النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
سورة النمل : الآيتان ٢٥، ٢٦
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ فيِ السَّمَوَتِ
اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
اُلْعَظِيمِ (٢٦١
اختلَفت القرأةُ [٥٣٠/٢ظ] فى قراءةٍ قولِه: ﴿ أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾؛ فقرَأَ بعضُ
المكيّين وبعضُ المدنيّين والكوفيّين: (أَلَا) بالتخفيفِ (١)، بمعنى: ألَا يا هؤلاء
اسجدوا. فأضمَروا ((هؤلاء)) اكتفاءً بدلالةِ ((يا)) عليها .
وذكر بعضُهم(٢) سماعًا من العربِ: أَلَا يا ارْحَمْنا، ألَا يا تَصَدَّقْ علينا .
واستشهد أيضًا ببيتِ الأخطلِ(٣) :
وإن كان حيَّانا عِدَى آخِرَ الدهرِ
أَلَا یا اسْلَمِی یا هندُ هندَ بنی بدرٍ
فعلى هذه القراءة، اسجدوا فى هذا الموضعِ جزمٌ، ولا موضعَ لقوله: ((أَلَا))
فى الإعرابِ .
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ﴾ بتشديدِ
﴿أَلََّ﴾(٤)، بمعنى: وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم لئلّا يَسْجُدوا للَّهِ. ﴿أَلََّ﴾ فى
موضعٍ نصبٍ، لما ذكرتُ من معناه أنه ((لئلا))، و﴿ يَسْجُدُواْ﴾ فى موضعٍ نصبٍ
بـ ((أنْ)).
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتان مُستفِيضَتان فى قرأةِ الأمصارِ ، قد
قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القَرَأَةِ ، مع صحةٍ معنيَئهما .
(١) هى قراءة أبى جعفر والكسائى ورويس عن يعقوب. النشر ٢٥٣/٢.
٠٠
(٢) هو الفراء فى معانى القرآن ٢٩٠/٢ وفيه: ألايا ارحمانا، ألا يا تصدقا علينا. قال: يعنينى وزميلى.
(٣) شرح ديوانه ص ١٥٠ .
(٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة وروح وخلف. ينظر النشر ٢٥٣/٢.
٤٢
سورة النمل : الآية ٢٥
واختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولٍ ((يا )) فى قراءةِ من قرَأَه على وجهِ الأمرِ ؛
فقال بعضُ نحويِّى البصرة: من قرَأ ذلك كذلك، فكأنه جعَله أمرًا ، كأنه قال لهم:
اسجدوا. وزاد ((يا)) بينهما (١) التى تكونُ للتنبيهِ، ثم أَذْهَبَ ألِفَ الوصلِ التى
فى ((اسجدوا))، وأَذهِبت الألفُ التى فى ((يا )) لأنها ساكنةٌ لِقِيَت السينَ، فصارت
/ ((ألا يَسْجُدوا)).
١٥٠/١٩
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ : هذه ((يا)) التى تَدْخُلُ للنداءِ، يُكتَفى بها من الاسمِ،
ويُكتَفى بالاسم منها ، فتَقولُ: يا أقبِلْ. و: زيدُ أقْبِلْ. وما سقط من السواكنِ فعلى هذا.
ويعنى بقولِه: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾: يُخْرِجُ المخبوءَ، ﴿فِ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ﴾؛ من غيثٍ فى السماءِ، ونباتٍ فى الأرضِ، ونحوِ ذلك.
وبالذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلفت عبارتُهم(١) عنه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا ابنُ المبارَكِ، عن ابنِ جريج، قراءةٌ عن مجاهدٍ :
وَ يُخْرِجُ الْخَبَْ فِ السَّمَوَتِ﴾. قال: الغيثَ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾. قال: الغيثَ(٣).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ الَّذِی
يُخْرِجُ الْخَبَْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خبُ السماءِ والأرضِ ما جعَل اللَّهُ
(١) بعده فى ص، ت ١، ف: ((يا))، وبعده فى ت ٢: ((فأما)).
(٢) فى ت٢: ((عباراتهم)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٥١٨ . ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٦٨/٩.
٤٣
سورة النمل : الآية ٢٥
فيهما (١) من الأرزاقٍ؛ والمطرُ من السماءِ، والنباتُ من الأرضِ، كانتا رَتْقًا؛ لا تُمْطِرُ
هذه، ولا تُثْبِتُ هذه، ففتَق السماءَ وأَنزَل منها المطرَ، وأخرَج النباتَ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ(١)، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن إسماعيلَ
ابنِ أبى خالدٍ، عن حكيم بنِ جابرٍ " فى قوله: ﴿أَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ فيِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾: يَعْلَمُ كلِّ خفيةٍ فى السماواتِ والأرضِ ().
حدَّثنى محمدُ بنُ عمارةَ ، قال : ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال : أخبرنا أسامةُ بنُ
زيدٍ ، عن معاذٍ بنِ عبدِ اللَّهِ ، قال: رأيتُ ابنَ عباسٍ على بغلةٍ يَسْأَلُ تبعًا ابنَ امرأةٍ
كعب : هل سأَلتَ كعبًا عن البذرِ، تُنبِتُ الأرضُ العامَ لم يُصَبِ العامَ الآخَرَ؟ قال :
سمِعتُ كعبًا يقولُ : البذرُ يَنزِلُ من السماءِ، وَيَخْرُجُ من الأرضِ. قال: صدَقتَ(٦).
قال أبو جعفرٍ : إنما هو تُبَيْعٌ، ولكن هكذا قال محمدٌ .
وقيل: ﴿يُخْرِجُ الْخَبَْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾: معناه يُخْرِجُ الخَبءَ مِن
السماواتِ والأرضِ؛ لأن العربَ تَضَعُ ((من)) مكانَ ((فى))، و ((فى)) مكانَ
((من)) فى الاستخراجِ .
(١) فى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((فيها))، وفى ت١: ((فيهن)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٦٨/٩، ٢٨٦٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد إلى قوله: والنبات من
الأرض .
(٣) بعده فى ت١: ((قال حدثنى حجاج)).
(٤ - ٤) فى ت٢: (( قال حدثنى حجاج عن ابن جريج)).
(٥) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٤٩) من طريق إسماعيل بن أبى خالد به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٦/٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر، بلفظ: يخرج الخبء: المطر.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥/١ (١٤٧٦)، وأبو الشيخ فى العظمة (٧١٧)، وابن عساكر فى
تاريخه ٣١/١١، والمزى فى تهذيب الكمال ٣١٥/٤ من طريق أسامة بن زيد به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٦٥/١ إلى البيهقى فى الأسماء والصفات .
(٧ - ٧) سقط من : م .
٤٤
سورة النمل : الآيات ٢٥ - ٢٨
وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. يقولُ: وَيَعْلَمُ السرَّ من أمورٍ خَلْقِه، هؤلاء
الذين زيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم، والعلانيةَ منها. وذلك على قراءةٍ من قرَأ ﴿ أَلََّ﴾
بالتشديدِ . وأما على قراءةٍ من قَرأه بالتخفيفِ فإن معناه: ويعلمُ ما يُسِرُّه خلقُه الذين
أمَرَهم بالسجودِ بقولِه: ألا يا هؤلاء اسجدوا. وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةٍ أَتَىّ: (أَلَا
تَسْجُدون(١) للَّهِ الذى يَعْلَمُ سوَّكم وما تُغْلِنون)(٢).
وقولُه: ﴿ اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: اللَّهُ
الذى لا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له، ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا معبودَ سواه تَصْلُحُ له
العبادةُ، فأَخْلِصوا له العبادةَ، وأَفْرِدوه بالطاعةِ ، ولا تُشْرِكوا / به شيئًا .
١٥١/١٩
﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾. يعنى بذلك: مالكُ العرشِ العظيمِ، الذى كلُّ
عرشٍ وإن عظُم فدونَه ، لا يُشبِهُه عرشُ مَلِكةٍ سباً ولا غيرُه .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَحَطِثُ
بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: هذا كلُّه
کلامُ الهدهدِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ بنحوِه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ
[٥٣١/٢ و]
٢٨
اذْهَب بِكِتَبِى هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ
اُلْكَذِبِينَ الشَّـ
يقولُ تعالى ذكرُه : قال سليمانُ للهدهدِ : سنَنْظُرُ فيما اعتذَرتَ به من العذرِ ،
واحتجَجتَ به من الحجةِ لغَيبتِك عنا، وفيما جئْتَنا به من الخبرِ، ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فى
(١) فى م: ((تسجدوا)).
(٢) فى معانى القرآن للفراء ٢٩٠/٢، وتفسير القرطبى ١٨٦/١٣، والبحر المحيط ٦٨/٧.
٤٥
سورة النمل : الآيتان ٢٧، ٢٨
ذلك كلِّه، ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ اُلْكَذِبِينَ﴾ فيه، ﴿ أُذْهَب تِكِتَئِى هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ
تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾.
فاختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه : اذهَبْ بكتابى
هذا، فألقِه إليهم، فانظُرْ ماذا يَرْجِعون، ثم تولَّ عنهم مُنصرِفًا إلىّ. فقال : هو من
المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : فأجابه سليمانُ ؛
يعنى أجاب الهدهدَ لما فرَّغ: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِينَ ﴿ أَذْهَب
بِكِتَبِى هَذَا فَلْقِّهِ إِلَيْهِمْ﴾. وانظُرْ ماذا يرجعون، ثم تولَّ عنهم منصرِفًا إلىّ .
وقال : وكانت لها كَوَّةٌ مستقبلةٌ الشمسَ، ساعةَ تَطْلُعُ الشمسُ تَطْلُعُ فيها فَتَسْجُدُ
لها ، فجاء الهدهدُ حتى وقَع فيها فسدَّها ، واستَبْطَأْتِ الشمسَ فقامت تَنْظُرُ، فرمَى
بالصحيفةِ إليها من تحتِ جناحِه، وطار حتى قامت تَنْظُرُ الشمسَ(١).
قال أبو جعفرٍ : فهذا القولُ من قولِ ابنِ زيدٍ يَدُلُّ على أن الهدهدَ تولَّى إلى
سليمانَ راجعًا بعد إلقائِه الكتابَ ، وأنَّ نظرَه إلى المرأةِ ما الذى تَرْجِعُ وتَفْعَلُ كان قبلَ
إلقائِه كتابَ سليمانَ إليها .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : اذهَبْ بكتابى هذا فأَلْقِه إليهم ثم تولَّ عنهم ،
فكنْ قريبًا منهم ، وانظُرْ ماذا يَرْجِعون. قالوا: وفعَل الهدهدُ ، وسمِع مراجعةً المرأةِ
أهلَ مملكتِها وقولَها لهم: ﴿ إِنَّ أُلِّقِىَ إِلَىَّ كِثَبُ كَرِيُ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ وما بعدَ ذلك من مراجعةِ بعضِهم بعضًا .
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ١٥٨/٦.
٤٦
سورة النمل : الآيات ٢٨ - ٣١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وهبٍ بِنِ مُنبهٍ قولَه: ﴿فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ نَوَلَ عَنْهُمْ﴾. أى: كُنْ قريبًا، ﴿فَانْظُرْ مَاذَا
يَرْجِعُونَ﴾(١).
وهذا القولُ أَشْبَهُ / بتأويلِ الآيةِ ؛ لأن مراجعةَ المرأةِ قومَها كانت بعدَ أن أُلِقِی
إليها الكتابُ، ولم يَكُنِ الهدهدُ لِيَنْصَرِفَ وقد أُمِرِ بأن يَنْظُرَ إلى مراجعةٍ القومِ بينَهم
ما يتراجَعونه١) ، قبلَ أن يَفْعَلَ ما أمره به سليمانُ .
١٥٢/١٩
إِنّهُ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَتْ يَيُّهَا الْمَلَوُاْ إِنَّ أُلْفِىَ إِلَّ كِتَبُ كَرِيمٌ
٣١
مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣ أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : فذهَب الهدهدُ بكتابٍ سليمانَ إليها ، فألقاه إليها ، فلما
قرأته قالت لقومِها: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلَوُاْ إِّ أُلْفِىَ إِلَّ كِنَبُ
﴾.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وهبِ بنِ مُنَّهٍ، قال: كتَب "سليمانُ؛ يَعْنى" مع الهدهدِ: بسم اللَّهِ الرحمنِ
الرحيم ، من سليمانَ بنِ داودَ إلى بِلْقِيسَ بنتِ ذى شرحٍ وقومِها. أما بعدُ ، فلا تَغْلُوا
علىَّ، وأتوني مسلمين. قال(٤): فأخَذ الهدهدُ الكتابَ برجلِه فانطلَق به حتى أتاها ،
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٩١/١٣.
(٢ - ٢) فى ت٢: ((المرأة وقومها فيما يتراجعون بينهم).
(٣ - ٣) فى م، ت٢، ف: (( يعنى سليمان بن داود)).
(٤) سقط من: ت١، ت٢، ف .
٤٧
سورة النمل : الآيات ٢٩ - ٣١
وكانت لها كَوَّةٌ فى بيتِها ، إذا طلعت الشمسُ نظَرت إليها فسجَدت لها ، فأتى
الهدهدُ الكَوَّةَ فسدَّها بجناحَيْه، حتى ارتفعت الشمسُ ولم تَعْلَمْ ، ثم أَلقَى الكتابَ
من الكَوَّةِ ، فوقَع عليها فى مكانها الذى هى فيه فأخَذَتْه(١) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً ،
قال: بلَغنى (٢) أنها امرأةٌ يقالُ لها: بِلقيسُ - أَحْسَبُه قال: ابنةُ شَرَاحِيلَ - أحدُ أَبُوئِها
من الجنِّ، مُؤَخّر أحدٍ قدميها كحافر الدابة ، و کانت فى بيتٍ مملكةٍ، و کان أولو [٢]
٥٣١ظ] مشورتِها ثلاثمائةٍ واثنى عشرَ، كلُّ رجلٍ منهم على عشرةِ آلافٍ ، وكانت
بأرض يقالُ لها: مأرِبُ . من صنعاءَ على ثلاثةِ أيامٍ ، فلما جاء الهدهدُ بخبرِها إلى
سليمانَ بنِ داودَ ، كتَب الكتابَ وبعَث به مع الهدهدِ ، فجاء الهدهدُ وقد غلَّقت
الأبوابَ ، وكانت تُغَلِّقُ أبوابَها وتضعُ مفاتيحَها تحتَ رأسِها ، فجاء الهدهدُ فدخَل
من كَوَّةٍ ، فألقَى الصحيفةَ عليها(١) فقرَأتها، فإذا فيها: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ
أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ﴾. وكذلك كانت تَكْتُبُ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الأنبياءُ لا تُطْنِبُ، إنما تَكْتُبُ جَمْلًا(٤).
قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج ، قال: لم يَزِدْ سليمانُ علی
ما قصَّ اللَّهُ فى كتابه: ﴿ إِنَّهُ﴾، ﴿وَإِنَُّ﴾.
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ١٥٨/٦ مطولا.
(٢) فى ت٢: ((بلغها)).
(٣) فى ت٢: ((إليها)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٨٠ عن معمر به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧٠/٩ من طريق
سعيد عن قتادة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٦/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٥ - ٥) فى ت١، ت٢، ف: ((ايه وايه)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٦/٥ إلى ابن المنذر.
٤٨
سورة النمل : الآيات ٢٩ - ٣١
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكُ يقولُ فى قولِه : ﴿أَذْهَبَ بِّكِتَنِى هَذَا فَلْفِهِ إِلَيْهِمْ﴾ فمضَى الهدهدُ
بالكتابِ حتى إذا حاذَى الملِكةَ وهى على عرشِها، ألقَى إليها الكتابَ(١).
١٥٣/١٩
/ وقولُه: ﴿ قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَوُاْ إِّ أُلْفِىَ إِلَّ كِتَدُ كَرِيمٌ ﴾ والملأُّ: أشرافُ قومِها .
يقولُ تعالى ذكره: قالت ملكةُ سبأْ لأشرافٍ قومِها: ﴿ يَتُهَا الْمَلَوُاْ إِّ أُلِّقِىَ إِلَّ
كِتَبٌ كَرِيمٌ ﴾.
واختلف أهلُ العلم فى سببٍ وصفِها الكتابَ بالكريم ؛ فقال بعضُهم: وصَفته
بذلك لأنه كان مختومًا .
وقال آخرون: وصَفتْه بذلك لأنه كان مِن مَلِكِ، فوصَفته بالكرمِ لكرمِ
صاحبه . وممن قال ذلك ابنُ زيدٍ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنّ أُلْقِىَ
إِلَّ كِتَبُ كَرِيمُ ﴾ . قال: هو كتابُ سليمانَ حيثُ كتَب إليها .
وقولُه: ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كُسِرت ((إن))
الأولى والثانيةُ على الردِّ على ﴿إِنِّ﴾ من قوله: ﴿إِنَّ أُلْفِىَ إِلَّ كِنَبُ كَرِمُ﴾ .
ومعنى الكلام: قالت : يأيُّها الملأُ، إنى أُلقِى إلىّ (٢ من سليمانَ، وإنه١) .
وقولُه: ﴿أَلَّا تَعَلُواْ عَلَىَّ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: أُلْقى إلىَّ كتابٌ كريمٌ: ألَّا
تعلوا علىَّ .
ففى ((أن)) وجهانٍ من العربية؛ إن جعلت بدلًا من ((الكتاب))، كانت رفعًا بما
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧٠/٩ من طريق أبى معاذ به .
(٢ - ٢) فى م: ((كتاب وإنه من سليمان)).
٤٩
سورة النمل : الآيات ٣١ - ٣٣
رُفِع (١) به ((الكتابُ)) و(٢) بدلًا منه . وإن جُعِل معنى الكلام: إنى أُلْقِى إلىّ كتابٌ
كريمٌ أَلَّا تعلوا علىَّ. كانت نصبًا بتعلَّقِ (( الكتابِ)) بها .
وعَنَى بقولِه: ﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ﴾: ألَّا تَكَبَّروا ولا تتعاظَموا عما دعوتُكم إليه .
كما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ﴾: ألَّا تَمْتَنِعوا من الذى دعَوتُكم إليه، إن امتَنَعْتم جاهَدتُّكم . فقلت
لابنِ زيدٍ: ﴿ أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ﴾ ألَّ تتكبّروا علىَّ؟ قال: نعمْ(١).
قال: وقال ابنُ زيدٍ: ﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ﴾: ذلك فى كتابٍ
سليمانَ إليها .
وقولُه: ﴿ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأَقْبِلوا إلىّ مُذْعنين للَّهِ بالوحدانيةِ
والطاعةِ .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَوْ أَفْتُونِى فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً
قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَأَنْظُرِى مَاذَا
٣٢
أَمَّ حَتَّى تَشْهَدُونِ
٣٣
تَأْمُرِينَ
يقولُ تعالى ذكره: قالت ملكةُ سبأُ لأشرافٍ قومِها: ﴿ يَأَيُهَا الْمَلَؤُأُ أَفْتُونِ فِىّ
أَمْرِى﴾. تقولُ: أشيرُوا علىَّ فى أمرى الذى قد(٤) حضَرنى من أمرٍ صاحبٍ هذا
الكتابِ الذى أُنْقِىَ إلىّ. فجعَلت المشورةَ فُتيا .
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((وقع)).
(٢) سقط من : م .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧٤/٩ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٤) سقط من: ت١، ت٢ ، ف .
( تفسير الطبرى ٤/١٨)
٥٠
سورة النمل: الآيتان ٣٣،٣٢
وقولُه: ﴿ مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمّْ حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾: تقولُ: ما كُنْتُ قاضيةٌ أمرًا
فی ذلك حتى تَشْهَدونِ فأُشاوِرَ کم فیه .
كما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ: دعَت قومَها
فشاورتهم(١) : أيُّها المَلأَّ ﴿ أَفْتُونِ فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ فَاطِعَةً أَّْ حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾.
فقال: فى الكلام: ما كنتُ لأقطعَ أمرًا دونَك، ولا كنتُ لأقضِىَ أمرًا. فلذلك
قالت: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْ﴾ بمعنى: قاضيةً .
١٥٤/١٩
/ وقولُه: ﴿ قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: قال
الملّ من قومٍ ملكةٍ سبأ إذ شاوَرتْهم فى أمرِها وأمرٍ سليمانَ: نحن ذوو (٢) القوةِ على
القتالِ ، والبأسِ الشديدِ فى الحربِ(٢) ، والأمر أيتُها الملكةُ إليكِ فى القتالِ وفی تر کِه،
فانظُرِى من الرأيِ ما تَرَيْنَ، فَمُرِينا نَأْتَمِرْ لأمرِكِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ
قُؤَةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: عرَضوا لها القتالَ، يُقاتِلون لها، والأمرُ إليكِ بعدَ هذا،
فانظُرِى ماذا تَأْمُرين(٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةً ، عن الأعمشِ، عن
(١) فى م، ت١، ف: (( تشاورهم)).
(٢) فى ت ١، ت ٢: (( ذو)).
(٣) فى ص، ت ١، ت٢: ((الحروب)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧٥/٩ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد.
٥١
سورة النمل : الآيتان ٣٣، ٣٤
مجاهدٍ، قال: كان مع ملكة سبأُ اثنا عشرَ ألفَ قَيِوِلٍ (١)، مع كلِّ قَتِوِلٍ مائةُ ألفٍ (٢).
حدَّثنا عمرُو بنُ علىّ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ
السائبِ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان مع بِلقيسَ مائةُ ألفِ قَيْلٍ ، مع كلّ
قَيِلٍ مائةُ ألفٍ(٣) .
قال : ثنا وكيعٌ، قال : ثنا الأعمشُ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: كانت تحتَ
يدٍ ملكة سبأُ اثنا عشرَ ألفَ قَيْوِلٍ - والقَيْوِلُ بلسانِهِم الملِكُ - تحتَ يدِ كلِّ ملِكِ مائةُ
ألفٍ مقاتلٍ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا
(٣٤
وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : قالت صاحبةٌ سباً للملأُ من قومِها إِذ عرَضوا عليها أنفسَهم
لقتالٍ سليمانَ، إن أمَرتهم بذلك -: ﴿إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً ﴾ عَنْوَةً وَغَلَبَةً
﴿أَفْسَدُوهَا﴾. يقولُ: خرَّبوها، ﴿ وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةً ﴾ ؛ وذلك باستعبادِهم
الأحرارَ واسترقاقِهم إياهم . وتناهَى الخبرُ منها عن الملوكِ فى هذا الموضع، فقال اللَّهُ:
﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكما قالت صاحبةُ سبأ، تَفْعَلُ الملوكُ
إذا دخلوا قريةً عَنوَةٌ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) القَيْول: هو القَيْل: وهو الملك النافذ القول والأمر. النهاية ٤/ ١٢٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧٥/٩ من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٧/٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧١/٩ من طريق سفيان به .
٥٢
سورة النمل : الآيات ٣٤ - ٣٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ فى قولِهِ: ﴿وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ
قال أبو بكرٍ : هذا عَنْوَةً .
حدَّثنا أبو هشام الرفاعىُّ ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال : ثنا الأعمشُ، عن مسلمٍ،
عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ . قال: إِذا
دخَلوها عَنْوَةً خرَّبوها (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابنٍ جريج، قال :
١٥٥/١٩ قال ابنُ عباس: ﴿ قَالَتْ / إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا
أَزِلَةٌ﴾. قال ابنُ عباسٍ: يقولُ اللَّهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِّ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ
اُلْمُرْسَلُونَ (®
فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمِّدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَئِنَِّ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَآ ءَاتَنْكُمْ بَلّ
أَنْتُم بِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ
أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَتَأْنِيَنَّهُم بِحُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَهُمْ مِنْهَآ
٣٦
(٣٧)
أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ
ذُكِر أنها قالت: إنى مرسِلةٌ إلى سليمانَ. لتَخْتَبِرَه بذلك وتعرِفَه به ، أملِكٌ هو
أم نبىٌّ؟ وقالت: إن يَكُنْ نبيًّا لم يَقْبَلِ الهديةَ، ولم يُؤْضِه منا إلا أن نَتَّبِعَه على دينِه ،
وإن يَكُنْ ملِكًا قَبِل الهديةَ وانصرَف .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧٦/٩ من طريق أبى هشام الرفاعى . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٧/٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧٧/٩ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
٥٣
سورة النمل : الآية ٣٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قالت: ﴿وَإِّى مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةِ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ
اُلْمُرْسَلُونَ﴾. قال: وبعثت إليه بوصائفَ ووُصَفاءَ، وألتستْهم لباسًا واحدًا ، حتى لا
يُعْرَفُ ذَكرٌ من أنثى. فقالت: إن زَيَّل بينَهم حتى يَعرِفَ الذِّكرَ مِن الأنثى ، ثم ردَّ
الهديةَ فإنه نبيٌّ، وينبغى لنا أن نَتْرِكَ مُلْكَنا ونَشَّبِعَ دينَه ونَلْحَقَ به (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَإِنِّى مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾. قال: بجَوَارٍ لِبَاسُهُنَّ لباسُ الغِلمانِ ، وغِلمانٍ
لباسُهم لباسُ الجَوَارِى (١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال
قولَها: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ ﴾. قال: مائتَىْ غلامِ ومائتَىْ جارية .
قال ابنُ مجرَيج، قال مجاهدٌ قوله: ﴿ بِهَدِيَّةٍ﴾. قال: جَوَارِ ألبَستْهنَّ لباسَ
الغِلْمَانِ ، وغِلْمانٍ ألبَستْهم لباسَ الجوارِى.
قال ابنُ جريج ، قال : قالت : فإن خلَّص الجَوارىَ مِن الغِلمانِ وردَّ الهديةَ ، فإنه
نبىٌّ، ويَنْبَغى لنا أن نَتَّبِعَه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٠/٩ عن محمد بن سعد به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥١٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧٧/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٨/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ١٦٠/٦، والقرطبى فى تفسيره ١٩٦/١٣ من قول مجاهد.
٥٤
سورة النمل : الآية ٣٥
قال ابنُ جُرَيج، قال مجاهدٌ: فخلَّص سليمانُ بعضَهم من بعضٍ، ولم يَقْبَلْ
هدیّتها .
قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ، عن ثابتِ البُنَانيّ ، قال :
أهدَت له صفائحَ الذهبِ، فى أوعيةِ الدِّيباج، فلما بلغ ذلك سليمانَ ، أَمَر الجنَّ
فموهوا له الآجُرَّ بالذهبِ ، ثم أمَر به فَأَلْقى فى الطريقِ، فلما جاءوا فرأوه مُلْقَى، ما
يُلْتَفتُ إليه، صغُر فى أعينِهم ما جاءوا به (١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّ
اٌلْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ / قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ الآية . وقالت: إنَّ هذا الرجلَ إِنْ كان إنما
هِمَّتُه الدنيا فسنُرْضِيه، وإن كان إنما يُرِيدُ الدينَ، فلن يَقْبَلَ غيرَه: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةُ
إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
١٥٦/١٩
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن بعضٍ أهلِ العلمِ،
عن وهبِ بنِ منبِّهِ، قال: كانت بلقيسُ امرأةً لبيبةٌ أديبةً فى بيتٍ مُلْكِ،
لم " تملكْ إلا لبقايا" مَن مضَى مِن أهلها، إنه قد سيست [٥٣٢/٢ظ] وساست
حتى أَحْكَمَها ذلك، وكان دينُها ودينُ قومِها - فيما ذُكِر - الزِّنديقيةَ، فلما قرأت
الكتابَ سمِعت كتابًا ليس من كُتُبِ الملوكِ التى كانت قبلَها، فبعثت إلى المَقَاوِلةِ
من أهلِ اليمنِ، فقالت لهم: ﴿يَتِهَا الْمَلَؤُّأْ إِّ أُلْفِىَ إِلَ كِنَبُ كَرِيمُ (٣٩) إِنَّهُ مِنْ
أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ ﴾ . إلى قولِه :
سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٥
بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴾ . ثم قالت : إنه قد جاءنی کتابٌ لم يأتِنی مثلُه من مَلِكِ من
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٨١/٢ عن معمر به، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧٩/٩، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٠٧/٥، ١٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢ - ٢) فى ت ١، ت ٢: ((يملك إلا البقايا)).
٥٥
سورة النمل : الآية ٣٥
الملوكِ قبلَه، فإن يَكُنِ الرجلُ نبيًّا مرسلًا، فلا طاقةً لنا به ولا قوَّةً، وإن يَكُنِ الرجلُ
مَلِكًا يُكاثِرُ، فليس بأعزَّ منا ولا أعدَّ. فهيَّأَتْ هدايا مما تُهدَى للملوكِ مما يَضِتُّون(١)
به ، فقالت : إن یگُنْ ملِكًا فسیقبَلُ الھدیةَ ویرغَبُ فى المالِ ، وإن يَگنْ نبيًّا فليس له فى
الدنيا حاجةٌ ، وليس إياها يُرِيدُ ، إنما يُرِيدُ أَن نَدْخُلَ معه فى دينِهِ ، ونَتَّبِعَه على أمرِه . أو
(٢)
كما قالت(٢).
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ وَإِنِّ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ ﴾: بعَثَت بوصائفَ
ووُصفاءَ، لباسُهم لباسٌ واحدٌ ، فقالت: إن زَيَّل بينَهم حتى يَعرِفَ الذَّكرَ من
الأنثى ، ثم ردَّ الهديةَ، فهو نبيٌّ، ويَنْبَغِى لنا أن نَتَّبِعَه، ونَدْخُلَ فى دينِهِ . فزيَّل
سليمانُ بينَ الغِلمانِ والجَوارى، وردَّ الهديةَ، فقال: ﴿ أَتْمِدُونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَنْنِءَ
اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَآ ءَاتَنْكُمْ ﴾ .
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : كان فى الهدايا
التى بعَثتْ بها وصائفُ ووُصفاءُ يَخْتَلِفون فى ثيابِهم؛ ليمِيزَ الغِلمانَ من
الجَوَارى. قال: فدعا بماءٍ، فجعَل الجوارى يَتَوضَّأَنَ مِن المِرْفَقِ إلى أسفلَ،
٥
وجعَل الغلمانُ يَتَوَضَّئُون من المِرفَقِ إلى فوقَ. قال: وكان أبى يُحدِّثُنا هذا
الحديثَ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا مروانُ بنُ معاويةَ ، قال : ثنا إسماعيلُ ، عن أبى
صالحِ: ﴿ وَإِنِ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾. قال: أرسَلتْ بَبِنةٍ مِن ذهبٍ ، وقالت : إن
(١) فى ص، ت ٢: ((يصبون))، وفى م: ((يفتنون))، وفى ت ١: ((يصبنون)). وينظر مصدر التخريج.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٢٨٧٠، ٢٨٧١، ٢٨٧٩، ٢٨٨٠ من طريق سلمة ، عن يزيد بن
رومان قوله .
٥٦
سورة النمل : الآيتان ٣٥، ٣٦
كان يُرِيدُ الدنيا علِمْتُه، وإن كان يُرِيدُ الآخرةَ علِمْتُه(١).
وقولُه: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾: تقولُ : فَأَنْظُرُ بأىِّ شىءٍ مِن خبرِهِ
وفِعِلِه فى هديتى التى أُرسِلُها إليه يَرْجِعُ رُسُلى؟ أَبقَبولٍ وانصرافٍ عنا ، أم بردِّ الهديةِ
والثباتِ على مُطالبتِنا باتِباعِه(٢) على دينِهِ؟
وأُسقِطت الألفُ من ((ما)) فى قولِه: ﴿بِمَ﴾، وأصلُه ((بما))؛ لأنَّ العربَ إذا
كانت ((ما)) بمعنى: ((أىِّ)) ثم وصَلوها بحرفٍ خافضٍ، أسقَطوا ألفَها؛ تفريقًا بينَ
الاستفهامِ ("وغيرِه٢)، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿عَمَّ يَتَسَ لُونَ﴾ [النبأ: ١]. و: ﴿قَالُواْ
فِيمَ كُمْ﴾ [النساء: ٩٧]. وربما أثبتوا فيها الألفَ، كما قال الشاعرُ(٤):
١٥٧/١٩
عَلامَا قام يَشْتُمُنا (٥) لئيمٌ كخِزِيرٍ تَموَّغ فى رمادٍ()
/وقالت: ﴿وَإِنِِّ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم﴾. وإنما أرسَلت إلى سليمانَ وحدَه، على
النحو الذى بينا فى قوله : ﴿ عَلَى خَوْفٍ مِّن ◌ِعَوْنَ وَمَلائِهِمْ ﴾(١) [ يونس:
٠
وقولُه: ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمِّدُونَنِ بِمَالٍ﴾. إن قال قائلٌ: وكيفَ قيل:
﴿ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ﴾. فجعَل الخبرَ فى مجىءٍ سليمانَ عن واحدٍ ، وقد قال قبلَ
ذلك: ﴿ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾؟ فإن كان الرسولُ كان واحدًا ، فكيف
قيل: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾؟ وإن كانوا جماعةً، فكيف قيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((علمت)). والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ١١/ ٥٣٩، وابن أبى حاتم
فى تفسيره ٢٨٧٩/٩ من طريق إسماعيل به بنحوه .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((واتباعه)).
(٣ - ٣) سقط من ص، ت ١، ت٢، ف .
(٤) هو حسان بن ثابت ، والبيت فى ديوانه ص ٣٢٤، وفيه: ففيم يقول. بدلا من: علاما قام . قال البغدادى فى
الخزانة ١٠٢/٦: وعليه لا شاهد فيه. ورواية المصنف هى رواية الفراء فى معانى القرآن ٢٩٢/٢ عن المفضل.
(٥) فى م: ((يشتمنى)).
(٦) فى م: (( تراب)).
(٧) ينظر ما تقدم فى ٢٤٦/١٢ - ٢٥٠.
٥٧
سورة النمل : الآية ٣٦
سُلَيْمَنَ ﴾؟
قيل : هذا نظيرُ ما قد بيَّنا قبلُ (١) من إظهارِ العربِ الخبرَ فى أمرٍ كان من واحدٍ ،
علی وجهِ الخبرِ عن جماعةٍ ، إذا لم يَقْصِدْ قَصْدَ الخبرِ عن شخصٍ واحدٍ بعينه ، مشارٍ
إليه بعينِه، فسُمِّى فى الخبرِ. وقد قيل: إن الرسولَ الذى وجَّهته ملكةُ سبأُ إلى
سليمانَ، كان "امرأةً واحدةً) ، فلذلك قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ﴾. يُرادُ به : فلما
جاء الرسولُ سليمانَ . واستدَلَّ قائلو ذلك على صحةِ ما قالوا من ذلك بقولٍ سليمانَ
للرسولِ: ﴿أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾. وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فلما جاءوا
سليمانَ) على الجمعُ ، وذلك للفظِ قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. فصلَح
الجمعُ للَّفْظِ والتوحيدُ للمعنى .
وقولُه: ﴿ قَالَ أَتْمِذُونَنِ بِمَالٍ ﴾. يقولُ: قال سليمانُ لما جاء الرسولُ مِن قِبَلِ
المرأةِ بهداياها : أَتُمِدُّوننى بمالٍ ؟
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (أُمِدونَنِى)
بنونين وإثباتِ الياء . وقرَأَه بعضُ الكوفيّين مثلَ ذلك، غيرَ أنه حذف الياءَ من آخِرِ
ذلك، وكسر النونَ الأخيرةَ. وقرَأَه بعضُ قرأَةِ البصرةِ بنونين وإثباتِ الياءِ فى الوصلِ
وحَذْفِها فى الوقفِ. وقرَأَه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ بتشديدِ النونِ وإثباتِ الياءِ ) .
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٣٢/١ - ٣٣٥.
(٢ - ٢) فى م: ((أمرًا واحدًا)). وينظر معانى القرآن للفراء ٢٩٣/٢.
(٣) معانى القرآن للفراء ٢٩٣/٢، والبحر المحيط ٧٤/٧.
(٤) قرأ ابن كثير بنونين وإثبات الياء، وقرأ بحذف الياء مع إثبات النونين ابن عامر وعاصم والكسائى، وأثبت
الياء فى الوصل فقط مع إثبات النونين كل من نافع وأبى عمرو. وأما حمزة فقرأ بنون واحدة مشددة مع إثبات
الياء. السبعة ص ٤٨٢، والتيسير ص ١٣٨.
٥٨
سورة النمل : الآيتان ٣٦، ٣٧
وكلُّ هذه القراءاتِ متقارباتٌ ، وجميعُها صوابٌ ؛ لأنها معروفةٌ فى لغاتٍ
العربِ مشهورةٌ فى منطقِها .
وقولُه: ﴿فَمَآ ءَاتَيْنَِ اللَّهُ خَيْرٌ مِّعَآ ءَاتَنْكُمْ﴾. يقولُ: فما آتانىَ اللَّهُ من الماليِ
والدنيا أكثرُ مما أعطاكم منها وأفضلُ.
﴿بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ﴾. يقولُ: ما أفرخُ بهدیتِكم التى أَهْدَثْتُم إلىّ ، بل
أنتم تَفْرَحون بالهديةِ [٥٣٣/٢و] التى تُهدَى إليكم؛ لأنكم أهلُ مفاخرةٍ بالدنيا
ومكاثرةٍ بها ، وليست الدنيا وأموالُها من حاجتى؛ لأن الله تعالى ذكره قد مكَّننى
منها، وملَّكنى فيها ما لم يُلِّكْ أحدًا .
﴿أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾. وهذا قولُ سليمانَ لرسولِ المرأةِ: ﴿أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَتَأْنِيَنَّهُم
بِحُدٍ لَّا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾: لا طاقةَ لهم بها، ولا قدرةً لهم على دَفْعِهم عما أرادوا
منهم .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
١٥٨/١٩
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن
وهبِ بنِ منبّهٍ، قال: لما أتتِ الهدايا سليمانَ، فيها الوصائفُ والوُصفاءُ، والخيلُ
العِرابُ، وأصنافٌ من أصنافِ الدنيا، قال للرسلِ / الذين جاءوا به: ﴿ أَتُعِذُونَنِ
بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَيْنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّعَآ ءَاتَنْكُمْ بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَتِكُنْ نَفْرَُّونَ﴾؛ لأنه لا حاجةً لى
بهديتِكم، وليس رأيى فيه كرأيكم، فارجعوا إليها بما جِئْتم به من عندِها،
◌ْ فَلَأْتِنَّهُمْ بِحُدٍ لَّا قِبَلَ لَمْ بِهَ﴾(١).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٢٨٨٠، ٢٨٨١ من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن رومان قوله .
٠
٥٩
سورة النمل : الآيات ٣٧ - ٤٠
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ ، قال : ثنا مروانُ بنُ معاويةً ، عن إسماعيلَ بنِ أبی
خالدٍ ، عن أبى صالح فى قوله: ﴿ فَلَتَأْنِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾. قال: لا طاقةً
(١)
لهم بها(١).
وقولُه: ﴿وَلَنُخْرِحَتَهُ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ﴾. يقولُ: ولنُخرِجَنَّ مَن
أرسَلكم، من أرضِهم أذلةً وهم صاغِرون ، إن لم يأتونى مسلمين .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إِسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وهبٍ بِنِ مُنَبِّهِ: ﴿ وَلَنُخْرِجَهُم مِنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ﴾: أو لتَأْتِيَنِى مسلمةً هى
(٢)
وقومُها(٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ يَّا الْمَلَوُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُفِ
قَالَ عِفْرِيْتُ مِّنَ الْجِنّ أَنَاْ ءَاِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ
مُسْلِمِينَ
أَمِينٌ (٠٩َ قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِنَبِ أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ
مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبٍِ لِيَبْلُوَنِيّ ◌َأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرٌ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ
اختلف أهلُ العلم فى الحينِ (٣) الذى قال فيه سليمانُ: ﴿ يََّ الْمَلُواْ أَيُّكُمْ يَأْتِنِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٢/٩ من طريق إسماعيل بن أبى خالد به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٠٨/٥ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨٢/٩ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن رومان من قوله .
(٣) فى ت ٢: (( الجن)).
٦٠
سورة النمل : الآية ٣٨
بِعَرْشِهَا﴾؛ فقال بعضُهم: قال ذلك حينَ أتاه الهدهدُ بنبأ صاحبةٍ سبأ وقال له :
﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِذَبَرٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]. وأخبره أن لها عرشًا عظيمًا ، فقال
له سليمان عليه السلامُ: ﴿ سَنَظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧].
فكان اختبارُه صِدْقَه من كذبِه بأن قال لهم: أَيُّكم يَأْتِينى بعرشِ هذه المرأةِ قبلَ أن
يأتونى مسلمين؟ وقالوا: إنما كتَب سليمانُ الكتابَ مع الهدهدِ إلى المرأةِ بعدَ ما
صحَّ عندَه صدقُ الهدهدِ بمجىءِ العالِم بعرشِها إليه، على ما وصَفه به الهُدهدُ .
قالوا: ولولا ذلك كان مُحالًا أن يَكْتُبَ معه كتابًا إلى مَن لا يَدْرى؛ هل هو فى
الدنيا أم لا؟ قالوا: وأَخرى ، أنه لو كان كتَب مع الهدهدِ كتابًا إلى المرأةِ قبلَ
مجىءٍ عرشِها إليه وقبلَ علمِه صدقَ الهدهدِ بذلك، لم يَكُنْ لقولِه له : ﴿سَنَظُرُ
أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾. معنًى؛ لأنه لا يَعْلَمُ (١) بخبرِه الثانى، من إبلاغِه
إياها الكتابَ ، أو تركِ إبلاغِه إياها ذلك - إلا نحوّ الذى عَلِم بخبرِهِ الأولِ حينَ قال
له: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَيٍَ بِنَبَ يَقِينٍ﴾. قالوا: وإِذْ(٢) لم يَكُنْ فى الكتابِ معه(٣)
١٥٩/١٩ امتحانُ صدقِه مِن كذبِه، وكان / محالًا أن يقولَ نبىُ اللَّهِ قولًا لا معنى له، وقد قال
له: ﴿ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ - عُلِم أن الذی امتحن به صدقَ
الهدهدِ من كذبِهِ، هو مصيرُ عرشِ المرأةِ إليه ، على ما أخبره به الهدهدُ ، الشاهدُ على
صدقه ، ثم کان الکتابُ معه بعدَ ذلك إليها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
(١) فى م: ((يلم)).
(٢) فى م: ((إن)).
(٣) فى م: (( معهم)).