النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة القصص : الآية ٥٥
وَقَذَهم(١) عن ذلك(٢).
وقال آخرون : عَنَى باللغوِ فى هذا الموضع ما كان أهل الكتاب أحقوه فی کتابٍ
اللهِ مَمَّا ليس هو منه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا
سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ . قال: هذه لأهلِ الكتابِ ، إذا سمِعوا
اللغوَ الذى كتَب القومُ بأيديهم مع كتابِ اللهِ ، وقالوا: هو مِن عندِ اللهِ . إذا سمِعه
الذين أسلموا، ومَرُوا به يَتْلُونَه، أَعْرَضوا عنه وكأنهم لم يَشْمَعوا ذلك قبلَ أن يُؤْمنوا
بالنبيِّ ◌ِِّ؛ لأنهم كانوا مسلمين على دينٍ عيسى، ألا تَرَى أنهم يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا
مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ﴾(٣).
وقال آخرون فى ذلك بما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ عُبَيْنَةَ ، عن منصورٍ ،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ
عَلَيْكُمْ﴾ . قال : نَزَلَتْ فى قومٍ كانوا مشركين فأسْلَموا، فكان قومُهم يُؤْذونَهم.
(٤ حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه : ٤)
(١) وقذهم: سكْنَهم ومَنَعَهم من انتهاك ما لا يحل. ينظر النهاية ٢١٢/٥ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٣/٩ من طريق يزيد به. وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٧٠) عن
سعيد به ، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٣٩/٢ من طريق شيبان ، عن قتادة ، كلاهما فى تفسير قوله تعالى:
﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٣/٥ إلى عبد بن حميد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٢/٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد.
(٤ - ٤) سقط من: ت١ .
(٥) فى م: ((جويرية))، وفى ت٢: ((جريرة).

٢٨٢
سورة القصص : الآيتان ٥٥ ، ٥٦
وَإِذَا سَمِعُواْ اَللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾. قال: كان
(١
ناسٌ مِن أهلِ الكتابِ أُسْلَموا، فكان المشركون يُؤْذونَهم ، فكانوا يَصْفَحون
عنهم؛ يقولون: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾(١).
وقولُه: ﴿أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾. يقولُ: لم يُصْغوا إليه ولم يَسْتَمِعوه، ﴿ وَقَالُواْ لَّآ
أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾. وهذا يدُلُّ على أن اللغوَ الذى ذكّره اللهُ فى هذا الموضعِ إنما
هو ما قاله مجاهدٌ ، مِن أنه سماع القوم ممن (٢) يُؤذیھم بالقول، ما یکرهون منه فى
أنفُسِهم، وأنهم أجابوهم بالجميلِ مِن القولِ: ﴿لَنَا أَعْمَلُنَا﴾ قد رَضِينا بها
لأنفسِنا، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾ قد رَضِيتم بها لأنفسكم .
وقولُه: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: أمَنَةٌ لكم منا أن نُسَابَّكم، أو تَسْمَعوا منا ما لا
تُحِبون، ﴿لَا نَبْتَغِى اُلْجَاهِلِينَ﴾. يقولُ: لا نريدُ مُحاوَرَةَ أهلِ الجهلِ ومُسَابَّتَهم.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن
٥٦
يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبِّه محمدٍ عَّهِ: ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَا تَهْدِى مَنْ
أَحْبَبْتَ﴾ هدايته، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ أن يَهْدِيَه مِن خَلْقِه، بتوفيقِه
للإيمانِ باللهِ وبرسولِه . ولو قيل: معناه: إنك لا تَهْدِى مَن أُحببتَه ؛ لِقَرَابَتِه منك ،
ولكنَّ اللهَ يهدى من يشاءُ - كان مَذْهِبًا، ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ جلَّ
ثناؤه : واللهُ أعلمُ مَن سَبَق له فى علمِه أنه يَهْتَدى للرَّشادِ ، ذلك الذى يَهْدِيه اللهُ
(١ - ١) سقط من: ت١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٣/٩ من طريق جرير به .
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((من)).
(٤) فى ص: (( مساءتهم)).

٢٨٣
سورة القصص : الآية ٥٦
فيُسَدِّدُه ويُوَفِّقُه .
وذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلتْ على رسولِ اللهِ عَ لَه مِن أَجْلِ امتناع أبى طالبٍ عمِّه
مِن إجابتِه إذ دَعاه إلى الإيمانِ باللهِ ، إلى ما دعاه إليه مِن ذلك .
٩٢/٢٠
/ ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ والحسينُ بنُ علىِّ الصُّدائىُّ ، قالا : ثنا الوليدُ بنُ القاسمِ، عن
يزيدَ بنِ كَيْسانَ، عن أبى حازم، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ عَِّ لعمَّه عندَ
الموتِ: ((قُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. أَشْهَدُ لك بها يومَ القيامةِ)). قال: لولا أن تُعَيِّرَنى قُريشٌ
لِأَقْرَرْتُ عِينَك. فَأَنْزَل اللـهُ: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ ﴾ الآيةَ(١).
حدّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا یحیی بنُ سعیدٍ ، عن یزید بن گیْسانَ ، قال : ثنی أبو
حازمِ الأَشْجَعْىُّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ مَّ لامِ لعمّه: ((قُلْ: لا إلهَ إلا
اللهُ)). ثم ذكر مثلَه(٢) .
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن يزيدَ بنِ كيسانَ، سمِع أبا
حازم الأشْجَعيَّ يَذْكُرُ عن أبى هريرةَ، قال: لَمَّ حَضَوْت وفاةُ أبى طالبٍ ، أتاه
رسولُ اللهِ مََّلَّمِ فقال: ((يا عَمَّاهُ، قلْ: لا إلهَ إلا اللهُ)). فذكر مثله، إلا أنه
قال: لولا أن تُعَيَِّنى قريشٌ؛ يقولون: ما حمَله عليه إلا جَزَعُ الموتِ(٣).
(١) أخرجه مسلم (٤١/٢٥)، وابن حبان (٦٢٧٠)، وابن منده فى الإيمان (٣٩)، وابن عساكر فى تاريخ
دمشق ٣٣٢/٦٦ ، من طريق يزيد بن كيسان به .
(٢) أخرجه الترمذى (٣١٨٨)، والبيهقى فى الدلائل ٣٤٤/٢، من طريق ابن بشار به . وأخرجه أحمد ١٥/
٣٧٤ (٩٦١٠)، ومسلم (٢٥/٤٢)، وابن منده (٣٨)، والواحدى فى أسباب الزول ص ٢٥٥ من طريق
یحیی بن سعيد به .
(٣) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٣٤٤/٢، ٣٤٥ من طريق أبى أسامة به .

٢٨٤
سورة القصص : الآية ٥٦
حدّثنا ابنُ و کیعٍ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ◌ُبیدٍ ، عن یزیدَ بنِ کیسانَ ، عن أبى
حازم، عن أبى هريرةً، قال: قال النبيُّ الِ. فذكر نحوَ حديثٍ أبی ◌ُریبٍ
.(١)
والصُّدائىّ(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ ، قال : ثنی عمی عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ ،
قال: ثنى يونسُ، عن الزُّهْرىِّ، قال: ثنى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، عن أبيه، قال: لَّ
حَضَرَتْ أبا طالبِ الوفاةُ، جاءَه رسولُ اللهِ مَّهِ، فوجَد عندَه أبا جهلٍ بنَ هشامٍ
وعبدَ اللهِ بنَّ أبى أُمَيَّةَ بنِ المُغيرةِ، فقال رسولُ اللهِ وَهِ: (( يا عَمّ، قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ.
كلمةٌ أَشْهَدُ لك بها عندَ اللهِ)). فقال أبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبى أَميةَ: يا أبا طالبٍ،
أَتَّرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلبِ؟ فلم يَزَلْ رسولُ اللهِ عَهٍ [٥٦٢/٢ظ] يَغْرِضُها عليه،
ويُعيدُ له تلك المقالةَ، حتى قال أبو طالبٍ آخِرَ ما كَلَّمهم : هو على ملةِ عبدِ المطلبِ .
وأتى أن يقول: لا إلهَ إلا اللهُ. فقال رسولُ اللهِ عَلِ: ((أما واللهِ، لِأُسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم
أَنْهَ عنك)). فَأَنْزَل اللهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ
وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ﴾ [التوبة: ١١٣]. وأَنْزَل اللهُ فى أبى طالبٍ، فقال الرسولِ
اللهِ عَِّ: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ الآية(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن
الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ ، عن أبيه بنحوِه(٢) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ عُبَيْنَةَ ، عن عمرٍو، عن أبى سعيدِ بنِ رافعٍ، قال :
قلتُ لابنِ عمرَ ): ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾؛ نَزَلَتْ فى أبى طالبٍ ؟ قال :
(١) أخرجه إسحاق بن راهويه (٢٠٨)، وأحمد ٤٣١/١٥ (٩٦٨٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٤/٩
من طريق محمد بن عبيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن مردويه .
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٠/١٢، ٢١.
(٣) تقدم تخريجه فى ٢٠/١٢ .
(٤) فى ت٢: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٣٣٢/١٥، ٣٣٨، ٣٤٧/٣٣.

٢٨٥
. سورة القصص : الآية ٥٦
نعم(١).
(١)
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾. قال: قولُ / محمدٍ لأبى طالبٍ: ((قُلْ كلمةَ ٩٣/٢٠
الإخلاص ، أُجادِلُ عنك بها يومَ القيامةِ )). قال محمدُ بنُ عمرو فى حديثه : قال
يابنَ أَخى ، مِلَّةَ الأشياخ. أو: سُنَّةَ الأشياخ. وقال الحارثُ فى حديثه: قال: يابنَ
أخى، مِلَّةَ الأشياخِ(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾. قال: قال محمدٌ عََّلِ لأبى طالبٍ :
اشْهَدْ بكلمةِ الإخلاص ، أَجادِلْ عنك بها يومَ القيامةِ ». قال: أى بنَ أَخى ، ملةً
الأشياخِ. فأَنْزَل اللهُ: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾. قال: نَزَلتْ هذه الآيةُ فى
أُبی طالبٍ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى
مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: ذُكِر لنا أنها نَزَلتْ فى أبى طالبٍ. قال: ألاصَه(١) عندَ موتِه يقولُ:
لا إلهَ إلا اللهُ. لكيما تَحِلَّ له بها الشفاعةُ، فأتَى عليه (٤).
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٣٣/٦٦ من طريق ابن عيينة به ، وأخرجه النسائى فى الكبرى
(١١٣٨٤) من طريق عمرو به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٣/٥، ١٣٤ إلى سعيد ابن منصور وعبد
بن حمید وأیی داود فی القدر وابن المنذر وابن مردويه .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٣٠ ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٣٩٩٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٤/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى م: ((الأصم)). وألاصه: أداره عليها، ورواده عليها. النهاية ٢٧٦/٤.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٤/٩ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٥ إلى
عبد بن حميد .

٢٨٦
سورة القصص : الايتان ٥٦، ٥٧
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ: لمّا حضَر أبا طالبٍ
الموتُ، قال له النبيُّ عَّهِ: ((يا عَمَّاهُ، قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ. أَشْهَدُ لك بها يومَ
القيامةِ)). فقال له: يابنَ أُخرى، إنه لولا أن يكونَ عليك عارٌ، لم أَبَالِ أن أَفْعَلَ. فقال
له ذلك مرارًا، فلمَّا مات اشتدَّ ذلك على النبيِّ عَ لَه، وقالوا: ما تَنْفَعُ قرابةُ أبى طالبٍ
منك. فقال: ((بلى والذى نَفْسى بيدِه، إنه الساعةَ لفى ضَحْضَاحُ مِن النارِ ، عليه
نَعْلانٍ مِن نارٍ ، تَغْلى منهما أُمّ رأسِه ، وما مِن أهلِ النارِ مِن إنسانٍ هو أهْوَنُ عذابًا
منه). وهو الذى أَنْزَل اللهُ فيه: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن
يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾ (١).
وقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: وهو أعلمُ بِمَنْ قُضِى له الهدى .
كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى،
وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى
تَجِيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. قال: بَمَنْ قَدَّر له الهُدَى
والضَّلالَةَ(٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِن نََّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطّفْ مِنْ أَرْضِنَاً
أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّن لَّكُنَّا وَلَكِنَّ
(١) الضحضاح فى الأصل: ما رَقَّ من الماء على وجه الأرضِ ما يَتْلُغ الكعبين. فاستعاره للنار. النهاية ٧٥/٣ .
(٢) أخرجه هناد فى الزهد (٣٠٦) من طريق عطاء به نحوه .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٣٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٥/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٤/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٢٨٧
سورة القصص : الآية ٥٧
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكره : وقالت كفار قريشٍ : إن نَتَّبِع الحقَّ الذى جِئْتَنا به معك ،
ونَتَبَّأْ مِن الأندادِ والآلهةِ، يَتَخَطَّفْنا الناسُ مِن أرضِنا، بإجماع جميعهم على خِلافِنا
وحربنا. يقولُ اللهُ لنبيّه: فقُلْ: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَمِنَا﴾؟ يقولُ: أو لم
نُوَطِّئْ (١) لهم بلدًا حَرَّمْنا على الناسِ سفكَ الدماءِ فيه، ومَنَعْناهم مِن أن يَتَناوَلُوا سُكَّانَه
فيه بسوءٍ ، وأَمْنًا على أهلِه مِن أن يُصيبَهم بها غارةٌ، أوقتلٌ، أو سِباءٌ؟
/ وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٩٤/٢٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ أبى مُلَئِكَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن الحارثَ بنَ نَوْفَلٍ، الذى قال: ﴿إِن تََِّّعِ
الْمُدَى مَعَكَ نُتَخَطّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. وزعموا أنهم قالوا: قد عَلِمْنا أنك رسولُ اللهِ،
ولَكِنَّا نَخافُ أن تُتَخَطَّفَ مِن أرضِنا. ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ﴾ الآيَةَ(٢).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالُواْ إِن نََّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَّأَ﴾.
قال: هم أُناسٌ مِن قريشٍ قالوا لمحمدٍ عَظِلّهِ: إِن نَتَّبِعْك يَتَخَطَّفْنا الناسُ. فقال اللهُ:
(١) وطَّأه: هَيَّأه. تاج العروس (وط أ).
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٣٨٥) من طريق حجاج عن ابن جريج عن ابن أبى مليكة قال : قال
عمرو بن شعيب عن ابن عباس ، ولم يسمعه منه، أن الحارث بن نوفل الذى قال ... إلى قوله تعالى: ﴿من
أرضنا﴾، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٥ إلى ابن المنذر، وذكره القرطبى فى تفسيره ٣٠٠/١٣
بنحوه .

٢٨٨
سورة القصص : الآية ٥٧
أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ ﴾
حدَّثنی يونسُ، [٥٦٣/٢و] قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. قال: كان يُغِيرُ بعضُهم على
. (٢)
بعضٍ(٢).
وبنحوِ الذى قلْنا فى معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا﴾. قال أهلُ
التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه: ﴿ وَقَالُواْ إِن نَّبِعِ
الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاً﴾: قال اللهُ: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَّ
إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾. يقولُ: أوَلم يَكونوا آمِنِين فى حَرَمِهم؟ لا يُغْزَوْن فيه ولا
يَخافون، يُجْبَى إليه ثمراتُ كلِّ شيءٍ() .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى أبو سفيانَ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا﴾. قال: كان أهلُ الحرم آمِنِين يَذْهبون حيثُ
شاءُوا ، وإذا خرَج أحدُهم فقال: إنى مِن أهلِ الحرمٍ . لم يُغْرَضْ(٤) له، وكان غيرُهم
مِن الناسٍ إذا خرَج أحدُهم قُتِل(٥).
(١) أخرجه أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٥/٩ عن محمد بن سعد به .
(٢) أخرجه أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٥/٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٥/٩ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٥ إلى
عبد بن حميد .
(٤) فى م: ((يتعرض)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٩٢/٢ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٦/٩ - عن معمر به ،
وزاد فى آخره : أو سلب .

٢٨٩
سورة القصص : الآيتان ٥٧، ٥٨
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَوَلَمْ
ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنَّا﴾. قال: آمَنَّاكم به. قال: هى مكةُ، وهم قُريشٌ(١).
وقولُه: ﴿يُحْبِىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾. يقولُ: يُجْمَعُ إليه. وهو مِن
قولهم : جَبَيْتُ الماءَ فى الحوضِ. إذا جَمَعْتَه فيه . وإنما أُرِيدَ بذلك: يُحْمَلُ إِليه ثمراتُ
كلِّ بلدٍ .
كما حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، عن شَريكٍ، عن عثمانَ بنِ أبى
زُرْعَةَ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ فى: ﴿يُحْبِىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾. قال:
ثمراتُ الأرضِ(١) .
وقولُه: ﴿رِّزْقًا مِّن لَّدُنَا﴾. يقولُ: ورزقًا رَزَقْناهم مِن لَدُنَّا. يعنى: مِن عِندِنا،
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنَّ أكثرَ هؤلاء
المشركين، القائِلِين لرسولِ اللهِعَ ◌ّهِ: ﴿إِن تَشَِّعِ الْمُدَى مَعَكَ نُنَخَطّفْ مِنْ أَرْضِناً﴾.
لا يَعْلَمون أنَّا نحن الذين مَكْنًا لهم حرمًا آمنًا، ورَزَقْناهم فيه، وجَعَلْنا الثمراتِ مِن
كلِّ أرضٍ تُجْتَى إليهم، فهم بجهلهم بمَن فعل ذلك بهم يَكْفُرون ، لا يَشْكرون مَن
أنعم عليهم بذلك .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ٩٥/٢٠
٥٨
فَتِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِنَ
يقولُ تعالى ذكره : وكم أهْلَكْنا مِن قريةٍ أَبْطَرَتْها معيشتُها ، فَبَطِرَتْ وَأَشِرَتْ(٢)
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٥/٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٦/٩ من طريق شريك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٥
إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) الأَشَر: المَرَح والبَطَر. وقيل: أشدُّ البطَر. وقيل: الأشر: الفرح بطَرًا وكفرًا بالنِّعمة. ينظر تاج العروس (أشر).
( تفسير الطبرى ١٩/١٨ )

٢٩٠
سورة القصص : الآية ٥٨
وطَغَتْ، فَكَفَرَتْ بربِّها. وقيل: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ فَجَعَل الفِعلَ للقريةِ، وهو
فى الأصلِ للمعيشةِ، كما يُقالُ: أَسْفَهَك رَأْيُك فسَفِهْتَه، وَأَبْطَرَك مالُك فبَطِرْتَه .
و ((المعيشةُ)) منصوبةٌ على التفسيرِ .
وقد بَيّنًّا نظائرَ ذلك فى غير موضعٍ مِن كتابنا هذا(١).
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَكَمْ
أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾. قال: البَطَرُ الأشرُ(١) ، أهلُ الغَفْلَةِ وأهلُ
الباطلِ والؤُكُوبِ لمعاصى اللهِ. وقال: ذلك البَطَرُ فى النِّعْمةِ(٢).
﴿ فَئِكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُشْكَنَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: فتلك دُورُ القومِ
الذين أهْلَكْناهم بكفرِهم بربِّهم، ومنازِلُهم، ﴿لَمْ تُتْكَنَ مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
يقولُ: خَرِبَتْ مِن بعدِهم، فلم يُعْمَرْ منها إلا أقَلَّها، وأكثرُها خرابٌ .
ولفظُ الكلامِ وإن كان خارجًا على أن مساكنهم قد سُكِنَتْ قليلًا ، فإن معناه :
فتلك مساكنُهم لم تُسْكَنْ مِن بعدِهم إلا قليلاً منها. كما يُقالُ: قَضَيتُ حقَّك إلَّا
قليلا منه .
وقولُه: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِنَ﴾. يقولُ: ولم يَكُنْ لِمَ حَرَّبْنا مِن مساكنِهم
منهم وارِثٌ، وعادتْ كما كانت قبلَ سُكّناهم فيها ، لا مالكَ لها إلا اللهُ الذى له
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٧٩/٢، ٥٨٠ .
(٢) فى م: ((أشر)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٦/٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد.

٢٩١
سورة القصص : الاية ٥٩
ميراثُ السماواتِ والأرضِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىّ أُمِّهَا
رَسُولًا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَّأْ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَىِّ إِلَّ وَأَهْلُهَا
ظَالِمُونَ
٥٩
يقولُ تعالى ذكره: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ يا محمدُ ﴿ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ التى
حَوالَى مكةً فى زمانِك وعصرِك، ﴿ حَّ يَبْعَثَ فِيَّ أُمِّهَا رَسُولاً﴾. يقولُ: حتى
يَبْعَثَ فى مكةَ رسولًا، وهى أَمُّ القُرى، يَتْلو عليهم آياتٍ كتابِنا . والرسولُ:
محمدٌ عَلِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِىَ أُمِّهَا
رَسُولاً﴾: وأُمُّ القُرَى مكةُ ، وبعث الله إليهم رسولًا؛ محمدًا عَّه(١).
/ وقولُهُ: ﴿ وَمَا كُنَا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ﴾. يقولُ: ٩٦/٢٠
ولم نكنْ لِنُهْلِكَ قريةً وهى باللهِ مؤمنةٌ ، إِنما نُهْلِكُها بِظُلْمِها أنْفُسَها ؛ بكفرِها باللهِ ،
وإنما أهْلَكْنا أهل مكةً بكفرِهم بريِّهم، وظُلْمِهم(٢) أنفسَهم.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٧/٩، من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٣/١
عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٤/٥ إلى عبد بن حميد.
(٢) فى م: ((ظلم)).

٢٩٢
سورة القصص : الآية ٥٩، ٦٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنا أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِ الْقُرَىِّ إِلَّا وَأَهْلُهَا
ظَالِمُونَ﴾. قال: اللهُ لم يُهلكْ قريةً بإيمانٍ، ولكنَّه يُهْلِكِ القُرَى بظلم ، إذا ظَلَم
أهلُها، [٥٦٣/٢ظ] ولو كانت قريةٌ (١) آمَنَتْ؛ لم يَهْلِكوا مع مَن هَلَك، ولكنَّهم
كَذَّبوا وظَلَموا، فبذلك أُهْلِكوا(٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَآ أُوْتِتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَعُ الْحَيَوِ الذُّنْيَا وَزِينَتُهَا
وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
يقولُ تعالى ذكره : وما أُعْطِيتُم أيُّها الناسُ مِن شىءٍ مِن الأموالِ والأولادِ، فإنما
هو مَتَاعٌ تَتَمَتَّعون به فى هذه الحياةِ الدنيا ، وهو مِن زينتِها التى يُتَزَيَّنُ به فيها ، لا يُغْنى
عنكم عندَ اللهِ شيئًا ، ولا يَنْفَعُكم شىءٌ منه فى مَعادِ كم. ﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ﴾ لأهلِ
طاعتِه ووَلائِتِه ﴿ خَيْرٌ﴾ مما أَوتِيتُمُوه أنتم فى هذه الدنيا مِن متاعِها وزينتِها،
﴿ وَأَبْقَ﴾. يقولُ: وأبْقَى لأُهلِه؛ لأنه دائمٌ لا نَفادَ له .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابنِ إسحاقَ فى قوله: ﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ
(١) فى مصدرى التخريج: ((مكة)).
(٢) فى ت١، ومصدرى التخريج: ((هلكوا)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٨/٩ عن محمد بن سعد به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٣٤/٥ إلى ابن مردويه .

٢٩٣
سورة القصص : الآيتان ٦٠، ٦١
خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قال: خيرٌ ثوابًا، وأَبقَى عِندَنا .
أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: أفلا عُقُولَ لكم أيها القومُ تَنَدَبَّرون بها ،
فَتَعْرِفون بها الخيرَ مِن الشَّرِّ، وتَخْتارون لأَنفُسِكم خيرَ المَتَّزِلَتَيْ على شَرِّهما،
وتُؤْثِرون الدائمَ الذى لا نفادَ له مِن النعيم، على الفانى الذى لا بَقاءَ له .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَقِيهِ كَمَنْ
مَّنَعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مِنَ الْمُحْضَرِنَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ﴾ مِن خَلْقِنا على طاعتِهِ إِيانا - الجنةَ ،
فَآمَن بما وعدْناه وصَدَّق وأطاعَنا، فاسْتَحَقَّ بطاعتِهِ إِيانا أن نُنْجِزَ له ما وعدْناه ، فهو
لاقٍ ما وُعِد، وصائرٌ إليه، ﴿ كَمَنْ منَّعْنَهُ﴾ فى الحياةِ الدنيا مَتاعَها ، فتَمَتَّع به،
ونَسِىَ العملَ بما وعدْنا أهلَ الطاعةِ ، وتَرَكْ طَلَبَه، وَآثَرَ لَذَّةٌ عاجِلةٌ على آجِلَةٍ، ﴿
هُوَ / يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ إذا وَرَد على اللهِ ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. يَعْنى: مِن المُشْهَدِينَ ٩٧/٢٠
عذابَ اللهِ وأليم عقابه .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ
وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَقِيهِ ﴾. قال: هو المؤمنُ، سمِع كتابَ اللهِ فصَدَّق به وآمن بما
وعَد اللهُ فيه، ﴿ كَمَن مَّنَّعْنَهُ مَتَعَ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾. وهو هذا الكافرُ، ليس واللهِ
كالمؤمِنٍ، ﴿ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. أى: فى عذابِ اللهِ(٢) .
(١) ليس فى : م .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٨/٩، ٢٩٩٩ من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٥/٥ إلی عبد بن حميد .

٢٩٤
سورة القصص : الآية ٦١
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ،
قال ابنُ عمرٍو فى حديثه: قولُه: ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: أَخْضِرُوها. وقال
الحارثُ فى حديثه: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: أهلُ النّارِ،
أُخْضِروها(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: أهلُ النارِ، أُخْضِروها .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى من نَزَلتْ فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نَزَلتْ فى
النبيِّ ◌َّهِ وفى أبى جهلِ بنِ هشامٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا أبو النُّعْمانِ الحَكَمُ بنُ عبدِ اللهِ العِجْلُ ، قال : ثنا
شُعْبَةُ، عن أبانٍ بنٍ تَغْلبَ ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَفِيهِ
كَمَنْ مَّنَعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوِ الذُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: نزلتْ فى
النبيِّ ◌َِّ وفى أبى جهلِ بنِ هشامٍ().
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج: ﴿أَفَمَنْ
وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَقِيْهِ﴾. قال: النبيُّ عَّهِ.
(١) تفسير مجاهد ص ٥٣٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٩٩/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٥/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٥٥ من طريق شعبة به بنحوه وسيأتى ص ٢٩٥ .

٢٩٥
سورة القصص : الآية ٦١ - ٦٣
وقال آخرون : نزَلتْ فى حمزةَ وعلىٍّ رضِى اللهُ عنهما، وأبى جهلٍ لعَنهُ
اللهُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا بدلُ بنُ المحْثَرِ التميمىُ(١) ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أُبانٍ
ابنِ تَغْلِبَ، عن مجاهدٍ : ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَفِيهِ كَمَنْ مَّنَّعْنَهُ مَنَ
اُلْحَيَوْقِ الذُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: نزَلتْ فى حمزةَ وعلىٍّ بنِ
أبى طالبٍ وأبى جهلٍ ().
قال : ثنا عبدُ الصمدِ ، قال : ثنا شعبةُ، عن أبانِ بنِ تَغْلِبَ ، عن مجاهدٍ ، قال :
نزَلتْ فى حمزةَ وأبى جهلٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ
قَالَ الَّذِينَ حَقَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ / رَبَّنَا هَدُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا ٩٨/٢٠
٦٣
تَزْعُمُونَ
(٦٣
غَوَيْنَا تَبَأْنَآ إِلَيْكٌَ مَا كَانُواْ إِيَّنَا يَعْبُدُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : ويومَ يُنادى ربُّ العِزَّةِ [٦٤/٢ ٥و] الذين أُشْرَكوا به الأنْدادَ
والأوثانَ فى الدنيا، فيقولُ لهم: ﴿ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ نَزْعُمُونَ﴾ أنهم لى فى
الدنيا شُركاءُ؟ ﴿ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. يقولُ: قال الذين وجَب عليهم
غضبُ اللهِ ولعنتُه، وهم الشياطينُ الذين كانوا يُغْؤُون بنى آدمَ: ﴿ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ
أَغْوَيْنَآَ أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَبِنَّاً﴾ .
(١) فى ص، ت١، ت٢: ((الثعلبى))، وفى م: ((التغلبى)). والمثبت من مصادر ترجمته. ينظر تهذيب
الكمال ٢٨/٤.
(٢) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٥٥ من طريق بدل بن المحبر به .

٢٩٦
سورة القصص : الآيات ٦٣ - ٦٦
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً
فى قولِه: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيَنَّهُمْ كَمَا غَوَيَناً﴾. قال: هم الشياطينُ().
وقولُه: ﴿تَبَرَّأَنَا إِلَيْكٌَ﴾. يقولُ: تبرَّأْنا مِن وَلايتهم ونُصْرَتِهم إليك، ﴿ مَا
كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾. يقولُ: لم يكونوا يَعْبُدوننا .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَّكَّكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ
٦٤
وَرَأَوْاْ الْعَذَابَّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْنَدُونَ
يقولُ تعالى ذكره : وقيلَ للمشركين باللهِ الآلهةَ والأنْدادَ فى الدنيا : ادْعُوا
شركاءَكم الذين كنتم تَدْعون مِن دونِ اللهِ . ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾. يقولُ :
فلم يُجِيبوهم، ﴿ وَرَوَأْ الْعَذَابَّ﴾. يقولُ: وعَايَنوا العذابَ، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ
يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: فَوَدُّوا حينَ رَأْوًا العذابَ لو أنهم كانوا فى الدنيا مُهْتَدِين للحقِّ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
(٦٦
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يُنادى اللهُ هؤلاء المشركين فيقول لهم: ﴿مَاذَآ
أَجَبَتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ فيما أرْسَلْناهم به إليكم، مِن دُعائِكم إلى توحيدِنا ، والبراءةِ مِن
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٩٢/٢ عن معمر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٠/٩ من طريق
سعيد بن بشير، عن قتادة. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٠/٩ مطولا من طريق شيبان ، عن قتادة
النحوى بلفظ: هم الجن . وبهذا اللفظ ذكره السيوطى مطولا فى الدر المنثور ١٣٥/٥، وعزاه إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .

٢٩٧
سورة القصص : الآية ٦٦
الأوثانِ والأصنامِ؟ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَتِهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَيِذٍ﴾. يقولُ: فخَفِيَتْ عليهم
الأخبارُ. مِن قولهم: قد عَمِىَ عنى خبرُ القومِ. إذا خَفِىَ. وإنما عَنَى بذلك أنهم
عَمِيَتْ عليهم الحُجَّةُ، فلم يَدْرُوا ما يَحْتَجُون؛ لأن الله تعالى ذكرُه قد كان أَبْلَغ
إليهم فى المغذِرَةِ ، وتابع علیھم الحجّةَ ، فلم تَكْ لهم حجّةٌ يَخْتُون بها ، ولا خبرٌ
يُخْبِرون به ، مما يكونُ لهم به نجاةٌ ومَخْلَصٌ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٩٩/٢٠
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ ﴾. قال: الحُجَجُ. يَغْنِى الْحُكَّةَ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَهِمُ الْأَنْبَاءُ ﴾. قال: الحججُ .
قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ فى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبَتُمُ
اَلْمُرْسَلِينَ﴾. قال: بلا إلهَ إلا اللهُ، التوحيدِ .
وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَآءَ لُونَ﴾. (قيلَ: فهم لا يَتَساءَلون) بالأنسابِ
والقَرَابةِ .
(١) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٠/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٥/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت١.

٢٩٨
سورة القصص : الآيتان ٦٦، ٦٧
ذكرُ مَن قال ذلك
:
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿فَهُمْ لَا يَتَسَآءَلُونَ﴾. قال: لا يَتَساءَلون بالأنسابِ، ولا يَتَماتُّون(١) بالقَرَاباتِ،
إنهم كانوا فى الدنيا إِذا الْتَّقَوْا تَساءَلوا وتَمَاتُوا(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُريجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال: بالأنسابِ .
وقيلَ : معنَى ذلك: فَعَمِيَتْ عليهم الحُجَجُ يومَئِذٍ، فسَكَتوا، فهم لا يَتَساءَلون
فی حالٍ سكوتھم .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن
يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ
(٦٧
يقولُ تعالى ذكره : فأما من تاب مِن المشركين ، فأناب وراجع الحقَّ، وأُخْلَص
للهِ الأَلُوهَةَ، وأَفْرَد له العبادةَ، فلم يُشرِكْ فى عبادتِه شيئًا، ﴿ وَءَامَنَ ﴾. يقولُ:
وصدَّق بنبيّه محمدٍ عَظ له. ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وعمِل بما أمَرَه اللهُ بعملِه فى
كتابِهِ، وعلى لسانِ رسولِه ◌َ الَه، ﴿فَعَسَىَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾. يقولُ:
فهو مِن المُتُجِحِين المُدْرِكِين طَلِبِتَهم عندَ اللهِ، الخالدين فى جِنانِه. و((عسى))
(١) الثَّماتُّ من المتّ، والمتُّ: التَّوسُّل والتَّوَصُّل بِقَرابةٍ أو حُرمةٍ أو غير ذلك. ينظر تاج العروس
(م ت ت) .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٣١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠٠/٩. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٥/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر، وفى هذه المصادر إلى قوله: بالأنساب.
٠٠

٢٩٩
سورة القصص : الآية ٦٨
مِن اللهٍ واجِبٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ
ج
٦٨
لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَكَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
يقولُ تعالى ذكره : وربُّك يا محمدُ يَخْلُقُ ما يشاءُ أن يَخْلُقَه ، ويَخْتارُ لوَلايتِه
الخِيَرَةَ مِن خلقِه، ومَنْ سَبَقَت له منه السعادةُ. [٥٦٤/٢ظ]
وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَةُ﴾ والمعنى ما
ج
وَصَفْتُ ؛ لأن المشركين كانوا - فيما ذُكِر عنهم - يَخْتارون أموالَهم فيَجْعَلونَها
لآلهتهم، فقال اللهُ لنبيّه محمدٍ / عَّهِ: وربُّك يا محمدُ يَخْلُقُ ما يشاءُ أن يَخْلُقُه ،
ويَختارُ للهدايةِ والإيمانِ والعملِ الصالحِ مِن خَلْقِهِ، ما هو فى سابِقٍ عِلمِه أنه
خيرَتُهم ، نظيرَ ما كان مِن هؤلاء المشركين لآلهتهم خيارٌ أموالهم ، فكذلك اختيارى
لنفسى، واجْتِبائی لوَلايتى، واصْطِفائى لخِدْمَتى وطاعتى - خيارَ مَمْلَكتى وخَلْقى.
١٠٠/٢٠
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ
اْخِيَرَةُ﴾. قال: كانوا يَجْعَلون خيرَ أموالهم لآلهتهم فى الجاهليةِ ().
فإذا كان معنى ذلك كذلك، فلا شك أن ﴿ مَا﴾ مِن قوله: ﴿وَيَخْتَارُ مَا
ج
كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ فى موضعٍ نصبٍ، بوقوعِ ﴿ وَيَخْتَارٌ﴾ عليها، وأنها
ج
بمعنى ((الذى)).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠١/٩، ٣٠٠٢ عن محمد بن سعد به .

٣٠٠
سورة القصص : الآية ٦٨
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمر كما وَصَفْتَ ؛ مِن أن ﴿مَا﴾ اسمٌ منصوبٌ
بوقوعِ قوله: ﴿ وَيَخْتَارُ﴾ عليها، فأين خبرُ ﴿كَانَ﴾؟ فقد عَلِمتَ أن
ذلك إذا كان كما قلتَ؛ أن فى ﴿كَانَ﴾ ذِكْرًا مِن ﴿مَا﴾، ولابُدَّ
ل﴿ كَانَ﴾ - إذا كان كذلك - مِن تَام، وأينَ التمامُ ؟
قيل : إن العربَ تَجْعلُ لحروفِ الصِّفاتِ إِذا جاءتٍ الأخبارُ بعدَها أحيانًا ،
أخبارًا، كفِعْلِها بالأسماءِ(١) إذا جاءَتْ بعدَها أخبارُها؛ ذكَرِ الفَرَّاءُ أن القاسمَ بنَ معنٍ
أَنْشَدَه قولَ عنترةَ(٢) :
أمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنْ تَذْرِيفُ لو كان ذا مِنْكِ قَبْلَ اليومِ مَعْروفُ
فَرَفَع ((معروفًا)) بحرفِ الصِّفَةِ(٣)، وهو لا شكَّ خبرٌ لـ ((ذا)). وذكر أن
المُفَضَّلَ أَنْشَدَه ذلك :
لو أنَّ ذا منكِ قبلَ اليومِ معروفُ *
ومنه أيضًا قولُ عمرَ بنٍ أبى ربيعةً(٤):
/قلتُ أَچِیبی عاشِقًا
بحبّكُمْ مُكَلَّفُ (٥)
١٠١/٢٠
وكاعِبٌ ومُسْلِفُ(٦)
فيها ثَلاثٌ كالدُّمَى
(١) فى ص، ت١، ت٢: ((بالأشياء)). والمثبت من م هو الصواب الموافق للسياق.
(٢) شرح ديوانه ص ٩١. وعنده: ((سُهَيَّة)) مكان ((سمية))، و((أن ذا)) مكان ((كان ذا)).
(٣) يعنى بحرف الصفة هنا: ((مِنْ)) فى قوله فى البيت: ((مِنْكِ)).
(٤) شرح ديوانه ص ٤٦١، ٤٦٢. والبيت الثانى مذكور فى اللسان (س ل ف). كرواية المصنف.
(٥) كَلِف بالشىء فهو كلِف ومُكلَّف: لَهِج به. وكلِف بها أشدَّ الكَلَف. أى: أحبَّها. ينظر اللسان (ك ل ف).
(٦) المسلف من النساء: النَّصَف . وقيل: هى التى بلغت خمسا وأربعين ونحوها، وهو وَصْف خُصَّ به
الإناث . اللسان (س ل ف) .