النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سورة الفرقان : الآية ٤٥
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ ، عن جعفرٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله :
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَّ الِظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا﴾. قال: الظلُّ ما بينَ
طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيع، قال: ثنا أبو مِحْصَنٍ، عن حُصَينٍ ، عن أبى
مالكِ، قال: ﴿ أَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَفَ مَذَّ الْظِلَّ﴾. قال: ما بينَ طلوعِ الفجرِ إلى
طلوع الشمسِ ) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. قال: ظلُّ الغداةِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : الظلُّ ظلُّ الغَداةِ .
قال: ثى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ
مَدَّ الظِّلَّ﴾. قال: مدَّه مِن طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ.
احُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: ١٩/١٩
سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَفَ مَذَّ الِظِلَّ ﴾. يعنى: مِن
صلاةِ الغَداةِ إلى طلوعِ الشمسِ ) .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠١/٨ معلقًا.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) تفسير مجاهد ص٥٠٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠١/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٧٢/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٤٦٢
سورة الفرقان : الآية ٤٥
وقولُه: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. يقولُ: ولو شاء لجعَله دائمًا لا يزولُ ،
ممدودًا لا تُذْهِبُه الشمسُ ولا تَنْقُصُه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٍّ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. يقولُ: دائمًا (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. قال: لا تُصِيبُه الشمسُ ولا يَزُولُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. قال: لا يزولُ.
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَوْ
شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. قال: دائمًا لا يَزولُ .
وقولُه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم دَلَلْنا كم أيُّها
الناسُ بنسخِ الشمسِ إياه عندَ طلوعِها عليه، أنه خلْقٌ مِن خلقِ ربِّكم، يُوجِدُه إذا
شاء، ويُفْنِيه إذا أراد .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٢/٨ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٥
إلى ابن المنذر .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٢/٨، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٧٢/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر .

٤٦٣
سورة الفرقان : الآية ٤٥
والهاءُ فى قولِه: ﴿عَلَيْهِ﴾. مِن ذكرِ ((الظلِّ)). ومعناه: ثم جعَلْنا الشمسَ
على الظلِّ دليلًاً .
وقيل: معنى دلالتِها عليه أنه لو لم تَكُنِ الشمسُ التى تَنْسَخُه، لم يُعْلَمْ أنه
شىءٌ، إذ كانت الأشياءُ إنما تُعْرَفُ بِأَضْدادِها، نظيرَ الحُلْوِ الذى إنما يُعْرَفُ
بالحامضِ ، والباردِ بالحارِّ، وما أشبه ذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. يقولُ: طلوعُ الشمسِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾ . قال: تَحْوِيه(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ
جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾. قال: أُخْرَجَت ذلك الظلَّ فذهَبَت به(٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٢/٨ من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٥
إلى ابن المنذر .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٢/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٧٢/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٣/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .

٤٦٤
سورة الفرقان : الآية ٤٦
/وقولُه: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم قبَضْنا
٢٠/١٩
ذلك الدليلَ مِن الشمس على الظلِّ إلينا قبضًا خفيًّا سريعًا، بالفىءِ الذى نأتى به
بالعشىِّ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. قال: حَوْىُ الشمسِ الظَّلَّ(١).
وقيل : إن الهاءَ التى فى قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا﴾. عائدةٌ على الظلِّ،
وإن معنى الكلام : ثم قبَضْنا الظلّ إلينا بعدَ غروبِ الشمسِ. وذلك أن الشمسَ إذا
غرَبَت غاب الظلُّ الممدودُ . قالوا : وذلك وقتُ قبضِه .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿ يَسِيرًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه :
سريعًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيْرًا﴾. يقولُ: سريعًا(٢).
(١) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٣/٨، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٧٢/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٣/٨ من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٥
إلى ابن المنذر .

٤٦٥
سورة الفرقان : الآيتان ٤٧،٤٦
[٤٩٦/٢ و] وقال آخرون: بل معناه: قبضًا خفيًّا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن عبدِ العزيزِ بنِ
رُفَيْعٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. قال: خفيً(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريجٍ:
قَبْضًا يَسِيرًا﴾. قال: خفيًّا. قال: إن ما بينَ الشمسِ والظلِّ مثلُ الخيطِ.
واليَسيرُ الفَعيلُ مِن اليُشْرِ، وهو السهلُ الهيّنُ فى كلامِ العربِ. فمعنى الكلامِ
إذ كان ذلك كذلك، يَتَوَجَّهُ لما رُوِى عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ ؛ لأن سهولةَ قبضِ ذلك
قد تكونُ بسرعةٍ وخَفاءٍ .
وقيل : إنما قيل: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾؛ لأن الظلّ بعدَ غروبٍ
الشمسِ لا يَذْهَبُ كلُّه دَفْعَةً ، ولا يُقِلُ الظلامُ كلُّه جملةً ، وإنما يُقبَضُ ذلك الظلُّ
قبضًا خفيًّا، شيئًا بعد شىءٍ، ويَعْقُبُ كلَّ جزءٍ منه يَقْبِضُه جزءٌ مِن الظلامِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّتْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَانًا
٤٧
وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا
يقولُ تعالى ذكره: والذى مدَّ الظلَّ ثم جعَل الشمسَ عليه دليلًاً ، هو الذى
جعَل لكم أيُّها الناسُ الليلَ لباسًا. وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اَلَتْلَ لِبَاسًا﴾؛
لأنه جعله لخلقِه جُنَّةً يَجْتَثُون فيها ويَشْكُنون ، فصار لهم سترًا يَسْتَترون به، كما
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٣/٨ من طريق سفيان به، والأثر فى تفسير سفيان ص٢٢٧ عن
سعيد ، عن مجاهد .
( تفسير الطبرى ٣٠/١٧ )

٤٦٦
سورة الفرقان : الآية ٤٧
يَسْتَتِرِون بالثيابِ التى يَلْبَشُونَها .
وقولُه: ﴿ وَالنَّوْمَ سُبَانًا﴾. يقولُ: وجعَل/ لكم النومَ راحةً تَشْتَرِيحُ به
أبداتُكم ، وتَهْدَأُ به جوارحُكم .
٢١/١٩
وقولُه: ﴿ وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: وجعَل النهارَ يَقَظةً
وحياةً . مِن قولهم: نشَر الميتُ. كما قال الأعْشَى(١):
حتى يقولَ الناسُ مما رأَوْا يا عَجَبًا للميِّتِ النَاشِرِ
ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا ﴾ [ الفرقان: ٣].
وكان مجاهدٌ يقولُ فى تأويلِ ذلك ما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو
عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ،
جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿النَّهَارَ شُشُورًا﴾. قال: يُنشَرُ فيه(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله ..
وإنما اخْتَرْنا القولَ الذى اخْتَرْنا فى تأويل ذلك؛ لأنه عَقِيبُ قولِه: ﴿ وَالثَّوْمَ
سُبَاتًا﴾ فى الليلِ. فإذ كان ذلك كذلك، فوصْفُ النهارِ بأن فيه اليَقَظةَ والُّشورَ مِن
النومِ أشْبَهُ ، إذ كان النومُ أخا الموتِ .
والذى قاله مجاهدٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ؛ لأن اللَّهَ أَخْبَر أنه جعَل النهارَ
مَعاشًا ، وفيه الانتشارُ للمَعاشِ، ولكنَّ النشورَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: نشَر. فهو
(١) ديوانه ص ١٤١ .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٤/٨، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٧٣/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر .

٤٦٧
سورة الفرقان : الآيات ٤٧ - ٤٩
بالنَّشْرِ مِن الموتِ أو (١) النوم أشبهُ، كما صحَّت الروايةُ عن النبيِّ مَّ ◌َلِّ أنه كان يقولُ
إذا أصْبَح وقام مِن نومِه: ((الحمدُ للَّهِ الذى أحيانا بعدَ ما أماتنا وإليه النشورُ))(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِىَ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ بُشْرًا(١) بَيْنَ يَدَىْ
(٨) لِنُحِْىَ بِهِ، بَلْدَةٌ مَّيْتًا وَنُشْقِيَهُ مِمَا خَلَقْنَاً
رَحْمَتِهِ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا
٤٩
أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا
يقولُ تعالى ذكره: واللَّهُ الذى أرسَل الرياحَ الملفِّحةَ (نُشُرًا): حياةً، أو(٤) مِنَ
الحيا(٥) والغَيثِ الذى هو منزِلُه على عبادِه.
﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾. يقولُ: وأنزلنا من السّحابِ الذى أنشَأْنَاه
بالرياح من فوقِكم أيُّها الناسُ ماءً طَهورًا؛ ﴿لِنُحِْىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنَا﴾. يعنى: أرضًا
قَحِطةٌ عَذِيةٌ(٢) لا تُنْبِتُ .
وقال: ﴿بَلْدَةٌ مَّيْنَا﴾. ولم يقلْ: مَيْنَةً؛ لأنه أُرِيدَ بذلك : لنُحْيِىَ به
موضعًا ومكانًا مَيْتًا. ونُسقِيَه مِن خَلْقِنا أنعامًا من البهائم، ﴿وَأَنَاسِىَّ
كَثِيرًا﴾. يعنى بالأَناسيِّ جمعَ إنسانٍ، وجمَع أَنَاسيَّ، فجعَل الياءَ عِوَضًا من
النونِ التى فى ((إنسانٍ)). وقد يُجْمَعُ إنسانٌ أناسِينَ، كما يُجْمَعُ البستانُ(٧)
(١) سقط من: ف، وفى م، ت ١، ت ٣: (( و)).
(٢) أخرجه البخارى (٦٣٢٥) من حديث أبى ذر، ومسلم (٢٧١١) من حديث البراء بن عازب .
(٣) فى ت١، ت٢، ت ٣ : (نشرًا). وتنظر هذه القراءات ٢٥١ وما بعدها .
(٤) فى ص، ت١، ت٢: ((إما)).
(٥) فى ت١: (( الحياة)). والحيا: المطر. الوسيط (ح ی ى).
(٦) فى ص، ت١، ف: ((عذبة))، والعذية: هى الأرض البعيدة من الأنهار والبحور والسباخ. اللسان (ع ذى).
(٧) فى ص: ((النسان))، وفى م: ((النشيان))، وفى ت١، ت٢: ((النسيان)). وينظر معانى القرآن للفراء
٢٦٩/٢، ٢٧٠، واللسان ( أن س ) .

٤٦٨
سورة الفرقان : الآيتان ٤٩، ٥٠
(١)
بساتين
٢٢/١٩
فإن قيلَ : أَناسىُ جمعٌ واحدُه إنسىٌّ. فهو مذهبٌ أيضًا /مَحْكِئٍّ . وقد يُجمَعُ
((أَنَاسِئُ)) مخففةَ الياءِ، وكأنَّ مَن جمَع ذلك كذلك أسقط الياءَ التى بينَ عينِ الفعلِ
ولامِه، كما يُجْمَعُ القُرقور١ُ قراقيرَ وقَراقِرَ. وممّا يُصَحِّحُ جمعَهم إيَّه بالتخفيفِ قولُ
العربِ : أَنَاسِيَةٌ كثيرةٌ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَّنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَّ أَكْثَرُ النَّاسِ
إِلَّا كُفُورًا
٥٠
يقولُ تعالى ذكره: ولقد قسّمْنا هذا الماءَ الذى أَنزَلناه من السماءِ طَهُورًا؛
لِنُخْیی به المیتَ من الأرضِ بينَ عبادِی؛ لیتذكّرُوا نِعَمِی علیھم، ويشكُروا أَبادِئَّ
عندَهم، وإحسانِى إليهم، ﴿فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا﴾. يقولُ: إِلَّ
جُحُودًا لنعَمى عليهم، وأبادِئَّ عليهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا مُعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه ، قال: سمِعتُ
الحسنَ بنَ مسلم يُحدِّثُ طاؤسًا، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ [٤٩٦/٢ظ]
قال: ما عامٌ بأكثرَ مطرًا من عام، ولكنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُه بينَ خَلْقِه. قال: ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ
٢)
مَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ
(١) فى ص، ت٢: ((نسانين))، وفى م: ((نشايين))، وفى ت١: ((نسانيين)).
(٢) القرقورُ: ضربٌ من السفن، وقيل: هى السفينة العظيمة أو الطويلة . اللسان ( ق ر ر).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٦/٨ من طريق معتمر به ، وأخرجه الحاكم ٤٠٣/٢،
والبيهقى ٣٦٣/٣ من طريق سليمان به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٤٦٩
سورة الفرقان : الآية ٥٠
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سُليمانَ التَّيْمِيِّ، قال: ثنا الحسنُ بنُ
مسلمٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال : قال ابنُ عباسٍ : ما عامٌ بأكثرَ مطرًا مِن عامٍ ، ولكنَّ
اللَّهَ يُصَرِّفُه فى الأَرَضِينَ. ثم تلا: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ .
حدَّثنا القاسِمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَهُمْ﴾. قال: المطرُ يُنزِلُه فى الأرضِ، ولا يُنْزِلُه فى
الأرضِ الأخرى. قال: فقال عكرمةُ: صَرَّفْنَاه بينهم(١) لِيَذَّروا(٤).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ
صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾. قال: المطرَ؛ مرةً هلهنا ومرةً هلهنا.
حدَّثنا سعيدُ بنُ الرَّبيع الرازىُّ ، قال : ثنا سفيانُ بنُ عُیینةً ، عن یزیدَ بنِ أبی زیادٍ ،
أنه سمِع أبا بجحَيفةً يقولُ : سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ يقولُ : ليسَ عام بأمطرَ مِن
عامٍ، ولكنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُه. ثم قرَأَ عبدُ اللَّهِ: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بِنْهُمْ
وأما قولُه: ﴿فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا﴾. فإِنَّ القاسمَ حدَّثنا ، قال:
ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عِكرِمةَ: ﴿فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ
إِلَّا كُفُورًا﴾. قال: قولُهم فى الأنواءِ).
(١) بعده فى ص، ت٢: ((قال المطر)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٦/٨ من طريق النضر بن عربى ، عن عكرمة بنحوه .
(٣) أخرجه الدارمى ٦٥/١، وأبو عمرو الدانى فى السنن الواردة فى الفتن (٢١٠، ٢١١)، وابن
عبد البر فى جامع بيان العلم (٢٠٠٧ - ٢٠٠٩) من طريق مسروق عن ابن مسعود بنحوه مطولًا ، وأخرجه
البيهقى ٣٦٣/٣ من طريق الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود بنحوه، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٠٨/٧،
والبيهقى ٣٦٣/٣ من طريق أبى الأحوص عن ابن مسعود مرفوعًا. قال البيهقى : كذا روى مرفوعًا بهذا
الإسناد ، والصحيح موقوف . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٥ إلى الخرائطى فى مكارم الأخلاق.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٧/٨ من طريق النضر بن عربى ، عن عكرمة بنحوه .

٤٧٠
سورة الفرقان : الآيتان ٥١، ٥٢
فَلَاَ
٥١
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا
تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ، چِهَادًا كَبِيرًا
٢٣/١٩
/يقولُ تعالى ذكره: ولو شئنا يا محمدُ لأرسَلْنا فى كلِّ مِصْرٍ ومدينةٍ(٢ نذِيرًا
يُنْذِرُهُم بَأْسَنا على كفرِهم بنا فيخِفُّ عنك كثيرٌ(٢) من أَعْبَاءِ ما حمَّلْناك منه،
ويَسْقُطُ عنك بذلك مُؤْنةٌ عظيمةٌ، ولكِنَّا حمَّلْنَاكِ ثِقَلَ نِذَارةِ جميع القُرَى؛
لِتَسْتَوْجِبَ بصبرِك عليه إن صبَرْتَ، ما أعدَّ اللَّهُ لك من الكرامةِ عندَه، والمنازلِ
الرفيعةِ قِبَلَه ، فلا تُطِعِ الكافرين فيما يَدْعُونك إليه من أن تَعْبُدَ آلهتَهم، فَنُذِيقَك
ضِعْفَ الحياةِ وضِعْفَ المماتِ، ولكن جاهِدْهم بهذا القرآنِ جهادًا كبيرًا، حتى
يَنْقادوا للإقرارِ بما فيه من فرائضِ اللَّهِ، ويَدِينوا به، ويُذْعِنوا للعملِ بجميعِه، طَوعًا
وگرْهًا .
وبنحوِ الذى قلْنا فى قوله: ﴿ وَجَهِدْهُم بِهِ،﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال
ابنُ عباسٍ قوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَحَدِهِدْهُم بِهِ،﴾. قال: بالقرآنِ(٣).
وقال آخرون فى ذلك بما حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ
زيدٍ فى قوله: ﴿وَجَهِدْهُم بِهِ، جِهَادًا كَبِيرًا﴾. قال: الإسلام. وقرأ: ﴿ وَأَغْلُظْ
· [ التوبة: ١٢٣] . وقال :
عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. وقرَأ: ﴿ وَلْيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْطَةٌ
(١) فى ت٢: ((قرية)).
(٢) فى م: ((كثيرًا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٥ إلى المصنف وابن المنذر.

٤٧١
سورة الفرقان : الآيتان ٥٢، ٥٣
هذا الجهادُ الكبيرُ(١).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿﴿ وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَآتٌ
٥٣
وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَفًا وَحِجْرًا تَّحْجُورًا
يقولُ تعالى ذكرُه : واللَّهُ الذى خَلَط البحرين، فأمْرَج أحدَهما فى الآخرِ ،
وأفاضه فيه .
وأصلُ المَرْجِ الخَلْطُ ، ثم يُقالُ للتخلِيةِ: مَوْجٌ. لأن الرجلَ إذا خلَّى الشىءَ
حتى اختلط بغيرِه، فكأنَّه قد مرَجه، ومنه الخبرُ عن النبىِّ عَظِلّه، وقولُه لعبدِ اللَّهِ بنِ
عمرٍو: (( كيف بك يا عبدَ اللَّهِ إذا كنتَ فى حُثالةٍ من الناسِ، قد مَرِجَت عهودُهم
وأماناتُهم، وصاروا هكذا)). وشبَّك بينَ أَصابِعِه(٢) .
يعنى بقولِه: ((قد مرِجت)). اختلَطت. ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿فِيِّ أَمْرِ مَّرِيجٍ﴾
[ ق: ٥]. أى: مختلِطِ .
وإنما قيل للمَرْجِ: مَرْجٌ. من ذلك؛ لأنه يكونُ فيه أخلاطٌ من الدوابٌ،
ويقالُ: مَرَجْتَ دابَتَك. أى: خَلَّيتَها تَذْهَبُ حيثُ شاءت. ومنه قولُ الراجز(١):
رَغَى بِها مَرْجَ(٤) رَبِيعٍ تَمْيَجًا
وبنحوِ ما قلْنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٧/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٢) أخرجه أحمد ٥٤/١١ (٦٥٠٨) من حديث عبد الله بن عمرو ، وابن حبان (٥٩٥٠، ٥٩٥١)
والطبرانى فى الأوسط (٨٧٩١) من حديث أبى هريرة ، وينظر السلسلة الصحيحة (٢٠٥، ٢٠٦).
(٣) هو العجاج ، والرجز فى ديوانه ص٣٧٤ .
(٤) المرج: الأرض الواسعة ذات نبات كثير تمرج فيها الدواب . اللسان (م رج).

٤٧٢
سورة الفرقان : الآية ٥٣
٢٤/١٩
/ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ﴾. يعنى أنَّه خلَع أحدَهما على
(١)
الآخرِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصِمِ، قال: ثنا عيسَى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِهِ: ﴿ مَرَجَ اُلْبَحْرِيَنِ﴾: أفاضَ أحدهما على الآخرِ (٢) .
حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ، قال: ثنی حجاج، عن ابنٍ ◌ُرَیجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حُدِّثتُ عن الحسين ، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى [٤٩٧/٢ و] مَرَجَ اٌلْبَحْرِيْنِ﴾. يقولُ: خلَع
أحدهما على الآخرِ (٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَةَ، عن أبى حمزةَ، عن
جابرٍ، عن مجاهدٍ : ﴿ مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ﴾. أفاضَ أحدهما على الآخر .
وقولُه: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾. الفراتُ شدةٌ(٤) العذوبةِ، يقالُ: هذا ماءٌ
فراتٌ . أى : شديدُ العُذوبةِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٥ إلى المصنف.
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٧/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٧٤/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) سيأتى بتمامه فى ص ٤٧٥ .
(٤) فى م: (( شديد)) .

٤٧٣
سورة الفرقان : الآ ية ٥٣
وقولُه : ﴿ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ ﴾. يقولُ: وهذا مِلْتُ مُرٍ .
يَعْنِى بالعذبِ الفُراتِ مياهَ الأنهارِ والأمطارِ، وبالمِلْحِ الأُجاجِ مياه البحارِ .
وَمَا عَنَى بذلك أنَّه من نِعْمَتِه على خَلْقِه، وعظيم سلطانِهِ، يَخلِطُ ماءَ البحرِ
العَذْبَ بماءِ البحرِ المُلْحِ الأُجاجِ، ثم يَمْنَعُ المِلْحَ من تغييرِ العَذْبِ عن عذويتِهِ ، وإفسادِه
إِيَّه، بِقضائِه وقدرتِه ، لئلّا يَضرَّ إفسادُه إيَّاه بركبانِ الملح منهما، فلا يجدوا ماءً
يشرَبونه عندَ حاجتهم إلى الماءِ، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَنًا﴾. يعنى:
حاجزًا يمنعُ كُلَّ واحدٍ منهما من إفسادِ الآخرِ، ﴿ وَحِجْرًا تَّحْجُورًا﴾. يقولُ: وجعَل
كُلَّ واحدٍ منهما حرامًا محرَّمًا على صاحبِهِ أن يُغَيِّرَه ويُفْسِدَه .
وبنحوِ الذى قلْنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ ﴾. يعنى أنَّه خلَع
أحدَهما على الآخرِ، فليسَ يُفسِدُ العَذْبُ المالحَ، وليسَ يُفْسِدُ المالحُ العَذْبَ.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَ بَتْنَهُمَا بَرًَّا﴾. قال: البرزخُ الأرضُ بينَهما. ﴿وَحِجْرًا تَّحْجُورًا﴾
يعنى: حجّر أحدهما على الآخرِ بأمرِهِ وقضائِه، وهو مثلُ قولِه: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ
الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾(١) [النمل: ٦١
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وزقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبی نَجیحِ، عن مجاهدٍ :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٥ إلى المصنف إلى قوله: المالح العذب. وقوله: حجر أحدهما ...
أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٩/٨ عن محمد بن سعد به .
۔
صبو

٤٧٤
سورة الفرقان : الآية ٥٣
﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَزَفًا﴾. قال: مَخْبِسًا. وقوله: ﴿وَحِجْرًا تَّحْجُورًا﴾. قال: لا
يختلِطُ البحرُ بالعذبِ(١) .
٢٥/١٩
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَفًا﴾. قال: حجازًا(٢) لا يراه أحدٌ، لا يختلِطُ العذبُ
(٣)
بالبحرِ().
قال ابنُ جريج: فلم أجِدْ بحرًا عذبًا إِلَّ الأنهارَ العِذابَ، فإِنَّ دِجْلةَ تقَعُ فى
البحرِ، فأخبرنى الخبيرُ بها أنها تقعُ فى البحرِ، فلا تمورُ فيه، بينَهما مِثلُ الخيطِ
الأبيضِ، فإذا رجَعت لم ترجِعْ فى طريقها من البحرِ، والنِّيلُ يَصُبُّ فى البحرِ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى أبو ثُمَيْلَةً، عن أبى حمزةَ، عن
جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرَّغًا﴾. قال: البرزخُ أنَّهما يلتقِيانِ فلا
يختلِطانٍ (١). وقوله: ﴿وَحِجْرًا تَّحْجُورًا﴾ أى: لا تختلِطُ مُلُوحةُ هذا بعُذُويةِ هذا،
لا يَتْغِى أحدُهما على الآخرِ (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن أبى (١) رجاءٍ، عن الحسنِ
فى قوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَفَا وَحِجْرًا تَّحْجُورًا﴾ قال: هذا الْيَسُ().
(١) تفسير مجاهد ص ٥٠٥، ٥٠٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٨/٨، ٢٧٠٩ مفرقًا، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٥ إلى عبد بن حميد .
(٢) فى م: (( حاجزًا ) .
(٣) فى م: ((فى البحر)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٩/٨ من طريق حجاج به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٥
إلى ابن المنذر .
(٥) تفسير مجاهد ص ٥٠٥ من طريق جابر عن مجاهد .
(٦) تفسير مجاهد ص ٥٠٦ بلفظ : لا يختلط المر بالعذب .
(٧) سقط من النسخ ، وهو إسناد دائر.
(٨) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٨/٨ من طريق ابن عطية، عن أبى رجاء به، والظاهر أن ((ابن =

٤٧٥
سورة الفرقان : الآية ٥٣
حدَّثنا الحسنُ، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى قولِه :
وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخَا وَحِجْرًا ◌َّحْجُورًا﴾. قال: جعَل هذا مِلْحًا أُجاجًا . قال:
(١)
والأجائج المؤ(١) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرِيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَآتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ ﴾. يقولُ: خلَع
أحدهما على الآخرِ، فلا يُغَيِّرُ أحدُهما طَعْمَ الآخرِ. ﴿ وَجَعَلَ بَتْنَهُمَا بَرَّخَا﴾: هو
الأجلُ ما بينَ الدنيا والآخرةِ، ﴿وَحِجْرًا تَّحْجُورًا ﴾ جعَل اللَّهُ بينَ البحرين حِجْرًا .
يقولُ: حاجِزًا حجَر أحدهما عن الآخرِ بأمرِهِ وقضائِه(٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَجَعَلَ
بَتْنَهُمَا بَرَجًا وَحِجْرًا تَّحْجُورًا﴾. قال: "﴿حِجْرًا تَّحْجُورًا﴾": جعل بينَهما سِتْرًا لا
يلتقِيانِ. قال: والعربُ إذا كلَّم أحدُهما(*) الآخرَ بما يَكْرَةُ قال: حِجْرًا. قال: سِتْرًا
ء (٥)
دُونَ الذى تقولُ(٥).
قال أبو جعفرٍ: وإنما اخترنا القولَ الذى اخترناه فى معنَى قوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرََّخَا وَحِجْرًا تَّخْجُورًا﴾. دونَ القولِ الذى قاله من قال: معناه أنه جعَل بينَهما حاجزًا
من الأرضِ أو من اليَيَسِ(٦)؛ لأنَّ اللَّه تعالى ذْرُه أخبَر فى أوَّلِ الآيةِ أنه مرّج البحرينِ،
= عطية)) تصحفت من ((ابن علية))، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٥ إلى عبد بن حميد.
(١) تفسير عبد الرزاق ٧٠/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٨/٨ من طريق سعيد ، عن قتادة
بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠٨/٨، ٢٧٠٩ من طريق أبى معاذ به ، وتقدم أوله فى ص ٤٧٢.
(٣ - ٣) سقط من : م .
(٤) فى م: ((أحدهم)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧١٠/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٦) فى ص، ت١، ت٢: ((النفس))، وفى ف: ((النقض)).

٤٧٦
سورة الفرقان : الآيات ٥٣ - ٥٥
والمَرْجُ هو الخَلْطُ فى كلام العربِ، على ما بيَّتُ قبلُ ، فلو كان البرزَعُ الذى بينَ
العذبِ القُراتِ من البحرينِ، والملحِ الأُجاجٍ، أرضًا أو يَبَسًا، لم يَكُنْ هناك مَرْجٌ
للبحرَينِ، وقد أخبَر جلَّ ثناؤه أنه مرَجهما، وأَّما عرَفْنَا قُدْرَتَه بحَجْزِه هذا المِلْحَ
الأجاجَ عن إفسادِ هذا العذبِ الفراتِ ، مع اختلاطِ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبِهِ. فأمّا
إذا کان کُلُّ واحدٍ منهما فی حیّزٍ عن حيّزٍ صاحبه ، فليس هناك مَرْجٌ ، ولا هناك من
الأعجوبة ما يُّهُ علیه أهلُ الجهل به من الناسِ ، ويُذَگّرونَ به ، وإن كان كلُّ ما ابتدعه
ربُّنا عجبًا، وفيه أعظمُ العبرِ والمواعظِ والحُجَجِ البوالغِ .
[٤٩٧/٢ ظ] القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآِ بَشَرًاً
٥٤٦
فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرَاً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا
٢٦/١٩
/يقولُ تعالى ذكره: واللَّهُ الذى خلق من النُّطَفِ بشرًا إنسًا، فجعَله نسبًا ،
وذلك سبعةٌ ، وصِهرًا، وهو خمسةٌ .
كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾: النسبُ سبعٌ؛ قولُه:
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾، والصهرُ
خمس؛ قولُه: ﴿وَأُمَهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَحَلَمِلُ أَبْنَابِكُمُ
اُلَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
وقولُهُ: ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيْرًا﴾ . يقولُ: وربُّك يا محمدُ ذو قدرة على خلقٍ ما
يشاءُ من الخلقِ، وتصريفهم فيما شاء وأرادَ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُهُمُّ
٥٥
وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا
يقولُ تعالى ذكره : ويعبُدُ هؤلاء المشركون باللّهِ من دونِه آلهةً لا تنفعُهم

٤٧٧
سورة الفرقان : الآية ٥٥
فتجلُبَ إليهم نفعًا إذا هم عبَدوها ، ولا تضرُّهم إن تركوا عبادتَها ، ويتركون عبادةَ
من أنعم عليهم هذه النعمَ التى لا كِفاءَ لأدناها، وهى ما عدَّد علينا جلَّ جلالُه فى
هذه الآياتِ من قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَّ الِظِلَّ﴾ إلى قوله: ﴿ قَدِيْرًا﴾.
ومِن قدرتِه القدرةُ التى لا يمتنعُ عليه معها شىءٌ أراده ، ولا يتعذرُ عليه فعلُ شيءٍ
أرادَ فعلَه، ومَن إذا أراد عقابَ بعضٍ مَن عصاه مِن عبادِهِ ، أُحلَّ به ما أحلَّ بالذين
وصَف صفتَهم مِن قومٍ فرعونَ وعادٍ وثمودَ وأصحابٍ الرسِّ وقرونٍ بينَ ذلك كثيرٍ ،
فلم یکنْ لمن غضِب علیه منه ناصرٌ، ولا له عنه دافئٌ .
وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا﴾ . يقولُ تعالى ذكره: وكان الكافر معينًا
للشيطانِ على ربِّه، مظاهرًا له على معصيتِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عنبسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَكَانَ
اَلْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا ﴾. قال: يظاهرُ الشيطانَ على معصيةِ اللَّهِ، يعينُه(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا﴾. قال: معينًا (٣).
(١ - ١) فى ص، ت١، ف: ((القدر الذى)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧١١/٨ من طريق حكام به .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٠٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٥ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وابن أبى
شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر .

٤٧٨
سورة الفرقان : الآية ٥٥
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
قال ابنُ نجريج: أبو جهلٍ مُعينًا، ظاهَرَ الشيطانَ على ربِّه .
حدَّثنا الحسنُ ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ ، عن الحسنِ فى قولِه :
وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيْرًا﴾. قال: عونًا للشيطانِ على ربِّه على المعاصى(١).
٢٧/١٩
/حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَكَانَ
اَلْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيْرًا﴾. قال: على ربِّه عَوينًا. والظهيرُ: العَوينُ. وقرَأ قولَ
اللَّهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَ ظَهِيْرًا لِلْكَافِرِينَ ﴾ [القصص: ٨٦]. قال: لا تكوننَ لهم
عوينًا. وقرَأ أيضًا قولَ اللَّهِ: ﴿وَأَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن
صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦]. قال: ﴿ظَهِيْرًا﴾: أعانُوهم.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا ﴾: يعنى أبا الحكم الذى
سمَّاه رسولُ اللَّهِ عْ لَّهِ أبا جهلٍ بنَ هشامٍ .
وقد كان بعضُهم(٤) يوجّهُ معنى قوله : ﴿ وَكَنَ اُلْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيمًا﴾
إلى: وكان الكافرُ على ربّه هينًا. من قولِ العربِ: ظهَرتُ به فلم ألتفتْ إليه . إذا
جعَله خلْف ظهرِه فلم يلتفِتْ إليه وكأنَّ الظهيرَ كان عندَه ((فعيلٌ))، صُرف من
((مفعولٍ)) إليه، من مظهورٍ به، كأنه قيل: وكان الكافر مظهورًا به .
(١) تفسير عبد الرزاق ٧٠/٢.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((للمجرمين)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٤/٥ إلى المصنف وابن مردويه.
(٤) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٧٧/٢ .

٤٧٩
سورة الفرقان : الآيات ٥٥ - ٥٨
والقولُ الذى قلناه هو وجهُ الكلام والمعنى الصحيح؛ لأن الله تعالى ذكره أخبَر
عن عبادة هؤلاء الكفار من دونه ، فأُؤلَی الکلام أن يُتْبِعَ ذلك ذمَّه إیاهم وذمّ فعلھم ،
دونَ الخبرِ عن هوانِهم على ربِّهم، ولمّا يجرِ لاستكبارِهم عليه ذكرٌ، فيتبَعَ بالخبرِ
عنْ" هوانِهم عليه .
) قُلْ مَا
٥٦
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا
أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا
٥٧
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لّهِ: وما أرْسَلْناك يا محمدُ إلى من أرسلناك
إليه ، إلّ مبشِّرًا بالثوابِ الجزيلِ مَن آمَن بك وصدَّقك، وآمَن بالذى جئتَهم به من
عندى وعمِلوا به ، ونذيرًا لمن كذَّبك وكذَّب ما جئتَهم به من عندى ، فلم يصدِّقوا به
ولم يعملوا، ﴿ قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾. يقولُ له : قلْ لهؤلاء الذين
أرسلتُك إليهم: ما أسألُكم يا قومٍ على ما جئتُكم(٢) به من عندٍ ربِّى أجرًا،
فتقولون(٣) : إنما يطلُبُ محمدٌ أموالَنا بما يدعونا إليه ، فلا نَتَّبِعُه، كيما لا نعطيه من
أموالِنا شيئًا، ﴿إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلاً﴾. يقولُ: لكنْ من شاءَ منكم
اتَّخذ إلى ربِّه ﴿ سَبِيلًا﴾ طريقًا بإنفاقِه من مالِه فى سبيله، وفيما يقرِّبُه إليه من
الصدقةِ والنفقةِ فى جهادٍ عدوّه، وغيرِ ذلك من سبلِ الخيرِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَمِّحْ
٥٨
بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ، بِذُنُبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا
يقولُ تعالى ذكره : وتوكّلْ يا محمدُ على الذى له الحياةُ الدائمةُ ، التى لا موتَ
معها ، فثِقْ به فى أمرِ ربِّك، وفوّضْ إليه، واستسلِمْ له، واصيِرْ على ما نابك فيه .
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((على)).
(٢) فى م، ت١، ت٢: (( جئتهم)).
(٣) فى ت٢، ف: ((فيقولون)).

٤٨٠
سورة الفرقان : الآيتان ٥٩،٥٨
٢٨/١٩
وقولُه: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهٍ﴾. يقولُ: واعبُدْه شكرًا منك/ له على ما أنعم به
عليك .
وقولُه: ﴿وَكَفَى بِهِ، بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا﴾. يقولُ: وحسبُك بالحىّ الذى
لا يموتُ مخابرًا بذنوبٍ خلقِه، فإنه لا يخفَى عليه منها شىءٌ، وهو مُحصٍ
جميعَها عليهم حتى يجازيَهم بها يومَ القيامةِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ
أَيَّامٍ ثُمَّ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسْشَلْ بِهِ، خَبِيرًا
٥٩
يقولُ تعالى ذكره: وتوكَّلْ على الحىِّ الذى لا يموتُ ، الذى خلَق السماوات
والأرضَ وما بينَهما فى ستةٍ أيامٍ. فقال: ﴿ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ . وقد ذكَر السماواتِ
والأرضَ، والسماواتُ جِمائعٌ؛ لأنه وجّه ذلك إلى الصِّنفينِ والشيئينِ، كما قال
(٢)
القُطامئُ(٢):
وَتَغْلِبَ (٥) قَدْ تَبابَنَتَا انْقِطاعا
أَلَمْ يَحْزُنْكِ(١) أنَّ حِبِالَ(٤) قَيْسٍ
يريدُ: وحبالَ (٤) تغلبَ(٦) فثنَّى، والحبالُ(٧) جمعٌ؛ لأنه أراد الشيئينِ والنوعينِ.
وقولُه: ﴿فِيِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ﴾. قيل: كان ابتداءُ ذلك يومَ الأحدِ، والفراُ يومَ
الجمُعةِ، ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَانُ﴾. يقولُ: ثم ارتفَعُ " على العرشِ
(١) فى م: ((خابرا)).
(٢) تقدم فى ٢٦٠/١٦.
(٣) فى ت٢: ((يحريك))، وفى ت١: ((يجزيك)).
(٤) فى ت١، ت٢، ف: ((جبال)).
(٥) فى ت٢: ((ثعلب))، وفى ف: ((ثعب)).
(٦) فى ت١، ت٢، ف: ((ثعلب)).
(٧) فى ت١، ت٢، ف: ((الجبال)).
(٨) فى م: ((استوى)).