النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
سورة الفرقان : الآية ٦٧
كنتُ عندَ عونِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ، فقال: ليس المُشْرِفُ مَن يَأْكُلُ مالَه، إنما
المسرفُ مَن يَأْكُلُ مالَ غيرِه(١).
قال أبو جعفر: والصوابُ مِن القولِ فى ذلك قولُ مَن قال: الإسرافُ فى (٢)
النفقةِ الذى عناه اللَّهُ فى هذا الموضع ما جاوز الحدَّ الذى أباحَه اللَّهُ لعبادِه، إلى ما
فوقَه، والإقتارُ ما قصَر عما أمَر اللَّهُ به ، والقَوامُ بينَ ذلك .
وإنما قلنا : إن ذلك كذلك؛ لأن الْمُشْرِفَ والمُقْتِرَ كذلك، ولو كان الإسرافُ
والإقتارُ فى النفقةِ مُرَخَّصًا فيهما، ما كانا مَذْمومين، ولا كان المسرفُ ولا المقترُ
مذمومًا؛ لأن ما أذِن اللَّهُ فى فعلِه ، فغيرُ مُسْتَحِقٌّ فاعلُه الذمَّ.
/ فإن قال قائلٌ: فهل لذلك مِن حدٍّ معروفٍ تُبيِّنُه لنا؟ قيل: نعم، ذلك مفهومٌ ٣٩/١٩
فى كلِّ شىءٍ مِن المطاعم والمشاربِ والملابسِ والصدقةِ وأعمالِ البرِّ وغيرِ ذلك،
نَكْرَهُ تطويلَ الكتابِ بذكرٍ كلِّ نوعٍ مِن ذلك مُفَصَّلًا، غيرَ أن جملةَ ذلك هو ما بينًّا ،
وذلك نحوُ أكْلٍ آكِلٍ مِن الطعامِ فوقَ الشِّبَعِ ما يُضْعِفُ بدنَه ، ويَنْهَكُ قُواه، وَيَشْغَلُه
عن طاعةِ ربِّه، وأداءٍ فرائضِه، وذلك مِن السَّرفِ، أو (١) أَنْ يَتْرُكَ الأكلَ، وله إليه
سبيلٌ حتى يُضْعِفَ(٤) جسمَه، ويَنْهَكَ قُواه، ويُضْعِفَه عن أداءٍ فرائضٍ ربِّه، فذلك
مِن الإقتارِ، وبينَ ذلك القَوامُ، وعلى هذا النحوِ كلَّ ما جانّس ما ذكَرْنا .
فأمَّا اتخاذُ الثوبِ للجمالِ ؛ يَلْبَسُه عندَ اجتماعِه مع الناسِ، وحضورِهِ المحافلَ
والجُمَعَ والأعيادَ، دونَ ثوبٍ مِهْنِه، أو أكلُه مِن الطعام ما قوَّه على عبادةِ ربِّه، ما
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٧٣/١٣.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((من)).
(٣) فى م: (( و)).
(٤) بعده فى م: ((ذلك)).

٥٠٢
سورة الفرقان : الآية ٦٧
ارْتَفع عما قد يَسُدُّ الجوعَ، مما هو دونَه مِن الأغذيةِ، غيرَ أنه لا يُعِينُ البدنَ على القيامِ
للَّهِ بالواجبِ معونته، فذلك خارجٌ مِن ١ معنى الإسرافِ، بل ذلك مِن القَوامِ؛ لأن
النبىَّ ◌َّمِ قد أمَر ببعضٍ ذلك، وحضَّ على بعضِه، كقوله: (( ما على أحدٍ كم لو
أَّخَذْ ثوبين؛ ثوبًا لمهنتِه، وثوبًا لجمُعتِه وعيدِه»(١). وكقولِه»: «إذا أَنْعَم اللَّهُ على
عبدٍ نعمةٌ أَحَبَّ أَن يَرَی أثره عليه))(٤) . وما أشبه ذلك مِن الأخبار التى قد يتاها فى
مواضعِها .
وأما قولُه: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. فإنه النفقةُ بالعدلِ والمعروفِ،
على ما قد بيَّنا .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيانُ، عن أبى سليمانَ ، عن
وهبِ بنِ مُنَبِّهِ فى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: الشَّطْرُ مِن
(٥)
أموالهم(٥) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج قولَه :
(١) فى م: ((عن)).
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٧٨) من حديث عبد الله بن سلام، وأخرجه ابن ماجه (١٠٩٦)، وابن خزيمة
(١٧٦٥) ، وابن حبان (٢٧٧٧) من حديث عائشة .
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ف: ((كقوله))، وفى ت٢: ((لقوله)).
(٤) أخرجه الطيالسى (٢٣٧٥)، وأحمد ٣١٢/١١ (٦٧٠٨) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٢٧/٨ من طريق أبى عاصم به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٧/٥
إلی عبد بن حميد .

٥٠٣
سورة الفرقان : الآية ٦٧
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. النفقةُ بالحقِّ(١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: القَوامُ أن تُنْفِقوا فى طاعةِ اللَّهِ، وَتُمْسِكوا
= (٢)
عن مَحارمِ اللَّه(٢) .
("قال: أخبرنا ابنُ وهب٢، قال: أخبرنى إبراهيمُ بنُ نَشِيطٍ ، عن عمرَ مولی
غُفْرَةَ، قال: قلتُ له، ما القَوامُ؟ قال: القَوامُ أَلَّا تُنْفِقَ فى غيرٍ حقٍّ، ولا تُمْسِكَ عن
حقٌّ هو عليك (٤) .
والقَوامُ فى كلامِ العربِ ، بفتح القافِ ، هو الشىءُ يكون بين الشيئين ، يقال
للمرأةِ المعتدلةِ الخَلْقِ : إنها لحَسنةُ القَوامِ فى اعتدالِها. كما قال الحُطَيْئَةُ(٥) :
يا حُسْنَهُ(١) مِن قَوام ما(٢) ومُنْتَقَبًا (٨)
طافَتْ أُمامةُ بالرُكْبانِ آوِنةٌ
فأما إذا كُسِرَتْ القافُ فقيل: إنه قِوامُ أهلِه . فإنه يعنى به أَنَّ به يَقومُ أمرهم
وشأنُهم. وفيه لغاتٌ / أُخَرُ، يقالُ منه: هو قيامُ أهلِه (١) وقِيَمُ أهلِه، وَقَيِّمُ" . فى معنى ٤٠/١٩
قوامِهم. فمعنى الكلامِ: وكان إنفاقُهم بينَ الإسرافِ والإقتارِ قَوامًا معتدلا ، لا
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٩٤/٦.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٢٨/٨ (١٥٣٩٥) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٢٧/٨ من طريق إبراهيم بن نشيط به .
(٥) ديوانه ص١٢١ .
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((يا حسنها)).
(٧) سقط من: ص ، ت١، ت٢، ف .
(٨) المنتَقَبُ : موضع النقاب - وهو الوجه - وينظر الديوان ص ١٢٢.
(٩ - ٩) فى م: ((وقيمهم)).

٥٠٤
سورة الفرقان : الآية ٦٧
مجاوزةً عن حدِّ اللَّهِ ، ولا تقصيرًا عمَّا فَرَضه اللَّهُ، ولكن عدلًا بينَ ذلك على ما
أباحه جلَّ ثناؤه، وأُذِن فیه ورشّص .
واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ :
( ولَم يُقْتِرُوا) بضمِّ الياءِ وكسرِ التاءِ، من: أقتَر يُقْتِرُ(١).
وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿ وَلَمْ يَقْتُّرُواْ﴾ بفتح الياءِ وضمِّ التاءِ ، من: قَتَر
(٢)
يَقْتُر(٢).
وقرَأَتْه عامَّةُ قرأةِ البصرةِ: (ولَمْ يَقْتِرُوا) بفتحِ الياءِ وكسرِ التاءِ، من: قَتَرَ
(٣)
يَقْتُِّ(٣).
والصوابُ من القولِ فى ذلك أن كلَّ هذه القراءاتِ على اختلافٍ ألفاظِها ،
لغاتٌ مشهوراتٌ فى العربِ ، وقراءاتٌ مُشْتفيضاتٌ فى قرأةِ الأمصارِ، بمعنى واحدٍ ،
فبأَّتِها قرَأ القارئُّ فمصيبٌ .
وقد بيّنا معنى الإسرافِ والإقتارِ بشواهدِهما فيما مضى من كتابِنا فى كلامِ
العربِ، فأغنَى ذلك عن إعادته فى هذا الموضعِ" .
وفى نصبٍ ((القَوامِ)) وجهان؛ أحدُهما، ما ذكرتُ، وهو أن يُجعلَ فى
((كان )) اسمُ الإنفاقِ بمعنى: وكان إنفاقُهم ما أنفقوا بين ذلك قوامًا. أى: عَدْلًا.
والآخرُ، أن يُجعلَ ((بينَ)) هو الاسمُ، فيكونَ - وإن كانت فى اللفظةِ نصبًا - فى
معنَى رفعٍ، كما يقالُ: كان دونَ هذا لك كافيًا . يعنى به : أقلّ من هذا كان لك
(١) وهى قراءة نافع وابن عامر. حجة القراءات ص ٥١٣ .
(٢) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى. المصدر السابق ص ٥١٤ .
(٣) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو . المصدر السابق ص ٥١٢ .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٣٠٦/٤، ٤٠٨، ٦١٧/٩، ١٥٥/١٠.

٥٠۵
سورة الفرقان : الآيات ٦٧ - ٧١
كافيًا. فكذلك يكونُ ذلك فى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾؛ لأن
معناه : وكان الوسطُ من ذلك قَوامًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَ
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
٦٨
يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُّدْ فِيهِ مُهَانًا (١٩) إِلَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
لا
عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَبِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
٧٠
وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَُّ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا
٧١
يقولُ تعالى ذكره: والذين لا يعبدون مع اللَّهِ إِلها آخرَ فيُشرِكوه(١) فى عبادتهم
إِيَّاه، ولكنَّهم يُخلِصون له العبادةَ ، ويُفرِدونه بالطاعةِ، ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِىِ
حَرََّ اللَّهُ﴾ قتلَها ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ إما بكفرٍ بِاللَّهِ بعدَ إسلامِها، أو زنِى بعدَ
إحصانٍ، أو قتلٍ نفسٍ، فَتُقْتَلُ بها، ﴿ وَلَا يَزْنُونَ﴾ فيأتون ما حرَّم اللَّهُ عليهم
إتيانَه مِن الفروجِ. ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾. يقولُ: ومَن يأتِ هذه الأفعالَ فدعا مع اللَّهِ
إلهًا آخرَ ، وقتل النفسَ التى حرَّم اللَّهُ بغيرِ الحقِّ، وزنَى - ﴿ يَلْقَ أَثَامًا﴾. يقولُ:
يَلْقَ مِن عقابِ اللَّهِ عقوبةٌ ونَكالاً، كما وصَفه ربَّنا جلَّ ثناؤه، وهو أنه ﴿ يُضَعَفْ لَهُ
اُلْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلٌ فِيهِ مُهَانًا
ومِن ((الأنامِ )) قولُ بَلْعَاءَ بنِ قيسٍ الكِنانيّ(٢):
جزَى اللَّهُ ابنَّ عروةَ حيثُ أمسَى عُقُوقًا والعقوقُ له أنامُ
يعنى بالأثامِ العقابَ .
/ وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللَّهِ عَ لَه مِن أجلِ قومٍ مِن المشركين ٤١/١٩
(١) فى م: ((فيشركون)).
(٢) مجاز القرآن لأبى عبيدة ٨١/٢، ونسبه فى اللسان (أث م) إلى شافع الليثى.

٥٠٦
سورة الفرقان : الآيات ٦٨ - ٧١
أرادوا الدخولَ فى الإسلام، ثمّن كان مِنه فى شركِه هذه الذنوبُ، فخافوا ألَّ ينفَعَهم
مع (١) ما سلَف منهم مِن ذلك إِسلامٌ، فاستفتَوا رسولَ اللَّهِ يَِّ فى ذلك، فأنزل اللَّهُ
تبارك وتعالى هذه الآيةَ، يُعلِمُهم أن اللَّهَ قابلٌ توبةً مَن تاب مِنهم .
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثُنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، قال :
ثنى يَعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ، أن ناسًا مِن أهلِ الشركِ
قتَلوا فأكثروا، فأَتَوا محمدًا عَلَه، فقالوا: إن الذى تدعونا إليه لحسنٌ، لو تُخبِرُنا أنَّ
لما عمِلنا كفارةً. فنزلت: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَفْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. ونزَلت: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَشْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْنِيَكُمُ
اَلْعَذَابُ بَغْنَةٌ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. قال ابنُ جريجٍ: وقال
مجاهدٌ مثلَ قولِ ابنِ عباسٍ سواءً.
حدَّثنا عُبيدُ(١) اللَّهِ بنُ محمدِ الفِزيائىُّ، قال : ثنا سفيانُ ، عن أبى معاويةً ، عن أبى
عمرٍو الشيبانىّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: سألتُ النبىَّ مَّمِ: ما الكبائرُ؟ قال: ((أنْ
تَدْعُوَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، وَ(٩)أَنْ تَزْنِىَ
بِحَليلَةِ جَارِكَ)). وقَرَأْ علينا رسولُ اللَّهِ وَهِ مِن كتابِ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَذْهُونَ مَعَ
(١) سقط من : ت٢ .
(٢) أخرجه مسلم (١٢٢)، وأبو داود (٤٢٧٤)، والنسائى (٤٠١٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٢٨/٨،
والبيهقى فى الشعب (٧١٣٩) من طريق حجاج به. وأخرجه البخارى (٤٨١٠)، والحاكم ٤٠٣/٢ من
طريق ابن جريج به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٧/٥، ٧٨ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٣) فى م: ((عبد)).
(٤) فى ص ، ت١، ت٢، ت٣، ف: (( أو)).

٥٠٧
سورة الفرقان : الآيات ٦٨ - ٧١
اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلََّّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾(١)
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو عامرٍ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الأعمشِ ومنصورٍ ،
عن أبى وائلٍ ، عن عمرٍو بنِ شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أُّ
الذنبِ أعظمُ؟ قال: ((أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ)). قلتُ: ثم أىِّ؟ قال(٢): ((أنْ
تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةً أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ)). قلتُ: ثم أىِّ؟ قال: (( ثُمَّ أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةً
جارِكَ )). فأنزل اللَّهُ بتصديقِ قولِ النبيِّ [٥٠١/٢ظ] عَ لَّهِ: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ وَلَا يَفْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية(١).
حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ ، قال: ثنا علىٍّ بنُ قادمٍ ، قال : ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ
الهَمْدانىُ، عن منصورٍ ، عن أبى وائلٍ، عن أبى ميسرةَ ، عن عبدِ الله بن مسعودٍ ،
عن النبيِّ عَلِّ نحوَه(٤).
/ حدَّثنى عيسى بنُ عثمانَ بنِ عيسى الرَّملىُّ، قال: ثنا عمِّى يحيى بنُ عيسى، ٤٢/١٩
عن الأعمش، عن سفيانَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ عَلِّ فقال: يا
رسولَ اللَّهِ ، أىّ الذنبِ أکبرُ؟ ثم ذكر نحوَه .
حدَّثنى أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا عامرُ بنُ مُدرِكٍ، قال : ثنا
(١) تقدم تخريجه فى ٦٥٧/٦، ٦٥٧ .
(٢) بعده فى ص: (( ثم )).
(٣) أخرجه الفريابى - كما فى الدر المنثور ٧٧/٥، ومن طريقه أبو عوانة ٥٥/١، والبخارى فى خلق أفعال
العباد (٣٧٣)، والترمذى عقب حديث (٣١٨٢)، والبيهقى ١٨/٨، وفى الشعب (٥٣٧٢) من طريق
سفيان به . وأخرجه البيهقى فى الشعب (٥٣٧٠ ، ٥٣٧١) من طريق منصور والأعمش به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٩٧١٩)، وأحمد (٤١٣٤)، والبخارى (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦)،
وابن أبى حاتم ٢٧٢٨/٨ (١٥٣٩٧)، والبيهقى فى الشعب (٥٣٧٠) من طريق منصور به ، وأخرجه
الطيالسى (٢٦٢)، وأحمد ٢٠٢/٧ (٤١٣٢)، وأخرجه عبد بن حميد - كما فى الدر المنثور ٧٧/٥ - وعنه
الترمذى (٣١٨٣) من طريق أبى بوائل عن ابن مسعود ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن
مردويه .

٥٠٨
سورة الفرقان : الآيات ٦٨ - ٧١
الشَّرِىُّ، يعنى ابنّ إسماعيلَ ، قال: ثنا الشعبىُّ، عن مسروقٍ ، قال: قال عبدُ اللَّهِ :
خرَجَ رسولُ اللَّهِ مَ اقَلِ ذاتَ يومٍ، فَاتَّبَعتُه، فجلس على نَشَرٍ مِن الأرضِ، وقعَدتُ
أسفلَ منه، ووجهى حِيالَ ركبتيه، فاغتنَمتُ خلوتَه، فقلت: بأبى وأُمى
يا رسولَ اللَّهِ، أىُّ الذنوبِ أكبرُ؟ قال: ((أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ)). قلتُ : ثم
مَهْ؟ قال: ((أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)). قلتُ: ثم مَهْ؟ قال: ((أنْ تُزانِىَ
حَلِيلَةَ جارِكَ )). قال: ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا
ءَخَرَ﴾. إلى آخرِ الآيةِ(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا طَلْقُ بنُ غِنَّامِ، عن زائدةً ، عن منصورٍ ، قال: ثنی
سعيدُ بنُ جبيرٍ - أو حُدِّثتُ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ - أنّ عبد الرحمنِ بنَ أبْزى أمَره أن
يسألَ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين؛ التى (١) فى ((النساءِ)): ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخرِ الآيةِ. والآيةِ التى فى ((الفرقانِ)): ﴿وَمَن يَفْعَلْ
لا
ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامً﴾. إلى: ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا﴾. قال ابنُ عباسٍ: إذا دخَل الرجلُ
فى الإسلامِ، وعلِم شرائعَه وأمرَهُ(١) ، ثم قتَل مؤمنًا متعمّدًا فلا توبةً له . والتى فى
((الفرقانِ))، لما أُنزِلت قال المشركون مِن أهلِ مكةً: فقد عدَلنا باللَّهِ ، وقتلنا النفسَ التى
حرَّم اللَّهُ بغيرِ الحقِّ، فما ينفَعُنا الإِسلام؟ قال: فنزَلت: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾. قال: فمن
تاب منهم قُبِل منه (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، قال : ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ -
أو قال: حدَّثنى الحكمُ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ - قال: أمَرنى عبدُ الرحمنِ بنُّ
أبزى، فقال: سلٍ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين ما أمرهما؛ عن الآيةِ التى فى
(١) أخرجه البزار (١٩٤٩) عن أحمد بن إسحاق به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٥/٦ عن المصنف.
(٢) سقط من: ت١، ف، وفى ص، ت٢: ((اللتين)).
(٣) بعده فى ت١: ((ونهيه)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٣٤٥/٧، ٣٤٦.

٥٠٩
سورة الفرقان : الآيات ٦٨ - ٧١
((الفرقانِ)): ﴿ وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى
حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. والتى فى ((النساءِ)): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. فسألتُ ابنَ عباسٍ عن ذلك، فقال: لما أَنزَل
اللَّهُ التى فى ((الفرقانِ))، قال مشركو أهلِ مكةً: قد قتَلنا النفسَ التى حرَّم اللَّهُ،
ودعَونا مع اللَّهِ إلهًا آخرَ. فقال: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلَا
صَالِحًا﴾ الآية. فهذه لأولئك، وأما التى فى ((النساءِ)): ﴿وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ الآية. فإِن الرجلَ إذا عرَف الإسلامَ،
ثم قتَل مؤمنًا متعمّدًا، فجزاؤُه جهنمُ ، فلا توبةَ له. فذكَرَتُه لمجاهدٍ ، فقال: إلَّا
مَنْ نَلِمِ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عوفِ الطائىُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ خالدِ الوَهْبِئُ(١) ، قال: ثنا
شيبانُ(١) ، عن منصورِ بنِ المعتمرِ ، قال : ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، قال: قال لى سعيدُ بنُ
عبدِ الرحمنِ بنِ أبزَى: سلِ(٤) ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين؛ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾. إلى: ﴿مَنْ تَابَ﴾. وعن قوله: ﴿وَمَنْ
يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَيِّدًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: فسألتُ عنها ابنَ عباسٍ،
لا
فقال: أَنزِلت / هذه الآيةُ فى ((الفرقانِ)) بمكةَ إلى قولِه: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا﴾. ٤٣/١٩
فقال المشركون : فما يغنى عنا الإسلامُ، وقد عدَلنا باللَّهِ، وقتلنا النفسَ التى حرَّم
اللَّهُ، وأَتَينا الفواحشَ؟ قال: فأنزل اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا
(١) تقدم تخريجه فى ٣٤٢/٧.
(٢) فى ص، م، ف: ((الذهنى)). وفى ت١، ت٢: ((الذهبى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٩٩/١.
(٣) فى ت ١، ف: ((سنان)). وينظر تهذيب الكمال ٥٩٢/١٢ .
(٤) فى ص ، ت١، ت٢، ف: (( سأل )).

٥١٠
سورة الفرقان : الآيات ٦٨ - ٧١
صَالِحًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: وأما مَن دخَل فى الإسلام وعَقَّلَه، ثم قتَل ، فلا توبةً
له(١).
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن شعبةً، عن أبى بشرٍ، عن سعيد
ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال فى هذه الآيةِ: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. قال: نزَلت فى أهلِ
(٢)
الشركِ(٢) .
حدَّثنا ابنُّ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن منصورٍ ، عن
سعيدِ بنِ تجبيرٍ ، قال : أمَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبزَى أن أسأَلَ ابنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ :
وَالَّذِينَ لَ يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾. فذكَر نحوَهُ(٢) .
حدَّثنى عبدُ الكريم بنُ عميرٍ، قال : ثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ، قال : ثنا عيسى
ابنُ شعيبٍ بِنِ تَوْبانَ، مولّى لبنى الدِّيلِ من أهلِ المدينةِ، عن فُلَيَجِ الشَّماسِ،
عن عبيدِ بنِ أبى عبيدٍ، عن أبى هريرةَ، قال: صلَّيتُ مع رسولِ اللهِ عَ لَّه
العَتَمةَ، ثم انصرَفتُ، فإذا امرأةٌ عندَ بابى، ثم سلّمتُ، ففتَحتُ ودخَلتُ،
فبينا أنا فى مسجدى أَصلِّى ، إذ نَقَرتِ البابَ ، فأذِنتُ لها ، فدخَلتْ ، فقالت :
إنى جئتُك أسألك عن عملٍ عمِلتُ؛ هل [٥٠٢/٢و] لى من توبةٍ. فقالت: إنى
زنَيتُ وولَدتُ، فقتَلتُه. فقلتُ: لا، ولا نُعْمَةً(٢) العينِ ولا كرامةً. فقامت وهى
تدعو بالحسرةِ وتقولُ: يا حسرتاه، أَخُلِقَ هذا الحسنُ للنارِ ؟ قال: ثم صليتُ مع
رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ الصبحَ من تلك الليلةِ، ثم جلسنا نَنتظِرُ الإذنَ عليه، فأَذِن لنا،
(١) أخرجه البخارى (٤٧٦٥)، ومسلم (١٩/٣٠٢٣) من طريق شيبان به .
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٤٥/٧ .
(٣) فى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((نعمت)).

٥١١
سورة الفرقان : الآيات ٦٨ - ٧١
فدخَلنا، ثم خرَج مَن كان معى، وتخلَّفتُ ، فقال: (( ما لكَ يا أبا هريرةَ، أَلَكَ
حاجةٌ؟)). فقلتُ له: يا رسولَ اللَّهِ ، صلَّيتُ معك البارحةَ، ثم انصرَفْتُ،
وقصّصتُ عليه ما قالت المرأةُ ، فقال النبىُ مَّ لامِ: (( ما قُلْتَ لَهَا؟)). قال: قلتُ لها:
لا واللَّهِ ولا نُعمةَ(١) العينِ ولا كرامةَ. فقال رسولُ اللَّهِ صَلّهِ: ((بئْسَ ما قُلْتَ، أَمَا كُنْتَ
تَقْرأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِىِ
حَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ ﴾ الآية ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾؟)).
فقال أبو هريرةَ: فخرَجتُ، فلم أتُكْ بالمدينةِ حصنًا ولا دارًا إلا وقفتُ عليها،
فقلتُ : إن تكنْ فيكم المرأةُ التى جاءت أبا هريرةَ الليلةَ ، فلْتَأْتِنِى ولْتُبِشِرْ. فلما صلَّيتُ
مع النبيِّ يَِّ العشاءَ، فإذا هى عندَ بابى، فقلتُ: أَبشرِى، فإنى دخلتُ على النبيِّ
فذكَّرَتُ له ما قلتٍ لى، وما قلتُ لك، فقال: (( بئسَ ما قلتَ لها ، أما كنتَ تقرَأُ هذه
الآيةَ؟)). فقرَأَتُها عليها، فخرَّت ساجدةٌ، فقالت: الحمدُ للَّهِ الذى جعَل لى(٢)
مَخْرجًا وتوبةً مما عمِلتُ ، إن هذه الجاريةَ وابنَها حُرّانِ لوجهِ اللَّهِ ، وإنى قد تبتُ مما
(٣)
عمِلتُ(٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ ، عن
عمرو بنِ مالكِ، عن أبى الجوزاءِ، قال: اختلَفتُ إلى ابنِ عباسٍ ثلاثَ عشرةَ سنةً ،
فما شىءٌ من القرآنِ إلا سألتُه عنه، ورسولى يَختلِفُ إلى عائشةَ، فما سمِعتُه ولا
(١) فى م: ((نعمت)).
(٢) سقط من : م .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٣٥/٨، والطبرانى - كما فى تفسير ابن كثير ١٣٩/٦ - من طريق
إبراهيم بن المنذر به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/٥ إلى ابن مردويه ، وقال ابن كثير : هذا حديثٌ
غريب من هذا الوجه ، وفى رجاله من لا يعرف .

٥١٢
سورة الفرقان : الآيات ٦٨ - ٧١
سمِعتُ أحدًا من العلماءِ يقولُ : إن اللَّهَ يقولُ لذنبٍ : لا أَغفِرُ.
/ وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بالتى فى ((النساءِ)).
٤٤/١٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى المغيرةُ
ابنُ عبدِ الرحمنِ الحِزاميُ (١) ، عن أبى الزنادِ، عن خارجةَ بنِ زيدٍ ، أنه دخل على
أبيه وعنده رجلٌ من أهلِ العراقِ، وهو يسألُه عن هذه الآيةِ التى فى ((تَبَارَكَ ، الفرقان)) ،
والتى فى ((النساءِ)): ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] . فقال زيدُ
ابنُ ثابتٍ : قد عرفتُ الناسخةَ من المنسوخةِ ، نسَختْها التى فى (( النساءِ)) بعدَها بستةٍ
(٢)
أشهر () .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاج، عن ابنٍ جريج، قال :
قال الضحاكُ بنُ مزاحم: هذه السورةُ بينَها وبينَ ((النساءِ)): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. ثمانى حججٍ() .
وقال ابنُ جريج: وأخبرنى القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ ، أنه سأل سعيدَ بنَ جبيرٍ: هل
لمن قتَل مؤمنًا متعمدًا توبةٌ ؟ فقال: لا . فقرَأ عليه هذه الآيةَ كلَّها . فقال سعيدُ بنُ
جبيرٍ : قرأتُها على ابنِ عباسٍ كما قرَأَتَها علىَّ، فقال: هذه مكيةٌ، نسختها آيَةٌ
مدنيةٌ، التى فى سورةِ ((النساءِ)) (١).
(١) فى م: ((الحرانى))، وفى ف: ((الجراتى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٨٧/٢٨.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٤٩/٧، ٣٥٠.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٥٠/٧ .
(٤) أخرجه البخارى (٤٧٦٢) من طريق ابن جريج به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٥ إلى ابن المنذر.

٥١٣
سورة الفرقان : الآيات ٦٨ - ٧١
وقد أتينا على البيانِ عن الصوابِ من القول فى هذه الآيةِ التى فى سورةٍ
((النساءِ))، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع(١).
وبنحوِ الذى قُلنا فى ((الأثامِ)) من القولِ قال أهلُ التأويلِ، إلا أنهم قالوا: ذلك
عقابٌ يُعاقِبُ اللَّهُ به مَن أتى هذه الكبائرَ، بوادٍ فى جهنمَ يُدعى أثامًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ أبى
يحدِّثُ عن قتادةَ ، عن أبى أيوبَ الأزدىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (٢)، قال: الأثامُ وادٍ
(٣)
فی جهنمَ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: واديًا فى جهنمَ(٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ .
حدّثنا ابنُ حمیدٍ قال : ثنا یحبی بنُ واضح ، قال: ثنا الحسینُ، عن یزیدَ ، عن
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٥٠/٧ .
(٢) فى تفسير ابن أبى حاتم: ((عمر))، والصواب ما عندنا. ينظر الكنى للبخارى ص٨٥ ، وتهذيب الكمال
٠٦٠/٣٣
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٣٠/٨ من طريق قتادة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٥ إلى
ابن المنذر .
(٤) تفسير مجاهد ص٥٠٧ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن
( تفسير الطبرى ٣٣/١٧ )
حميد وابن المنذر، وزاد فى آخره : من قيح ودم .

٥١٤
سورة الفرقان : الآية ٦٨
عكرِمةَ فى قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: واديًا فى جهنمَ فيه
((١)
الزُّناةُ(١).
حدَّثنى العباسُ بنُّ أبى طالبٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ ، قال: ثنا شَرْقِىُّ(١) بنُ
قُطامىٌّ ، عن لقمانَ بنِ عامرِ الخزاعيِّ ، قال: جئتُ أبا أمامةَ صُدَىَّ بنَ عجلانَ الباهلىَّ،
فقلتُ: حدِّثْنى حديثً سمِعتَه مِن رسولِ اللَّه ◌َمِ. قال: فدعا لى بطعامٍ ، ثم قال:
قال رسولُ اللَّهِ عَّهِ: ((لو أن صخرةَ زِنةَ عَشْرٍ عَشراواتٍ قُذِف بِها مِنْ شَغِيرٍ جهنّمَ ،
ما بلغتْ قعرَها خمسين خريفًا، ثم تَنَتهِى إلى غَىِّ وأثامٍ)). قال: قلتُ: وما
٤٥/١٩ غيّ وأثامٌ؟ قال: ((بِثران فى أسفلٍ جهنّمَ، يَسيلُ فيهما / صديدُ أهلِ النَّارِ، وهما
اللذان ذكَر اللَّهُ فى كتابِهِ: ﴿أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾
[ مريم: ٥٩]. وقولُه فى ((الفرقانِ)): ﴿ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ
آثَامًا﴾ ))().
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ يَلْقَ
أَثَامًا﴾. قال: الأثامُ الشرُ. وقال: سيَكْفِيك(٤) ما وراءَ ذلك: ﴿يُضَعَفْ لَهُ
الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَنَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، [٥٠٢/٢ظ] قال: أخبرنا معمرٌ،
عن قتادةً فى قولِه: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: نكالًا. قال: ويقالُ(٥) إنه وادٍ فى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٣٠/٨ من طريق الحسين به .
(٢) فى ت ١، ت٢: ((شرفى)).
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٧١/١٥، ٥٧٢.
(٤) فى ت٢ : (( سنكفيك)) .
(٥) فى النسخ: ((قال)). والمثبت من تفسير عبد الرزاق.

٥١٥
سورة الفرقان : الآيتان ٦٨، ٦٩
(١)
جهنم .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاج ، عن هشيم ، قال : أخبرنا
زكريا بنُّ أبى مريمَ ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ الباهلىَّ يقولُ: إن ما بينَ شفيرٍ جهنمَ إلى
قعرِها مسيرةً سبعين خريفًا ، بحجرٍ يهوِى فيها، أو بصخرةٍ تهوى، عُظْمُها كعَشْرِ
عَشْراواتٍ سمانٍ . فقال له رجلٌ: فهل تحتَ ذلك مِن شىءٍ؟ قال : نعم ؛ غىٌّ
.(٢)
وأثامٌ(٢) .
قولُه: ﴿ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. اختلَفتِ القرأةُ فى قراءتِه ؛
فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصم: ﴿ يُضَعَفْ﴾ جزمًا، ﴿ وَيَخْلُدْ﴾ جزمًا .
وقرَأَه عاصمٌ: ( يُضاعَفُ) رفعًا، (ويَخْلُدُ) رفعًا، كلاهما على الابتداءِ، وأنّ
الكلامَ عندَه قد تناهَى عندَ ﴿يَلْفَ أَنَامًا﴾، ثم ابتدأ قولَه: (يُضَاعَفُ لهُ العَذابُ)(٢).
والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا فيه جزمُ الحرفين كليهما: ﴿يُضَعَفْ﴾، و
يَخْلُدْ﴾، وذلك أنه تفسيرٌ لـ ((الأئام)) لا فعلٌ له، ولو كان فعلًا له كان الوجهُ فيه
الرفعَ، كما قال الشاعرُ(٤):
متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ شَجِدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ مُوقِدٍ
فرفَع ((تعشو ))؛ لأنه فعلٌ لقولِه : تأتِهِ . معناه : متى تأتِهِ عاشيًا .
(١) تفسير عبد الرزاق ٧١/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٣٠/٨ من طريق سعيد، عن قتادة.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٧١/١٥، ٥٧٢ .
(٣) قرأ ابن كثير: ((يضعَّفْ))، وقرأ ابن عامر: ((يُضَغَّفُ))، ((يَخْلُدُ))، وقرأ أبو بكر:
((يضاعَفُ))، ((يخلُدُ))، وقرأ نافع وحفص وأبو عمرو وحمزة ((يضاعَفْ))، ((يخلُدْ)). ينظر حجة القراءات
ص٥١٤ .
(٤) هو الحطيئة ، والبيت فى ديوانه ص ١٦١ .

٥١٦
سورة الفرقان : الآيتان ٦٩ ، ٧٠
وقولُه : ﴿ وَيَخْلُدْ فِهِ مُهَانًا ﴾ : وببقی فیه إلى غير نهايةٍ فى هواٍ .
لا
وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
٤٦/١٩ ومن يَفعَلْ هذه الأفعالَ التى ذكرها جلّ ثناؤُه يَلْقَ أثامًا، ﴿إِلَّ مَنْ / تَابَ﴾. يقولُ:
إلا مَن راجَع طاعةَ اللَّهِ تبارك وتعالى بتركِه ذلك، وإنابتِه إلى ما يرضاه
اللَّهُ، ﴿وَءَامَنَ﴾. يقولُ: وصدّق بما جاء به محمدٌ نبىُ اللَّهِ، ﴿وَعَمِلَ
عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ: وعمِل بما أمَره اللَّهُ مِن الأعمالِ، وانتهى عما نهاه اللَّهُ
عنه .
قولُه: ﴿فَأُوْلَبِكَ يُدِّلُ اَللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى
تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فأولئك يُبدِّلُهم ) اللَّهُ بقبائح أعمالهم فى
الشركِ، محاسنَ الأعمالِ فى الإسلام؛ فيُبدِّلُه بالشركِ إيمانًا، وبقتلِ أهلِ الإيمانِ
باللَّهِ قَثْلَ أهلِ الشركِ) به، وبالزنى عقّةً وإحصانًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿فَأُوْلَيْكَ يُدِّلُ اَللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ . قال: هم المؤمنون كانوا قبلَ
إيمانِهم على السيئاتِ ، فرغِب اللَّهُ بهم عن ذلك، فحوّلهم إلى الحسناتِ ، وأبدّلهم
مكانَ السيئاتِ حسناتٍ(١) .
(١) فی م، ف: ( يبدل )).
(٢ - ٢) فى م: ((وبقيل أهل الشرك بالله قيل أهل الإيمان)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ٢٧٣٣/٨ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/٥ إلى ابن
المنذر .

٥١٧
سورة الفرقان : الآية ٧٠
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ تَبَ وَءَامَن وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ إلى آخرِ
الآيةِ . قال : هم الذين يتوبون فيعمَّلون بالطاعةِ ، فيبدِّلُ اللّهُ سيئاتِهِم حسناتٍ حينَ
یتوبون(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، (٢ عن جعفر٢ٍ) ، عن سعيدٍ، قال: نزلت:
﴿ وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ الآية. فى وَخْشِىِّ وأصحابِهِ، قالوا :
كيف لنا بالتوبةِ، وقد عبَدنا الأوثانَ ، وقتلنا المؤمنين، ونكَحنا المشركاتِ ؟ فأنزَل
اللَّهُ فيهم: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَن وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فأبدَلهم اللَّهُ بعبادة الأوثانِ عبادةَ اللَّهِ ، وأبدَلهم بقتالهم مع
المشركين قتالًا مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركاتِ نكاح
(٣)
المؤمناتِ(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريجٍ،
قال ابنُ عباسٍ فى قولِه: ﴿ فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اَللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال :
بالشركِ إيمانًا ، وبالقتلِ إمساكًا ، وبالزنى إحصانًا .
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((يتوبوا)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٣٢/٨ عن محمد بن سعد به مقتصرًا على أوله .
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣) أخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٣٤/٨ من طريق يعقوب به، وأخرج أوله أيضًا فى تفسيره ٢٧٣١/٨
من طريق عطاء ، عن سعيد بن جبير بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٥ إلى ابن المنذر وابن
مردويه .

٥١٨
سورة الفرقان : الآية ٧٠
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾: وهذه الآيةُ
مكيةٌ نزَلت بمكةَ، ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾. يعنى الشركَ والقتلَ والزنى جميعًا. لَّ أَنزَل
اللَّهُ هذه الآيةَ قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: يزعُمُ محمدٌ أن من أشرَك وقتَل وزنَى فله
النارُ، وليس له عندَ اللَّهِ خيرٌ. فأنزل اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾. مِن المشركين مِن أهلٍ
مكةَ، ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ﴾. يقولُ: يبدِّلُ اللَّهُ مكانَ
الشركِ والقتلِ والزنى؛ الإيمانَ باللَّهِ والدخولَ فى الإسلام، وهو التبديلُ فِى
الدنيا، وأنزل اللَّهُ فى ذلك: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ﴾ ، يَعنيهم
بذلك، ﴿ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ . یعنی ما كان فى
الشركِ، يقولُ اللَّهُ لهم: ﴿ وَأَنِيبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ [الزمر: ٥٣، ٥٤].
٤٧/١٩ يدعوهم إلى الإسلام، فهاتان الآيتان مكيتان،/ والتى فى ((النساء)): ﴿وَمَن
يَقْتُلْ [٥٠٣/٢] مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآية. هذه مدنيةٌ، نزَلت
بالمدينةِ، وبينَها وبينَ التى نزَلت فى ((الفرقانِ )) ثمانى سنينَ، وهى مبهمةٌ ليس منها
مخرجٌ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا أبو ثُمَيْلةَ، قال : ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن
مجاهدٍ، قال: سُئل ابنُ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤه: ﴿ يَُدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَةٍ﴾. فقال(٢):
(١) ينظر تفسير البغوى ٩٧/٦.
(٢) هو لبيد بن ربيعة، وجاء فى مسائل نافع ص ١٤١، والإتقان ٩٧/٢، والدر المنثور ٣٢٥/٤ فى تفسير قوله
تعالى: ﴿إِذ نفشت فيه غنم القوم ﴾ هكذا :
وبعد طول الجرة الصريفا
بدِّلن بعد النفّشِ الوجيفا
وفى تفسير ابن أبى حاتم ، وتفسير ابن كثير ١٣٧/٦ :
وبعد طول النفس الوجيفا
بدلن بعد حره خريفا

٥١٩
سورة الفرقان : الآية ٧٠
وبعدَ طولِ النَّفَسِ الوَجِيفا(٢)
بُدِّلنَ بعدَ (جِرَّةٍ صَرِيفا)
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَلَّذِينَ
لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ - ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍّ﴾.
فقال(٣) المشركون: ولا واللَّهِ، ما كان هؤلاء الذين معَ محمدٍ إلا معنا. قال: فَأَنزَل
اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾. قال: تاب من الشركِ، ﴿ وَءَامَنَ﴾. قال: آمَن بعقابٍ
اللَّهِ ورسوله، ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. قال: صدَّق، ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: يُبدِّلُ اللَّهُ أعمالَهم السيئةَ التى كانت فى الشركِ
الأعمالَ(٥) الصالحةَ حينَ دخَلوا فى الإيمانِ .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فأولئك يُبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهم فى الدنیا حسناتٍ
لهم يومَ القيامةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أحمدُ بنُ عمرٍو البصرىُّ(١) ، قال: ثنا قريشُ بنُّ أنس أبو أنسٍ ، قال : ثنى
صالحُ بنُ رُستمَ ، عن عطاءِ الخراسانىٌّ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ: ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: تصيرُ سيئاتُهم حسناتٍ لهم يومَ القيامةِ .
(١ - ١) فى م: ((حره خريفا)).
والجرة : ما يفيض به البعير من كرشه فيأكله ثانية . والصريف : صرير ناب البعير ، وكذا ناب الإنسان ،
وصرف نابه وبناپه : خَرَقه فسمعت له صوتًا . التاج (چ ر ر ، ص ر ف).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٣٣/٨ من طريق جابر به .
(٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((هذه)).
(٤) سقط من : ت ١، ف . وينظر ص ٥٢١ .
(٥) فى م: (( بالأعمال )) .
(٦) فى ت٢: ((النصرى)).

٥٢٠
سورة الفرقان : الآية ٧٠
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ ، قال: ثنا محمدُ بنُ خازم أبو معاويةً، عن الأعمشِ،
عن المعرورِ بنِ سويدٍ، عن أبى ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَهِ: ((إنّى لأعْرِفُ آخِرَ
أهْلِ الَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ)). قال: ((يُؤْتَى بِرُلٍ يَوْمَ
القِيامَةِ، فيُقالُ: نَعُوا كِبارَ ذُنُوبِه وَسَلُوهُ عن صِغارِها)). قال: ((فيُقالُ لهُ: عَمِلْتَ
كذا وكذا، وعَمِلْتَ كذا وكذا))). قال: ((فَيَقُولُ: يا رَبِّ لقد عَمِلْتُ أشْيَاءَ ما
أَرَاها هلهُنا)). قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ عَّهِ حتى بدَت نَواجِذُه. قال: ((فِيُقَالُ له:
لك مَكانَ كُلِّ سيّئَةٍ حَسَنَةٌ))(٢).
قال أبو جعفرٍ: وأولَى التأويلين بالصوابِ فى ذلك تأويلُ مَن تأوَّله :
فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: أعمالَهم فى الشركِ، ﴿حَسَنَاتٍ﴾ فى
الإسلامِ؛ بنقلِهم(٣) عمّا يَسخَطُه اللَّهُ مِن الأعمالِ إلى ما يَرَضَى .
٤٨/١٩
/ وإنما قلنا : ذلك أولى بتأويل الآيةِ ؛ لأن الأعمالَ السيئةَ قد كانت مضَت
على ما كانت عليه من القُبح، وغيرُ جائزٍ تحويلُ عينٍ قد مضَت بصفةٍ، إلى
خلافٍ ما کانت علیه، إلا بتغييرها عمَّا کانت علیه من صفَتِها فى حالٍ أُخرى،
فيجِبُ إن فعَل ذلك كذلك، أن يصيرَ شركُ الكافرِ الذی کان شركًا فى الكفرِ
بعينِه إيمانًا يومَ القيامةِ بالإسلام، ومعاصيه كلَّها بأعيانِها طاعةً ، وذلك ما لا يقولُه
ذو حجًا .
(١ - ١) سقط من: ت١، ف .
(٢) أخرجه أحمد ١٧٠/٥ (الميمنية)، ومسلم (٣١٥/١٩٠)، والترمذى (٢٥٩٦)، وابن منده فى الإيمان
(٨٤٩) من طريق أبى معاوية به. وأخرجه أحمد ١٥٧/٥ (اليمنية)، ومسلم (٣١٤/١٩٠، ٣١٥)،
والترمذى فى الشمائل (٢٢١)، وابن منده فى الإيمان (٨٤٧، ٨٤٨) من طريق الأعمش به .
(٣) فى ت١، ت٢: ((ينقلهم)).