النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ سورة الحج : الآية ٥١ عطاءٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأَها: ﴿مُعَجِزِينَ﴾ فى كلِّ القرآنِ، يعنى بأَلِفٍ، وقال: مُشاقِّينَ(١) . وقال آخرون : بل معنى ذلك أنَّهم ظنّوا أنَّهم يُعجِزُون اللهَ فلا يقدِرُ عليهم. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِّ ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ ﴾. قال: كذَّبوا بآياتِ اللهِ، وظنُّوا أنَّهم يُعجِزُون اللهَ، ولن يُعجِزوه . حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه(٢) . وهذان الوجهانِ من التأويل فى ذلك على قراءةٍ مَن قَرَأَه: ﴿مُعَجِزِينَ﴾ بالأَلفِ، وهى قراءةُ عامَّةٍ قَرَأة المدينةِ والكوفةِ(٣) . وأما بعضُ قرأةِ أهلِ مكةً والبصرةٍ، فإنَّه قرَأَه: (مُعَجّزين). بتشديد الجيم بغيرِ ألفٍ، بمعنى أنَّهم عَجَّزوا الناسَ وتَتَطوهم عن اتباعِ رسولِ اللهِ مَّهِ والإيمانِ بالقرآنِ . /ذكرُ مَن قال ذلك كذلك مِن قراءته ١٨٦/١٧ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ (٦) قولَه: (معجّزين)(٥). قال: مُبطِّئين يُبطِّئُون الناسَ عن اتباع النبيِّ عَّهُ. (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٦/٤ إلى المصنف. (٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٠، ١٢٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٦/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) وهى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٩. (٤) وهى قراءة ابن كثير وأنى عمرو. المصدر السابق. (٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((معاجزين)). (٦) تفسير مجاهد ص ٤٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٦/٤ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . ٦٠٢ سورة الحج : الآيتان ٥١، ٥٢ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله . والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إنّهما قراءتان مشهورَتان، قد قرَأْ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرَأَةِ، مُتقاربتا المعنى، وذلك أن من عَجَّز عن آياتِ اللهِ ، فقد عاجَز اللهَ، ومِن مُعاجزةِ اللهِ التعجيزُ عن آياتِ اللهِ، والعملُ بمعاصِيه وخلافُ أمرِهِ ، وكان مِن صفةِ القوم الذين أنزل اللهُ هذه الآياتِ فيهم أنهم كانوا يُبطِّئُون الناسَ عن الإِيمانِ باللهِ واتباع رسولِه، ويُغالِون رسولَ اللهِ عَلَه ، يحسبون أنهم يُعجّزونه ويَغلبونه ، وقد ضَمِن اللهُ له نصرَه عليهم ، فكان ذلك معاجزتَهم الله . فإذا كان ذلك كذلك، فبأىِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ فى ذلك . وأما المُعَاجَزَةُ ، فإنها المفاعَلةُ مِن العجزِ، ومعناه مغالبةُ اثنينِ أحدِهما صاحبه، أيُّهما يُعجِزُه فیَغلُه الآخرُ ويَقهرُه . وأمّا التَّعجيزُ، فإِنه التَّضعيفُ ، وهو التَّفعيلُ من العَجزِ. وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْمَحِيمِ ﴾ . يقولُ : هؤلاء الذين هذه صِفتُهم هم سكانُ جهنمَ يومَ القيامةِ ، وأهلُها الذين هم أهلُها . القول فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِّ إِلَّ إِذَا تَمَنََّ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِّيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قيل : إنَّ السببَ الذى مِن أجلِهِ أُنزِلِت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ عَتْمِ ، كان(١) أنَّ الشيطانَ كان ألقَى على لسانِه فى بعض ما يتلوه مما أنزَل اللهُ عليه مِن القرآن ، ما لم (١) سقط من: م. ٦٠٣ سورة الحج : الآية ٥٢ يُنزِلْه اللهُ عليه، فاشتدَّ ذلك على رسولِ اللهِ ◌ّله ، واغتمَّ به، فسَلّاه مما به مِن ذلك بهذه الآياتِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن أبى مَعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرظىّ ومحمدِ بنِ قيسٍ ، قالا: جلَس رسولُ اللهِ يٍَّ فى نادٍ من أنديةِ قريشِ كثيرٍ أهلُه، فتمنَّى يومئذٍ ألا يأتيَه مِن اللهِ شىءٌ فينفِروا مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فقرَأها عنه، فأنزل اللهُ عليه: ﴿ وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١ - ٢٠] ١٩ رسولُ اللهِ عَلَّهِ: ﴿أَفَرَهُ يُّ الَّتَ وَالْعُزَّى ألقَى عليه الشيطانُ كلمتَين: تلك الغَرانيقُ(١) العُلى، وإن شفاعتَهن لتُرتَجَى(٢). فتكلّم بها، ثم مضَى فقرَأ السورةَ/ كلَّها، فسجَد فى آخِرِ السورةِ، وسجَد القومُ جميعًا معه، ١٨٧/١٧ ورفَع الوليدُ بنُ المُغيرةِ ترابًا إلى جبهتِه فسجَد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدِرُ على السجودِ ، فرضُوا بما تَكلَّم به، وقالوا: قد عرَفنا أن اللهَ يُحيِى ويُميتُ، وهو الذى يَخلُقُ ويرزُقُ ، ولكنَّ آلهتنا هذه تَشفعُ لنا عندَه، إذ جعَلتَ لها نَصيبًا، فنحنُ معك. قالا: فلما أمسَى أتاه جبريلُ عليه السلامُ ، فعرّض عليه السورةَ، فلما بلَغ الكلمَتين اللتينِ أَلَقَى الشيطانُ عليه، قال: ما جئتُك بهاتَين. فقال رسولُ اللهِ عَ لَه: ((افتريتُ على اللهِ، وقلتُ على اللهِ [٤٢٥/٢ ظ] ما لم يَقُلْ)). فأوحَى اللهُ إليه: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَغْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا ◌َجِدُ لَكَ عَلَيْنَا (١) فى ص، م، ت ١، ف: ((الغرائقة)). والغرانيق ههنا الأصنام، وهى فى الأصل الذكور من طير الماء، واحدها غُرْنوق وغُزْنَيق، سمى به لبياضه. وقيل: هو الكركى. والغرنوق أيضًا الشاب الناعم الأبيض، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم، فشبهت بالطيورالتى تعلو فى السماء وترتفع. النهاية ٠٣٦٤/٣ (٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((لترجى)). ٦٠٤ سورة الحج : الآية ٥٢ نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]. فما زال مَغْمُومًا مهمومًا حتى نزَلت (١): ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمَّنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ، وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . قال: فسمِع مَن كان مِن المهاجرين بأرض الحبشةِ أنَّ أهل مكةَ قد أسلموا كلَّهم، فرجعوا إلى عشائرِهم وقالوا: هم أحبُّ إلينا. فوجَدوا القومَ قد ارتكسوا حينَ نسَخ اللهُ ما ألْقَى و (٢) الشيطانُ(٢) . حدّثنا ابنُ حُمیدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاق ، عن یزید بنِ زياد المدنىّ ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرظىِّ، قال: لما رأَى رسولُ اللهِ يَّهِ تولِّىَ قومِه عنه، وشقَّ علیه ما یری مِن مُباعدتهم ما جاءهم به من عندِ اللهِ ، تمنَّی فی نفسِه أن یأتیه مِن اللهِ ما يقارِبُ به بينَه وبينَ قومِه، وكان يسُرُّه مع حبِّه وحِرصِه عليهم أن يلينَ له بعضُ ما غَلُظ عليه مِن أمرِهم حينَ حدَّث بذلك نفسَه، وتمتَّى وأحبّه، فأنزل اللهُ: ﴿ وَالنَّجْرِ مَا ضَلَ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. فلما انتهى إلى قولِ اللهِ: ﴿ أَفَهِ يَتُ الَّتَ إِذَا هَوَى وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلَقَى الشيطانُ على لسانِه لما كان يُحدِّثُ به ١٩ وَاُلْعُزَّى نفسَه ويتمنَّى أن يأتىَ به قومَه : تلك الغَرانيقُ العُلى، وإنَّ شفاعتَهن تُرتضى . فلما سَمِعت قريشٌ ذلك فرِحوا وسرّهم، وأعجبهم ما ذكَر به آلهتهم ، فأصاخُوا(٣) له، والمؤمنون مُصدِّقون نبيَّهم فيما جاءهم به عن ربِّهم ، ولا يتَّهمونه على خطأً ولا وَهم ولا زَللٍ، فلما انتهى إلى السجدةِ منها وختَم السورةَ سجَد فيها ، فسجد المسلمون بسُجودٍ نبيِّهم تصديقًا لما جاء به، واتّباعًا لأمرِه، وسجَد مَن فى المسجدِ من المشركين مِن قريشٍ وغيرِهم لِما سمِعوا مِن ذِكرِ آلهتهم، فلم يبقَ فى المسجدِ مؤمنٌ (١) بعده فى م: ((عليه)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٧/٤ إلى المصنف وسعيد بن منصور. (٣) أصاخوا له: استمعوا وأنصتوا لصوته. التاج (ص ی خ). ٦٠٥ سورة الحج : الآية ٥٢ ولا كافرٌ إلا سجَد، إلا الوليدُ بنُ المغيرةِ، فإنه كان شيخًا كبيرًا فلم يستطع ، فأخذ بيدِه حفنةٌ مِن البطحاءِ، فسجَد عليها، ثم تفرّق الناسُ مِن المسجدِ، وخرَجت قريشٌ وقد سرّهم ما سمِعوا مِن ذكرٍ آلهتهم، يقولون: قد ذكَر محمدٌ آلهتنا بأحسنِ الذِّكرِ، وزعَم فيما يتلُو أنها الغرانيقُ العُلى، وأن شفاعتَهنَّ تُرتَضى. وبلغت السجدةُ مَن بأرضِ الحَبشةِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ مَّ ◌َله، وقيل: أُسلَمت قريشٌ . فنهضت منهم رجالٌ، وتخلَّف آخرون، وأَتَى جبريلُ النبيَّ عََّله، فقال: يا محمدُ ، ماذا صنَعْتَ؟ لقد تَلَوْتَ على الناسِ ما لم آَتِك به عن اللهِ ، وقلتَ ما لم يُقَلْ لك . فَزِن رسولُ اللهِ عَ لَّهِ عندَ ذلك، وخاف مِن اللهِ خوفًا كثيرًا(١)، فأنزل اللهُ تعالى عليه - وكان به رحيمًا - يُعزِّيه ويُخفِّضُ عليه الأمرَ، ويُخبره أنه لم يكنْ قبلَه رسولٌ ولا نبيّ تمنَّى كما تمنَّى، ولا أحبَّ كما أحبَّ، إِلا/ والشيطانُ قد أَنْقَى فى أَمنيَتِه كما ألقى على ١٨٨/١٧ السأنِه ◌َ لَّهِ، فنسَخ اللهُ ما أُلقَى الشيطانُ، وأُحكَمَ آياتِه . أى: فأنتَ كبعضِ الأنبياءِ والرُّسُلِ . فأنزل اللهُ: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِّ إِلََّ إِذَا تَمَنَّ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمَّنِيَّتِهِ﴾ الآية. فأذهب اللهُ عن نبيِّه الحَزنَ، وأَمَّتَه مِن الذى كان يخافُ ، ونسَخ ما أَلْقَى الشيطانُ على لسانِه من ذِكرِ آلهتهم أنها الغرانيقُ العُلى، وأن شفاعتهن تُرتضى. يقولُ اللهُ حينَ ذكَر اللاتَ والعُزَّى ومناةَ الثالثةَ الأخرى ، إلى قوله: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِ شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدٍ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَبَرْضَ﴾ [النجم: ٢٦]. أى فكيف تنفعُ شفاعةُ آلهتكم عندَه؟! فلما جاءه من اللَّهِ ما نسَخ ما كان الشيطانُ ألقَى على لسانِ نبيّه ، قالت قريشٌ: ندِم محمدٌ على ما كان مِن منزلةِ آلهتكم عندَ اللهِ ، فغيَّر ذلك وجاء بغيرِه . وكان ذانِك(١) الحَرفان اللذان ألقَى الشيطانُ على لسانِ رسولِه قد وقَعا فى فَم كلِّ مُشركٍ، فازدادو شرًّا إلى ما كانوا (١) فى م: ((كبيرا))، وفى ت ٢: (( شديدا)). (٢) فى م: ((ذلك)). ٦٠٦ سورة الحج : الآية ٥٢ (١) عليه (١) . حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ داودَ ، عن أبى العاليةِ ، قال: قالت قريشٌ لرسولِ اللهِ عَلَّهِ: إنما جلسا ؤُك عبدُ بنى فلانٍ ومولی بنی فلانٍ ، فلو ذكرتَ آلهتنا بشىءٍ جالَسناك، فإنه يأتيك أشرافُ العربِ ، فإذا رأَوْا مُجُلساءَك أشرافَ قومِك، كان أرغَبَ لهم فيك. قال : فَأَلْقَى الشيطانُ فى أَمنيتِه ، فنزلت هذه وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىَ﴾. [٤٢٦/٢و] قال : الآيَةُ: ﴿ أَفَيَّهُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى فأجرَى الشيطانُ على لسانِهِ: تلك الغرانيقُ العلى، وشفاعتُهن تُرتَجِىَ، مثلُهن لا يُنسى. قال: فسجد النبيُّ عَ لِ حينَ قرأها، وسجد معه المسلمون والمشر كون ، فلما عَلِم الذى أَجرِى على لسانِه، كبُرَ ذلك عليه، فأنزل اللهُ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(١). حدّثنا ابُ المثنی ، قال : ثنا أبو الوليد ، قال : ثنا حمادُ بنُ سلمةً ، عن داودَ بنِ أبی هندٍ ، عن أبى العاليةِ، قال: قالت قريشٌ: يا محمدُ، إنما يجالِسُك الفقراء والمساكينُ وضُعفاءُ الناسِ، فلو ذكرتَ آلهتنا بخيرٍ لجالَسناك ، فإِنَّ الناسَ يأتونك مِن الآفاقِ . فقرَأْ رسولُ اللهِ عِلَّهِ سورةَ ((النَّجم))، فلما أتَى) على هذه الآيةِ: ﴿ أَفَرََّيَتُمُ الَّتَ وَمَنَّوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. فألقَى الشيطانُ على لسانِه: وهى الغرائِقةُ وَالْعُزَّى الْوَّـ العُلى، وشفاعتُهنَّ تُرَّجى. فلما فرغ منها سجَد رسولُ اللهِ عَّه والمسلمون والمشركون ، إلا أبا أَحيحةَ سعيدَ بنَ العاصِ، أخَذ كفّا مِن ترابٍ وسجَد عليه، (١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٩٣/٥ عن ابن عباس ومحمد بن كعب به . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٧/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) فى م: ((انتهى))، وفى ت ١: (( وأتى)). ٦٠٧ سورة الحج : الآية ٥٢ وقال: قد آن لابن أبى كبشةً أن يذكُرَ آلهتنا بخيرٍ. حتى بلَغ الذين بالحبشةِ من أصحابٍ رسولِ اللهِ صَ لّهِ مِن المسلمين أن قُرِيشًا قد أسلمت، فاشتدَّ على رسولٍ اللهِ يَّلِ ما ألقى الشيطانُ على لسانِه، فأنزل اللهُ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾. إلى آخرِ الآيةِ(١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى بشرٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿ أَفَرََّيَّةُ الَّتَ وَالْعُزَّى﴾. قَرَأْها رسولُ اللهِ عٍَّ فقال: ((تلك الغرانيقُ العُلى، وإن شفاعتَهنَّ لتُرتَجَى)). فسجَد رسولُ اللهِ عَ ظله ، فقال المشركون: إنه لم يَذكُرْ/ آلهتكم قبل اليوم بخيرٍ. فسجد المشركون ١٨٩/١٧ معه، فأنزل اللهُ: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْغَى الشَّيْطَانُ فِىِّ أُمَنِيَّتِهِ ﴾. إلى قولِهِ: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾(٢). حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ ، قال: ثنا شعبةُ ، قال : ثنا أبو بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما نزلت: ﴿أَفَرََّيِمُ الَّتَ وَالْعُزَّى﴾. ثم ذكَر نحوَه. حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمَنِّيَّتِهِ ﴾. إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وذلك أن نبيَّ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤ /٣٦٧، ٣٦٨ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣٩/٥ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير - من طريق شعبة به ، وأخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص٢٣٣ من طريق عثمان بن الأسود ، عن سعيد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٦/٤ إلى ابن مردويه وابن المنذر، وجاء موصولا من طريق سعيد، عن ابن عباس، عزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى البزار والطبرانى وابن مردويه والضياء فى المختارة ، وينظر تخريج الكشاف ٣٩١/٢ وما بعدها . ٦٠٨ سورة الحج : الآية ٥٢ اللهِ مَّه بينما هو يُصلِّى، إذ نزَلت عليه قصةُ آلهةِ العربِ، فجعَل يتلوها ، فسمِعه المشركون ، فقالوا : إنا نسمَعُه يذكُرُ آلهتنا بخيرٍ. فدنَوا منه فبينما، هو يتلُوها وهو وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَ﴾ ألْقَى الشيطانُ: إِنَّ يقولُ: ﴿أَقْرََّيْ أَلَّلْتَ وَالْمُزَّى تلكَ الغرانيقُ العُلى، منها الشفاعةُ تُرتَجَى. فعَلِق(١) يتلوها، فنزل جبريلُ عليه السلامُ، فنسخها، ثم قال له: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلَا نَبِيَ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ، ﴾. إلى قولِهِ: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). حُدِّثت عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِ ﴾ الآية: إن نبىَّ اللهِ عَّهِ وهو بمكةً أَنزَل اللهُ عليه فى آلهةِ العربِ، فجعَل يَتْلُو اللاتَ والعزَّى، ويُكثِرُ تَرَدِيدَها، فسمِع أهلُ مكةَ نبيَّ اللهِ يذكُرُ آلهتهم، ففرِحُوا بذلك ودَنَوا يَستمعون، فألقى الشيطانُ فى تلاوةِ النبيِّ صَ لَهِ: تلك الغرانيقُ العُلى، منها الشفاعةُ تُرَجَى. فقرَأها النبىُ عَمِ كذلك، فأنزل اللهُ(١): ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زَّسُولٍ﴾ إلى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾(٤). حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهپ ، قال : أخبرنی یونسُ ، عن ابن شهاب أنه سألَهُ(٥) عن قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِ﴾ الآية . قال ابنُ شهاب : ثنى أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، أن رسولَ اللهِ صَّه وهو بمكةَ قرَأ (١) فى م: ((فجعل))، وفى ف: ((فغلق)) وعلق فلان يفعل كذا: ظل كقولك طفِق يفعل كذا. اللسان (ع ل ق). (٢) أخرجه ابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف ٣٩٤/٢ - من طريق محمد بن سعد به . (٣) بعده فى م، ف: ( عليه )). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٧/٤ إلى المصنف. (٥) فى م: ((ستل)). ٦٠٩ سورة الحج : الآية ٥٢ وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ عليهم: ﴿ وَالنَّحْمِ إِذَا هَوَى﴾. فلما بلغ: ﴿ أَفَرَهَيَهُمُ الَّلْتَ وَالْعُزَّى اَلْأُخْرَى﴾. قال: ((إن شَفاعتَهن تُرتجى)). وسَها رسولُ اللهِ عَّهِ، فلقِيه المشركون الذين فى قلوبهم مرضٌ، فسلَّموا عليه، وفَرِحوا بذلك، فقال لهم: ((إنَّما ذلكَ من الشيطانِ)). فأنزل اللهُ عليه: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ حتى بلَّغْ: ﴿فَيَنْسَخُ اَللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾(١). [٤٢٦/٢ ظ] فتأويلُ الكلامِ: ولم نُؤْسِلْ يا محمدُ مِن قبْلِك مِن رسولٍ إلى أمةٍ مِن الأمم، ولا نبيّ مُحدَّثٍ ليس بُرسلٍ ، إلا إذا تمنَّى. واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿ تَمَنَّ﴾ فى هذا الموضِع، وقد ذكرتُ قولَ جماعةٍ مَمَّن قال: ذلك التَّمِنِّى/ من النبيِّ عَ له ما حَدَّثَته نفسُه مِن محبتِه مقاربةً ١٩٠/١٧ قومِه "فى ذكرٍ ١ آلهتهم ببعضٍ ما يُحِبُّون، ومَن قال: ذلك مَحبةٌ منه فى بعضٍ الأحوالِ ألَّا تُذكَّرَ بسوءٍ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا قرَأُ وتَلا أو حدَّث . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىِّ أُمَِّّتِهِ، ﴾. يقولُ: إذا حدَّث أَلْقَى الشيطانُ فى (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٧/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد. وقال ابن كثير فى تفسيره ٤٣٨/٥: قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق ... ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها من وجه صحيح. وقال الشوكانى فى فتح القدير ٤٦٢/٣: ولم يصح شىء من هذا ، ولا ثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته بل بطلانه، فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، قال الله: ﴿ وَلَوْ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. وينظر فى لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِأَلْيَمِينِ نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِلِ إبطال هذه القصة: الشفا للقاضى عياض ٢/ ٧٤١، وأضواء البيان ٧٢٨/٥ وما بعدها . (٢ - ٢) فى ت ٢: (( فذكر)). ( تفسير الطبرى ٣٩/١٦ ) ٦١٠ سورة الحج : الآية ٥٢ حديثه(١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذَا تَمَنَّ﴾. قال: إذا قال(٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ مثله . حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج، قال سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبِيدٌ ، قال : سر سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿إِلَّ إِذَا تَمَنََّ﴾: يعنى بالتمنِّى التلاوةَ .(٣) والقراءةَ(٣) . وهذا القولُ أشبهُ بتأويلِ الكلامِ بدَلالةِ قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ ءَايَتِهِ﴾. على ذلك؛ لأن الآياتِ التى أخبَر اللهُ جل ثناؤه أنه يُحكِمُها، لا شكَّ أنها آياتُ تنزيلِه، فمعلومٌ بذلك(٤) أنَّ الذى ألقَى فيه الشيطانُ هو ما أخبر اللهُ تعالى ذكرُه أنه نسَخ ذلك منه وأبطلَه، ثم أحكمه بنسخِه ذلك منه . فتأويلُ الكلام إذن : وما أرسلنا مِن قبلِك مِن رسولٍ ولا نبيِّ إلا إذا تَلا (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٢٦٠/٤ - من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/٤ إلى ابن المنذر. (٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/٤ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم. وبعده فی ص ، ف : « حدثنی الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء عن ابن أبى نجيح عن مجاهد مثله)) . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/٤ إلى ابن أبى حاتم . (٤) سقط من: م. ٦١١ سورة الحج : الآيتان ٥٢ ، ٥٣ كتابَ اللهِ وقرَأ، أو حدَّث وتكلّم، ألقى الشيطانُ فى كتابِ اللهِ الذى تَلاه وقرَأَه، أو فى حديثه الذى حدَّث وتكلّم ، ﴿فَيَنْسَخُ اَللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ تعالى: فيُذهبُ اللهُ ما يُلقى الشيطانُ مِن ذلك على لسانٍ نبيِّه ويُطلُه. کما حدَّثنی علىّ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنی معاويةُ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾: فيتطِلُ اللهُ ما ألقى الشيطانُ. حُدِّثت عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ﴾: نسخ جبريلُ بأمرِ اللهِ ما أَلْقَى الشيطانُ على لسانِ النبيِّ عَّمِ ، وأحكم اللهُ آياتِه . وقولُه: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ،ٌ﴾. يقولُ: ثم يُخلِّصُ اللهُ آياتِ كتابِهِ مِن الباطلِ الذى (١) ألقَى (٢) الشيطانُ على لسانٍ نبيّه، ﴿ وَاللهُ عَلِيمُ﴾ بما يحدُثُ فى خلقه مِن حدثٍ ، لا يخفَی علیه منه شىءٌ، ﴿ حكِيمٌ﴾ فی تدبيره إياهم ، وصرفِه لهم فيما شاء وأحبّ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَ الَِّينَ لَفِى شِقَاقِ بَعِيدٍ ٥٣ / يقولُ تعالى ذكره: فيَتْسَخُ اللهُ ما يُلْقى الشيطانُ ثم يُحْكِمُ اللهُ آياتِه؛ كى ١٩١/١٧ يجعلَ ما يُلقِى الشيطانُ فِى أُمِنِيَّةِ نبِّه مِن الباطلِ - كقولِ النبيِّ ◌َّمِ: «تلك الغَرانيقُ العُلى، وإن شفاعتَهنَّ لتُرتجى)) - ﴿فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: اختبارًا يختبرُ به الذين فى قلوبهم مرضٌ مِن النفاقِ ، وذلك الشكَّ فى صدقٍ رسولِ اللهِ عَلَه وحقيقةٍ ما (١) فى ص، ت ٢، ف: ((التى)). (٢) فى ص: ((يلقى)). ٦١٢ سورة الحج : الآية ٥٣ يُخبرهم به . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةً، أن النبيَّ عَلَّهِ كان يتمنَّى أَلا يَعِيبَ اللهُ آلهةَ المشركين، فألقى الشيطانُ فى أمنيتِه، فقال: ((إنَّ الآلهةَ التى تُدعَى، إن شَفاعتَها لتُرتَجَى، وإنها للغَرانيقُ العُلى)). فنسَخ اللهُ ذلك، وأحكم آياتِه أَفَرََّ يُّ الَّلْتَ وَالْعُزَّى﴾ حتى بلغ: ﴿مِن سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩- ٢٣]. قال قتادةُ: لما أَلْقَى الشيطانُ ما أَلْقَى، قال المشركون: قد ذكَرَ اللهُ آلِهِتَكم(١) بخيرٍ. ففَرِحُوا بذلك، فذلك(٢) قولُه: ﴿ لِيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. حدَّثنا الحسنُ، قال أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً بنحوه(٣) . (٣) حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ فى قوله : لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ﴾. ( قال: المنافقون(٥). وقولُه: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾٤). يقولُ: وللذين قسَت قلوبُهم عن الإيمانِ باللهِ ، فلا تلینُ ولا تَرعوی ، وهم المشر كون باللهِ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. (١) فى م: ((آلهتهم)). (٢) فى النسخ: ((فذكر)). والمثبت من تفسير عبد الرزاق . (٣) تفسير عبد الرزاق ٤٠/٢ . (٤ - ٤) سقط من النسخ، وأثبتناه كنهج المصنف وليستقيم السياق . (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/٤ إلى ابن المنذر. ٦١٣ سورة الحج : الآيتان ٥٣ ، ٥٤ [٤٢٧/٢ و] ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريج : وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: المشركون(١). وقولُه: ﴿ وَإِنَّ اُلَّلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : وإنَّ مشركى قومِك يا محمدُ لفى خلافٍ للهِ فى أمرِه بعيدٍ من الحقِّ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّيِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَمَنُوْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِمٍ ٥٤ يقولُ تعالى ذكره : وكى يعلمَ أهلُ العلم باللهِ أن الذى أنزله اللهُ مِن آياتِه التى أحكَمها لرسولِه، ونسَخ ما أَلْقَى الشيطانُ فيه ، أنه الحقُّ مِن عندِ ربِّك يا محمدُ ، ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾. يقولُ: فيصدِّقوا به، ﴿فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: ١٩٢/١٧ فَتَخضَعَ للقرآنِ قلوبُهم، وتُذعنَ بالتصديقِ به والإقرارِ بما فيه، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادٍ الَّذِينَ ءَمَنُوْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. وإن الله لمرشدُ الذين آمنوا باللهِ ورسولِه إلى الحقِّ القاصدِ، والحقِّ الواضِح، بنسخ ما ألقى الشيطانُ فى أمنيةِ رسولِه ◌ِلَّمِ ، فلا يَضُرُّهم كيدُ الشيطانِ ، وإلقاؤُه الباطلَ على لسانِ نبيِّهم . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ نجريج: ﴿ وَلِيَعْلَمَ (١) تقدم أوله فى الصفحة السابقة . ٦١٤ سورة الحج : الآيتان ٥٤ ، ٥٥ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾. قال: يعنى القرآنَ(١). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ بَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ٥٥ يقولُ تعالى ذكره : ولا يزالُ الذين كفروا باللهِ فى شكٌّ . ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى الهاءِ التى فى قولِه ﴿مِّنْهُ﴾ مِن ذكرِ ما هى؛ فقال بعضُهم: هى مِن ذكرٍ قولِ النبيِّ عَ لَّه: ((تلك الغرانيقُ العلى، وإن شفاعتَهن (١) لترتجى))(١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا محمدٌ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى بشرٍ ، عن سعيدِ بنِ جُبيرِ: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ من قولِه: (( تلك الغرانيقُ العلى ، وإن شفاعتَهن تُرتجى )). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَتٍِ مِّنْهُ﴾. قال: مما جاء به إبليسُ، لا يخرجُ من قلوبهم ، زادهم ضلالةٌ(٣) . وقال آخرون: بل هى من ذكرٍ سجودٍ النبيِّ عٍَّ فى ((النجم)). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا عبدُ الصمدِ ، قال : ثنا شعبةُ ، قال : ثنا أبو بشرٍ ، عن (١) تقدم تخريجه فى ص ٦١٢. (٢) فى ص: ((جاءك)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/٤ إلى ابن أبى حاتم. ٦١٥ سورة الحج: الآية ٥٥ سعيدِ بن جُبيرِ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾. قال: فى مريةٍ من سجودِك . وقال آخرون : بل هى من ذكرِ القرآنِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريج: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾. قال: من القرآنِ(١). وأولى هذه الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال: هى كنايةٌ من ذكرِ القرآنِ الذى أحكَم اللهُ آياتِه. وذلك أن ذلك من ذكرٍ قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أقربُ منه من /ذكرِ قوله: ﴿فَيَنَسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى ١٩٣/١٧ الشَّيْطَانُ﴾. والهاءُ من قولِه: ﴿ أَنَّهُ﴾ من ذكرِ القرآنِ ، فإلحاقُ الهاءِ فى قولِه : ﴿فِي مِنْيَةٍ مِّنْهُ﴾ بالهاءِ من قولِه: ﴿ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ أولى من إلحاقِها بـ﴿مَا﴾ التى فى قولِه: ﴿مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾ مع بُعدِ ما بينَهما . وقولُه: ﴿حَّى تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾(٢). يقولُ: لا يزالُ(٣) هؤلاء الكفارُ فى شكٌّ من أمرٍ هذا القرآنِ إلى أن تأتيهم الساعةُ بغتةً ، وهى ساعةُ حشرِ الناسِ لموقفٍ الحسابِ ، ﴿بَغْتَةً﴾. يقولُ: فجأةً، ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾. واختلف أهلُ التأويلِ فى هذا اليومِ أَىُّ يومٍ هو ؛ فقال بعضُهم: هو يومُ القيامةِ. (١) تقدم تخريجه فى ص ٦١٢ . (٢) بعده فى ص، ت ١، ف: ((بغتة)). (٣) فى ف: (( تزال)). ٦١٦ سورة الحج : الآية ٥٥ : ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا شيخٌ من أهلِ خراسانَ من الأزدِ يُكنى أبا ساسانَ، قال: سألتُ الضحاكَ عن قولِه: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال : عذابٌ يومٍ لا ليلةً له(١). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبى حمزةَ ، عن جابرٍ ، عن عكرمةَ ، أن يومَ القيامةِ لا ليلةً له(٢) . وقال آخرون : بل عُنى به يومُ بدرٍ. وقالوا: إنما قيل له: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾؛ أنهم لم يُنظَروا إلى الليلِ، فكان لهم عقيمًا . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةً، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿عَذَابٌ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. يومُ بدرٍ (). حدَّثْنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿أو يَأْنِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾. قال ابنُ نجريج: يومٌ ليس فيه [٤٢٧/٢ ظ] ليلةٌ ، ثُم يُناظَروا إلى الليلِ() . (١) فى م، ت ٢: (( بعده)). والأثر أخرجه ابن عدى فى الكامل ٢٧٤٨/٧ من طريق هشيم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/٤ إلی عبد بن حميد وابن أبى حاتم . (٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٣٩٦، وابن كثير فى تفسيره ٤٤٣/٥. (٣) ينظر تفسير ابن كثير ٤٤٢/٥. (٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٩٦/٥ . ٦١٧ سورة الحج : الآية ٥٥ قال مجاهدٌ : عذابٌ يومٍ عقيمٍ(١). قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو ◌ُميلةَ، عن أبى حمزةَ، عن جابرٍ، قال: قال مجاهدٌ : یومُ بدٍ . حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا أبو إدريسَ، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن رجلٍ، عن سعيد بن جبيرٍ فى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: يومُ بدٍ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً قولَه : ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: هو يم ، رٍ. ذكَره عن (أُبىّ بنِ كعبٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً فى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: هو يومُ بدرٍ. عن أُبىّ بنِ (٥) كعبٍ (). وهذا القولُ الثانى أولى بتأويل الآيةِ؛ لأنه لاوجهَ لأن(١) يُقالَ: لا يزالون فى مريةٍ منه حتى تأتيَهم الساعةُ بغتةً، أو تأتيهم الساعةُ؛ وذلك أَن الساعةَ هى يومُ القيامةِ . فإن كان اليومُ العقيمُ أيضًا هو يومَ القيامةِ ، فإِنما معناه ما قلنا من تكريرٍ ذكرٍ الساعةِ مرتين باختلافِ الألفاظِ ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحّهما معنًى وأشبمُهما بالمعروفِ فى الخطاب، وهو ما ذكرنا من (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((عظيم)). (٢) ينظر تفسير القرطبى ٨٧/١٢. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٤ - ٤) فى ت ٢: ((بن أبى)). (٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/٤ إلى ابن مردويه. (٦) بعده فى ت ٢: ((لا). ٦١٨ سورة الحج : الآيات ٥٥- ٥٨ معناه . ١٩٤/١٧ /فتأويلُ الكلام إذن : ولا يزالُ الذين كفَروا فى مريةٍ منه حتى تأتيَهم الساعةُ بغتةً ، فيصيروا إلى العذابِ الدائمِ، أو يأتيهم عذابُ يومٍ عقيمٍ لهم، فلا يُنظَروا فيه إلى الليلِ، ولا يُؤخّروا فيه إلى المساءِ، لكنهم يُقتلون قبلَ المساءِ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا ٥٦ ٥٧ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ يقولُ تعالى ذكره : السلطانُ والمُلكُ إذا جاءت الساعةُ للهِ وحدَه لا شريكَ له ، ولا ينازعُه يومئذٍ منازٌ. وقد كان فى الدنيا ملوكٌ يُدعَون بهذا الاسم، ولا أحدَ يومئذٍ يُدعَى ملكًا سواه، ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمَّ﴾. يقولُ: يفصِلُ بين خلقِه المشركين به والمؤمنين ؛ فالذين آمنوا بهذا القرآن ، وبمن أنزله ، ومن جاء به ، وعمِلوا بما فيه من حلالِه وحرامِه، وحدودِه وفرائضِه ، فى جناتِ النعيمِ يومَئذٍ ، والذين كفروا باللهِ ورسوله(١) ، وكذّبوا بآياتٍ كتابِهِ وتنزيلِه، وقالوا : ليس ذلك من عندِ اللهِ ، إنما هو إفكّ افتراه محمدٌ ، وأعانه عليه قوم آخرون، ﴿فَأَوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ . يقولُ : فالذين هذه صفتُهم لهم عندَ اللهِ يومَ القيامةِ ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. يعنى: عذابٌ مذلِّ فی جهنمَ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَتْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنَّأْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ يقولُ تعالى ذكرُه: والذين فارَقوا أوطانَهم وعشائرَهم، فتركوا ذلك فى (١) فى ت ٢: (( رسله)). ٦١٩ سورة الحج : الآيتان ٥٨، ٥٩ رضا اللهِ وطاعتِهِ وجهادِ أعدائِه، ثم قُتلوا أو ماتوا وهم كذلك، ليرزقَنَّهم اللهُ يومَ القيامةِ فى جناتِه رزقًا حسنًا. يعنى بالحسنِ الكريمَ، وإنما يعنى بالرزقِ الحسنِ الثوابَ الجزيلَ، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ﴾. يقولُ: وإن اللهَ لهو خيرُ من بسط فضلَه على أهلٍ طاعته وأكرمهم. وذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت فى قومٍ من أصحابٍ رسولِ اللهِ عَ لِّ اختلفوا فى حكمٍ من مات فى سبيلِ اللهِ؛ فقال بعضُهم : سواء المقتولُ منهم والميتُ . وقال آخرون: بل المقتولُ أفضلُ. فأنزل اللهُ هذه الآيةَ على نبيّه مَّهِ، يُعلِمُهم استواءَ أمرٍ الميتِ فى سبيلِه والمقتولِ فيها فى الثوابٍ عندَه . وقد حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُّ وهبٍ، قال: أخبرنى عبدُ الرحمنِ بنُ(١) شُريحٍ، عن سَلامانَ بنٍ عامٍ ، قال: كان فَضالةُ بُرُودِسَ(٢) أميرًا على الأرباعِ، فخرَج بجنازتَى رجلين ؛ أحدُهما قتيلٌ ، والآخر متوقَّى ، فرأى مَيلَ الناسِ مع جنازةٍ القتيلِ إلى حفرتِه، فقال: أراكم أيها الناسُ تميلون مع القتيلِ، وتفضِّلونه /عن أخيه ١٩٥/١٧ المتوفَّى، فوالذى نفسى بيدِه، ما أبالى من أىِّ حفرتيهما بُعثتُ، اقرَءوا قولَ اللهِ تعالى: ﴿ وَالَِّينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾(١). القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ (١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف. وينظر تهذيب الكمال ١٦٧/١٧. (٢) رُودِس جزيرة فى البحر المتوسط شمال الإسكندرية غزاها المسلمون فى زمن معاوية رضى الله عنه. معجم. البلدان ٢/ ٠٨٣٢ (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٤٤/٥ عن المصنف. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره، كما فى تفسير ابن كثير من طريق سلامان بن عامر به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٩/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . ٦٢٠ سورة الحج : الآيتان ٦٠،٥٩ ٥٩ تَعَلِيمٌ حَلِيمٌ يقولُ تعالى ذكره : ليُدخِلَنَّ اللهُ المقتولَ فى سبيلِه من المهاجرين والميتَ منهم ﴿ ◌ُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾. وذلك المُدخَلُ هو الجنةُ، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ ﴾ بمن يهاجرُ فى سبيلِه ممن يخرجُ من دارِهِ طلبَ الغنيمةِ، أو عَرَضٍ من عرضِ الدنيا ، ﴿ حَلِيمٌ﴾ عن عُصاةٍ خلقِه، بتركِه معاجلتَهم بالعقوبةِ والعذابِ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُفِىَ ج ٦٠ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ ذَلِكَ﴾: لهذا، لهؤلاء الذين هاجروا فى سبيلِ اللهِ ثم قُتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك أيضًا، أن الله يعِدُهم النصرَ على المشركين الذين بغَوا عليهم فأخرَجوهم من ديارِهم. كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ فى قوله: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ . قال: هم المشركون بغَوا على النبىِّ عَ لَّم(١)، فوعَده اللهُ أن ينصُرَه، وقال فى القِصاصِ أيضًا(١). وكان بعضُهم يزعُمُ أن هذه الآيةَ نزَلت فى قومٍ من المشركين لقُوا قومًا من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، وكان المسلمون يكرهون القتالَ يومئذٍ فى الأشهرِ الحرم، فسأل المسلمون المشركين أن يكفُّوا عن قتالِهِم من أجلِ حرمةِ الشهرِ ، فأتى المشركون ذلك، وقاتلوهم فبغَوا عليهم، وثبت المسلمون لهم، فتُصروا عليهم ، (١) بعده فى ت ١، ف: ((فأخرجوه)) . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٩/٤ إلى ابن المنذر. (٣) هو مقاتل، وقوله هذا عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٩/٤ إلى ابن أبى حاتم .