النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة النمل : الآية ٤٤
سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
٤٤
ذُكِر أن سليمانَ لما أقبَلَت (١) صاحبةُ سبأ تريدُه، أمَر الشياطينَ(٢) فبنوا له
صَرْحًا، وهو كهيئةِ السطح، من قواريرَ، وأجرَى من تحتِه الماء؛ ليختبِرَ عقلها بذلك
وفهمَها، على نحوِ الذى كانت فعَلَت هى من توجيهِها إليه الوصائفَ والوصفاءَ،
لِيَمِيزَ بينَ الذكورِ منهم والإناثِ ، معاتبةً بذلك كذلك .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إِسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وهبِ بنِ منبّهِ، قال: أمَر سليمانُ بالصَّرْح، وقد عمِلَته له الشياطينُ من زجاج كأنه
الماءُ بیاضًا ، ثم أرسل الماءً تحته ، ثم وُضِع له فيه سريره ، فجلس عليه ، وعكفت عليه
الطيرُ والجنُّ والإنسُ، ثم قال: ادخُلى الصرحَ. ليريَها مُلكًا هو أعزُّ من مُلكِها،
وسلطانًا هو أعظمُ من سلطانِها، ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةٌ وَكَتَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾ لا
تشكُّ أنه ماءٌ تخوضُه، قيل لها: ادخُلى، ﴿ إِنَّهُ صَرٌْ مُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرٌ﴾ . فلما
وقفَت على سليمانَ، دعاها إلى عبادةِ اللَّهِ، وعابَها فى عبادتِها الشمسَ من
دونِ اللَّهِ ، فقالت بقولِ الزنادقةِ ، فوقَع سليمانُ ساجدًا إعظامًا لما قالت، وسجَّد معه
الناسُ، وسُقِط فى يدَيها حينَ رأْت سليمانَ صنَع ما صنَع ، فلما رفَع سليمانُ رأسَه قال:
ويحكِ، ماذا قلت؟ قال: وأَنْسِيَتْ ما قالت، فقالت: ﴿رَبِّ إِ ظَلَمْتُ
نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. وأسلَمَت فحسُن إسلامُها (٤).
وقيل: إن سليمانَ إنما أمَر ببناءِ الصَّرْح على ما وصَفه اللَّهُ؛ لأن الجنَّ خافت من
سليمانَ أن يتزوَّجَها، فأرادوا أن يُزَهِّدوه فيها ، فقالوا: إن رِجلَها رجلُ حمارٍ ، وإن
(١) بعده فى ت ٢: ((عليه)).
(٢) فى ت ٢: (( الشيطان)).
(٣) سقط من: ص، م، ت ٢، ف .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٢٠٥.
( تفسير الطبرى ٦/١٨ )

٨٢
سورة النمل : الآية ٤٤
أمَّها كانت من الجنِّ. فأراد سليمانُ أن يعلمَ حقيقةَ ما أخبَرته الجنّ من ذلك .
١٦٩/١٩
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ(١) ، عن أبى معشرٍ، عن محمد بنِ كعبٍ
القُرَظىِّ، قال: قالت الجنّ لسليمانَ تزهِّدُه فى بِلْقيسَ: إن رِجلَها رِجلُ حمارٍ، وإن
أمّها كانت من الجنِّ. فأمَر سليمانُ بالصرحِ فعُمِل، فسجَن فيه دوابَّ البحرِ ؛ الحيتانَ
والضفادعَ، فلما بصُرَت بالصرح قالت : ما وجَد ابنُ داودَ عذابًا يقتلُنى به إلا الغرقَ ؟
فَحَسِبَتْهُ لُجَّةً، وكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيِها. قال: فإذا(١) أحسنُ الناسِ ساقًا وقدمًا. قال:
فضنّ(١) سليمانُ بساقِها عن الموسَى. قال: فَاتَّخِذَت النُّورَةُ() بذلك السببِ (٢).
وجائزٌ عندى أن يكونَ سليمانُ أمَر باتخاذِ الصرح للأمرين ؛ الذی قاله وهبّ ،
والذى قاله محمدُ بنُ كعبِ القُرَظىُّ؛ ليختبِرَ عقلها، وينظرَ إلى ساقِها وقدمِها،
لیعرف(٦) صحةً ما قيل له فيها .
وكان مجاهدٌ يقولُ فيما ذُكِر عنه فى معنى ((الصرح))، ما حدَّثنی محمدُ بنُ
عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ،
قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الضَّرْحَ﴾. قال:
بركةٌ من ماءٍ ، ضرَب عليها سليمانُ قواريرَ؛ ألبَسَها . قال: وكانت بِلْقِيسُ هَلْبَاءَ(١)
شَعْراءَ، قدمُها كحافرٍ الحمارِ، وكانت أمُّها جِنفيَّةً(1).
(١) بعده فى ت ١: ((عن ابن إسحاق)).
(٢) بعده فى ت ١: ((هى)).
(٣) فى ص، ت ١: (( فظن)).
(٤) النورة : أخلاط من أملاح الكالسيوم والباريون ، تستعمل لإزالة الشعر. الوسيط (ن ور).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٢٠٤.
(٦) فحوصٍ: ((ليتعرف)).
(٧) الهلباء: كثيرة الشعر. اللسان (هـ ل ب).
(٨) تفسير مجاهد ص ٥١٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٣/٩، وأخرجه ابن أبى شيبة =

٨٣
سورة النمل : الآية ٤٤
حدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْلِىُّ، قال: ثنى هشامُ بنُ عمارٍ ، قال : ثنا الوليدُ بنُ
مسلم ، عن سعيد بن بشیرٍ ، عن قتادةً ، عن النضر بن أنس ، عن بشر بنِ نَھیك ، عن
أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((كان أحَدُ أَبَوَى صاحبةِ سَبأُ حِبًّا))(١).
قال : ثنا صفوانُ بنُ صالحِ، قال : ثنى الوليدُ، عن سعيدِ بنِ بشيرٍ، عن قتادةَ،
عن بشيرِ بنِ نهيكِ، عن أبى هريرةً، عن النبيِّ عَ لَّهِ﴾ [٥٣٦/٢ظ] ولم يذكُرِ النضرَ بنَ
(٢)
أنس().
وقولُه: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. يقولُ: فلما رأَت المرأةُ الصَّرْحَ
حسِبَته - لبياضِه واضطرابٍ دوابِ الماءِ تحتَه - لجةَ بحرٍ، وكشَفَت عن ساقَيها؛
لتخوضَه إلى سليمانَ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿قِيلَ لَا أَدْخُلِى الصَّرْحِ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. قال: وكان من قواريرَ، وكان الماءُ
=(٣)
مِن خلفِه ، فحسبته لجة
= ١٣٩/١١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٤/٩، ٢٨٩٥ من طرق عن مجاهد، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٠٥/٥ إلى الفريابى وابن حميد وابن المنذر .
(١) أخرجه ابن عدى ١٢٠٩/٣ من طريق هشام بن عمار به .
(٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١١٠٨) من طريق سعيد بن بشير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/٥
إلی ابن مردویه وابن عساکر، وهو فی تاریخ ابن عسا کر ٦٧/٦٩ بدون إسناد .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٨٢/٢ عن معمر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٣/٩ من طريق
سعيد، عن قتادة نحوه .

٨٤
سورة النمل : الآية ٤٤
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةٌ﴾.
قال : بحرًا .
حدَّثنا عمرُو بنُ علىّ، قال: ثنا ابنُ سواءٍ ، قال: ثنا رَوخُ بنُّ القاسمِ، عن عطاءٍ
ابنِ السائبٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَاً﴾: فإذا هما شَعْراوان ،
فقال: ألا شىءَ يُذْهبُ هذا؟ قالوا: الموسَى. قال: لا ، الموسَى له أثرٌ. فأمَر بالنُّورَةِ
فصُنِعت(٢).
١٧٠/١٩
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا حفصٌ، عن عمرانَ بن سليمانَ، عن عكرمةَ
وأبى صالحٍ، قالا : لما / تزوَّج سليمانُ بِلقيسَ قالت له : لم تَمَشَنى حديدةٌ قطُ . قال
سليمانُ للشياطينِ: انظُروا ما يُذْهِبُ الشعرَ؟ قالوا: الثّورةُ. فكان أوّلَ من صنَع
الثّورةَ(٣) .
وقولُه: ﴿ إِنَّهُ صَرْعٌ ثُمَزَّدٌ مِّن فَوَارِيرٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه : قال سليمانُ
لها: إن هذا ليس ببحرٍ، ﴿إِنَّهُ صَرٌْ ثُمَزٌَّ (٤) مِن قَوَارِيرٌ﴾". يقولُ: إنما هو بناءٌ
مبنىٌّ مُشيَّدٌ من قَواريرَ.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) فى النسخ: ((سوار))، والمثبت هو الصواب. ينظر تهذيب الكمال ٣٢٨/٢٥.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٦/٩ من طريق زائدة ، عن عطاء بن السائب ، عن
مجاهد ، عن ابن عباس .
(٣) ذكره ابن عساكر ٧٨/٦٩ عن عكرمة وحده، وذكره البغوى فى تفسيره ٦/ ١٦٨، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١١٢/٥ إلى ابن عساكر عن عكرمة وحده .
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ٢.

٨٥
سورة النمل : الآيات ٤٤ - ٤٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجِ: ﴿﴿قَالَ
إِنَُّ صَرْيُ ١) ثُمَرٌَّ﴾. قال: مُشَيَّدٌ.
وقولُه: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ الآية .
يقولُ تعالى ذكرُه: قالت المرأةُ صاحبةُ سبأُ: ﴿ رَبِّ إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾ فى عبادتى
الشمسَ، وسجودى لما دونَك، ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ﴾. تقولُ: وانقَدتُ
مع سليمانَ ، مُذْعِنةٌ للَّهِ بالتوحيدِ، مُفرِدةً له بالألوهةِ والربوبيةِ ، دونَ كلِّ مَن سِواه .
وكان ابنُّ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال :
قال ابنُ زيدٍ فى: ﴿ حَسِبَتْهُ لُجَّةُ﴾. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْعٌ مُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرُ﴾:
فعرفت أنها قد غُلِيت ، فقالت: ﴿ رَبِّ إِنِ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا أَنِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ
٤٦
لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ولقد أرسَلْنا إلى ثمود أخاهم صالحاً بأن (٣) اعبدوا اللَّهُ
وحده لا شريكَ له، ولا تجعَلوا معه إلهًا غيرَه، ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ .
يقولُ : فلما أتاهم صالحٌ داعيًا لهم إلى اللَّهِ ، صار قومُه من ثمودَ فيما دعاهم إليه فريقين
يَخْتَصِمون ؛ ففریقٌ مصدقٌ صالحاً مؤمنٌ به، وفريقٌ مكذِّبٌ به، كافرٌ بما جاء به .
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ف.
(٢) فى م، ت ٢: ((أن)).

٨٦
سورة النمل : الآيتان ٤٥، ٤٦
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. قال: مؤمنٌ وكافر؛ قولُهم:
صالحٌ مُرسَلٌ. وقولُهم: صالحٌ ليس بُرْسَلٍ. ويعنى بقولِه: ﴿ يَخْتَصِمُونَ﴾ :
(١)
يختلفون(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرّيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. قال: مؤمنٌ وكافر(١).
١٧١/١٩
/ وقولُهُ: ﴿قَالَ يَنْقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةِ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه : قال صالح لقومِه : يا قومٍ، لأَىِّ شىءٍ تستَعْجِلون بعذابِ اللَّهِ قبلَ
الرحمة ؟
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثناعيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةِ﴾. قال: السيئةُ العذابُ، ﴿ قَبْلَ
اُلْحَسَنَّةِ﴾ : قبلَ الرحمةِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
(١) تفسير مجاهد ص ٥٢٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٨/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١٢/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر

٨٧
سورة النمل : الآيتان ٤٦، ٤٧
مجاهدٍ : ﴿ قَالَ يَقَوْمِ لِمَ نَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: بالعذابِ(١)، ﴿قَبْلَ
اُلْحَسَنَّةِ﴾، قال : العافيةِ(٢) .
وقولُه: ﴿ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: هلَّا تتوبون
إلى اللَّهِ من كفرٍ كم، فَغْفِرَ لكم ربُّكم عظيمَ جزمِكم، ويصفحَ لكم عن عقوبته
إياكم على ما قد أتيتُم من عظيم الخطيئةِ .
وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: لِيرحمَكم ربُّكم [٥٣٧/٢و]
باستغفارٍ كم إياه من كفرِكم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالُواْ أَطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَّ قَالَ طَبِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ
بَّ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
٤٧
يقولُ تعالى ذكرُه: قالت ثمودُ لرسولِها صالحِ: ﴿ أَطََّرْنَا بِكَ وَيِمَنْ
مَعَكَّ﴾. أى: تشاءَمْنا بك وبمن معك من أتباعِنا، وزجَرْنا الطيرَ، بأنا سيُصِيبُنا
("بك وبهم٢) المكارهُ والمصائبُ. فأجابهم صالح فقال لهم: ﴿طَبِّكُمْ عِندَ
اللَّهِ ﴾. أى: ما زجَرْتم من الطيرِ لما يُصِيبُكم من المكارهِ عندَ اللَّهِ علمُه، لا يُدْرَى أُّ
ذلك كائنٌ؛ أمَا تظنون من المصائبِ والمكارهِ، أم ما لا ترجونه من العافيةِ والرجاءِ
والمحابِّ ؟
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٨/٩ من طريق حجاج به .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( بدونهم)).

٨٨
سورة النمل : الآيات ٤٧ - ٤٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿قَالَ طَبِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾. يقولُ: مصائبكم(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿طَبِرُكُمْ عِندَ الهِ﴾: عِلمُكم عندَ اللَّهِ(٢).
وقولُهُ: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: بل أنتم قومٌ تُخْتَبَرون(١)، يختبِرُكم
ربّكم إذ أُرسَلنى إليكم ؛ أَتُطيعونه فتعمَلون بما أمَرَ كم به ، فيَجزِيَكم الجزيلَ من ثوابِهِ،
أم تعصُونه فتعمَلون(٤) بخلافِه فيَحِلَّ بكم عقابُه ؟
القولُ فى تأويلٍ قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ فی الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهٍ بُفْسِدُونَ فِ
قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ، مَا
اُلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ
٤٩
شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِفُونَ
/ یقولُ تعالى ذكره(): وكان فى مدينة قوم" صالح، وهی حجرُ ثمودَ ،
تسعةُ أنفسٍ يُفْسِدون فى الأرضِ ولا يُصْلِحون. وكان إفسادُهم فى الأرضِ كُفرَهم
باللّهِ ومعصيتَهم إياه، وإنما خصَّ اللَّهُ جلَّ ثناؤه هؤلاء التسعةَ الرهطِ بالخبرِ عنهم أنهم
١٧٢/١٩
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٩/٩ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١٢/٥ إلى ابن المنذر .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٨٢، ٨٣ عن معمر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٨/٩ من
طريق سعيد ، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى ت ١: ((تخيرون))، وفى ت ٢: ((تخبرون)).
(٤) فى ت ٢: ((فتعلمون)).
(٥) بعده فى ت ٢: (( وكان فى المدينة أى)).
(٦) سقط من: م، ت ١، ف.

٨٩
سورة النمل : الآيتان ٤٨، ٤٩
كانوا يُفْسِدون فى الأرضِ ولا يُصْلِحون، وإن كان أهلُ الكفرِ كلُّهم " فى الأرضِ
مفسِيدين؛ لأن هؤلاء التسعةَ هم الذين سَعَوْا - فيما بلَغَنا - فى عَقرِ الناقةِ وتعاونوا(١)
عليه، وتحالَفوا على قتلٍ صالحٍ من بين قومِهم ١ ثمودَ. وقد ذكَوْنا قصصَهم
وأخبارَهم فيما مضى من كتابِنا هذا(6) .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿نِسْعَةُ رَهْطٍ﴾. قال: من قومٍ صالحٍ(٥) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَانَ فِىِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ
وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: هم الذين عقَروا الناقةَ، وقالوا حين عقَروها: نُبِيِّتُ صالحًاً
وأهلَه فنقتُلُهم، ثم نقولُ لأولياءِ صالح: ما شهِدْنا من هذا شيئًا، وما لنا به
(١ - ١) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.
(٢) فى ت ٢: ((فعاونوا)).
(٣) فى م، ت ١، ف: ((قوم))، وفى ت ٢: ((قومه)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢٨٢/١٠ وما بعدها، ٤٥٢/١٢ وما بعدها، ١٠٣/١٤ وما بعدها .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٠٠/٩ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٢/٥
إلى الفریابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر .

٩٠
سورة النمل : الآيتان ٤٩،٤٨
علمٌ. فدمَّرهم اللَّهُ أجمعين(١).
وقولُه: ﴿ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال
هؤلاء التسعةُ الرهطِ الذين يُفْسِدون فى أرضٍ حِجْرٍ ثمودَ ولا يُصْلِحون :
﴿ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ﴾: تحالَفوا باللّهِ: أيُّها القومُ، لِيحلِفْ بعضكم لبعض: لُبِيُّتَّ(١)
صالحًا وأهلَه فلنقتُلَنَّه، ثم لنقولَنَّ لوليّه (٣): ما شهِدْنا مَهْلِكَ أهلِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ﴾. قال: تحالَفوا على إهلاكِه فلم يَصِلوا إليه ، حتى هلكوا وقومُهم
أجمعونَ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوه .
ويتوجّهُ قولُه: ﴿تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ﴾. إلَى وجهَين؛ أحدُهما، النصبُ على
وجهِ الخبرِ، كأنه قيل: قالوا مُتَقاسِمين. وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ : ( ولا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٢٩٠٠، ٢٩٠٢ عن محمد بن سعد به .
(٢) فى ت ٢: ((ليبيتن)).
(٣) فى ت ٢: ((لولى دمه)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٢٠ من طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٠١/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١٢/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٩١
سورة النمل : الآية ٤٩
يُصْلِحون، تقاسَموا باللّهِ)(١). وليس فيها ﴿قَالُواْ﴾. فذلك من قراءتِه يَدُلَّ على
وجهِ النصبِ فى ﴿تَقَاسَمُواْ﴾، على ما وصَفتُ. والوجهُ الآخرُ، الجزءُ(١)،
كأنهم قال بعضُهم لبعضٍ: أَقْسِموا باللّهِ. فعلى هذا الوجهِ الثانى تَصْلُحُ قراءةٌ(١) :
◌َتُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالتاءِ والنونِ؛ لأن القائلَ لهم: تقاسَموا. وإن كان هو الآمرَ،
فهو فى من أقسَم، كما يقالُ فى الكلامِ : انهَضوا بنا تَخْضِ إلى فلانٍ . وانهضوا
تمضُوا(٤) إليه. وعلى الوجهِ الأُولِ [٥٣٧/٢ظ] الذى هو وجهُ النصبِ، القراءةُ فيه
بالنونِ أفصحُ؛ لأن معناه: قالوا متقاسِمين: لَنُبَيِّتَنَّه. وقد / تجوزُ الياءُ على هذا ١٧٣/١٩
الوجهِ، كما يقالُ فى الكلامِ: قالوا: لُكرِمَنَّ أباك، ولَيُكرِمُنَّ أباك . وبالنونِ
قرَأ ذلك قرأةُ المدينةِ وعامةُ قرأةِ البصرةِ وبعضُ الكوفيّين. وأما الأغلبُ على قرأةٍ
أهلِ الكوفةِ، فقراءتُه بالتاءِ وضمُّ التاءين جميعًا. وأما بعضُ المكيّين فقرأه
(٦)
بالياءِ ) .
(٧)
وأعجبُ القراءاتِ فى ذلك إِلىَّ النونُ؛ لأن ذلك أفصحُ الكلامِ على"
الوجهَين اللَّذين بيَّنثُ من النصبِ والجزم، وإن كان كلّ ذلك صحيحًا غيرَ فاسدٍ ؛
لما وصَفتُ، وأكرهُها إلىّ ("القراءةُ بهاُ الياءُ؛ لقلةٍ قارئ ذلك كذلك.
(١) معانى القرآن للفراء ٢٩٦/٢، وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(٢) فى ت ٢: (( بجزم)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، ف: ((قراءته)).
(٤) فى م: ((نمضى))، وفى ت ١: ((فمضوا))، وفى ف: ((يمضوا)).
(٥) فى ص، ت ٢: (( لتكرمن)).
(٦) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بالنون جميعا، وقرأ حمزة والكسائى: (لتبيتنه ثم
لتقولن) بالتاء جميعا، وقرأ مجاهد: ( ليبيتنه ثم ليقولن). وهذه الأخيرة شاذة . السبعة لا بن مجاهد ص
٤٨٣، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ١١١.
(٧) فى ت ٢: ((فى)).
(٨ - ٨) فى ت ١: ((قراءة)).

٩٢
سورة النمل : الآيات ٤٩ - ٥١
وقولُه: ﴿لَنُبِّتَنَّهُ﴾. قال: لِيُبَيِّثُنَّ(١) صالحاً، ثم يَفْتِكوا(٢) به.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: قال التسعةُ الذين
عقَروا الناقةَ : هلمّ فلنَقْتُلْ صالحاً ، فإن كان صادقًا - يعنى فيما وعَدهم من العذابِ
بعدَ الثلاثِ - عجَّلْناه قبلَه، وإن كان كاذبًا ، نكونُ قد أْقَّناه بناقتِه . فأتَوه ليلًا
ليُبَيِّتوه فى أهلِهِ، فدمَغتهم ( ٢) الملائكةُ بالحجارة، فلما أبطئوا(٤) على أصحابِهم ، أتَوا
منزِلَ صالحٍ، فوجَدوهم مُشَدَّخين(٥) قد رُضِخوا(١) بالحجارةٍ(٧) .
وقولُه: ﴿وَإِنَّا لَصَدِفُونَ﴾: ("نقولُ لوليّه: إنا لصادِقونُ) أنَّ ما شهِدْنا
مَهْلِكَ أهلِه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ
٥٠
يَشْعُرُونَ
أَجْمَعِينَ
٥١
يقولُ تعالى ذكره : وغدَر هؤلاء التسعةُ الرهطِ الذين يُفْسِدون فى الأرضِ
بصالحٍ، بمصيرِهم إليه ليلًا لِيَقْتُلوه وأُهلَه، وصالحُ لا يَشْعُرُ بذلك، ﴿ وَمَكَرْنَا
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((لنبيتن)).
(٢) قوله: يفتكوا. بحذف النون دون نصب أو جزم لغة معروفة صحيحة، من ذلك قوله تع: ((لا تدخلون
الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا)). قال الإمام النووى: ((ولا تؤمنوا))، بحذف النون من آخره وهى
لغة معروفة صحيحة. صحيح مسلم بشرح النووى ٣٦/٢.
(٣) يقال: دمغه دمغا، إذا أصاب دماغه فقتله. اللسان (دم غ).
(٤) فى ت ٢: ((بطئوا)).
(٥) فى م، ف: ((مشدوخين))، والشَّدْخُ: كسرك الشىء الأجوف كالرأس ونحوه. اللسان (ش د خ).
(٦) الرّضْخ: كسر الرأس. اللسان ( رض خ).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم ٢٩٠٠/٩ من طريق سلمة به .
(٨ - ٨) سقط من: ت ٢.
(٩) فى ص، ت ١، ف: ((لمصيرهم))، وفى ت ٢: ((المصيرهم)).

٩٣
سورة النمل : الآيتان ٥١،٥٠
مَكْرًا﴾. يقولُ: فأخَذْناهم بعقوبتِنا إياهم، وتعجيلِنا للعذابِ لهم، ﴿ وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ ﴾ بمكرِنا .
وقد بيَّنا فيما مضى معنى مكْرِ اللَّهِ بمن مكر به، وما وجهُ ذلك، وأنه أُخْذُه مَن
أخَذه منهم على غِرَّةٍ ، أو استدراجُه مَن استدرَج منهم على كفره به ومعصیتِه إياه ،
ثم إحلالُه العقوبةَ به على غِرَّةٍ وغفلةٍ (١) .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ ، قال : ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن
شِعْرِ بنِ عطيةَ، عن رجلٍ ، عن علىٍّ، قال: المكرُ غَدرٌ، والغَدرُ كفرٌ.
حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ
مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا﴾. قال: احتالوا لأمرِهم، واحتال اللَّهُ لهم، مكَروا
بصالح مکرًا ، ومگزنا بهم مکرًا ، وهم لا يشعرون بمكرِنا ، وشعرنا بمكرِهم ، قالوا :
زعَم صالحٌ أنه يَفْرُغُ منا إلى ثلاثٍ ، فنحن نَفْرُُ منه وأهلِه قبلَ ثلاثٍ . وكان مسجدٌ
له فى الحِجْرِ فى شِعْبٍ ثَمَّ يُصَلَّى فيه، فخرَجوا إلى كهفٍ، وقالوا : إذا جاء يُصَلِّى
قتَلْناه، / ثم رجَعْنا إذا فرَغْنا منه إلى أهلِه ففرَغْنا منهم. وقرَأْ قولَ اللَّهِ تبارك وتعالى: ١٧٤/١٩
﴿ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِلَّهِ لَتُبِيِّنَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ،
وَإِنَّا لَصَدِفُونَ﴾. فبعَث اللَّهُ صخرةً من الهَضْبِ(١) حِيالَهم، فخَشُوا أن تَشْدَخَهم،
فبادَروا الغارَ(١) ، فطَبَّقت (٤) الصخرةُ عليهم فمَ ذلك الغارِ ، فلا يَدْرِى قومُهم أين هم ،
(١) ينظر ما تقدم فى ٣١٢/١ - ٣١٦.
(٢) الهضب : الجبل المنبسط ينبسط على الأرض، وقيل: هو الجيل الطويل الممتنع المنفرد. اللسان (هـض ب).
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٤) طبّق : غطى . اللسان ( ط ب ق ).

٩٤
سورة النمل : الآيتان ٥١،٥٠
ولا يدرُون ما فُعِل بقومِهم، فعذّب اللَّهُ تبارك وتعالى هؤلاء هلهنا، وهؤلاء همهنا،
وأنْجَى اللَّهُ صالحًا ومَن معه(١) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا﴾. قال: فسلَّط اللَّهُ عليهم صخرةً فقتَلتهم (١).
وقولُه: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره:
فانظُرْيا محمدُ بعينِ قلبِك "إلى عاقبةٍ غَدْرٍ ثمودَ بنبيِّهم صالح" ، كيف كانت؟ وما
الذى أورَثها اعتداؤُهم وطغيانُهم وتكذيبُهم؟ فإن ذلك سُنتُنا فى من كذَّب رسلَنا ،
وطغَى علينا من سائرِ الخلقِ، فَذِّرْ قومَك من قريشٍ أن يَنالَهم بتكذييهم إياك ما نال
ثمودَ بتكذيِهم صالحاً مِن المَثُلاتِ (٤).
وقولُه: ﴿ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: أنا دمَّرنا التسعةَ الرهطِ
الذين يُفْسِدون فى الأرضِ من قومٍ صالح وقومَهم من ثمودَ أجمعين، فلم نُقِ منهم
أحدًا .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ أَنَّا﴾؛ فقرَأ بكسرِها عامةُ قرَأَةِ الحجازِ
والبصرةٍ على الابتداءِ، وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ﴾. بفتحٍ
الألفِ(٥) . وإذا فُتِحت كان فى ﴿أَنَّا﴾ وجهان من الإعرابِ؛ أحدُهما ، الرفعُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٠٣/٩ - ٢٩٠٤ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٨٣/٢ - ومن طريقه ابن أبى حاتم ٢٩٠٢/٩ - عن معمر به، وأخرجه ابن
أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٠٢/٩ من طريق سعيد، عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٢/٥ إلى عبد
ابن حميد وابن المنذر .
(٣ - ٣) فى ت ٢: ((كيف كان عاقبة مكرهم)).
(٤) المثلة ، بفتح الميم وضم الثاء : العقوبة، والجمع المثلات. اللسان (م ث ل).
(٥) قرأها عاصم وحمزة والكسائى بالفتح، وقرأها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالكسر. السبعة لابن
مجاهد ص ٤٨٤.

٩٥
سورة النمل : الآيات ٥١ - ٥٣
على ردِّها على ((العاقبةٍ))، على الإِتباع لها. والآخرُ، النصبُ على الردِّ على موضعٍ
﴿كَيْفَ﴾؛ لأنها فى موضع نصبٍ إن شئتَ، وإن شئتَ على تكريرٍ
﴿كَانَ﴾ عليها، على وجهِ: فانظُرْ كيف كان عاقبةُ مكرِهم؟ كان عاقبةٌ
مكرهم تدمیرَنا إياهم .
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ من القول فى ذلك عندى أن يُقالَ : إنهما قراءتانِ
مشهورتانٍ فى قرَأةِ الأمصارِ، [٥٣٨/٢و] متقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ
فمصيبٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُواْ إِنَّ فِ
٥٣
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ
ذَلِكَ لَيَةٌ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (@)
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾: فتلك مساكنُهم
خاويةٌ خاليةً منهم، ليس فيها منهم أحدٌ، قد أهلكهم اللَّهُ فأبادهم، ﴿بِمَا
ظَلَمُوَأْ﴾. يقولُ: بظلمِهم أنفسَهم، بشركِهم باللّهِ وتكذيِهم رسولَهم، ﴿إِنَّ
فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فى فعلنا بثمودَ ما قصَصْنا
عليك يا محمدُ من القصةِ، لَعِظَةً لمن يَعْلَمُ فِعلَنا بهم ما فعَلْنا، من قومِك الذين
يُكَذِّبونك فيما جئتَهم به من عندٍ / ربِّك، وعبرةً ، ﴿ وَأَنَجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ .
يقولُ : وأنجينا من نقمتِنا وعذابِنا الذى أحلَلْناه بثمودَ ، رسولَنا صالحاً والمؤمنين به ،
﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: وكانوا يَتَّقون بإيمانهم وبتصديقهم صالحاً،
الذى حلَّ بقومِهم من ثمودَ ، ما حلّ بهم من عذابِ اللَّهِ ، فكذلك نُنْجِيك يا محمدُ
تَُّاعَكَ (١) عندَ إحلالِنا عقوبتَنا بُشرٍ كى قومِك من بين أظُرِهم.
١٧٥/١٩
وذُكِر أن صالحاً لما أحلَّ اللَّهُ بقومِه ما أحلَّ، خرَج هو والمؤمنون به إلى الشامِ ،
(١) فى م، ت ٢: ((أتباعك)).

٩٦
سورة النمل : الآيات ٥٤ - ٥٦
فنزَل رَمْلةَ فِلَسطينَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ
أَبِّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةٌ مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
تَجْهَلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وأرسَلنا لوطًا إلى قومِه، إذ قال لهم: يا قومٍ، ﴿أَتَأَتُونَ
اُلْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنها فاحشةٌ؛ لعلمِكم بأنه لم يسبِقْكم إلى ما تفعلون
من ذلك أحدٌ؟
وقولُه: ﴿ أَيِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾. ( يقولُ: أنتَّكم لتأتون الرجالَ شهوةً(١)
منكم بذلك من دونٍ(٢) فروجِ النساءِ التى أباحَها اللَّهُ لكم بالنكاحِ!
وقولُهُ : ﴿بَلّ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. يقولُ: ما ("ذلك منكم إلا أنكم) قومٌ
سفهاءُ جهلةٌ بعظم(٤) حقِّ اللَّهِ عليكم، فخالَفتم لذلك أمرَه، وعصَيْتم رسولَه.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ
٥٦
ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ
يقولُ تعالى ذكره: فلم يَكُنْ لقوم لوطٍ جوابٌ له، إذ نهاهم عما أمَره (٥) اللهُ
بنهيهِم عنه مِن إتيانِ الرجالِ ، إلا قِيلُ بعضِهم لبعضٍ: ﴿أَخْرِجُوَاْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ
إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾ . عما نَفْعَلُه نحن من إتيانِ الذُّكْرانِ فی أدبارِهم .
(١ - ١) سقط من النسخ ، والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٢) بعده فى ت ١: ((النساء يعنى)).
(٣ - ٣) فى ت ١: ((هذا الذى تفعلونه إلا فعل)).
(٤) فى ت٢: (( بعظيم)).
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((أمرهم)).

٩٧
سورة النمل : الآيات ٥٦ - ٥٨
كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: سمِعْتُ الحسنَ بنَ عُمارةَ
يَذْكُرُ عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾.
٠
قال : مِن إتيانِ الرجالِ والنساءِ فى أدبارِهن (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبي نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِهِ: ﴿ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَتَطَهَرُونَ﴾. قال: مِن أدبارِ الرجالِ وأدبارِ النساءِ؛
(٢)
استهزاءً بهم .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال: يَتَطَهَّرون من أدبارِ الرجالِ والنساءِ؛ استهزاءً بهم ، يقولون ذلك .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً أنه
تلا: ﴿ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾. قال: عابوهم بغيرِ عيبٍ، أى: إنهم يَتَطَّهَّرون
مِن أعمالِ السُّوءِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَمُ قَذَّرْنَهَا مِنَ
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَُّ الْمُنْذَرِينَ
٥٨
ـنة
الْغَرِينَ
يقولُ تعالى ذكره: فأنْجَنا لوطًا وأهلَه سوى امرأتِهِ مِن عذابِنا، حينَ أحْلَلْناه
بهم، ثمَّ ﴿ قَذَرْنَهَا﴾. يقولُ: / فإنَّ امرأته قدَّرْناها: جعَلْناها بتقديرِنا ﴿مِنَ ٢/٢٠
الْغَِينَ﴾: مِن الباقين، ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم قَطَرًا﴾. وهو إمطارُ اللهِ عليهم من
-
(١) تقدم تخريجه فى ٣٠٧/١٠ .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٢٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥١٨/٥، وينظر ما تقدم فى ٣٠٧/١٠.
(٣) تقدم تخريجه فى ٣٠٧/١٠.
( تفسير الطبرى ٧/١٨ )

٩٨
سورة النمل : الآية ٥٩
السماءِ حجارةً من سِجِيلٍ، ﴿ فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. يقولُ: فساء ذلك المطرُ
مطرُ القوم الذين أنذرهم اللهُ عقابه، على معصيتهم إياه، وخوّفھم بأسَه ، پإرسالٍ
الرسول إليهم بذلك .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىُّ
ءَاللَّهُ خَيْرُّ أَمَّا يُشْرِكُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على نعمِه
علينا، وتوفيقه إِيَّانا لِمَاَ وفَّقَنا مِن الهدايةِ، ﴿وَسَلَمْ﴾. يقولُ: وَأَمَنَةٌ منه من عقابِه
الذى عاقَب به قومَ لوطٍ (١) وصالح (١) . الذين اصْطفاهم . يقولُ: الذين اجْتَباهم لنبيّه
محمدٍ عَ لَه، فجعَلهم أصحابَه ووزراءَه على الدينِ الذى بعَثه بالدعاءِ إليه، دونَ
المشركين به ، الجاحدين نُبوَّةَ نبّه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا طَلْقٌ - يعنى ابنَ غَّامٍ(٣) - عن ابنِ ظُهَيرٍ(٤)، عن
الشّدِّىِّ، عن أبى مالكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أُصْطَفَىْ﴾ .
قال: أصحابٍ محمدٍ، اصْطَفاهم اللهُ لنبيّه (٥) .
(١) بعده فى م: (( قوم)).
(٢) بعده فى م: ((على)).
(٣) فى ص، ف: ((عنام)). وينظر تهذيب الكمال ٤٥٦/١٣ .
(٤) فى ت١: ((ظهيرة)). وينظر تهذيب الكمال ٩٩/٧.
(٥) أخرجه البزار (٢٢٤٣ - كشف) من طريق طلق بن غنام به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٠٦/٩ من
طريق الحكم بن ظهير به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٣/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٩٩
سورة النمل : الآيتان ٥٩، ٦٠
حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال : قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ
المباركِ: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىٌّ﴾. مَن
هؤلاء؟ فحدَّثنى عن سفيانَ الثورىِّ، قال: هم أصحابُ رسولِ اللهِ عَه(١).
وقولُه: ﴿ءَاللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُتْرِكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ
لهؤلاء الذين زيَّنا لهم أعمالَهم مِن قومِك، فهم يَعْمَهُون: آللهُ الذى أنعَم على أوليائِه
هذه النِّعمَ التى قصَّها عليكم فى هذه السورة ، وأهْلَك أعداءَه بالذى أهلكهم به من
صنوفٍ العذابِ التى ذكرها لكم فيها - خيرٌ ، أمَّا تُشْرِكون من أوثانِكم التى لا
تَنْفَعُكم ولا تَضُرُّكم ، ولا تَدْفَعُ عن أنفسِها ولا عن أوليائِها سُوءًا ، ولا تجلِبُ إليها
ولا إليهم(٢) نفعًا. يقولُ: إِنَّ هذا الأمرَ ما(٣) يُشكِّلُ على مَن له عقلٌ، فكيف
تَشْتَجِیزون أنْ تُشْرِ کوا عبادةً من لا نفع عنده لکم،ولا دفعَ ضرِّ عنکم فی عبادةِ مَن
بيدِه النفعُ والضرّ، وله كلُّ شيءٍ .
ثم ابْتَدأ تعالى ذكرُه تعديدَ نعمِه عليهم وأياديه عندَهم، وتعريفَهم
بقلةٍ شكرهم إياه، على ما أولاهم مِن ذلك، فقال: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضَ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ
مِّنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُواْ
٦٠
شَجَرَهَأُ أََِهُ مَّعَ اللَّهِّ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) فى ت١: ((إليكم)).
(٣) فى م: ((لا )).

١٠٠
سورة النمل : الآية ٦٠
يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به مِن قريش : أعبادةُ ما تَعْبُدون مِن أوثانِكم التى
لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، خيرٌ، / أم عبادةُ مَن خلَق السماواتِ والأرضَ؟ ﴿ وَأَنْزَّلَ
لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ ﴾ يعنى: مطرًا. وقد يجوزُ أن يكونَ مُريدًا به العيونَ
التى فَبَّرها فى الأرضِ ؛ لأن كلَّ ذلك مِن خلقِه، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾. يعنى: بالماءِ
الذى أُنزل مِن السماءِ ﴿ حَدَابِقَ﴾. وهى جمعُ حديقةٍ، والحديقةُ المُشْتَانُ عليه
حائطٌ مُحَوَّطٌ ، وإن لم يَكُنْ عليه حائطٌ لم يَكُنْ حديقةً .
وقولُه: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾. يقولُ: ذاتَ منظرٍ حسنٍ. وقيل:
﴿ذَاتَ﴾ بالتوحيدِ. وقد قيل: ﴿حَدَآئِقَ﴾. كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ
اْمُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقد بيَّنتُ ذلك فيما مضى (١).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبوعاصم، قال: ثناعيسى ، وحدَّثنى الحارثُ ،
قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِه :
حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾. قال: البهجةُ الفُقَّاحُ(١) مما يأكلُ الناسُ والأنعامُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿ حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾. قال: مِن كلِّ شىءٍ يأكلُهُ(٤) الناسُ
(١) ينظر ما تقدم فى ١٧/١٦، ١٨.
(٢) التفّح: التفتّح، وفقح الورد إذا تفتَّح ، والفُقّاحُ: عُشْبَة نحو الأقحوان فى النبات والمنبت ، واحدته
قُقَّاحة . اللسان (ف ق ح) .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٢٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٠٧/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١٣/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن حميد وابن المنذر.
(٤) فى م، ف: (( تأكله)).
٣/٢٠