النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١
سورة القصص : الآيتان ٢٩، ٣٠
وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ نَصْطَلُونَ﴾. يقولُ: لعلكم تَتَسَخَّنون(١) بها من البَردِ .
وكان فى شتاءٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَنَهَا نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى
الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَىَ إِنَّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
/ يقولُ تعالى ذكرُه: فلما أتَى موسى النارَ التى آنَس من جانبِ الطورِ، ٧١/٢٠
﴿نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ اَلْأَيْمَنِ﴾. يعنى بالشاطئَّ الشَّطَّ، وهو جانبُ الوادى
وُدْوَتُه، والشاطئُّ يُجْمَعُ شَواطئَّ وشُطْآنَ، والشَّطُّ الشُّطُوطَ. و((الأيمنُ)) (" من
نعت٢ٍ) الشاطئّ، عن يمين موسى .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿مِن شَطِيِ الْوَادِ الْأَمَنِ﴾. قال ابنُ عمرٍو فى حديثه: عندَ الطورِ. وقال
الحارثُ فى حديثه: مِن شاطئٌّ الوادى الأيمنِ عندَ الطورِ، عن يمين موسى (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا أَتَنْهَا نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ . قال : شِقِّ الوادى عن
(١) فى م، ت٢: ((تسخنون)).
(٢ - ٢) فى م: (( نعت من)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٢٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٢/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٢٨/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
( تفسير الطبرى ١٦/١٨ )
٢٤٢
سورة القصص : الآية ٣٠
يمينِ موسى ، عندَ الطورِ .
وقولُه: ﴿فِي الْبُفْعَةِ الْمُبَرَكَةِ﴾ مِن صلةِ الشاطئُّ.
وتأويلُ الكلام : فلما أتاها نادَى اللهُ موسى مِن شاطئ الوادى الأيمن ، فى البقعةِ
المباركةِ منه، ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَمُوسَىّ إِنَّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾.
وقيل: إن معنى قوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾: عندَ الشجرةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا أَتَنْهَا نُودِىَ
مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِىِ الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾. قال: نُودِى مِن عندٍ
الشجرةِ: ﴿أَنْ يَمُوسَىَ إِلَّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾(١).
وقيل : إن الشجرةَ التى نادَى موسى منها ربُّه شجرةُ عَوْسَج . وقال بعضُهم :
بل كانت شجرةَ العُلَّيقِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً
فى قولِه: ﴿اَلْبُقْعَةِ الْمُمَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾. قال: الشجرةُ عَوْسَجٌ. قال
معمرٌ: " وقال غيرُ قتادةَ: عصا موسى مِن العَوْسَجِ، والشجرةُ مِن العَوْسَجِ .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن بعضٍ مَن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢ - ٢) فى م، ت٢: ((عن)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٩١/٢ عن معمر به.
٢٤٣
سورة القصص : الايات ٣٠ - ٣٢
لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهِ: ﴿إِّ ءَانَسْتُ نَارًا﴾. قال: خرَج نحوَها فإذا
هى شجرةٌ مِن العُلَّيقِ، وبعضُ أهلِ الكتابِ يقولُ: هى عَوْسَجةٌ().
حدَّثنا ابنُ وكبعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةً، عن الأعْمشِ، عن عمرو بنِ مُرَّةَ، عن
أبى عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: رأيتُ الشجرةَ التى نُودِى منها موسى ؛ شجرةَ
سَمُرَةٍ(٢) خضراءَ تَرِفُ (٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَلَمَّا رَءَاهَا نَهَرُ كَأَنَّهَا جَانٌ
أُسْلُكْ
٧٢/٢٠
٣١
وَلَى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَمُوسَىَ أَقْبِلْ وَلَا / تَخَفّْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ
يَدََكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِّ
فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّيِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ: إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا
فَسِقِينَ
٣٢
يقولُ تعالى ذكرُه: نُودِى موسى: أن يا موسى إنِّى أنا اللهُ ربُّ العالمين، وأن
ألْقِ عصاك. فألقاها موسى، فصارت حيةً تَشْعَى، فلما رآها موسى ﴿نَهَتَّزُ﴾.
يقولُ: تَتَحَرَّكُ وَتَضْطَرِبُ ﴿كَأَنَّهَا جَنٌ ﴾. والجانُّ: واحدُ الجَنَّانِ، وهى نوعٌ
معروفٌ مِن أنواع الحيَّاتِ، وهى منها عظامٌ. ومعنى الكلام: كأنها جانٌّ مِن
الجِنَّانِ(٥)، ﴿وَلَّ مُدْبِرًا﴾ . يقولُ: وَلَّى موسى هاربًا منها .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَّى
(١ - ١) فى م: ((بعض أهل العلم))، وفى ت٢: ((بعضهم).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٠١/١، ٤٠٢ .
(٣) فى م: ((سمراء))، وفى تاريخ دمشق: ((سمر)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٤٤/٦ عن المصنف، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٤٨/٦١ من طريق
عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود .
(٥) فى ص، م، ت١: ((الحيات)).
٢٤٤
سورة القصص : الآيتان ٣٢،٣١
مُدْبِرًا﴾: فارًّا منها، ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: ولم يَرْجِعْ على عَقِبَيْهِ (١) .
وقد ذكّرنا الروايةَ فى ذلك، وما قالَه أهلُ التأويلِ، فيما مضَى(١)، فَكَرِهْنا
إعادتَه، غيرَ أَنا نَذْكُرُ فى ذلك بعضَ ما لم نذكُرْه هنالك .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾
يقولُ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبَّ﴾. أى: لم يَلْتَفِتْ مِن الفَرَّقِ(٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّئِّ: ﴿ وَلَمْ
يُعَقِّبَّ﴾. يقولُ: لم يَنْتَظِرُ(٤) .
وقوله : ﴿ یَمُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَف ﴾ . يقول تعالى ذكره : فتُودِی موسى : يا
موسى ، أَقِبِلْ إِلىَّ ولا تَخَفْ مِن الذى تَهْرُبُ منه، ﴿ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ﴾ مِن أن
يَضُرَّك ، إنما هو (٥) عَصاك.
وقولُه: ﴿ أَسْلُكْ يَدَكَ فِ جَيْبِكَ﴾. يقولُ: أدخِلْ يَدَك . وفيه لغتان : سَلَكْتُه
وأسْلَكْتُه ﴿فِي جَيْبِكَ﴾. يقولُ: فى جَيْبٍ قميصِك .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَسْلُكَ يَدَكَ فِى
جَيْبِكَ﴾. أى: فى جَيْبٍ قميصِك(١).
وقد بَيَّنَّا [٥٥٧/٢ظ] فيما مضى السببَ الذى مِن أجله أمر أن يُدْخِلَ يدَه فى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٥/٩ من طريق يزيد به .
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ١٤، ١٥.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٨/٩ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٥ إلى
عبد بن حميد .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٨/٩ من طريق عمرو به ، وتقدم أوله فى ص ١٥٠.
(٥) فى ت١: ((هى)). وقوله: هو. عائد على قوله : الذى تهربه منه .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٥ إلى عبد بن حميد.
٢٤٥
سورة القصص : الآية ٣٢
(١)
الجيبِ دونَ الكُمِّ(١).
وقولُه: ﴿ تَخْرُجُ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ﴾. يقولُ: تخرجْ بيضاءَ مِن غيرِ بَرَصٍ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ ، عن الحسنِ
فى قوله: ﴿ أَسْلُكَ يَدََكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيَضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ﴾. قال: فخرَجَت
كأنها المصباح، فأيقَن موسى أنه لَقِى ربَّه(٢) .
وقولُه: ﴿ وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ يقولُ: واضْمُمْ إِليك يَدَك .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرِيج،
قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿ وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾. قال: يَدَكَ(١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ
جَنَاحَكَ﴾. قال: / وجَناحاه الذراعُ، والعَضُدُ هو الجَنَامحُ، والكَفُّ اليدُ،
﴿ وَأَضْمُمْ يَذَكَ إِلَى جَنَلِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ﴾ (٢) [طه: ٢٢].
٧٣/٢٠
وقولُه: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾. يقولُ: مِن الخوفِ والفَرَقِ الذى قد نالَك مِن
مُعاينتِك ما عاينتَ مِن هَوْلِ الحِيّةِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٢٠ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٢٨٥٠، وابن عساكر فى تاريخه ٥١/٦١ من طريق قرة به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٥ إلى المصنف وابن المنذر .
(٤) تقدم فى ٤٩/١٦ .
٢٤٦
سورة القصص : الآية ٣٢
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾. قال: من الفَرَقِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ
جَنَامَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾. أى: مِن الرُّعْبٍ(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿مِنَ
الرَّهْبِ﴾. قال: مما دخَله مِن الفَرَقِ مِن الحيّةِ والخوفِ. وقال: ذلك الرَّهْبُ. وقَرأ
قولَ اللهِ: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال: خوفًا وطَمَعًا(٣).
واختلفت القَرَأَةُ فى قراءةٍ ذلك ؛ فقرأته عامةُ قَرَأَةِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ : ( مِنَّ
الرَّهَبِ ) بفتح الراءِ والهاءِ) . وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ( مِنَ الرُّهْبِ ) بضَمِّ الراءِ
وتَشْكينِ الهاءِ() .
والقولُ فى ذلك أنهما قراءتان مُتَّفِقتا المعنى مشهورتان فى قَرَأةِ الأمصارِ ،
فبأيَّتِهما قَرأ القارئُّ فمُصِيبٌ .
وقولُه: ﴿ فَذَنِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّيِِّكَ﴾. يقول تعالى ذكره : فهذان اللذان
(١) تفسير مجاهد ص ٥٢٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٥/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٢٨/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٥/٩ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٥ إلى
عبد بن حميد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٦/٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد .
(٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وأبى جعفر ويعقوب. النشر ٢٥٦/٢ .
(٥) وهى قراءة حمزة والكسائى وأبى بكر وخلف. المصدر السابق ولم يذكر المصنف قراءة حفص بفتح الراء
وإسکان الهاء .
٢٤٧
سورة القصص : الآية ٣٢
أَرَيْتُكهما يا موسى مِن تحوَّلِ العصا حَيَّةً ، ويَدِك وهى سمراءُ، بيضاءَ تَلمَعُ مِن غيرِ
بَرَصِ - ﴿ بُرْهَنَانِ﴾. يقولُ: آيتان وحُجَّتان.
وأصلُ البرهانِ البيانُ، يقالُ للرجلِ يقولُ القولَ إذا سُئل الحُجَّةَ عليه: هاتٍ
بُرْهانَك على ما تقولُ . أى : هاتٍ تِئْيانَ ذلك ومِصْداقَه .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿فَذَنِكَ
بُرْهَنَانِ مِن رَّيِّكَ﴾: العَصا واليدُ آيتانِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: " حدَّثنا أبو عاصم قال: حدَّثنا عيسى،
وحدَّثنى الحارثُ، قال٢٢: ثنا الحسنُ(٢)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا) عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿ فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّيِّكَ﴾: تِئْيانان مِن
• (٥)
ربِّكْ
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِنْ
رَّيِِّكَ ﴾ : هذانِ بُوهانان(١) .
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٠١/١ .
(٢ - ٢) سقط من: م، ت٢ .
(٣) فى م: ((الحسين)).
(٤) سقط من : م .
(٥) تفسير مجاهد ص ٥٢٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٦/٩ بلفظ: العصا واليد . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٦/٩ من طريق سلمة به .
٢٤٨
سورة القصص : الآية ٣٢
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَذَانِكَ
بُرْهَنَانِ مِن رَّكَ﴾. فَقَرأ: ﴿هَاتُواْ بُهَنَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤]: هاتُوا على ذلك
آيَةً نعرفُها. وقال: ﴿بُرْهَنَانِ﴾: آيتان مِن اللهِ(١) .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ فَذَئِكَ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ ،
٧٤/٢٠ سِوى ابنٍ كثيرٍ وأبى عمرٍو: / ﴿فَذَانِكَ﴾ بتَخْفيفِ النونِ(١)؛ لأنها نونُ الاثنين.
وقَرأه ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو : (فَذَائِّكَ ) بتشديدِ النونِ .
واختلف أهلُ العربيةِ فى وَجْهِ تَشْديدِها؛ فقال بعضُ نحوِّى البصرةِ(*) : ثَقَّلَ
النونَ مَن ثَقَّلها للتوكيدِ، كما أُدخَلوا اللامَ فى ((ذلك)). وقال بعضُ نَحْوِنِّى
الكوفةِ(٥): شُدِّدَت فَوْقًا بينَها وبينَ النونِ التى تَسقُطُ للإضافةِ؛ لأن ((هاتان وهذان))
لا تضافُ. وقال آخرُ منهم(١): هو مِن لغةٍ مَن قال: " هذاا قال ذلك". فزادَ على
الألفِ ألفًا، كذا زادَ على النونِ نونًا؛ ليفْصلَ بينَها وبينَ الأسماءِ المتُمَكّنةِ . وقال فى
((ذانِك))(٨): إنما كانت ذلك (١) فى مَن قال: هاذانى (١٠): يا هذا. فكَرِهوا تثنيةً
الإضافةِ، فأعقَبوها باللام؛ لأن الإضافةَ تُعَقَّبُ باللام. وكان أبو عَمْرٍو يقولُ:
(١) سقط من : م .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٦/٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد .
(٣) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى . ينظر حجة القراءات ص ٥٤٤ .
(٤) هو الأخفش كما فى تهذيب اللغة ٣٤/١٥ .
(٥) هو الفراء . المصدر السابق .
(٦) هو الكسائى . المصدر السابق .
(٧ - ٧) فى ص، ت١، ت٢: ((هذا قال ذاك)).
(٨) فى ص، ت١، ت٢: ((ذلك)).
(٩) فى ص، ت١، ت٢: ((ذانك)).
(١٠) فى م، ت١: ((هذان))، وفى ت٢: (( هذانى)).
٢٤٩
سورة القصص : الآيات ٣٢ - ٣٤
التشديدُ فى النونِ فى : ( ذَانِّك ) مِن لغةٍ قريشٍ .
﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهٍ﴾. يقولُ: إلى فرعونَ وأشرافٍ قومِه، حُجَّةٌ
عليهم، ودلالةٌ على حقيقةٍ نُيُوَّتِك يا موسى؛ ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴾ .
يقولُ : إن فرعونَ وملأَه كانوا قومًا كافرين .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّ قَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ
وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِيِّ إِّ
يَقْتُلُونِ (مَـ
٣٤
أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُوُنِ
يقولُ تعالى ذكرُه : قال موسى: ربِّ إنى قَتَلْتُ مِن قوم فرعونَ نفسًا ، فأخافُ
إن أتيتُهم فلم أُبِنْ عن نفسى بحجةٍ ، أَن يَقْتُلُونى؛ لأن فى لسانى عُقْدَةً ، ولا أُبِئُ
معها ما أريدُ مِن الكلامِ، ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّ لِسَانًا﴾. يقولُ:
أحسنُ بَيَانًا عما يريدُ أن يُبَيِّنَه، ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا﴾. يقولُ: عَوْنًا،
يُصَدِّقُنِىِّ﴾. أى: يُبيِّنُ لهم عنى ما أخاطبُهم به .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَأَخِى هَرُونُ
هُوَ أَفْصَحُ مِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًاً يُصَدِّقُتِىّ﴾. أى: يُبَيِّنُ لهم عنى ما
أُكَلِّمُهِم بِه ، فإنه يَفْهَمُ ما لا يَفْهَمون (١) .
وقيل: إنما سأل موسى ربَّه أن يُؤَيِّدَه بأخيه؛ لأن الاثنين إذا اجْتَمعا على الخبرِ ،
كانت النفسُ إلى تَصْدِيقِهما أسْكَنَ منها إلى تصديقِ خبرِ الواحدِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٧/٩ من طريق سلمة به .
٢٥٠
سورة القصص : الاية ٣٤
مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِىِّ﴾: لأن الاثنين أخْرَى أَن يُصَدَّقا مِن واحدٍ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ((الرِّدْءِ)) (١) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِىِّ﴾. قال: عَوْنًا(٢) .
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
٧٥/٢٠
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رِدْءًا
يُصَدِّقُتِىّ﴾. أى: عونًا(٢) .
وقال آخرون : معنى ذلك : كيما يُصَدِّقَنى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿رِدْءًا يُصَدِّقُتِىٌّ﴾. يقولُ: كى يُصَدِّقَى(٤).
(١) فى مٍ، ت٢ : ((ذلك)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٢٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٧/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٢٨/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٩١/٢ من طريق معمر، عن قتادة. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٥
إلی عبد بن حميد .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٧/٩ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٢٨/٥ إلى ابن المنذر .
٢٥١
سورة القصص : الآية ٣٤ ، ٣٥
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ
رِدْءًا يُصَدِّقُتِىٌّ﴾. يقولُ: كيما يُصَدِّقَى(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال: ثنی عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُتِىِّ﴾ . يقولُ: كيما يُصَدِّقَنِى.
و ((الرِّدْءُ)) فى كلامِ العربِ هو العَونُ، يقالُ منه: قد أردأتُ فلانًا على أمْرِه.
أى: أَكْتَفْتُهُ(٢) وأَعَنْتُه .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿يُصَدِّقُنِيّ﴾؛ فقرأَتَه عامةُ قرأةِ الحجازِ
والبصرةِ: (رِدْءًا يُصَدِّقْنِى) بجزم ((يُصَدِّقْ))(٢). وقَرأ عاصمٌ وحمزةُ:
يُصَدِّقُتِيِّ﴾ برفعِه. فمَن رفَعه جعلَه صلةٌ لـ ((الردءِ))، بمعنى: فأرسِلْه معى رِدْءًا،
مِن صفتِه يُصَدِّقُنى. ومَن جزَمه جعَله جوابًا لقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ ﴾؛ فإنك إذا أرسَلْتَه
صَدَّقَنى. على وجهِ الخبرِ. والرفعُ فى ذلك أحبُّ القراءتَين إلىَّ؛ لأنه مسألةٌ مِن
موسى ربَّه أن يُؤْسِلَ أخاه عونًا له بهذه الصفةِ .
وقولُه: ﴿إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾. يقولُ : إنى أخافُ ألا يُصَدِّقونی على
قولی لهم : إنی أُرسلتُ إليكم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا
(٣٥
سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِثَايَتِنَأُ أَنْتُمَا وَمَنِ أَتَبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ أى: نُقَوِّيك
(١) تقدم أوله فى ص ١٥٠ .
(٢) فى م، ت٢ : ((أكفيته).
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبى عمرو والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٥٤٦ .
٢٥٢
سورة القصص : الآية ٣٥
ونُعِينُك بأخيك. تقولُ العربُ إذا أعَزَّ رجلٌ رجلًاً وأعانَه ومنعه ممن أرادَه بظلم : قد
شَدَّ فلانٌ على عَضُدٍ فلانٍ. وهو مِن: عاضَدَه على أمرِه : إذا أعانَه . ومنه قولُ ابن
(١)
مُقْبِلٍ(١) :
عاضَدْتُها بعَنودٍ غيرٍ مُعْتَلَثٍ(٢) كأنه وَقْفُ عاجِ(٢) باتَ مَكْنُونا
/ يعنى بذلك: قوسًا عاضَدَها بسهمٍ .
٧٦/٢٠
وفى العضدِ لغاتٌ أربعُ، أجودُها : العَصُدُ، ثم العَصْدُ، ثم العُضْدُ،
والعَضِدُ() . يُجْمعُ جميعُ ذلك على أعضادٍ .
وقولُه: ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾. يقولُ: ونَجْعَلُ لكما حَُّةً.
کما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثناعیسی ، وحدّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: محُجَّةً(٥).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرُو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ وَنَجْعَلُ
(١) ديوانه ص ٣٢٤، ٣٢٥، وهما بيتان، بينهما بيت ثالث، وعجز الشطر الأول: ترن منه متون حين
يجرينا . وصدر الثانى : ثم انصرفت به جذلان مبتهجا .
(٢) المعتلث من السهام : الذی لا خير فيه . اللسان (ع ل ث).
(٣) وقف عاج : السّوار من العاج .
(٤) فى اللسان (ع ض د) خمس لغات وترتيبها فيه كالتالى: العَضُد، والعَصْد، والعُضُد، والعُضْد،
والعضِد .
(٥) تفسير مجاهد ص ٥٢٩ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن
حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم ، وليس هذا اللفظ عند ابن أبى حاتم .
٢٥٣
سورة القصص : الآيات ٣٥ - ٣٧
لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: والسلطانُ الحُجَّةُ(١)
وقولُه : ﴿فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : فلا يَصِلُ إِليكما فرعونُ
وقومه بشوء .
وقولُه: ﴿إِثَايَتِنٌَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يَصِلُ إليكما فرعونُ، ﴿ بِحَايَِّنَّأُ
أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا اُلْغَالِبُونَ﴾. فالباءُ فى قوله: ﴿ ◌ِتَايَتِنَا﴾ مِن صلةِ ((غاليون)).
ومعنى الكلام: أنتما ومَن اتبعكما الغاليون فرعونَ وملأَّه ﴿ِثَايَتِنَا﴾، أى: بحُجَّتِنا
وسُلطانِنا الذى تَجْعُلُه لكما .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌ُوسَى بِشَايَئِنَا بَيِّنَتٍ قَالُواْ مَا هَذَا
إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرَّى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَابَآَيِنَا الْأَوَّلِينَ
(٣٦
يقولُ تعالى ذكره: فلما جاء موسى فرعونَ وملأَّه بأدلَّتنا ومحُجَجِنا بيناتٍ أنها
حُجَجْ شاهِدةٌ بحقيقةٍ (١) ما جاء به موسى مِن عندِ ربِّه، قالوا لموسى : ما هذا الذى جئتنا به
إلا سحرٌ افتريتَه مِن قِبَلِك، وتَخرَّصْتَه كذبًا وباطلًا، وما سَمِعنا بهذا الذى تَدْعُونا إليه،
مِن عبادةِ مَن تَدْعونا إلى عبادِه، فى أسلافِنا وَآبائنا الأولين الذين مَضَوا قَبْلَنا.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبِ أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ
عِنْدِهِ، وَمَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
٣٧
يقولُ تعالى ذكرُه : وقال موسى مُجِيبًا لفرعونَ: ربِّى أعلمُ بالمحِقِّ مِنَّا يا فرعونُ
مِن المُبْطِلِ، ومَن الذى جاء بالرشادِ إلى سبيلِ الصوابِ ، والبيانِ عن واضح الحُجَّةِ
مِن عندِهِ، ومَن الذى له العُقْبَى المحمودةُ فى الدارِ الآخرةِ مِنَّا. وهذه مُعارضةٌ مِن نبيِّ
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٠١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٣٠/٣ من طريق أسباط
به .
(٢) فى ت١: ((على حقيقة)).
٢٥٤
سورة القصص : الآيتان ٣٧ ، ٣٨
اللهِ موسى عليه السلامُ لفرعونَ، وجميلُ مُخاطبةٍ ، إذ ترَك أن يقولَ له : بل الذى غَّ
قومَه ، وأهلَك جنودَه، وأضلَّ أتباعَه ، أنت لا أنا . ولكنه [٥٥٨/٢ظ] قال: ﴿ رَبِّ
أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى / مِنْ عِندِهِ، وَمَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ ﴾ ثم بالَغ فى ذمّ
عدوّ اللهِ بأجملَ مِن (١) الخطابِ، فقال: ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: إنه لا
يُنْجِحُ ولا يُدْرِكُ طَلِبَتَهُ(٢) الكافرون باللهِ. يَعنِى بذلك فرعونَ، أنه لا يُفْلِحُ ولا
يُنْجِعُ؛ لكُفْرِه بربّه(٣).
٧٧/٢٠
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ بَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ
إِلَاٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الْطِينِ فَاجْعَل ◌ِ صَرْحًا لَعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ إِلَاءِ
٣٨
مُوسَى وَإِنِّ لَأَظُتُهُ مِنَ الْكَذِينَ
يقولُ تعالى ذكره: وقال فرعونُ لأشرافٍ قومِه وسادتِهم: ﴿ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا
عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى ﴾ فتَعْبُدوه وتُصَدِّقوا موسى فيما جاءَ كم به ؛ مِن
أن له ولكم ربًّا غيرى ومعبودًا سِواىَ، ﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ﴾. يقولُ:
فاعْمَلْ لى آجُرًّا. وذُكِر أنه أوَّلُ مَن طبخ الآجُرَّ وبنَى به .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ﴾. قال: على المَدَرِ يكونُ لَبِنًا مطبوخًا .
(١) سقط من : ت١.
(٢) فى م: (( طلبتهم )) .
(٣) فى م : (( به )).
(٤) بعده فى م: ((قول)).
٢٥٥ ٪
سورة القصص : الآية ٣٨
قال ابنُ مجرَيج: أوَّلُ مَن أَمَر بصنعةِ الآمجرّ وبَنَى به فرعونُ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَوْقِدْ لِى يَهَمَنُ
عَلَى الطِّينِ﴾. قال: فكان أوَّلَ مَن طبخ الآمجرّ بَينى به الصَّرْحَ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ :
( فَأَوْقِدْ لِىِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ﴾. قال: المطبوخُ الذى يُوقَدُ عليه هو مِن طينٍ يَتْنون
.(٣)
به البنيانَ(٣) .
وقولُه: ﴿فَاجْعَل لِ صَرْحًا﴾. يقولُ: ابْنِ لى الآجرّ(٤) بناءً. وكلُّ بناءٍ
مُسَطَّحٍ فهو صَرٌْ؛ كالقصرِ، ومنه قولُ الشاعرِ(٥) :
بِهنَّ نَعامٌ(٢) بَناها الرجا لُ تَحْسَبُ أعْلامَهن الصُّرُوحا
يعنى بالصُّرُوحِ جمعَ صَرْحٍ .
/ وقولُه: ﴿لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾. يقولُ: أَنْظُرُ إلى معبودٍ موسى ٧٨/٢٠
الذى يعبُدُه ويَدْعو إلى عبادتِه ، ﴿ وَإِنِّي لَأَظُهُ ﴾ فيما يقولُ مِن أن له معبودًا يَعْبُدُه
فى السماءِ، وأنه هو الذى يُؤَيِّدُه ويَنْصُرُه، وهو الذى أرسَله إلينا - ﴿مِنَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٩/٩ من طريق ابن جريج به. وقول ابن جريج عزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٢٩/٥ إلى ابن المنذر .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٠٥/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٩/٩ من طريق سعيد به .
وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٩١/٢ من طريق معمر عن قتادة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٩/٩ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٤) فى م: (( بالآجر)).
(٥) هو أبو ذؤيب الهذلى، والبيت فى ديوان الهذليين ١٣٦/١، ورواية الشطر الثانى هكذا: تلقى النفائض
فيها السريجا .
ورواية المصنف هى رواية أبى عبيدة فى مجاز القرآن ١٠٥/٢.
(٦) النعام : خشب ينصب ويرمى عليها الثمام، يستظل تحتها الربيئة. شرح ديوان الهذليين ٢٠٤/١ .
٢٥٦
سورة القصص : الآيات ٣٨ - ٤٠
اُلْكَذِبِينَ﴾ .
فذُكِر لنا أن هامانَ بنَى له الصَّرْحَ، فارتقَى فوقَه ، فكان مِن قصتِه وقصةِ ارتقائِه
ما حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ، قال : قال فرعونُ
القومِه: ﴿ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى
اُلْطِّينِ فَاجْعَل ◌ِ صَرْحًا﴾ لعلى أذهبُ فى السماءِ فَأُنظرَ إلى إلهِ موسى. فلما بَنَى له
الصرحَ، أرتقَى فوقَه، فأمَر بِنُشَّابةٍ ، فرمَى بها نحوَ السماءِ، فرُدَّتْ إِليه وهى مُتَلَطِّخةٌ
دَمًّا ، فقال : قد قتَلتُ إلهَ موسى(١) . تعالى الله عما يقولون .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأُسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ
اُلْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِ اَلْيَشِّ
٤
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ
يقولُ تعالى ذكره : واستَكْبَر فرعونُ وجنودُه فى أرضِ مصرَ عن تصديقٍ موسى
واتباعِه على ما دَعاهم إليه مِن توحيدِ اللهِ، والإقرارِ بالعبودةٍ له، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ .
يعنى: تَعَدِّيًا وعُتُوًّا على ربِّهم، ﴿ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. يقولُ:
وحَسِبوا أنهم بعدَ مَماتِهِم لا يُتْعَثُون ، ولا ثوابَ ولا عقابَ ، فركِبوا أهواءهم، ولم
يَعْلَموا أن الله لهم بالمرصادِ، وأنه لهم مُجازٍ على أعمالهم الخبيثةِ .
وقولُه: ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجمَعْنا فرعونَ
وجنودَه مِن الْقِبْطِ، ﴿فَنَبَذْنَهُمْ فِىِ الْبَيِّ﴾. يقولُ: فَأَلقَينا (١) جميعَهم فى البحرِ ،
فَرَّقْناهم فيه. كما قال أبو الأسود الدُّؤلىُ(٣):
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧٩/٩ من طريق عمرو به ، وتقدم أوله فى ص ١٥٠ .
(٢) فى م: (( فألقيناهم )) .
(٣) مجاز القرآن ١٠٦/٢، وتقدم فى ٣٠٩/٢ .
٢٥٧
سورة القصص : الآيات ٤٠ - ٤٢
كتَبْذِك نَعْلًا أَخْلَقَتْ مِن نِعالِكا
نَظَرْتَ إلى عُنْوانِه فنَبَذْتَه
وذُكر أن ذلك بحرٌ مِن وراءِ مصرَ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال : ثنا
سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَبَذْنَهُمْ فِى الْيَوِّ﴾. قال: كان اليَمُّ بحرًا يقالُ له :
إسافٌ. مِن وراءِ مصرَ، غرَّقهم اللهُ فيه (١) .
وقولُه: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: فانظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك كيف كان أمرُ هؤلاء الذين ظلموا أنفسَهم،
فكفَروا بربِّهم ورَدُّوا على رسولِه نصيحتَه، ألم نُهْلِكَهم فنُوَرِّثَ ديارَهم وأموالهم
أولياءَنا ، ونُخَوِّلَهم ما كان لهم مِن جناتٍ وعيونٍ ، وكنوزٍ ومَقامٍ كريم؟ بعد أن كانوا
/ مُشْتَضْعِفِين، تُقَتَّلُ أبناؤُهم، وتُشْتَحْيا نساؤُهم؟ فإنا كذلك بك وبَمَن آمَن بك ٧٩/٢٠
وصَدَّقك فاعلون؛ مُخَوِّلوك وإياهم ديارَ مَن كذَّبك ورَدَّ عليك ما أتيتَهم به مِن
الحقِّ ، وأموالَهم، ومُهْلِكوهم قتلًا بالسيفِ ، سنةَ اللهِ فى الذين خَلَوا من قبلُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَسِعَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ لَا يُنُصَرُونَ
وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ اُلُّنْيَا لَغْنَةٌ وَيَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ هُم
(٤١
٤٢
مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ
يقولُ تعالى ذكره : وجعَلنا فرعونَ وقومَه أئمةً يأْتُّ بهم أهلُ العُتُوّ على اللهِ
والكفرِ به، يَدْعون الناسَ إلى أعمالِ أهلِ النّارِ، ﴿ وَيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ لَا يُصَرُونَ﴾ .
يقولُ جلَّ ثناؤه : ويومَ القيامةِ لا يَنْصُرُهم [٥٥٩/٢و] من اللهِ إذا عذّبهم ناصرٌ، وقد
كانوا فى الدنيا يَتَنَاصَرون، فاضمَحَلَّت تلك النُّصْرةُ يومَئذٍ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٨٠/٩ من طريق سعيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٥
إلى عبد بن حميد .
( تفسير الطبرى ١٧/١٨ )
٢٥٨
سورة القصص : الآيتان ٤٢، ٤٣
وقولُه: ﴿ وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى
ذكره: وألزَمْنا فرعون وقومه فى هذه الدنيا خِزيًا وغضبًا منا عليهم ، فحَتَّمْنا لهم فيها
بالهلاكِ والبوارِ والثناءِ السَّيِّىّ، ونحن مُتْبِعُوهم لعنةٌ أخرى يومَ القيامةِ ، فمُخْزُوهم بها
الخزىَ الدائمَ ، ومُهِينوهم بها(١) الهوانَ اللازمَ.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى
هَذِهِ الذُّنْيَا لَغْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: لُعِنوا فى الدنيا والآخرةِ. قال: هو
كقوله: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِىِ هَذِهِ، لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ الْرِفْدُ اُلْمَرْفُودُ ﴾ [هود: ٩٩](١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قولَه :
وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لعنةً أُخرى، ثم استَقبَل
فقال: ﴿هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (١).
وقولُه: ﴿هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: هم مِن القومِ الذين
فَتَّحهم اللهُ، فأهْلَكهم بكفرِهم بربِّهم، وتكذييهم رسولَه موسى عليه السلامُ،
فجعَلهم عبرةً للمُعْتبِرِين، وعِظَةً للمُتَّعِظين.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا
الْقُرُونَ الْأُولَ بَصَآِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٤٣
(١) سقط من : م .
(٢) تقدم تخريجه فى ٥٦٦/١٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٥ إلى عبد بن حميد.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٥ إلى ابن المنذر.
٢٥٩
سورة القصص : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
يقولُ تعالى ذكرُه : ولقد آتينا موسى التوراةَ مِن بعدٍ ما أهَلَكْنا الأممَ التى كانت
قبلَه؛ كقومٍ نوحٍ، وعادٍ، وثمودَ، وقومٍ لوطٍ، وأصحابٍ مَدْينَ - ﴿بَصَابِرَ
لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: ضياءً لبنى إسرائيلَ فيما بهم إليه الحاجةُ مِن / أمرٍ دينهم، ٨٠/٢٠
﴿ وَهُدَّى﴾. يقولُ: وبيانًا لهم ورحمةٌ لمن عَمِل به منهم؛ ﴿لَّعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لِيَتَذَكَّرُوا نِعَمَ اللهِ بذلك عليهم، فيَشْكَروه عليها ولا
يَكْفُرُوا .
وبنحوِ الذى قلْنا فى معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِمَآ
أَهْلَكْنَا اُلْقُرُونَ الْأُوْلَى﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ وعبدُ الوهابِ ، قالا : ثنا عوفٌ ، عن أبى
نَضْرَةَ، عن أبى سعيدِ الخُدْرىِّ، قال: ما أهْلَك اللهُ قومًا بعذابٍ من السماءِ ولا من
الأرضِ بعدَ ما أَنزِلت التوراةُ على وجهِ الأرضِ غيرَ القرية التى مُسِخوا قردةً ، ألم تَرَأن
اللهَ يقولُ: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَ
بَصَِّرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِّ إِذْ قَضَيْنَآَ إِلَى مُوسَى
٤٤
اُلْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلَّهِ : وما كنتَ يا محمدُ بجانبٍ غربىٌّ الجبلِ
﴿إِذْ قَضَيْنَآَ إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. يقولُ: إِذ فرَغنا(١) إلى موسى الأمرَ فيما ألزمناه
وقومَه ، وعهدنا إليه من عهدٍ، ﴿ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. يقولُ: وما كنتَ
(١) أخرجه البزار (٢٢٤٧ - كشف)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٨١/٩ من طريق عوف به .
(٢) فى م: ((فرضنا)).
٢٦٠
سورة القصص : الآيتان ٤٤، ٤٥
لذلك من الشاهدين .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمَا كُنتَ ﴾ یا
محمدُ، ﴿ بِجَانِبِ الْغَرْبِ﴾. يقولُ: بجانبٍ غربىِّ الجبلِ، ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى
(١)
الْأَثْرَ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيج، قال :
غربىِّ الجبلِ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مَخْلَدٍ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الأعمشِ،
عن عليّ بنِ مدركٍ، عن أبى زُرعةَ بنِ عمرٍو، قال: إنكم أمةَ محمدٍ عَِّ قد أُجِبتم
قبلَ أن تَسألوا. وقرأ: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَطَاوَلَ عَلَيهِمُ الْعُمُرُّ وَمَا
كُنْتَ نَارِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا
٤٥
مُرْسِلِين
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَلَكِنَّآ أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: ولكنا خَلَقْنَا أُممَّا
٨١/٢٠ فأحدثناها مِن بعدِ ذلك، ﴿فَطَاوَلَ / عَلَِّمُ الْعُمُرُ﴾
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٨٢/٩ من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٩١/٢ - ومن
طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٨٢/٩ - عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٥٠/٦ عن وكيع ويحيى بن عيسى، عن الأعمش، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٢٩/٥ إلى المصنف. وهو هنا من طريق سفيان، وسيأتى طريق يحيى بن عيسى فى ص ٢٦٢.