم إلى
الهجرة من دارِ الشركِ إلى دارِ الإسلامِ، وتَتاقُلِ المتاقِلِ منكم عنها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَِّينَ ءَامَنُواْ أَتَّبِعُواْ
سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ وَمَا هُم بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَيَهُم مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ
١٣٤/٢٠
/ يقولُ تعالى ذكره: وقال الذين كفروا باللّهِ مِن قريشٍ للذين آمنوا باللّهِ منهم :
﴿ أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا﴾. يقولُ: قالوا: كونوا على مثلِ ما نحن عليه مِن التَّكْذيبِ
بالبعثِ بعدَ الَماتِ، وُجُودٍ الثواب والعقابِ على الأعمالِ، ﴿ وَلْنَحْمِلٌ
خَطَيَكُمْ﴾. يقولُ: قالوا: فإنكم إن اتََّعْتُم سبيلَنا فى ذلك، فبُعِثْتُم(١) بعدَ
الَماتِ ، وجوزِيثُم على الأعمالِ، فإنا نتحمَّلُ آثامَ(٤) خَطايا كم حينئذٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤١/٥، ١٤٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) بعده فى م: ((الله)).
(٣) سقط من : ت ١، ت ٢.
(٤) فى ص: ((آثاكم))، وفى ت ١: ((آثامكم))، وفى ت ٢: ((إياكم)).

٣٦٨
سورة العنكبوت : الآية ١٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نَجيجٍ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿أَتَِّعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾. [٥٧٣/٢ظ] قال : قولُ كفارٍ قريشٍ
بمكةً لمن آمَن منهم ، يقولُ : قالوا: لا نُبْعَثُ نحن ولا أنتم ، فاتَّبِعونا ، إن كان عليكم
شىءٌ فهو علينا (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هم القادةُ مِن الكفارِ، قالوا لَن
آمَن مِن الأتباع: اتركوا دينَ محمدٍ وَاتَّبِعوا دينَنا(٢).
وهذا - أعنى قوله: ﴿أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ - وإن كان خرَج
مَخْرَجَ الأمرِ، فإن فيه تأويلَ الجزاءٍ، ومعناه ما قلتُ: إن اتََّعتُم سبيلَنَا حَمَلْنا
خَطاياكم. كما قال الشاعرُ(٣):
لِصَوْتٍ أَنْ يُنادِىَ دَاعِيانٍ
فقُلْتُ ادْعِى وأَدْعُ فإِنَّ أَنْدَى
يريدُ: ادْعِى ولَّأَدْعُ. ومعناه: إن دَعَوْتِ دَعَوتُ .
وقولُه: ﴿وَمَا هُم بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَهُم مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ . وهذا
(١) تفسير مجاهد ص ٥٣٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٣٩/٩، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٤٢/٥ إلى الفريانى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٣٩/٩ من طريق أبى معاذ به .
(٣) البيت غير منسوب فى معانى القرآن للفراء ٤١٣/٢، ومجالس ثعلب ص ٥٢٤، واللسان (ل و م)،
ونسبه فى الكتاب ٤٥/٣ إلى الأعشى، ونسبه فى أمالى القالى ٩٠/٢ إلى الفرزدق، ونسبه فى السمط
٧٢٦/٢، واللسان (ن د ى) إلى دثار بن شيبان، ونسبه فى شرح المفصل ٣٣/٧ إلى ربيعة بن جشم ،
ونسبه فى شرح التصريح ٢٣٩/٢ إلى الأعشى أو الحطيئة .

٣٦٩
سورة العنكبوت : الآيتان ١٢، ١٣
تَكْذيبٌ مِن اللَّهِ للمشركين القائلين للذين آمنوا: ﴿أُتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ
خَطَيَكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وكَذَبوا فى قِيلِهم ذلك لهم، ما هم بحامِلِين مِن
آثامٍ(١) خَطاياهم مِن شىءٍ، ﴿ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ فيما قالوا لهم ووَعَدوهم، مِن
حَمْلٍ خَطاياهم إن هم اتَّبَعوهم .
١٣٥/٢٠
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَاِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
١٣
يقولُ تعالى ذكره : وليحمِلُنَّ هؤلاء المشركون باللَّهِ القائلون للذين آمنوا به :
﴿ أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ - أوزارَ أَنفسِهم وآثامَها، وأوزارَ مَن أضلُّوا
وصدُّوا عن سبيلِ اللَّهِ مع أوزارِهم، ﴿ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمَّا كَانُواْ﴾
يَكْذِبونهم فى الدنيا، بوعدِهم إياهم الأباطيلَ، وقِيلِهم لهم: ﴿أُتَِّعُواْ سَبِيلَنَا
وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾. فيفتَرون الكذبَ بذلك.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿وَلَيَحْيِلُبَ
أَنْقَلَمْ﴾. أى: أوزارَهم، ﴿ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَالِمٌ﴾. يقولُ: وأوزارَ مَن أَضَلُّوا(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَنْقَاِهِمٌّ﴾. وقَرأ قولَه: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ
(١) سقط من: ت ٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤٠/٩ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٢/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
( تفسير الطبرى ٢٤/١٨)

٣٧٠
سورة العنكبوت : الآيتان ١٣، ١٤
كَامِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَ سَآءَ مَا
ے
يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. قال: فهذا قولُه: ﴿ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَائِمٌ﴾ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ
سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِيْنَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الُوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ
١٤
وهذا وعيدٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين مِن قريشٍ، القائلين للذين
آمنوا: ﴿أَنَّبِعُوْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾. يقولُ لنبيُّه محمدٍ عٍَّ: لا
يَحْزُنْك(١) يا محمدُ ما تَلْقَى مِن هؤلاء المشركين أنت وأصحابُك مِن الأَذَى، فإنى
وإن أملَيتُ لهم ، فَأَطَلتُ إملاءَهم ، فإن مصيرَ أمرِهم إلى البَوارِ، ومصيرَ أمرِك وأمرٍ
أصحابِك إلى العُلُوِّ والظَّفَرِ بهم، والنََّجَاةِ مما يَحِلُّ بهم مِن العقابِ؛ كفعلِنا ذلك
بنوحٍ، إذ أرسَلناه إلى قومِه، فَلَبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا ، يدعوهم إلى
توحيدِ اللَّهِ وفِراقِ الآلهةِ والأوثانِ، فلم يَزِدْهم ذلك مِن دُعائِه إياهم إلى اللَّهِ ، مِن
الإقبالِ إليه، وقَبولِ ما أتاهم به مِن النصيحةِ مِن عندِ اللَّهِ - إلا فِرارًا .
وذكر أنه أُرسل إلى قومِه وهو ابنُ ثلاثمائة وخمسين سنةً .
كما حدَّثنا نصرُ بنُ علىِّ الْجَهْضَمِىُّ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا عونُ
ابنُ أبى شَدَّادٍ ، قال: إن اللَّهَ أرسَل نوحًا إلى قومِه وهو ابنُ خمسين وثلاثمائةٍ
سنةٍ، فَلَبِث فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، ثم عاشَ بعدَ ذلك خمسين
وثلاثمائةِ سنةٍ(١).
فَأَخَذَهُمُ اُلُوفَاتُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فأهْلَكهم الماءُ الكثيرُ. وكلَّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤٢/٩ من طريق نصر بن على به .

٣٧١
سورة العنكبوت : الآيتان ١٤، ١٥
ماءٍ كثيرٍ فاشٍ طامٌّ فهو عندَ العربِ طُوفانٌ ؛ سَيْلًا كان أو غيرَه، وكذلك الموتُ إذا
كان فاشيًا كثيرًا، فهو أيضًا عندَهم ◌ُوفانٌ، ومنه قولُ الراجزِ(١) :
١٣٦/٢٠
/ أقْناهُمُ طُوفانُ موتٍ جارِفٍ
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُمُ
اُلُوفَاتُ﴾. قال: هو الماءُ الذى أُرسل عليهم(٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ : الطوفانُ الغَرَقُ(٣).
وقولُه: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. يقولُ: وهم ظالمون أنفسَهم بكفرِهم بربِّهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْتَهَآ ءَايَةً
لِلْعَلَمِينَ
١٥
يقولُ تعالى ذكره : فأنْجَينا نوحًا وأصحابَ سفينتِه، وهم الذين حمَلهم فى
سفينته مِن ولدِه وأزواجهم .
وقد بيََّّا ذلك فيما مضى قبلُ ، وذكرنا الرواياتِ فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه
(١) الرجز فى مجاز القرآن ١١٤/٢، وتفسير القرطبى ٣٣٤/١٣ غير منسوب.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٠/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤٢/٩ من طريق جوبير ، عن الضحاك.
(٤) سقط من : م، ف .
:

٣٧٢
سورة العنكبوت : الايتان ١٥، ١٦
فى هذا الموضعِ(١).
وَجَعَلْنَهَاَ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: وجعَلنا السفينةَ التى أُنْجيناه
وأصحابَه فيها عبرة وعظةً للعالمين، وحُجَّةً عليهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَنْجَنَهُ
وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ الآية. [٥٧٤/٢و] قال: أَبْقاها اللَّهُ آيَةً للناسِ بأعلَى
الجُودِىِّ(٢) .
ولو قيل: معنى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَهَاَ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾: وجعَلنا عقوبتنا إياهم
آيةً للعالمين. وجعِل الهاءُ والألفُ فى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَهَآَ﴾ كنايةً عن العقوبةِ أو
السَّخَطِ ونحوِ ذلك، إذا كان قد تقدَّم ذلك(١) قولُه: ﴿فَأَخَذَهُمُ الُوفَاتُ وَهُمْ
ظَالِمُونَ﴾ - كان وَجْهًا مِن التأويلِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْزَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوَّةٌ
١٦
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَله: واذكُرْ أيضًا يا محمدُ إبراهيمَ خليلَ
الرحمنِ، إذ قال لقومه: اعبدوا اللهَ أيُّها القومُ، دونَ غيرِهِ مِن الأوثانِ والأصنامِ ، فإنه
١٣٧/٢٠ لا إلهَ لكم غيرُه، ﴿ وَأَتَّقُوهٌ﴾. / يقولُ: واتَّقوا سَخَطَه بأداءِ فرائضِه، واجتنابٍ
(١) ينظر ما تقدم فى ٤١٠/١٢ وما بعدها .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤٣/٩ من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) بعده فى م: (( فى )).

٣٧٣
سورة العنكبوت : الآيتان ١٦ ، ١٧
معاصيه، ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ما هو خيرٌ لكم مما هو شرٌّ
لكم .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوَثَنَّا وَتَخْلُقُونَ إِفْكَا
إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْثَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ
١٧
وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلٍ خليله إبراهيمَ لقومه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ
أيها القومُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنًا﴾ . يعنى: مُثُلًا .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنًا﴾: أصنامًا (١) .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكَاْ﴾ ؛ فقال بعضُهم:
معناه : وتصنعون كذبًا .
ذِکژ من قال ذلك
حدّثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾. يقولُ: تصنعون كذبًا(٢).
وقال آخرون : وتقولون كذبًا .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤٣/٩ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٥ إلى
عبد بن حميد .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤٤/٩ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٤٣/٥ إلى ابن المنذر.

٣٧٤
سورة العنكبوت : الآية ١٧
ذِکژ من قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أیی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكَّأْ﴾. يقولُ: وتقولون إنكًا(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكَأْ﴾. يقولُ: تقولون كذبًا(٢).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وتَنْحِتون إِنكًا .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مُرَيج، عن عطاءٍ
الخُراسانىّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. قال: تَنْحِتون ، تُصوِّرون
إنكًا .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكَاْ
أى: تصنعون أصنامًا (٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَتَّخْلُقُونَ إِفْكَّأْ﴾: الأوثانَ التى ينحتونها بأيديهم .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : معناه : وتصنعون كذبًا . وقد
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤٤/٩ عن محمد بن سعد به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٥ إلى الفريابى.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٠٤٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٥ إلى عبد بن حميد.

٣٧٥
سورة العنكبوت : الآية ١٧
بيّنا معنى ((الخَلْقِ)) فيما مضى بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضعِ (١).
فتأويلُ الكلام إذن : إنما تعبدون من دونِ اللَّهِ أوثانًا ، وتصنعون كذبًا وباطلاً .
و ((إنما)) فى قوله: ﴿إِفْكَّ﴾(١). مردودٌ على ﴿إِنَّمَا﴾، كقولِ القائلِ: إنما
تفعلون كذا، وإنما تفعلون كذا .
/ وقرَأ جميعُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ بتخفيفِ الخاءِ مِن قوله: ١٣٨/٢٠
﴿ وَتَخْلُقُونَ﴾ وضمّ اللامِ، من ((الخَلْقِ)). وذُكِر عن أبى عبدِ الرحمنِ السُّلمىِّ
أنه قرأ: (وَتَخَلَّقونَ إِفْكا) بفتح الخاءِ وتشديدِ اللامِ، من ((التخلَّقِ))(١) .
والصوابُ من القراءةِ عندنا فى ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحَّةِ من
القرأة عليه .
وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: إنَّ أوثانَكم التى تعبدونها لا تَقْدِرُ أَنْ ترزقكم شيئًا، ﴿فَابْتَغُواْ عِنْدَ
اللَّهِ الرِّزْقَ﴾. يقولُ: فالتمسوا عندَ اللَّهِ الرزقَ، لا مِن عندِ أوثانِكم، تُدرِ كوا ما
تبتغون من ذلك، ﴿ وَأَعْبُدُوهُ﴾. يقولُ: وذِلُّوا له، ﴿ وَأَشْكُرُواْ لَهُمْ﴾ على رزقِه
إیا کم، ونعمِه التی أنعمها علیکم .
يقالُ: شكرتُه. و((شكرتُ له)) أفصحُ من ((شكرتُه)).
وقولُهُ: ﴿إِلَيْهِ ثُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: إلى اللَّهِ تُرَدّون من بعدِ مماتِكم،
فيُسائلُكم(٤) عما أنتم عليه من عبادتكم غيرَه، وأنتم عبادُه وخلْقُه، وفى نعَمِه
(١) ينظر ما تقدم فى ١/ ٤٥٣.
(٢) مراد المصنف ((إنما)) المقدرة فى قوله: ((وتخلقون إفكا))، وفى معانى القرآن للفراء ٣١٥/٢: ((وتخلقون
إفكا)) مردودة على ((إنما)).
(٣) فى م: ((التخليق)). وهى قراءة عون العقيلى وعبادة وابن أبى ليلى وزيد بن على. ينظر البحر المحيط ١٤٥/٧.
(٤) فى م: (( فیسألكم)).

٣٧٦
سورة العنكبوت : الآيات ١٧ - ٢٠
تتقلَّبون ، ورزقَه تأكلون .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنِ تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمٌَّ مِن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى
١٨
الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ الْمُبِينُ
يقولُ تعالى ذِكرُه: وإن تُكَذِّبوا أيها الناسُ رسولَنا محمدًا عَلَّ فيما
دعاكم إليه مِن عبادَةِ ربِّكم الذى خلقكم ورزَقكم، والبراءةِ من الأوثانِ ، فقد
كَذَّبت جماعاتٌ من قبلِكم رسلَها ، فيما دعَتهم إليه الرسلُ من الحقِّ ، فحَلَّ بها من
اللَّهِ سخطُه، ونزَل [٥٧٤/٢ظ] بها منه عاجلُ عقوبةٍ ، فسبيلُكم سبيلُها فيما هو نازلٌ
بكم بتكذيبكم إياه ، ﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: وما على
محمدٍ إلا أنْ يبلِّغَكم عن اللَّهِ رسالتَه، ويؤدِّىَ إليكم ما أمره بأدائِه إليكم ربُّه.
ويعنى بـ: ﴿اُلْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾: الذى يَبِيْنُ لمن سمِعه ما يُرادُ به ، ويُفهَمُ به ما
يُعنَى به .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ كَيْفَ يُبْدِىُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُو
٣) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَّ ثُمَّ اَللَّهُ
١٩
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (
٢٠
يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
يقولُ تعالى ذِكرُه: أو لم يروا كيف يستأنفُ اللَّهُ خلْقَ الأشياءِ طِفلًا صغيرًا ، ثم
غلامًا يافِعًا، ثم رجلًا مجتمعًا، ثم كَهلًا؟
يقالُ منه: أبداً وأعاد، وبدَأ وعاد . لغتان بمعنى واحدٍ .
وقوله : ﴿ ثُمَّ يُعدُهٌ﴾ . یقول: ثم هو يُعيدُه من بعدِ فنائه وپلاه، کما بدأه
أوَّلَ مرّةٍ خلْقًا جديدًا، لا يتعذَّرُ ذلك عليه، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِبْرٌ﴾؛ سهلٌ
كما كان يسيرًا عليه إبداؤُه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .

٣٧٧
سورة العنكبوت : الآيتان ١٩، ٢٠
١٣٩/٢٠
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا
كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: الْبَعْثُ (١) بعدَ الموتِ(٢).
وقولُه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ عَظَه: قُلْ يا
محمدُ للمُنْكرِين البعثَ(١) بعد المماتِ، الجاحدين الثواب والعقاب : ﴿ سِيرُوا فِى
اُلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ﴾ اللَّهُ ﴿الْخَلْقَ(٤))؛ الأشياءَ، وكيف أنشَأها
وَأَحْدَثُها ، وكما أوجَدها وأَخْدَثها ابتداءً فلم يَتَعَذَّرْ عليه إِحْداثُها مُبْدِئًا ، فكذلك لا
يَتَعذَّرُ عليه إنشاؤها(٥) مُعِيدًا. ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشَأَةَ الْآَخِرَةُ﴾. يقولُ: ثُمَّ اللَّهُ
يُنْدِئُ ذلك(٢) البَدْأَةَ الآخِرَةَ بعدَ الفناءِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِى
اُلْأَرَضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَّ﴾: خَلْقَ السماواتِ والأرضِ، ﴿ثُمَّ اُللَّهُ يُنِشِئُ
الَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ ﴾. أى: البعثَ بعدَ الموتِ(١).
(١) فى م: ((بالبعث)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤٥/٩ من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) فى م: ((للبعث)).
(٤) سقط من: م، ت ١.
(٥) فى ت ٢: ((إنشاره)).
(٦) سقط من: ت ٢، وفى م: (( تلك)).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤٦/٩ من طريق يزيد به ، وهو تمام الأثر قبله .

٣٧٨٠
سورة العنكبوت : الآيات ٢٠ - ٢٢
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ﴾ . قال : هى الحياةُ بعدَ
الموتِ، وهو النشورُ .
وقولُه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن اللَّهَ على
إنْشاءٍ جميع خلقِه بعدَ إِفْنائِه، كهيئتِه قبلَ فَنَائِه، وعلى غيرِ ذلك مما يشاءُ فِعْلَه -
قادرٌ، لا يُعْجِزُه شىءٌ أرادَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءٌ وَإِلَيْهِ
وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ
تُقْلَبُونَ لَّ
٢٢
مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
يقولُ تعالى ذكره: ثم اللَّهُ يُنْشِئُّ النشأةَ الآخِرةَ خَلْقَه مِن بعدِ فَنَائِهم ، فيعذِّبُ
مَن يشاءُ منهم على ما أسْلفَ مِن جُزْمِه فى أيامٍ حياتِه، ويرحمُ مَن يشاءُ منهم ممَّن
تابَ وَآمَن وعمِل صالحاً، ﴿ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾. يقولُ: وإليه تُرجَعون وتُرَدُّون .
وأما قولُه: ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِرِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاْءِ﴾ . (٢ فإن ابن زيدٍ
قال فى ذلك ما حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿وَمَآ أَنْتُمٍ بِمُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ﴾(٢). قال: لا يُعْجِزُه أهلُ الأَرَضِين
فى الأَرضِين، ولا أهلُ السماواتِ فى السماواتِ، إن عصَوه. وقرّأ: ﴿لَا يَعْزُبُ
عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّقٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرُ إِلَّا
فِ كِتَبٍ تُبِينٍ﴾(٢) [سبأ: ٣].
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٤/٥ إلى المصنف.
(٢ - ٢) سقط من: ت ١.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤٧/٩ من طريق أصبع ، عن ابن زيد.

٣٧٩
سورة العنكبوت : الآيتان ٢٢، ٢٣
وقال فى ذلك بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ: ﴿ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِرِينَ فِ
اْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. أى: لا يُعجِزُوننا مع ذلك، ما أنتم بمعجزين فى
الأرض١ِ) ، ولَا مَنْ فِى السماءِ مُعْجزِين. قال: وهو مِن غامضِ العربيةِ؛ للضميرِ
الذى لم يظهَرْ فى الثانى. قال: ومثلُه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ (١):
١٤٠/٢٠
/ أمَنْ يَهْجُو رسولَ اللَّهِ مِنْكمْ وَيَمْدَحُه ويَنْصُرُه سَوَاءُ
أراد: ومَن ينصُرُه ويمدَحُه. فأضمَر ((مَنْ)). قال: وقد يقعُ فى وَهْمِ السامعِ أن
النصرَ والمدعَ (٢لـ ((مَن))٣) هذه الظاهرةِ، ومثلُه فى الكلامِ: أكرِمْ مَن أتاك وأنَّى
أباك، وأكرِمْ مَن أتاك ولم يأتِ زيدًا. تريدُ: ومَن لم يأتِ زيدًا. فيَكْتَفى باختلافٍ
الأفعالِ مِن إعادةِ ((مَن))، كأنه قال: أَمَنْ يَهْجُو، ومَن يَمِدَخُه، ومَن ينصُرُه. ومنه
قولُ اللهِ عزّ وجلّ: ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاَلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].
وهذا القولُ(٤) أصحُ عندى فى المعنى مِن القولِ الآخَرِ. ولو قال قائل:
معناه : ولا أنتم بمُعجزِين فى الأرضِ ، ولا أنتم لو كنتُم فى السماءِ مُعْجزِين. كان مذهبًا .
وقولُه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: وما كان
لكم أيُّها الناسُ مِن دونِ اللَّهِ مِن ولىِّ يَلى أمورَ كم، ولا نصيرٍ ينصُرُ كم [٥٧٥/٢ و] مِن
اللَّهِ ، إن أرادَ بكم سُوءًا، ولا يمنعُكم(١) منه إن أحلّ بكم عقوبته .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ وَلِقَآبِهِ: أُوْلَئِكَ
(١ - ١) سقط من: م، ت ١. وسقط من الكلام قول بعض أهل العربية من أهل البصرة، وهو الأخفش كما
فى تهذيب اللغة ٣٤٠/١، قال: معناه: ما أنتم بمعجزين فى الأرض ولا فى السماء. أى: لا تعجزوننا هربا فى
الأرض ولا فى السماء. وما سيذكره المصنف بعده هو قول الفراء إمام أهل الكوفة فى معانى القرآن ٣١٥/٢ .
(٢) ديوانه ص ٧٦ .
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ت ٢: (( أعنى)).
(٤) بعده فى ص، ت١، ت ٢: ((الآخر)).
(٥) وهو قول أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب. ينظر تهذيب اللغة ٣٤٠/١ .
(٦) فى ت ٢: (( ينفعكم)).

٣٨٠
سورة العنكبوت : الآيتان ٢٣ ، ٢٤
٢٣
يَبِسُواْ مِن رَّحْمَقِ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرُه : والذين كفروا بحُجَج اللَّهِ ، وأنكروا أدلّتُه، وجحَدوا لقاءَه
والورودَ عليه يومَ تقومُ الساعةُ ، ﴿أُوْلَئِكَ يَبِسُواْ مِن رَّحْمَتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه :
أولئك يَئِسوا مِن رحمتِى فى الآخرةِ؛ لَّ عاينوا ما أَعِدَّ لهم مِن العذابِ ، فأولئك لهم
فيها (١) عذابٌ مُوجِئٌ.
فإن قال قائلٌ: وكيف اغْتَرَضَ بهذه الآياتِ مِن قوله: ﴿ وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ
كَذَّبَ أُمَُّ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
وترَك ضميرَ قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾. وهو مِن قصةِ إبراهيمَ.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ
وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُوَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؟
قيل : فعَل ذلك كذلك؛ لأن الخبرَ عن أمرِ نوحٍ وإبراهيمَ وقومِهما، وسائرٍ مَن
ذَكَر اللَّهُ مِن الرسلِ والأمم فى هذه السورةِ وغيرِها ، إنما هو تذكيرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه
به الذين يبتدئُّ بذِكْرِهم قبلَ الاعْتراضِ بالخبرِ، وتحذيرٌ منه لهم أن يَحِلُّ بهم ما حَلَّ
بهم ، فكأنه قيل فى هذا الموضع: فاعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ، فكذَّبتُم أنتم
معشرَ قريشٍ رسولكم محمدًا، كما كَذَّب أولئك إبراهيمَ. ثم جعَل مكانَ
((فَكَذَّبْتُم)): ﴿وَإِنِ تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَُّ مِن قَبْلِكُمْ﴾. إذ كان ذلك يدُلُّ
على الخبرِ عن تَكْذبيهم رسولَهم، ثم عادَ إلى الخبرِ عن إبراهيمَ وقومِه ، وتَتْمِيمٍ قصتِه
وقصتِهم بقولِه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾.
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ
أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَنُهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١٤١/٢٠
(١) سقط من: م.