النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١٠
سورة النمل : الآية ٣٨
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن سليمانَ أُوتِى مُلْكًا ، وكان لا يعلمُ أن أحدًا أُوتِيَ مُلْكًا
غيرَه، فلما فقَد الهدهدَ سأله: من أين جئتَ؟ ووعَده وعيدًا شديدًا بالقتلِ
والعذابِ، قال: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِنٍََّ يَقِينٍ﴾ . قال له سليمانُ: ما هذا النبأُ؟
قال الهدهدُ: ﴿ إِنِّ وَجَدتُ امْرَأَةً﴾ بسباً ﴿تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِّيَتْ مِن كُلِّ شَْءٍ وَلَهَا
عَرْشُ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. فلما أخبر الهدهدُ سليمانَ أنه وجَد سلطانًا ، أنكَر أن
يَكُونَ لأحدٍ فى الأرضِ سلطانٌ غيرَه، فقال لمن عندَه من الجنِّ والإنسِ: ﴿يَأَيُّهَ
قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ الْجِنِّ أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ،
٣٨
الْمَواْ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبَلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسِْمِينَ
قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ﴾. قال سليمانُ: أُريدُ أعجَلَ من ذلك.
قَالَ الَّذِىِ عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِنَبِ﴾ وهو رجلٌ من الإنسِ عندَه علمٌّ من
الكتابِ فيه اسمُ اللَّهِ الأكبرُ الذى إذا دُعِىَ به أجاب: ﴿أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ
يَرََّدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. فدعا بالاسم، وهو عندَه قائمٌ، فاحتُمِل العرشُ احتمالًا
حتى وُضِعِ بينَ يدَْ سليمانَ، واللَّهُ صنَع ذلك، فلما أُتِى سليمانُ بالعرشِ
وهم مشركون يَسْجُدون للشمس والقمرِ، أخبره الهدهدُ [٥٣٣/٢ظ] بذلك،
فكتَب معه كتابًا ثم بعثه إليهم، حتى إذا جاء الهدهدُ الملكةَ ألقى إليها الكتابَ
قَالَتْ يَُّهَا الْمَلَوُاْ إِّ أُلْقِىَ إِلَىَّ كِنَبُ كَرِيمُ﴾ إِلى: ﴿ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ﴾. فقالت
لقومِها ما قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ .
قال: وبعثت إليه بوصائفَ ووُصَفاءَ، وألبستهم لباسًا واحدًا، حتى لا يُعْرَفُ
ذكرٌ من أنثى، فقالت: إن زَيَّل بينَهم حتى يَعْرِفَ الذكرَ من الأنثى، ثم ردَّ
الهديةَ، فإنه نبيٌّ، ويَنْبَغِى لنا أن نَتْرِكَ مُلْكَنا ونَتَّبِعَ دينَه ونَلْحَقَ به. فردَّ
سليمانُ الهديةَ وزِيَّ بينَهم، فقال: هؤلاء غِلمانٌ، وهؤلاء جَوَارٍ. وقال:
﴿ أَتْمِذُونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَئِنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّعَآ ءَاتَنَكُمْ بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ﴾

٦٢
سورة النمل : الآية ٣٨
إلى آخرِ الآيةِ(١).
حُدِّثتُ عن الحسين ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿إِنِّ وَجَدتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ الآية. قال: فأنكَر
سليمانُ أن يكونَ لأحدٍ على الأرضِ سلطانٌ غيره، قال لمن حولَه من الجنِّ والإنسِ:
﴿أَيُّكُمْ بَأْتِ بِعَرْشِهَا﴾ الآية .
وقال آخرون : بل إنما اختَبر صدقَ الهدهدِ سليمانُ بالكتابِ ، وإنما سأَل مَن
عندَه إحضارَه عرشَ المرأةِ بعدَما خرَجت رسلُها من عندِه ، وبعد أن أقبَلت المرأةُ إليه .
ذكرُ مَن قال ذلك
١٦٠/١٤
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن
وهبِ بنِ منبِّهِ قال: لما رجَعت إليها الرسلُ بما قال سليمانُ ، قالت: قد واللَّهِ عرفتُ ،
ما هذا بملكٍ، وما لنا به طاقةٌ ، وما نَصْنَعُ / بمكاثرَتِه شيئًا . وبعَثتْ إليه : إنى قادمةٌ
عليكِ بملوكٍ قَومى حتى أَنْظُرَ ما أمرك ، وما تدعو إليه من دينك . ثم أمرت بسريرٍ
مُلكِها الذى كانت تَجْلِسُ عليه، وكان من ذهبٍ مُفَصَّصٍ بالياقوتِ والزَّبَوْجَدِ
واللؤلؤ، فجُعِل فى سبعةِ أبياتٍ، بعضُها فى بعضٍ، ثم أقفَلت على(١) الأبوابِ،
وكانت إنما تخدُمُها النساءُ، معها ستُّمائةِ امرأةٍ تَخْدُمها، ثم قالت لمن خلَّفت على
سلطانِها: احتفِظْ بما قِبَلَك وسريرٍ مُلْكى، فلا يَخْلُصْ إليه أحدٌ من عبادِ اللَّهِ ، ولا يَرَبَّنَّه
حتى آتيَك . ثم شخَصت إلى سليمانَ فى اثنَىْ عشَرَ ألفَ قَبْلِ معَها من ملوكِ اليمنِ،
تحتَ بدِ كلِّ قَيْلِ منهم أُلوفٌ كثيرةٌ، فجعَل سليمانُ يَبْعَثُ الجنَّ فيأتونه بمسيرِها
ومُنتهاها كلَّ يومٍ وليلةٍ ، حتى إذا دنَت جمَع مَن عنده من الجنّ والإنسِ ممن تحتَ يدِه،
(١) تقدم طرف منه فى ص ٥٣.
(٢) هكذا هو لفظ المصنف هنا وفى التاريخ، وفى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((عليه)).

٦٣
سورة النمل : الآية ٣٨
فقال: ﴿يَّا الْمَلَوُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ سُئِمِينَ﴾(١).
وتأويلُ الكلام: قال سليمانُ لأشرافٍ مَن حضَره من جندِه من الجنِّ والإنسِ :
﴿ يَأَيُّهَ الْمَلَؤُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِنِ بِعَرْشِهَا﴾ . يعنى سريرَها .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى،
وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا﴾. قال: سريرٌ فى أريكةٍ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : عرشُها : سريرٌ فى أريكةٍ .
قال ابنُ جريج : سریڑٌ من ذهبٍ، قوائمُه من جوهرٍ ولؤلؤ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن بعضٍ أهلِ العلمِ، عن
وهبِ بنِ مُنَبِّهِ : ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا﴾: بسريرِها .
وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال
ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا﴾. قال: مجلسِها (٣) .
واختلف أهلُ العلم فى السببِ الذى من أجلِه خصَّ سليمانُ مسألةَ الملأ من
جندِه إحضارَ عرشِ هذه المرأةِ مِن بينِ أملاكِها قبلَ إسلامِها ؛ فقال بعضُهم : إنما فعَل
ذلك لأنه أعجبه حينَ وصَف له الهدهدُ صفتَه، وخشِى أَن تُسْلِمَ فيَحْرُمَ عليه مالُها ،
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٩٤، ٤٩٥ مطولًا، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٣/٩ من .
طريق سلمة ، عن ابن إسحاق عن يزيد بن رومان قوله .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥١٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٣/٩ ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٠٨/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٢٨٦٦، ٢٨٦٧ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد ، عن أبيه .

٦٤
سورة النمل : الآية ٣٨
فأراد أن يَأْخُذَ سريرَها ذلك قبلَ أن يَحْرُمَ عليه أخذُه بإسلامِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ،
قال : أخبر سليمانَ الهدهدُ أنها قد خرجت لتأتيه ، وأُخپر بعرشها فأعجبه ، كان من
ذهب، وقوائمُه من جوهرٍ مُكلّلٍ باللؤلؤ، فعرّف أنهم إن جاءوه مسلمين لم تَحِلَّ له(١)
أموالُهم ، فقال للجنِّ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ ﴾
وقال آخرون: بل فعَل ذلك سليمانُ ليُعايِنَها (١) به ، ويَخْتَبِرَ به عقلَها : هل تُثْبِتُه
إذا رأَته أم تُنْكِرُه؟
ذكر من قال ذلك
١٦١/١٩
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : أَعلَم اللَّهُ سليمانَ
أنها ستَأْتِيه، فقال: / ﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ سُئِلِمِينَ ﴾ . حتى
يُعايِنَها(١)، وكانت الملوكُ يتعاينون(٤) بالعلمِ(٥).
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿ قَبْلَ أَن يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ﴾؛ فقال
بعضُهم : معناه : قبل أن يأتونى مستسلمين طَوعًا .
(١) فى م، ت ٢: ((لهم)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٨٠، ٨١ عن معمر به مطولًا، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/
٢٨٨٢، ٢٨٨٣ من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن
المنذر .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢: ((يعاتبها)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢: (( يتعاتبون)).
(٥) ينظر التبيان ٨٥/٨.

٦٥
سورة النمل : الآية ٣٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: طائعين(١).
٥
وقال آخرون : بل معنى ذلك : قبلَ أن يَأْتونى مسلمين الإسلامَ الذی هو دینُ
اللَّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٥٣٤/٢و] حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ ، قال : قال ابنُ
جريج: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ﴾: بحرمةِ الإسلامِ ، فِيَمنَّعَهم
وأموالَهم. يعنى: الإسلامُ يَمْنَعُهم (١).
قال أبو جعفرٍ: وأُولَى الأقوالِ بالصوابِ فى السببِ الذى من أجلِه خصَّ
سليمانُ بسؤالِه الملأَّ من جندِه بإحضارِه عرشَ هذه المرأةِ ، دونَ سائرٍ مُلْكِها عندَنا؛
ليجعَلَ ذلك حجةً عليها فى نبوَّتِه ، ويُعرِّفَها بذلك قدرةَ اللَّهِ وعظيم شأنِه ، أنها خلَّفته
فى بيتٍ فى جوفٍ أبياتٍ بعضُها فى جوفٍ بعضٍ، مُغلَقٍ مُقْفَلٍ عليها(١) ، فأخرجه
اللَّهُ من ذلك كلِّه بغيرِ فتح أغلاقٍ وأقفالٍ ، حتى أوصله إلى وليِّه من خلقِه وسلَّمه
إليه ، فكان لها فى ذلك أعظمُ حُجةٍ على حقيقةِ ما دعاها إليه سليمانُ ، وعلى صدقٍ
سليمانَ فيما أعلَمها من نبؤَّتِه .
فأما الذى هو أولَى التأويلَين فى قولِه: ﴿ قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِىِ مُسْلِمِينَ﴾. بتأويلِه،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/٥ إلى ابن المنذر.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٠٢/١٣.
(٣) فى ت ١: ((عليه)).
( تفسير الطبرى ٥/١٨ )

٦٦
سورة النمل : الآيتان ٣٨، ٣٩
قولُ ابنِ عباس الذى ذكَوْناه قبلُ ، من أن معناه: طائعين؛ لأن المرأةَ لم تأتٍ سليمانَ
إذا أتته مسلمةٌ، وإنما أسلَمت بعدَ مَقْدَمِها عليه، وبعدَ محاورةٍ جرَت بينَهما
(١)
ومُساءلةٍ(١).
وقولُه: ﴿ قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ الْجِنّ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال رئيسٌ من الجنِّ،
ماردٌ قوىٌّ. وللعربِ فيه لغتان : عِفْرِيتٌ، وِفرِيَةٌ؛ فمن قال: ◌ِفِرِيَّةٌ. جمّعه
عَفارِىَ، ومن قال : عِفرِيتٌ. جمَعه عَفارِيتَ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريج ، قال
مجاهدٌّ: ﴿ قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ الْجِنِّ﴾. قال: ماردٌ من الجنِّ، ﴿أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن تَقُومَ
لِ (٢)
مِن مَّقَامٌِ﴾(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ ، عن قتادةً
وغيرِه مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن بعضٍ
أصحابِه: ﴿ قَالَ عِفْرِيِتٌ﴾. قال: داهيةٌ()
.
قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال : أخبرنى وهبُ بنُ سليمانَ، عن
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((مسألة))، وفى ف: ((مسلمة)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٤/٩ من طريق حجاج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/٥
إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٨١/٢ عن معمر عن الكلبى .

٦٧
سورة النمل : الآية ٣٩
شعيبٍ الجبائىِّ(١) ، قال : العِفرِيتُ الذى ذكَره اللَّهُ اسمُه كوزنُ(٢).
/ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلم: ١٦٢/١٩
قَالَ عِفْرِيتُ﴾: اسمُه كوزنُ(٣).
وقولُه: ﴿ أَنَاْ ءَلِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكٌ﴾. يقولُ: أنا آتِيك بعرشِها قبلَ
أن تقومَ من مَقعَدِك هذا. وكان فيما ذُكِر قاعدًا للقضاءِ بينَ الناسِ ، فقال: أنا آتيك
به قبلَ أن تقومَ من مجلسِك هذا الذى جلَستَ فيه للحكم بينَ الناس . وذُكِر أنه کان
يَقْعُدُ إلى انتصافِ النهارِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(٤)
مثلَهُ (٤) .
قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ وغيرِهِ مثلَه . قال :
وكان يَقْضى، قال : قبلَ أن تَقومَ من مجلسِك الذى تَقْضِى فيه (٥).
(١) فى م: ((الجبئى)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((كودن)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٤/٩ من طريق ابن جريج به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٤/٩ من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن رومان وعنده :
کوزی .
(٤) تفسير مجاهد ص ٥١٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٤/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٨/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٨٢/٢ عن معمر به .

٦٨
سورة النمل : الآيتان ٣٩، ٤٠
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ
العلمِ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهِ: ﴿أَنَاْ ءَئِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾: يعنى
(١)
مجلسه(١).
وقولُه: ﴿وَإِنِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ﴾: على ما فيه من الجواهرِ، ولا أَخونُ فيه .
وقد قيل: أمين على فرجِ المرأةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قولِه: ﴿ وَإِنِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ﴾. يقولُ: قوىٌّ على حملِه، أمينٌ على فَرْجِ
(٢)
هذه(٢).
وقولُهُ: ﴿ قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِنَبِ﴾. يقولُ جل ثناؤه: قال الذى عندَه
علمٌ من كتابِ اللَّهِ ، وكان رجلاً فيما ذُكِر من بنى آدمَ، فقال بعضُهم: اسمُه
(٣)
بليخا (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا ابنُ عَثْمَةَ، قال : ثنا شعبةُ، عن بشرٍ، عن
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٧/ ٧٦.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٥/٩ من طريق أبى صالح به بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٨/٥ إلى ابن المنذر بنحوه .
(٣) فى ت ١، والدر المنثور ١٠٩/٥، وروح المعانى ٢٠٥/٩: ((تمليخا))، وكذا فى بعض نسخ
القرطبى ٢٠٥/١٣، وفى بعضها: ((يمليخا))، وفى البحر المحيط ٧٦/٧: ((مليخا)). والمثبت موافق لتفسير
ابن كثير ٢٠٢/٦.

٦٩
سورة النمل : الاية ٤٠
قتادةَ فى قولِه: ﴿قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ اُلْكِنَبِ﴾. قال: كان اسمُه
(١)
بليخا (١).
حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن إسماعيلَ، عن
أبى صالحٍ فى قوله: ﴿الَّذِى عِندَهُ عٌِّ مِّنَ الْكِتَبِ﴾: رجلٌ مِن الإنسِ(٢).
حدَّثنا ابنُ عرفةَ ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ الفزارىُّ ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الكريمِ،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عٌِّ مِنَ الْكِنَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ،﴾. قال: أنا
أَنْظُرُ فى كتابٍ ربِّى، ثم آتيك به ﴿ قَبْلَ أَن يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال: فتكلَّم ذلك
العالم بكلامٍ ، دخَل العرشُ تحتَ الأرضِ حتى خرج إليهم .
/ حدَّثنا ابنُ عرفةَ، قال: ثنى عمارُ(٤) بنُ محمدٍ، عن عثمانَ بنِ مطرٍ، عن ٦٣/١٩
الزهرىِّ، قال: دعا الذى عنده علم من الكتابِ : يا إلهَنا وإلهَ كلِّ شيءٍ ، إلهًا واحدًا ،
لا إلهَ إلَّ أنت ، اثنى بعرشِها. قال: فمثَل بينَ يديْهُ(٥).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ قَالَ الَّذِىِ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِنَبِ﴾. قال: رجلٌ مِن بنى آدمَ - أَحْسَبُه قال: من بنى
(١) فى ت١، والدر المنثور: ((تمليخا)).
والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٠٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٥ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٥/٩ من طريق أبى أسامة به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٧/٩ من طريق الحسن بن عرفة به، وأخرجه أبو عبيد فى
الفضائل ص ١٨٠، وابن أبى شيبة ٥٣٨/١١ من طريق العلاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٥
إلی عبد بن حميد وابن المنذر .
(٤) فى م: ((حماد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠٤/٢١.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٦/٩ من طريق الحسن بن عرفة به .

٧٠
سورة النمل : الآية ٤٠
إسرائيلَ - كان يَعْلَمُ اسمَ اللَّهِ [٥٣٤/٢ظ] الذى إذا دُعِى به أجاب (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ اُلْكِنَبِ﴾. قال: الاسمُ الذى إذا دُعِى به أجاب،
وهو: يا ذا الجلالِ والإكرامِ (١) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبَرنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضحاك يقولُ: قال سليمانُ لمن حولَه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِنِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ
مُسْلِمِينَ﴾. فقال ◌ِفِرِيتٌ: ﴿أَنَّأ ◌َاِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامٌِ﴾. قال
سليمانُ: أُرِيدُ أعجَلَ من ذلك. فقال رجلٌ من الإنسِ ﴿عِندَهُ عٌِّ مِّنَ اُلْكِنَبِ﴾.
يعنى اسمَ اللَّهِ الذى إذا دُعِى به أجاب(٣) .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ
اُلْجِنِّ أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكٌ وَإِنِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ﴾: لا آتِيك بغيرِهِ . أقولُ:
غيرِهِ؛ أُمَثَلُه لك. قال : وخرّج يومَئذٍ رجلٌ عابدٌ فى جزيرةٍ من(٤) البحرِ، فلما سمِع
العِفريتَ، قال: ﴿ أَنْ ءَاِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال: ثم دعا باسمٍ مِن
أسماء اللَّهِ، فإذا هو يُحمَلُ بينَ عينَيْهُ(٥). وقرَأ: ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٨٢/٢ فى تفسيره عن معمر به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٦/٩
من طريق سعيد عن قتادة .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥١٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٦/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٩/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٢٠٢.
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٥) فی ت ١: (( یدیه)).

٧١
سورة النمل : الآية ٤٠
فَضْلِ رَبِى﴾. حتى بلَغ: ﴿فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج ، قال : قال
رجلٌ من الإنسِ. قال: وقال مجاهدٌ: ﴿الَّذِى عِندَهُ عِلٌُّ مِّنَ اُلْكِتَبِ﴾ علمُ اسمٍ
اللَّهِ .
وقال آخرون: الذى عندَه علمٌّ من الكتابِ كان آصَفَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: قال عِفِرِيتُ
لسليمانَ: ﴿ أَنَّأ ◌َائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِى عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِيرٌ﴾. فزعَموا أن
سليمانَ بنَ داودَ قال: أَبْتَغِى أعجلَ من هذا. فقال آصَفُ بنُ بَرْخيا - وكان صِدِّيقًا
يَعْلَمُ الاسمَ الأعظمَ الذى إذا دُعِى اللَّهُ به أجاب ، وإذا سُئل به أَعْطَى -: ﴿ أَنَاْ ﴾ يا
نبيَّ اللَّهِ ﴿عَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكْ﴾(٢).
وقولُه: ﴿أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرُفُكَ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى
تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم : معناه : أنا آتيك به قبلَ أن يَصِلَ إليك مَن كان منك على
مدِّ بصرِك(٣).
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى إبراهيمُ ، قال : ثنا إسماعيلُ بنُ أبى
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٠٥/١٣ بنحوه.
(٢) أخرجه أوله ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٦/٩ من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ،
وأخرجه آخره فى ٢٨٨٧/٩ من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق .
(٣) فى م: ((البصر)).

٧٢
سورة النمل : الآية ٤٠
خالدٍ، عن سعيدِ بنِ / جُبِيرٍ: ﴿ قَبْلَ أَنْ يَتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال : من قبل أن يَرْجِعَ
إليك أقصى مَن ترى .. فذلك قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (١).
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال غيرُ قتادةَ :
قَبْلَ أَن يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾: قبلَ أن يَأْتِيَك الشخصُ من مدِّ البصرِ .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : من قبلٍ أن يَتْلُغَ طرفُك مداه وغايته .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وهبِ بنِ مُنبِّهِ: ﴿ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾: تمدُّ عينَيْك، فلا يَنْتَهى طرفُك إلى
مداه حتى أُمَثِّلَه بينَ يدَيْك. قال: ذلك أريدُ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن إسماعيلَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال :
أُخبِرتُ أنه قال : ارفَعْ طَرْفَك من حيثُ يَجىءُ. فلم يَرْجِعْ إليه طَرْفُه حتى وضَع
العرشَ بينَ يديه (٥) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءٍ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرْفُكْ﴾. قال: مَدُّ بصرِه (١) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٨/٩ من طريق إسماعيل بن أبى خالد به .
(٢) فى ت ٢: ((عن)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٨٢/٢ عن معمر ، عن الكلبى .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٧/٩ من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق .
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١١/ ٥٣٨، ٥٣٩، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٨/٩ من طريق إسماعيل به
بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٥ إلى ابن المنذر.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٨/٩ من طريق عطاء به مطولًا .
١٦٤/١٩

٧٣
سورة النمل : الآية ٤٠
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرُّفُكْ﴾. قال: إذا مدَّ البصرَ حتى يُرَدَّ الطَّرَفُ خاسقً(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ قَبْلَ أَنْ يَرْتَّدَ إِلَيْكَ طَرُّفُكْ﴾. قال: إذا مدَّ البصرَ حتى يَحْسُرَ الطرفُ.
قال أبو جعفرٍ : وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: قبلَ أن
يَرْجِعَ إليك طرفُك مِن أقصى أثرِه. وذلك أن معنى قوله: ﴿ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ﴾:
يَوْجِعَ إليك، و(١) البصرُ إذا فُتحت العينُ غيرُ راجع، بل إنما يَمْتَدُّ ماضيًا إلى أن يتناهَى
ما امتَدَّ نورُه . فإذا كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ إنما أخبرنا عن قائلِ ذلك: ﴿أَنَاْ
ءَائِيكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَّدَ﴾. لم يَكْنْ لنا أن نَقُولَ: ("إنه قال): أنا آتيك به قبلَ أن يَرْتَدَّ
راجِعًا [٥٣٥/٢و] إليك طَرْفُك من عندٍ منتهاه .
وقولُه: ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ﴾. يقولُ: فلما رأَى سليمانُ عرشَ ملِكةٍ
سبأُ مستقِرًّا عندَه .
وفى الكلامِ متروكٌ استُغنِى بدَلالةِ ما ظهَر عما تُرِك، وهو: فدعا اللَّهَ فأُتي به
فلما رآه سليمانُ مستقِرًّا عندَه.
وذُكِر أن العالِمَ دعا اللَّهَ، فغار العرشُ فى المكانِ الذى كان به ، ثم نُبَع من تحتِّه
الأرضِ بينَ يديْ سليمانَ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٨/٩ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٥
إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر وعبد بن حميد .
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) سقط من: م.

٧٤
سورة النمل : الآية ٤٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وهب بن منبه، قال : ذكروا أن آصف بنّ بوخیا توضّأُ ، ثم رگعر کعتين ، ثم قال : يا
نبيَّ اللَّهِ ، امدُدْ عينَيْك حتى يَنْتَهِىَ طَرْفُك. / فمدَّ سليمانُ عينَيْه يَنْظُرُ إليه نحوَ الیمنِ ،
ودعا آصفُ ، فانخرَق بالعرشِ مكانُه الذى هو فيه ، ثم نبَع بينَ يدَیْ سليمانَ ، فلما
رآه سليمانُ مستقِرًّا عندَه قال: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِى لِبْلُوَبِيِ ﴾ الآية (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال : نبَع عرشُها من تحتِ الأرضِ(٢) .
وقولُه: ﴿ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِىِ لِيَبْلُوَنِيِّ ﴾. يقولُ: هذا البصرُ والتمكُُّ
والمُكُ والسلطانُ الذى أنا فيه، حتى حُمِل إلىَّ عرشُ هذه فى قدرِ ارتدادِ الطرفِ من
مَأْرِبَ إلى الشامِ - من فضل ربى الذى أفضَلَه علىّ ، وعطائه الذی جاد به علىَّ ،
لِبَلُوَنِيِ﴾. يقولُ: لِيَخْتَبِرَنِى وَيَمْتَحِنَنى، أَأَشْكُرُ ذلك من فضلِه(٣) علىَّ، أم أَكْفُرُ
نعمتَه علىَّ بتركِ الشكر له .
وقد قيل : إن معناه: أَأَشْكُرُ على عرشٍ هذه المرأةِ إذ أُتِيت به، أم أَكْفُرُ إِذ رأَيتُ
مَن هو دونى فى الدنيا أَعْلَمَ منى ؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريج، قال: أخبرنى عطاءٌ
(١) جزء من أثر تقدم فى ص ٧١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٢٨٩٦، ٢٨٩٧ من طريق سعيد بن جبير به .
(٣) فى م، ف: (( فعله )).
١٦٥/١٩

٧٥
سورة النمل : الآيتان ٤٠، ٤١
الخراسانىُ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِ
لِيَبْلُوَنِيِّ ◌َأَشْكُرُ﴾ على السريرِ إذ أَتِيتُ به، ﴿أَمْ أَكْفُرٌ ﴾ إذ رأيتُ مَن هو دونی فی
الدنيا أَعْلَمَ منى(١)؟
وقولُه: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ،﴾. يقولُ: ومَن شكر نعمةَ اللهِ
عليه ، وفضلَه عليه ، فإِنما يَشْكُرُ طلبَ نفع نفسِه؛ لأنه ليس يَنْفَعُ بذلك غيرَ نفسِه ؛
لأنه لا حاجةَ للَّهِ إلى أحدٍ من خلقِه، وإنما دعاهم إلى شكرِه تعريضًا منه لهم للنفع ، لا
لاجتلاب منه بشكرِهم إياه نفعًا إلى نفسِه، ولا دفعٍ ضَرِّ عنها.
. يقولُ: ومَن كفَر نِعمَه وإحسانَه إِليه
﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمُ
وفضلَه عليه، لنفسه ظلَم، وحظّها بخَس ، واللَّهُ غنىٌ عن شكرِهِ ، لا حاجةَ به إليه ،
لا يضرُّه كفرُ مَن كَفَر به من خلقِه، كريمٌ ، ومن كرمِه إفضالُه على مَن يَكْفُرُ نِعمَه
ويَجْعَلُها وُصْلةٌ يَتَوَصَّلُ بها إلى معاصيه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ قَالَ تَكْرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَظُرْ أَنْهَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ
الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ
٤١
يقول تعالى ذكره : قال سليمانُ لما أُتَی عرشُ بِلْقِیسَ صاحبة سباً ، وقَدِمت هى
عليه - لجندِه : غَيِّروا لهذه المرأةِ سريرَها .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ ، عن قتادةً
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٥ إلى المصنف وابن المنذر من قول ابن جريج.

٧٦
سورة النمل : الآية ٤١
قولَه: ﴿نَكْرُواْ لَهَا عَرْشَهَا﴾. قال: غَيِّروا(١).
١٦٦/١٩
/ حدّثنی محمدُ بنُ سعد ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: فلما أتته ﴿ قَالَ تَكْرُوْلَهَا عَرْشَهَا﴾. قال : وتنكيرُ العرش أنه زِيد
(٢)
فيه ونُقِص (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿تَكْرُواْ لَا عَرْشَهَا﴾. قال: غَيْرُوهُ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ نحوه .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿نَكْرُواْ
لَا عَرْشَهَا﴾ . قال: مجلِسَها الذى تَجْلِسُ فيه .
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿تَكْرُواْ لَا عَرْشَهَا﴾: أمرهم أن يَزيدوا فيه ويَنْقُصوا منه .
وقولُه: ﴿نَنظُرْ أَنْنَدِىٌّ﴾. يقولُ: نَنْظُرْ أَتَغْقِلُ فتُثْبِتَ عرشَها أنه هو الذى
لها؟ ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: من الذين لا يعقلون، فلا تُثْبِتُ
عرشَها .
وقيل: إن سليمانَ إنما نكْر لها عرشَها وأمَر بالصَّرْحِ أن يُعْمَلَ لها؛ من أجلِ أَنَّ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسير ٨٢/٢ عن معمر ، عن قتادة بلفظ: نكرته أن يزاد فيه أو ينقص منه.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥١٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٠/٩.

٧٧
سورة النمل : الآية ٤١
الشياطينَ كانوا أخبَروه أنه لا عقَل لها، وأن رجلَها كحافرِ حمارٍ، فأراد أن يَعْرِفَ
صحةً ما قيل له من ذلك .
وبنحوِ الذى قلْنا فى تأويل قوله: ﴿أَنْهَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ اُلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ قال
أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدًّٹنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس: ﴿ نَظُرْ أَهَنَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ . قال : زِيد فى
عرشِها ونُقِص منه؛ لِيَنْظُرَ إلى عقلِها، فؤُجِدت ثابتةَ العقلِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ نَظُرْ أَهَنَدِىّ﴾: أَتَعْرِفُه؟
حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقَاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿نَظُرْ أَنَهَنَدِىَ﴾. قال: تَعْرِفُهُ(٢) ؟
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إِسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وهبِ بنِ مُنَبِّهِ: ﴿أَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ أى: أَتَعْقِلُ أم تَكونُ من
الذين لا يعقِلون؟ ففعَل ذلك ليَنْظرَ أَتَغْرِفُه أم لا تَغْرِفُه؟!(٣).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٠/٩ عن محمد بن سعد به بنحوه .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥١٩.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩١/٩ من طريق سلمة عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن رومان من
قوله .

٧٨
سورة النمل : الآية ٤٢
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ فَلَمَّا جَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشِّ قَالَتْ كَنَّهُ هُوَّ وَأُوِنَا الْعِلْمَ
مِن قَبْلِهَا وَكُنَا مُسْلِمِينَ
١٦٧/١٩
/ يقولُ تعالى ذكره: فلما جاءت صاحبةُ سبأُ سليمانَ أخرَج لها عرشَها ، فقال
لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ قالت وشبَّهتْه به: ﴿كَأَنَُّ هُوَ﴾.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وَهْبِ بنِ منبهٍ، قال: لما انتهت إلى سليمانَ وكلَّمته أُخرَج لها عرشَها، ثم قال:
أَهَكَذَا عَرْشُِ قَالَتْ كَنَّهُ هُوَّ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
فَلَمَّا جَآءَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِّ قَالَتْ كَنَُّ هُوَّ﴾. قال : شبَّهته، وكانت قد تركته
(٢)
خلفَها(٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان أبى يُحَدِّثُنا
هذا الحديثَ كلَّه، يعنى حديثَ سليمانَ وهذه المرأةِ: ﴿ فَلَمَّا جَءَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ
قَالَتْ كَُّ هُوَّ﴾: شكَّت.
وقولُه: ﴿ وَأُوِيْنَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُهُ مخبِرًا عن قيلِ سليمانَ:
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩١/٩ من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن رومان قوله .
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٨٢/٢ فى تفسيره عن معمر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٢/٩ من طريق
سعيد عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن
المنذر .

٧٩
سورة النمل : الايتان ٤٢، ٤٣
وقال سليمانُ : وأوتينا العلمَ - من قَبلِ هذه المرأةِ - باللَّهِ، وبقدرتِه على ما يشاءُ،
وكنا مسلمين للَّهِ من قبلها .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَأُوِيْنَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا﴾. قال: سليمانُ يقولُهُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ
٤٣
كَفِرِينَ
يقولُ تعالى ذكره : ومنَع هذه المرأةَ صاحبةَ سبأُ ما كانت تعبدُ من دونِ اللَّهِ ،
وذلك عبادتُها الشمسَ، أن تَعْبُدَ اللَّهَ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
(١) تفسير مجاهد ص ٥١٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩٢/٩.

٨٠
سورة النمل : الآيتان ٤٣، ٤٤
﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللهِ﴾. قال: كفرُها بقضاءِ اللَّهِ غيرَ الوثنِ(١)، أن
تهتدىَ للحقِّ(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَت / تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ﴾. قال: كفرُها بقضاءِ اللَّهِ صَدَّها أن
تهتدىَ للحقِّ .
١٦٨/١٩
ولو قيل: معنى ذلك : وصدّها سليمانُ ما كانت تعبدُ مِن دونِ اللَّهِ . بمعنى:
منَعها وحال بينها وبينَه كان وجهًا حسنًا . ولو قيل أيضًا: وصدَّها اللَّهُ ذلك بتوفيقها
للإسلام. كان أيضًا وجهًا صحيحًا .
وقولُه: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾. يقولُ: إن هذه المرأةَ كانت كافرةٌ مِن
قومٍ كافرين.
وكُسرت الألفُ مِن قوله: ﴿ إِنَّ﴾ على الابتداءِ.
ومَن تأوَّل قولَه: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ ﴾ التأويلَ الذى تأوَّلْنا،
كانت ﴿مَا﴾ من قوله: ﴿مَا كَانَتَ تَعْبُ﴾. فى مَوضعِ رفعٍ بـ((الصدِّ))؛ لأن المعنَى
فيه : لم يَصدَّها عن عبادةِ اللَّهِ جهلُها وأنها لا تَعقِلُ ، إنما صَدَّها عن عبادةِ اللَّهِ عبادتُها
الشمسَ والقمرَ، وكان ذلك مِن دينٍ قومِها وآبائِها ، فاتبَعت فيه آثارَهم . ومَن تأوَّله
على الوجهينِ الآخَرَين، كانت ﴿مَا﴾ فى موضِعِ نصبٍ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قِيلَ لَا أَدْخُلِىِ الضَّرْحِ فَلَمَّا رَأَنْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ
عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْعٌ مُمَزٌَّ مِّن قَوَارِيِرُّ قَالَتْ رَبٍّ إِى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ
(١) بعده فى تفسير مجاهد: ((صدها)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٥١٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٢٨٩٢.